العنوان الأصلي للمقالة:

Securing Europe’s borders: The first step to a comprehensive asylum policy

من الواضح أنّ أمرًا واحدًا يتّفق عليه صنّاع القرار والمسؤولون، عند تعلّق الأمر بالتدفق المستمر في المهاجرين إلى أوروبا، وهو حاجة أوروبا إلى تعزيز أمن حدودها الذي يأتي في المقام الأوّل، إضافة إلى وضع سياسةٍ للّجوء في عموم أوروبا. وينبغي؛ لتحقيق ذلك، معالجة ثلاثة قطاعات أمنية، تشمل الخارج والداخل والحدود الأوروبيّة.

 

دائرة الأصدقاء

تمّ تصوّر سياسة الجوار الأوربيّة- في عام 2003- كوسيلةٍ لخلق “دائرة أصدقاء” حول الحدود الشرقيّة والجنوبيّة للاتّحاد الأوروبي؛ولكن بعد اندلاع الربيع العربي، شعر صنّاع القرار الأوربيون  بحاجتهم إلى اعتماد سياسة جوار أوروبية، مصمّمة بحسب الدولة المجاورة. وقد اتّجهت وثيقة الجوار الأوروبي (ENI)- استُحدِثت عام 2014؛ لتوفير أساس مالي متين لسياسة الجوار الأوروبية- في الاتجاه الصحيح؛ وذلك من خلال تركيز الموارد على عددٍ قليل من الدول، بدلًا من توزيع التمويل على الدول جميعها.

ولكن لازال هناك  كثير مما يتعيّن القيام به، فعلى سبيل المثال؛ فإن ميزانية وثيقة الجوار الأوروبي التي تبلغ 15.4 مليار يورو، والمخصصة حاليًّا وفق القواعد المنصوص عليها في المادة 4-1 من اللائحة 232/2014، يمكن إنفاقها ضمن شروط أكثر صرامةً، وللبلدان الأكثر تعاونًا فقط. وفي واقع الأمر فإن من شأن هذه الشروطالمتّفق عليها من الاتّحاد الأوروبي والبلدان الشريكة، أن تركّز على تنفيذ الإصلاحات الاقتصاديّة والسياسية والاجتماعية والديمقراطية التي تمّ تصوّرها في الأساس؛ وضمن هذا السياق، فإن وثيقة الجوار الأوروبي سوف تستمر المديرية العامّة للاتحاد الأوروبي للتعاون الدولي والتنمية بإدارتها، في حين يمكن أن تضاف المساعدة التنموية، التي تمنحها الدول الأعضاء على أساس ثنائيّ، إلى وثيقة الجوار الأوروبي لدعم خزانتها.

وتبرزعلى صعيد آخر مسألة الدوريات البحريّة، حيث إنّ “عملية تريتون” التي تمّ إطلاقها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 استجابةً لأزمة اللاجئين، والتي تمّت بقيادة “فرونتكس”، ولكن تحت الإمرة الإيطالية، لا ينبغي أن تكون جهدًا فرديًّا من دولةٍ واحدة؛ إذ على كل دولةٍ عضو في الاتحاد الأوروبي أن تساهم في الموارد الماليّة والبشريّة واللوجستيّة؛ وذلك بما يتناسب مع عدد الأصوات التي تملكها في المجلس الأوروبي. وتقوم في الوقت الحالي دول كالنمسا وكرواتيا وفنلندا وفرنسا وألمانيا وإيرلندا وإيطاليا وليتوانيا ومالطا وهولندا وبولندا والبرتغال ورومانيا وإسبانيا والسويد بتقديم تبرّعات، بالإضافة إلى دول غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي هي آيسلندا والنرويج وسويسرا.

أمّا بالنسبة للمجموعة البحرية الثانية الدائمة التابعة للناتو، والتي تمّ نشرها في بحر إيجة؛ فيجب أن تعيد مواردها إلى “عمليات الناتو الأساسية”؛ وهما عمليتيّ المسعى النشط في البحر الأبيض المتوسط، ودرع المحيط قبالة القرن الإفريقي؛ وذلك في أقرب وقت حالما تخفّ وتيرة وصول الوافدين إلى الشواطئ اليونانيّة، وبعد ذلك يجب على العناصر البحرية، من حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبي، الاضطلاع بمهمّاتهم. وعلى الرغم من أن نشر هذه البعثات وسط وشرق البحر الأبيض المتوسط من اختصاص المجلس الأوروبي؛ فإنّه ينبغي أن تكون مسألة إدارة العمليات تحت إمرة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبي،1 والتي بدورها يجب أن تسيطر على مواردها الذاتية بشكل مستقل عن الدول الأعضاء.

