مقدمة

شهدت محافظة السويداء، ابتداءً من يوم الأحد 7 حزيران/ يونيو الجاري، احتجاجات وتظاهرات شعبية، استمرت أيامًا عدة، متحدية سطوة النظام وأجهزته وشبيحته، نددت بالأوضاع المعيشية الصعبة وبالفساد، وطالبت برحيل النظام السوري وبخروج المحتلّين الروسي والإيراني من سورية، كما رفعت شعارات حيّت فيها الشهيد عبد الباسط الساروت، في الذكرى الأولى لاستشهاده.

وأتت هذه التظاهرات امتدادًا لحملة سابقة، أطلق عليها الناشطون “بدنا نعيش“، وهي تتزامن مع حالة تردٍ غير مسبوق في الواقع الاقتصادي والمعيشي والخدمي، تشهدها المحافظة وجميع مناطق سورية الخاضعة لسيطرة نظام الأسد، مع ارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية، من جراء فشل حكومة نظام الأسد وفقدانها القدرة على مواجهة تدهور سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي، حيث وصلت قيمة الليرة إلى 3200 ليرة سورية لكل دولار أميركي واحد، وذلك قبل أيام قليلة من سريان مفاعيل قانون قيصر، الذي دخل عمليًا حيّز التنفيذ في 17 حزيران/ يونيو 2020، في ظل انهيار اقتصادي ومالي يعانيه نظام الأسد، دفعه إلى إقالة رئيس حكومته عماد خميس في 11 حزيران/ يونيو الجاري.

المتظاهرون حمّلوا النظام السوري وفساد مؤسساته وسياسته القمعية مسؤوليةَ ما آلت إليه الأوضاع في سورية، من انهيار اقتصادي لم تشهده البلاد عبر التاريخ، إضافة إلى الدمار الواسع الذي لحق بالبنى التحتية نتيجة إصرار نظام الأسد على الحل الأمني والعسكري، منذ بداية الثورة السورية في آذار/ مارس 2011.

ومع تكرار خروج التظاهرات لأيام متوالية، وانضمام ناشطين من الجولان السوري المحتل إلى التظاهر، في قرية مجدل شمس؛ استشعر نظام الأسد خطورة هذا الحراك، فتصدى للمتظاهرين في يوم الاثنين 15 حزيران/ يونيو، بالقمع واعتقل عددًا منهم.

نقاط توصيفية لوضع السويداء قبل الحراك

– تشهد السويداء تململًا مجتمعيًا، كردة فعل على الأحوال المعيشية الصعبة التي تمرّ بها المحافظة وعموم المناطق الخاضعة لسيطرة لنظام الأسد، بسبب تفشي الفساد وسوء إدارة النظام للبلاد.

– يستشعر السوريون عامة مخاطر جدية من تداعيات معيشية أقسى، على إثر موجة جديدة محتملة من انخفاض قيمة العملة السورية في مقابل الدولار الأميركي، بعد دخول العقوبات المفروضة على نظام الأسد وحلفائه بموجب قانون قيصر، ورسوخ قناعة تتسع لدى السوريين تربط بين بقاء النظام واستمرار تردي الأوضاع المعيشية ووصولها إلى حد الجوع، في ظل عجز روسيا وإيران عن إنقاذ النظام اقتصادياً جراء وقوعهما تحت طائلة العقوبات، والصعوبات الاقتصادية التي يعانيها البلدان داخليا.

–  شكلت مأساة مقتل 15 شابًا من السويداء، معظمهم من ميليشيا “الدفاع الوطني” المؤيدة للأسد، في صدام مسلح في قرية “القريا” مع قوات فصيل “أحمد العودة” التابع للفيلق الخامس المدعوم من روسيا، في 27 آذار/ مارس الماضي، حالة صدمة في صفوف أهالي السويداء، لما يحمله الحادث من دلالات على أن النظام هو الراعي الرئيس لهذا الموت وسببه.

