ستعقد القمة العربية في الجزائر بتاريخ 1 و 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، تحت مسمى “قمّة لمّ الشمل العربي”، وتشير تسمية هذه القمة إلى مساعي الجزائر لأن تشارك سورية في هذه القمة، ولكن مساعيها ومساعي غيرها من العرب لم تُكلّل بالنجاح، إذ لم يتوفر التوافق العربي على عودة نظام الأسد إلى الجامعة. وكانت الجامعة العربية قد سعت لبناء مسار للحل السياسي في سورية، وقدّمت مبادرتها في مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، وقد تضمنت المبادرة خطة للانتقال السياسي في سورية، وافق النظام عليها شكليًا، بعد مماطلة، ثم عرقل تنفيذها فعليًا، مما دفع الجامعة إلى تعليق عضوية سورية في الجامعة اعتبارًا من 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، مع فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على النظام السوري، وذلك إلى حين التزام الحكومة السورية بتنفيذ بنود المبادرة العربية. ولم يُنفذ نظام الأسد، حتى اليوم، أيًّا من تلك البنود.

خلال السنوات ما بين 2011 و2022، تغيّرت حكومات وأنظمة عربية، كما تغيّرت مواقف أنظمة وحكومات عربية أخرى، تجاه الأسد ونظامه وإعادة تأهيله. ولكن المواقف ما زالت متباينة، ولا يتوفر إجماع عربي، وهناك ستة من القادة العرب لن يشاركوا في القمة، وسيرسلون من ينوب عنهم، ولا يتوقع أن يصدر عن القمة شيء يختلف عمّا صدر عن قمم سابقة، لمنظمة كبيرة مترهلة تتسم بعدم الفاعلية لم تستطع أن تلعب أي دور في الحرب الأهلية السورية، ولا في أي بلد عربي شهد أو يشهد صراعًا.

تتباين دوافع كل دولة عربية تجاه الأسد ونظامه، وتختلف مواقفها تبعًا لمسارات متعرجة، تحكمها المصالح والمساومات والتخوفات:

1 – دول تخضع حكوماتها لنفوذ إيران، مثل لبنان والعراق، ومواقفها تتحدد إلى حد بعيد بتعليمات إيران، وإن كانت حكومة العراق تخضع لضغط أميركي يؤثر في قرارها، كما يؤثر في قرار غيرها من بلدان عربية.

2- دول من دعاة التطبيع، وأغلبها من حكومات الدول التسلطية الشبيهة بالنظام السوري (السودان، الجزائر، مصر، تونس)، وإن كانت مصر لم توافق في العلن على عودة النظام للجامعة، مراعاة للموقف الأميركي. ولسان حال هذه الدول هو الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذي قال، في مقابلة مع وكالة الأنباء الجزائرية في أواخر تموز/ يوليو الماضي، متجاوزًا كل ما عاناه الشعب السوري: إنّ وجود النظام السوري خلال القمة العربية القادمة سيكون طبيعيًا من الناحية القانونية، على اعتبار أنّ سورية أحد المؤسسين لجامعة الدول العربية، لكن من الناحية السياسية لا تزال الخلافات قائمة. في إشارة منه إلى ضرورة الإجماع العربي على عودة النظام السوري. وبالرغم من محاولات النظام السوري إعادة علاقاته مع الدول العربية وحضور قمة الجزائر، فإنّ وزير خارجية النظام، فيصل المقداد، أعلن -في محاولة لحفظ ماء الوجه- عدم رغبة النظام في العودة إلى مقعد سورية في جامعة الدول العربية، وفي حضور قمة الجزائر.

3- دول تعاني ضغط اللاجئين السوريين، مثل الأردن ولبنان، إذ إن كلا البلدين يشكو من ضغط نحو مليون لاجئ سوري، ولكل منهما مصالح اقتصادية في رفع العقوبات عن النظام وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار. وتقوم حكومة لبنان بإكراه اللاجئين السوريين على العودة إلى سورية، مدعية أن عودتهم “طوعية”، وكان الأردن طرح مبادرته الأولى لفتح الطريق للتطبيع مع النظام، ومن ثم عودته إلى الجامعة العربية، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، التي سُميت “لا ورقة”، على أساس التحرك وفق مبدأ “خطوة مقابل خطوة”، بالتقاطع مع ما يطرحه مبعوث الأمم المتحدة غير بيدرسون.

