في العُرف التقليدي السائد، تُرغم المُغْتَصَبَة على الزواج من مغتصِبها، يزوجونها به عنوة لِلمْلمة الفضيحة، وهذا الزواج في الواقع ليس أكثر من إفلات الجاني من العقاب، بل إنه مكافأة له على فعلته. يتزوجها، ولكنه يظلّ ينظر إليها باحتقار، وكأنها امرأة ملوثة، بالرّغم من أنه هو من لوّث شرفها، ثم يُمضي أيامه معها يضطهدها، وبعد مدة غير طويلة، يُطلّقها لتبقى امرأة ملوثة، في عُرف المجتمع، تُمضي بقية حياتها بهوان وشقاء.

هذه هي الصورة التي تقفز إلى الأذهان، كلما سمعنا أحدًا من الخبراء الدوليين أو السياسيين السوريين يتبجح بالواقعية، ويقول: “على السوريين القبول ببقاء بشار الأسد ونظامه، لأنه لا بديل عنه”.

بشار الأسد تسبب في موت مليون سوري، واعتقل مئات الآلاف، وضرب تجمعات السوريين بالكيمياوي لأكثر من 20 مرة، وارتكب عشرات المجازر، وتسبب في تهجير أكثر من نصف الشعب السوري، ودمّر أكثر من مليون بيت سوري، وألحق الضرر بمليون بيت آخر، وبجزء كبير من المدارس والمشافي والمباني والبنية التحتية، وخرّب الطرقات والأراضي الزراعية، ومزّق المجتمع السوري شرّ تمزيق، فنما التمذهب والتطرف والجريمة المنظمة، ودمّر قدرات البلاد، وفتحها أمام التدخل الأجنبي، حيث أصبح اكثر من 90% من السوريين تحت خطر الفقر، وغير هذه الجرائم كثير. وكل هذا العقاب الجهنمي كان لأن الشعب السوري خرج بالملايين مطالبًا بالتغيير، تغيير سلطة قمعية ونظام غير شرعي، جاء بانقلابات عسكرية وجثم على صدر الشعب السوري أربعة عقود، وقد أورثه الأسد الأب إلى الأسد الابن الذي لم يكن له أي موقع أو دور أو تاريخ سياسي على الإطلاق، ولم يكن له أي خبرة أو مهارة او إنجاز، أورثه حكم سورية وشعبها كما تُورَّث الإبل، نظام انتهى أجله وانتهت صلاحيته، وقد أزفت ساعة ذهابه، وكانت فرصة تاريخية، إذ خرج السوري مطالبًا برحيل هذا النظام، خرج متظاهرًا بتظاهرات سلمية شهدتها سورية على مدى ستة شهور، شملت سورية من أقصاها إلى أقصاها، في تظاهرات فريدة عبر التاريخ، باتساعها وباستمرارها، بالرغم من مواجهتها برصاص بشار الأسد.

ثم تحدّث بشار الأسد، بعد كلّ ما فعله بسورية وشعبها من قتل وتهجير، بأن تركيب المجتمع السوري قد أصبح أفضل. وهو قول لم يسبقه إليه أحد تعليقًا على جرائم قام بها هو ذاته. وسيعامل السوريين، إذا قُيض له البقاء في السلطة، كما يعامل المغتصبْ المغتصبةْ، سيعامله بعداء أكبر من قبل، لأنه يرى أن هذا الشعب السوري قد “تلوّث” بالثورة عليه وعلى نظامه، وهتف “حرية للأبد رغمًا عنك يا أسد”، مقابل شعار “الأسد للأبد” و “الأسد أو نحرق البلد”، وهو الذي يتوهم ذاته أنه مقدّس، وقد فرض على منتسبي الحرس الجمهوري أن يرددوا عبارة “قدّس الله سرّه”، عندما يذكرون اسمه أو اسم والده. نعم سيعامل الشعبَ السوري بعداء أكبر من قبل، وباحتقار أكبر من قبل، ولنا نموذج بما فعله ويفعله مع من أجرى مصالحات معه من الفصائل المعارضة، بضغط من الروس، فهو مستمر في اعتقالهم وحريص على اغتيالهم. وفوق كل هذا هناك من يقول لك: “كن واقعيًا، وتعامل مع وجود بشار الأسد كحقيقة، لأنه البديل الوحيد المتاح”. يريدون أن يضعوا الشعب السوري أمام جلاده، ويُجبروه على الزواج من مغتصبه!