–  يحمّل أهالي السويداء الأجهزة الأمنيّة التابعة لنظام الأسد وميليشيا “حزب الله” اللبناني مسؤوليةَ تفشي نشاط عصابات الخطف والاتجار بالمخدرات في محافظة السويداء، وما نتج عنه من حوادث أمنية، كادت أن تتحول إلى صدامات مسلحة أهلية واسعة في مرات عديدة، خاصة في ظل تغوّل ما يعرف بالشبيحة في الحياة العامة والخاصة، وازداد الانفلات الأمني، والأخلاقي، مع ازدياد حاملي السلاح من فئة الشبيحة المنضويين تحت تشكيلات متنوعة، تشترك جميعها في إثارة البلبلة والخطف والقتل وتهديد حياة الناس.

–  ازدياد الغضب الشعبي في السويداء من نشوب حرائق ضخمة أتت على محاصيل زراعية في مساحات واسعة أكبرها في محمية الضمنة، حيث احترقت آلاف الأشجار المثمرة، وتداول الأهالي أنها حرائق مفتعلة، بقصد تجويع المحافظة ودفع أهلها إلى تغيير مواقفهم الرافضة تجنيد أبنائهم في جيش الأسد بمواجهة المعارضة. وما زالت هذه الحرائق تمتد لتصل إلى المحاصيل الموسمية وقوت الفقراء.

–  يستشعر أهالي المحافظة مخاطر ضغوط أمنية قادمة من قبل نظام الأسد وحلفائه، لإجبار شبان السويداء المتخلفين عن الخدمة العسكرية على الالتحاق بصفوف جيش الأسد، بعد سنين من رفضهم قتال أبناء شعبهم في المدن الثائرة.

ثورية الحراك في السويداء

لا يمكن النظر إلى حراك معظم المحتجين في السويداء، بمعزل عن الأثر التراكمي للثورة السورية ومطالبها وأهدافها، فالحراك الثوري في السويداء يبدو محمولًا على مطالب معيشية، لكنه متسق مع حراك السوريين الثوري عامة، ولا سيّما من حيث خطابه الوطني وهتافاته وشعارات ناشطيه وعامل المفاجأه فيه، ومطالبهم برحيل النظام السوري وأركان حكمه، وهذا ما تؤكده الشعارات التي رُفعت في تظاهرات السويداء، إضافة إلى أن جُلّ من كان حاضرًا في التظاهرات هم معارضون سياسيون للنظام السوري، إضافة إلى مجموعة كبيرة من الناشطين الشباب، وعلى الرغم من أن التظاهرات قد تبدو لكثيرين أنها اقتصادية ومعيشية المنشأ، فإنها في العمق تحمل مطالب سياسية متسقة مع الخيار السياسي للشعب السوري، في إسقاط النظام، ولكنها اتخذت من هذه المشروعية المطلبية ما يشبه حصان طروادة للوصول إلى الساحات.

وبالنظر إلى الأثر الكبير الذي تركته ظاهرة “رجال الكرامة”، ونهج قائدها ومؤسسها الراحل الشيخ وحيد البلعوس، في الوعي الوطني لدى أهالي السويداء، وما نتج عن موقف الحركة الصلب من وقف محاولات مؤيدي نظام الأسد في المحافظة لسوقها إلى مواجهة أبناء شعبهم، فإن الحراك الاحتجاجي الأخير يبدو منسجمًا مع الوعي الجمعي الذي يحمّل نظام الأسد مسؤولية كارثة مواجهة الثورة السورية بالقمع والقتل، ودمار البلاد وتجويع أهلها.

رسالة الحراك في السويداء وموقف النظام السوري

وجّهت محافظة السويداء (ذات الأغلبية الدرزية)، من خلال التظاهرات الأخيرة المطالبة برحيل النظام السوري وحلفائه، الإيرانيين والروس، رسالةً واضحةً ومباشرةً للنظام السوري ومناصريه أولًا، وإلى المجتمع الدولي أيضًا، مفادها أن النظام السوري الذي طالما ادّعى حماية الأقليات، أصبح خطرًا عليها، وبات رحيله شرطًا للحياة، فالحملة التي حملت شعار “بدنا نعيش” تنطوي على معنى واضح بأن هذا النظام يقود البلاد إلى الموت.