وجدّد الأردن مبادرته لوضعها على أجندة القمة العربية في الجزائر، وقد كان وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، قد أعلن، خلال تصريحات أطلقها على هامش مشاركته في اجتماعات الدورة 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة للعام الحالي، وبعد أيام من لقائه وزير خارجية نظام الأسد فيصل المقداد، أنّ بلاده تحشد “لدعم إقليمي ودولي لعملية سياسية يقودها العرب”، في سبيل إنهاء الحرب المستمرة من 11 عامًا. وفي الواقع، لا جديد في هذه المبادرة، إذ إنها تقدّم تنازلات للنظام، مقابل وهم تجاوبه مع الحل السياسي، في سياق اهتمام العالم بتداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا. ويبدو أنّ الأردن واهمٌ في إمكانية تجاوب بشار الأسد مع المبادرة، وإنْ كانت تلقى التأييد من بعض الدول العربية المتوهمة هي أيضًا بإمكانية إبعاد إيران عن التأثير في سورية والأردن، وهذا ما يجعل فرص نجاح المبادرة محدودة.

4- ترى بعض الدول العربية أن التطبيع مع النظام هو السبيل لوقف تدفق المخدرات من سورية إلى أراضيها، وخاصة الأردن ودول الخليج، كما هو الحال مع بعض دول أوروبا. 

5 – دول تدعو إلى الحل السياسي طبقًا لقرار مجلس الأمن 2254، وفي هذا السياق، تحتفظ دول مجلس التعاون الخليجي بوزن سياسي واقتصادي حيوي، وتتمتع بعلاقات متينة مع الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن، وبالدول الفاعلة على الساحة الدولية، مما يتيح لها لعب دور من أجل تفعيل الحل السياسي. ومن تعبيرات هذه الدعوة، ما شهدته القمّة الثنائية القطرية – السعودية التي عُقدت في 9 كانون الأول/ ديسمبر 2021، في ختام زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الدوحة، من تأكيد الجانبين على أهمية الوصول إلى حلّ سياسي للأزمة السورية، وفقًا لإعلان جنيف (1) وقرار مجلس الأمن رقم (2254)، لإنهاء المعاناة الإنسانية للشعب السوري، والحفاظ على وحدة سورية وسلامة أراضيها، ودعم جهود المبعوث الأممي الخاص بسورية.

وقد أكدت الدولتان، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السابعة والسبعين الأخيرة، تمسُّكهما بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، كأساس للحل السياسي في سورية. وكانت دولة قطر قد أعلنت، منذ 6 كانون الأول/ ديسمبر 2021، أنّ أسباب تعليق عضوية سورية في الجامعة العربية لم تتغير، وأنه “لا منطق” لتطبيع العلاقات مع النظام السوري، في الوقت الحالي.

ومما يلفت الانتباه أنّ القاهرة باتت تعارض عودة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية، لتنضم بذلك إلى الموقفين السعودي والقطري، ويُعدّ هذا الأمر “تحولًا في موقف القاهرة، بعد أن كان رئيس الاستخبارات المصرية، عباس كامل، يقود العمل لدعم عودة سورية إلى الجامعة منذ عام 2020”.

ولا شك في أنّ هذا التوجه يتأثر بأي خطوة يخطوها النظام السوري، وخصوصًا في سياق تحالفه الوثيق مع النظام الإيراني. وبات واضحًا أنّ الإدارة الأميركية لا تدعم جهود إعادة تأهيل رأس النظام السوري، وتدعو إلى عملية سياسية تمثل إرادة جميع السوريين. وهذا الكلام ما زال هو المرجعية الرسمية في معظم الاجتماعات العربية، لكنّ الخلاف ما بين الدول العربية هو في آلية تنفيذ هذه المرجعية.