إن القبول ببقاء بشار الأسد في السلطة، بعد كل ما فعله، ليس إفلاتًا من العقاب وحسب، بل هو مكافأة له ولقادته على جرائمهم غير المسبوقة في التاريخ الحديث التي اقترفوها بحق سورية وشعبها، بل إنه أكثر من ذلك هو إدامة لعذابات الشعب السوري إلى أجل غير مسمى؛ لأن بشار الأسد يخطط مع زوجته وزمرة قيادته -بدعم مطلق من إيران وروسيا- لتوريث السلطة إلى ولده حافظ أسد الثاني، ونموذجه هو كوريا الشمالية.

ليس ثمة ما يوجب الغضبَ أكثر من سماع خبير دولي، يُلقي نصائحه بالواقعية مسوغًا بقاء بشار الأسد، ويغفل عن كل ما فعله، بدعوى أن احتجاجات السوريين فشلت، وأن النظام انتصر عسكريًا، وأن المجتمع الدولي لم يعد يعبأ بسورية، وأن لا سبيل اليوم سوى القبول بالأمر الواقع والقبول بانتخابات يجريها الأسد، بالرغم من أن نتائجها معروفة، وأن هذا الطريق هو الأمر الوحيد المتاح!!

وإذا استطعنا تمرير قول هذا “الخبير” عديم الضمير، بكثيرٍ من الصعوبة؛ فإننا لا نستطيع تمرير هذا القول، حين يصدر من أي سوري لديه ذرة من ضمير، وإننا لنستغرب أن نسمع القول ذاته من بعض “الببغاوات”، ممن يسمون أنفسهم “معارضة”!! ولا نعلم ماذا يعارضون في هذه الحالة.

من يتوهّم أن إجراء انتخابات بإشراف الأمم المتحدة سيُخرج سورية من كارثتها، فهو إما متواطئ، وإما انتهازي، وإما غبيّ، على أقلّ تقدير، فهذا الإشراف لن يكون أكثر من رقابة على انتخابات سيديرها الأسد، ونتائجها معروفة، وقد صمّم النتيجةَ الروس، بأن يفوز الأسد بنسبة 65%، وأن لا يفوز أيٌّ من منافسيه الشكليين بأكثر من واحد بالمئة، أو 5 بالمئة على أبعد تقدير. وقد صرّح المرشح الرئاسي في “الانتخابات الرئاسية” الماضية 2014، حسان النوري، آنذاك، بأنه هو ذاته انتخب بشار الأسد.

هذه الانتخابات، إذا جرت، لن تكون أكثر من فخ روسي لشرعنة سلطة بشار الأسد، بحجة أن الانتخابات جرت “بإشراف الأمم المتحدة”، وسيفتح ذلك البابَ للمطالبة بإلغاء العقوبات الأميركية والأوروبية والعربية، وبدعم مشاريع إعادة الإعمار، لتكون أداةً بيد الأسد لمكافأة من ساعده في جرائمه وتثبيت بقائه في السلطة، وسيستمر في حكم الشعب السوري بأساليب أكثر همجية من قبل.

قالها أحد الأساتذة يومًا: “لا تكونوا شهود زور على أنفسكم في محاكمة ظالمة أنتم أبرياء من تهمها… قولوا (لا)، حتى لو انهزمتم، لأن كلمة (لا) تُبقي إرادة الرفض والتغيير في قلبكم، كي تعود للاشتعال في قادم الأيام، وهذا شرفكم، إن كنتم تقدّرون قيمة الشرف”.