هذه الرسالة يفهمها نظام الأسد جيدًا، ويخاف من تداعياتها، ولطالما تعامل مع التظاهرات والوقفات الاحتجاجية التي حدثت في السويداء بمستوى عنف أقلّ، قياسًا بالعنف الذي مارسه ولا يزال تجاه المحافظات السورية الأخرى، بفعل حذره الشديد من تداعيات أي عمل عنفي شديد الأثر ضد أهالي وناشطي السويداء التي تُعرف بمستوى عال من الترابط العائلي، وبخصوصية واقعها، اجتماعيًا ودينيًا، المربك لأي تحرك أمني غير مدروس.

وإذا كان النظام السوري لا يستطيع أن يُطلق على متظاهري السويداء اتهامات بالتطرف وبأنهم (إخوان) و(سلفيون جهاديون)، أو دواعش، ولا يستطيع القول إن تظاهراتهم قد خرجت من المساجد، كما دأب أنصاره على تكرار هذه “التهمة” بحق ثوار المحافظات السورية الأخرى؛ فإن نظام الأسد لن يتردد في استعمال أدوات أمنية أخرى، بمواجهة المحتجين في السويداء، مخاطرًا بصدام أهلي لطالما سعى أهالي السويداء لتجنب تداعياته، وهو ما لجأ إليه فعليًا، في تظاهرة يوم 15 حزيران/ يونيو الجاري، حيث حشد جمعًا من مؤيديه، ليعتدوا -بمشاركة قوات أجهزته الأمنية- على المتظاهرين، ووصفهم بالخونة والعملاء لـ “إسرائيل”، واعتقل 9 ناشطين منهم، بحسب ناشطي محافظة السويداء .

وكما فعل في مدن عدة، تتميز بوجود أقليات بين سكانها، عمد النظام السوري، عبر أجهزته الأمنية والنقابات التابعة له، إلى تهديد الموظفين من أجل القيام بمسيرات مؤيدة له، وإلى إنذار كل من يتخلف عن الحضور بالفصل والعقوبات، وهذا ما أكده كلام وفاء عفلق (رئيسة فرع الاتحاد الوطني لطلبة سورية في السويداء)، في تسجيل صوتي لها تطالب فيه الموظفين والمدرسين والطلبة بالخروج بشكل إجباري بمسيرات مؤيدة لنظام الأسد، بل وصل الأمر إلى تهديدها الطلبة بالفصل النهائي من الجامعة، في حال التخلف، وعلى الرغم من كل هذه التهديدات التي قام بها شبيحة الأسد في محافظة السويداء، فإن زخم المسيرات المؤيدة له لم يكن كبيرًا.

وفي السياق ذاته، برزت أصوات من مؤيدي نظام الأسد تحاول تأليب الأهالي في السويداء ضد المتظاهرين، وتحذر من أنهم سيجلبون الفوضى والدمار للسويداء، كما حدث في بقية المحافظات، إضافة إلى أنه أشاع بين الأهالي أن هناك حالات كثيرة وصلت إلى مشافي السويداء لمصابين بمرض كورونا Covid19 بالتزامن مع إطلاقه إشاعات تُفيد بأن الدواء بدأ ينفد من الصيدليات الموجودة في المحافظة.

وكذلك عاودت أصوات مؤيدة لنظام الأسد التحذير والتهديد بورقة تنظيم (داعش)، في محاولة لقمع أي نشاط ثوري معارض، والتلويح بذكريات مؤلمة لعمليات الخطف والقتل التي قام بها تنظيم (داعش) الإرهابي ضد المدنيين، خصوصًا في ظل استمرار مرابطة خلايا نائمة للتنظيم على تخوم محافظة السويداء، بعد نقل النظام السوري مجموعات كبيرة من مقاتلي التنظيم إلى المناطق القريبة من بادية السويداء، خلال السنوات الماضية، من مناطق وجودها سابقًا في ريف دمشق.