يخلق استمرار النظام في تعنته وعدم إبداء أي مرونة، وتبعيته المطلقة للنظام الإيراني، واستمرار سلوكه الوحشي مع الشعب السوري، واستمرار الاعتقال والقمع للمعارضين، يخلق إحراجًا للدول التي تسعى لإعادته إلى الجامعة العربية.

إنّ الأسباب التي أوجبت عزل النظام، عربيًّا، ما تزال قائمة، ولم يستجد أي حدث أو موقف ميداني أو سياسي، يوحي بأنّ الأسد قد غيّر نهجه في مواجهة السوريين، أو أنه أظهر رغبة جدية في التخلي عن الخيارات الأمنية، والتفاعل مع الاشتراطات التي تحيل إليها القرارات الأممية ذات الصلة بالقضية السورية.

النتائج المتوقعة لقمة الجزائر:

يُستبعَد أن تفتح قمة “لمّ الشمل” آفاقًا للتعاطي المجدي مع تحدي الكارثة السورية التي أدت إلى هجرة نصف الشعب السوري خارج بلاده، وتقاسم قوى الأمر الواقع النفوذ في سورية، ويُرجّح أن تقتصر الجلسات على خطب عامة وتسجيل المواقف، انطلاقًا من المصالح الضيقة لكل دولة.

ومن المرجح أن تُطرح المبادرة الأردنية على جدول أعمال القمة العربية، وذلك بعد فشل محاولات بعض الأنظمة العربية إعادة نظام الأسد إلى الجامعة العربية. وستبقى المشكلة هي أنّ المبادرة تفترض تشجيع نظام الأسد على التجاوب معها، عبر قيامه بخطوات، مقابل التطبيع معه والانفتاح عليه، وفق نهج “خطوة مقابل خطوة”، على الرغم من الفشل الذي اعترى المبادرة الأردنية السابقة، حيث لا يوجد أي ضمان بأن يغيّر نظام الأسد سلوكه ونهجه، نظرًا إلى طبيعته وتركيبته الاستبدادية. ويبدو أنّ هدف المبادرات التي تُطرح ليس التوصل إلى حل سياسي من أجل إنهاء الكارثة السورية، بل تحقيق تسوية تراعي مصالح الدول التي تطرحها. وقد تسعى بعض الدول العربية لتضمين البيان الختامي للقمة بندًا عن سورية، يشير إلى المبادرة الأردنية.

وقد تطرح بعض الدول العربية موضوع تشكيل لجنة عربية، تعمل على زيارة الدول الفاعلة في الأزمة السورية، بهدف الإيحاء بعودة الدور العربي إلى الاهتمام بالمسألة السورية من جهة، والتقاطع مع الرغبة الأميركية في استخدام هذا الدور للحد من أدوار روسيا وإيران وتركيا من جهة ثانية، إلا أنّ مصير التوصيات المرتقبة لن يختلف عن مصير ما سبقها من توصياتٍ صادرة عن قمم عربية، إذ بقيت مجرّد حبر على ورق، حتى طواها النسيان أو ناقضها تبدّل المواقف وتغيّرها.

يشكّل الموقف الأميركي والأوروبي، الذي ما زال متمسّكًا بالعقوبات الاقتصادية والسياسية، عاملًا كابحًا وعائقًا في طريق تطبيع العلاقات مع النظام الأسد وعودته إلى الجامعة العربية. لكن الموقف الأميركي الرخو، تجاه خطوات التواصل والتطبيع مع النظام التي تقوم بها بعض الدول العربية والأوروبية ومنظمات الأمم، يُشجّع دعاة التطبيع على المضيّ في محاولاتهم، معتمدين على الزمن وعلى الأمل بأن ما لم يتحقق هذا العام قد يتحقق في العام التالي. وستستمر مساعي المطبّعين، وتدفع روسيا النظام للقيام ببعض الخطوات الثانوية التي تخلق انطباعًا خادعًا بأنها خطوات انفتاح على المجتمع.