وتداول بعض أنصار نظام الأسد، على مواقع التواصل الاجتماعي، روايات عمليات حرق المحاصيل المنسوبة إلى (جهات مجهولة)، في محاولة لتخويف الأهالي من العقاب القاسي الذي سيستهدف قُوت المدنيين ومصدر دخلهم. وعاود مقربون من نظام الأسد في المحافظة التحذير من أن استمرار الاحتجاجات قد يؤدي إلى انفلات أمني واسع وصدام أهلي مجتمعي، في ظل وجود مجموعات مسلحة في السويداء، تحت مسمى “الدفاع الوطني”، وغيرها من العصابات المسلحة المدعومة من الأجهزة الأمنية وجيش الأسد والميليشيات الإيرانية، مارست سابقًا عمليات خطف وسلب وسرقة وقتل، وخلق توترات أمنية، قد تعود لتؤجج الأوضاع الأمنية ضمن محافظة السويداء أولًا، ومع عصابات وفصائل وأهالي محافظة درعا المجاورة للسويداء ثانيًا.

وهكذا أثبت النظام السوري مجددًا أنه غير قابل للتعلّم والتغير، وأن طريقة تعامله مع الاحتجاجات الشعبية السلمية لم تتغير، على الرغم من كل الويلات والمآسي والدمار الذي شهدته سورية خلال السنوات الماضية التي تلت انطلاق الثورة السورية.

وربما يضاف إلى ذلك رسالة، هي غاية من الأهمية، مفادها أن طريقة النظام في التفريق المناطقي والتفاوض والتعامل مع كل منطقة بشكلٍ مستقل، هي طريقةٌ هشة أمام إرادة السوريين المشتركة. فالاحتضان الوطني الذي استقبل به السوريون حراك السويداء يؤكد أن الكلمة الفصل في وحدة سورية لإرادة السوريين وخياراتهم الحرة، وأنها على رأس أولويات الشارع السوري الممتد ما إن يمنح فرصةً للتعبير عن وعيه الجمعي.

موقف “رجال الدين”.. غموض غير بنّاء

كان الموقف المُجمع عليه، ضمن رجال الدين الدروز في محافظة السويداء، هو حماية شباب الطائفة الدرزية من القتل والاعتقال، إضافة إلى موقفهم الواضح الرافض لالتحاق شباب المحافظة بجيش النظام السوري، في الفترة التي تلت انطلاقة الثورة السورية. وبقي هذ الموقف موحدًا إلى درجة كبيرة حتى العام 2015، حيث أودى تفجير استهدف موكب مؤسس حركة “رجال الكرامة” بحياة الشيخ وحيد البلعوس، وتوجهت أصابع الاتهام بالتفجير إلى أجهزة المخابرات التابعة للنظام السوري، بسبب رفض البلعوس تجنيد شباب الطائفة الدرزية في جيش النظام السوري.

بعد حادثة القتل هذه؛ فضّل بعض رجال الكرامة ومشايخ العقل الوقوف على الحياد، وهو ما تسبب بانقسام في المواقف، لكن تشكيل فصيل قوات “شيخ الكرامة” أتى ليعزز موقف أبناء المحافظة الرافض للتجنيد، فضلًا عن الوقوف بوجه عمليات الخطف والقتل التي تشهدها المحافظة، من حين إلى آخر، على الرغم من النكسات والانشقاقات والاختراقات الأمنية التي تعرضت لها الحركة.

وقوف رجال الكرامة على الحياد، ورفضهم الانخراط في الصراع الدائر في سورية، إضافة إلى رفضهم مؤازرة قوات النظام السوري في حملته العسكرية ضد قوات المعارضة السورية في محافظة درعا في العام 2018، أثار غضب روسيا التي سارعت إلى اتهام “قوات شيخ الكرامة” بأنه تنظيم “إرهابي”؛ الأمر الذي رفضه أغلب رجال الكرامة في محافظة السويداء، من خلال بيان نشر على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّروا فيه عن رفضهم رفع السلاح في وجه أي سوري، وبأنه ليس من حق دولة محتلة وراعية للإرهاب أن تصف من حمل السلاح دفاعًا عن أرضه وعرضه بالإرهاب، كما أكدوا ثباتهم على موقفهم “الحياد الإيجابي” رافضين الانخراط في الصراعات الداخلية بين أبناء البلد الواحد، متمسكين بالشعار الذي كان يردده الشيخ وحيد البلعوس: “دم السوري على السوري حرام”.

في الوقت الحالي، إلى الآن، لم يصدر عن رجال الدين أي موقف رسمي حول الحراك الأخير، خصوصًا في ظل إصرار الناشطين في السويداء على مواصلة التظاهرات المطالبة برحيل الأسد وخروج الاحتلالين الروسي والإيراني، ويثير هذا الموقف الغامض والسلبي قلق ناشطي السويداء، ويفتح المجال واسعًا أمام تحرك عنفي مدروس ومحدود لمؤيدي الأسد بمواجهة المحتجين، وهو ما حصل بالفعل حتى الآن.

الحراك السوري في الجولان المحتل

في أكثر من مناسبة، أكد أهالي الجولان المحتل أنهم جزء أصيل من المجتمع السوري، وشهدت الأشهر الأولى من الثورة السورية تحركًا محدودًا في الجولان مؤيدًا للثورة، ولكن هذه المرة يبدو أن عددًا أكبر من ناشطي الجولان المحتل قرّر التعبير العلني الواضح عن دعمهم للحراك الثوري في وطنهم الأم، وتميزت الشعارات التي رفعها ناشطو الجولان في قرية مجدل شمس، في 13 حزيران/ يونيو الجاري، بشعارات طالبت نظام الأسد بالرحيل، وأخرى سخرت من ادعاءاته مقاومة الاحتلال الصهيوني، كما هتفوا تضامنًا مع المحافظات السورية الأخرى، كالسويداء ودرعا وإدلب، مؤكدين أن الشعب السوري واحد، وأن انتماءهم إلى سورية أمرٌ لا جدال فيه، مؤكدين في الوقت نفسه أن نظام الأسد والاحتلال الإسرائيلي وجهان لعملة واحدة.

وعبّر ناشطون من الجولان السوري المحتل عن قناعتهم بأن لا إمكانية لتحرير الجولان، من دون تحرير الوطن الأم من نظام الاستبداد. وبرزت شعارات لافتة في تظاهرة الجولان تطالب بإخراج المعتقلين السوريين من سجون المخابرات السورية، وبالإفراج عن معتقلي الجولان من سجون الاحتلال الإسرائيلي، في إشارة إلى تساوي الدكتاتور والمحتل في الإجرام.

موقف قوى الثورة والمعارضة السورية

شهد حراك السويداء دعمًا واضحًا من قبل قوى الثورة والمعارضة السورية، وتفاعل ناشطو الثورة السورية ووسائل إعلامها بشكل إيجابي مع تظاهرات السويداء، حيث خرجت عشرات التظاهرات في مناطق متفرقة، في حلب وإدلب ودرعا ودير الزور، دعمًا للاحتجاجات الأخيرة المناوئة لنظام الأسد وحلفائه في محافظة السويداء، كما صدرت عن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة دعوات للتظاهر دعمًا لحراك السويداء، تحت شعار (لا بديل عن التغيير لتحقيق مطالب شعبنا)، في حين وجه الشيخ أحمد الصياصنة، أحد قادة ورموز الحراك الثوري في درعا، كلمةً حيّا فيها حراك شبان السويداء الثوري، وشكر فيها مواقف أهالي السويداء الأصيلة، مؤكدًا أن “موقف أحرار السويداء ليس بجديد على أهالي السويداء، وهم أحفاد سلطان باشا الأطرش”، كما شكر لهم رفضهم الانضمام إلى جيش النظام السوري الذي شارك في عمليات القتل والتدمير ضد أبناء الشعب السوري، بعد انطلاق الثورة السورية في العام 2011.

وعلى الرغم من ظهور أصوات بين ناشطي السويداء تتخوف من ربط حراكهم بالثورة وقوى المعارضة السورية، فإن احتضان قوى الثورة ودعمها لحراك السويداء يعكس وعيًا وطنيًا ناضجًا بوحدة المصير السوري، ويعزز الآمال بقدرة السوريين على إعادة البناء المجتمعي، حال رحيل نظام الاستبداد والفساد وزوال مسببات الشقاق والمخاوف التي خلفتها ممارساته القمعية والتمييزية، والتخلص من القوى الظلامية والعنصرية والميليشيات الطائفية التي ما كانت لتظهر في سورية لولا وجوده.

خيارات شباب الحراك الثوري

في أعقاب قمع تظاهرة يوم الاثنين 15 حزيران/ يونيو الجاري، يقف حراك السويداء أمام مفترق طرق، ويحبس الناشطون والأهالي أنفاسهم، بانتظار ما ستفضي عنه محاولات محلية للإفراج عن معتقلي السويداء، حيث جمّد ناشطو السويداء حراكهم وعلقوا تظاهراتهم، بناء على طلب وجهاء المحافظة، إفساحًا في المجال لمفاوضات تهدف إلى إطلاق سراح معتقلي التظاهرات، فيما تبدو أجهزة نظام الأسد الأمنية ذاهبة نحو مزيد من التعنت في هذه القضية.

وتبدو احتمالات مصير الحراك مفتوحة، في ضوء الحديث عن محادثات واجتماعات عسكرية وأمنية متواصلة، بين وجهاء المحافظة وممثلين عن نظام الأسد وروسيا، تتخللها ضغوط ومساومات من أجهزة أمن نظام الأسد، للحصول على تعهدات بوقف التظاهرات، مقابل الإفراج عن المعتقلين، كما ظهرت أنباء عن مساومات أخرى، طالبت من خلالها أجهزة الأمن بعدم رفع علم الثورة وعدم التعرض لرأس النظام، مقابل التغاضي عن تظاهرات ذات طابع مطلبي، وفي كل الأحوال، لم تفضِ جولات اللقاءات عن شيء حتى الآن، ويبرز من هذه الاحتمالات ما يلي:

  1. تعنّت أجهزة أمن نظام الأسد، ورفضها الإفراج عن المعتقلين، مع ما يحمله هذا الاحتمال من فرص لعودة التظاهرات بزخم شعبي أكبر، نتيجة استياء مجتمعي من ممارسات نظام الأسد ومؤيديه.
  2. ترتيب تسوية يضغط بموجبها وجهاء السويداء على شباب الحراك لوقف تظاهراتهم وعودة المحافظة إلى وضعها السابق للاحتجاجات، مع وعود بتحسين الخدمات والحد من الملاحقات الأمنية.
  3. دخول روسيا على خط الوساطة للجم اندفاع نظام الأسد في ضغوطه على أهالي السويداء أمنيًا، وربما نتج عن هذا الاحتمال شكل من أشكال تسوية أوضاع المطلوبين للخدمة العسكرية، ومنحهم فترة تأجيل محدودة، على غرار التسويات التي رعتها روسيا في مناطق “خفض التصعيد”، وهو احتمال يعي أهالي السويداء مخاطره، بعد نتائج سيئة أفضت إليها معظم المصالحات التي رعتها روسيا.

أخيرًا:

إن ما شهدته سورية، خلال السنوات الماضية من عمر الثورة السورية، وخاصة خلال الأشهر الأخيرة، وتصاعد نقمة المجتمع السوري في مناطق سيطرة نظام الأسد، على الرغم من كل العنف والقتل والتدمير والتهجير، من قبل النظام وحلفائه وميليشياته تجاه الشعب السوري، يؤكد أن الثورة أحدثت أثرًا عميقًا في الوعي العام، وكشفت للمؤيدين بعد المعارضين أن هذا النظام هو سبب مأساتهم، وأنه غير قابل للإصلاح والاستمرار، وأن بقاءه يعني استمرار موتهم بالقصف والاعتقال والترهيب والتجويع، وأن الحياة الآمنة المستقرة مشروطة برحيله، وبناء دولة لكل السوريين، تساوي بينهم، وتقيم العدالة وتحاسب الجناة، وتضمن حقوقهم وتصون كرامتهم.