وقد شكّل الدعم المحدود من دول خارج الاتحاد الأوروبي عقبةً في سبيل تنفيذ إعادة توجيه الموارد التي وضعت في العام 2008 معايير مشتركة؛ لإرسال المهاجرين غير الشرعيين إلى بلدانهم الأصلية. وهناك مثال على هذا الوضع -الملحّ حالياً بشكل كبير- ألا وهو التحدّيات التي تواجه الإتحاد الأوروبي في التعامل مع باكستان؛ بسبب قرار الأخيرة عدم تنفيذ اتفاق صادقت عليه في وقت سابق، ويقضي بأن تنحاز إسلام أباد إلى مصلحة بروكسل. كما يتعيّن على مجلس الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي أن يزن بعناية، ليس فقط ما إذا كان بلدٌ ثالث طرفًا في واحدةٍ من 17 اتفاقية، لإعادة القبول الثنائية بين الاتحاد الأوروبي ودول أخرى، وإنما  يجب عليه أن ينظر– أيضًا-  فيما إذا كان يتمّ تطبيق الاتفاقيّات الثنائيّة بشكل صحيح أم لا . إنّ تقديرات كهذه من شأنها أن تساعد الاتحاد الأوروبي في تحديد ما إذا كان ينبغي للدولة الشريكة أن تحصل على جائزة خاصّة تقدّمها وثيقة الجوار الأوروبي.

 

تنفيذ صفقة كبرى

ما هي الحدود التي يجب تأمينها؟

يتحدّث مسؤولون أوروبيون عن تنفيذ صفقة كبرى، بحيث يتم إحداث “نطاق مركزي” ضمن منطقة الشنغن، للدول التي لديها استعداد لقبول حصة من اللاجئين، من داخل الإتحاد الأوروبي وخارجه. كما أنّ من شأن المواد 23 إلى 26 من قانون حدود شنغن، فضلًا عن أحكام تعزيز التعاون، أن توفّر الأساس القانوني لمثل هذا البرنامج، وستكون فرنسا وألمانيا والسويد وإسبانيا أطرافًا في الصفقة (خاصّة وأنّ ألمانيا والسويد بالتحديد تستقبلان عددًا كبيرًا من طلبات اللجوء). وسيتمّ استثناء الدول التي تواجه صعوباتٍ في تأمين حدودها، مثل اليونان، من هذه الصفقة، بينما سيسمح لها المشاركة، بعد معالجة مشكلاتها. أمّا  الدول التي لا تسمح باستقبال اللاجئين، مثل بولندا وهنغاريا،  فسوف تُستبعد، إلّا إذا غيّرت  سياساتها، وستتقلص- بذلك- حدود منطقة الشنغن؛ ليتم إعادة توسيعها مع مرور الوقت.

وقد قامت اليونان وإيطاليا- فعلًا- بإنشاء مناطق ساخنة؛ لتنسيق قبول طالبي اللجوء في بلدانها. ويجدر بجميع الدول الأعضاء في منطقة الشنغن المشاركة في مبادرات كهذه؛ وذلك  بتوفير الدعم المالي، والموظفين، والمعدّات في هذه المناطق. كما تشارك الوكالات الأوروبية، بالتعاون مع السلطات الدولية، في هذه المناطق وهي: مكتب دعم اللجوء الأوروبي لمتابعة طلبات اللجوء، ووكالة فرونتكس Frontex  – سيتم استبدالها قريبًا- للمساعدة في إدارة الحدود، واليوروبول (مكتب البوليس الأوروبي)؛ للكشف والتحقق من الأفراد الذين يحتمل أن يشاركوا في أنشطة إجراميّة، أو إرهابيّة. ويمكن للمنظمات الدولية، مثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، والمنظمة الدولية للهجرة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مراقبة أي انتهاكاتٍ محتملةٍ لحقوق الإنسان.

يسعى مجلس الاتحاد الأوروبي- برئاسة هولندا حاليًّا- لإبرام اتفاق سياسي؛ لتأمين وتفعيل عددٍ جديدٍ من خفر الحدود والسواحل الأوروبية في نهاية العام الحالي. وعلى عكس وكالة فرونتكس التي سبقتها، فإنّ من المهمّ ألا يُضطر حرس الحدود والسواحل الأوروبية لاستجداء الدعم من الدول الأعضاء، كما عليها أن تضاعف عدد الموظفين والموارد المالية الموجودة في فرونتكس، إضافة إلى تفويض أشمل وتمكينها من الحصول على معداتها الخاصة. ومن المثير للجدل أن المفوضيّة الأوروبية رأت أن مسألة خفر الحدود والسواحل الأوروبي يجب أن تكون خاضعةً لتصويت الأغلبية في المجلس، وأن  يُسمح لها الانتشار في إحدى الدول الأعضاء، حتى لو كان ذلك رغمًا عن إرادتها. ويُعتبرهذا أمرًا غير مسبوق، إذ إنّه يضع مسألة الأمن الجماعي للاتحاد الأوروبي في مرتبةٍ تعلو على السيادة الفرديّة للدول الأعضاء، في حين تبدو الدول الأعضاء مستعدة لهذا التنازل عن طريق الحد من العقوبات؛ وذلك بعد تلقي تهديدات غير رسمية بالتعليق المؤقت للعضوية في الاتحاد.

 

الفشل في تقديم البصمات

يعمل نظام معلومات الفيزا الأوروبية، ونظام معلومات الشنغن بشكل جيّد، بينما لا تعمل قاعدة بيانات بصمات الأصابع في نظام يوروداك (Eurodac) بالفاعليّة نفسها. وتُتهم اليونان وإيطاليا على وجه الخصوص بالفشل في أخذ بصمات كلّ اللاجئين الذين يصلون إلى شواطئهما. وعلى الرّغم من أن معدّلات جمع البصمات في كلا البلدين تقترب أخيرًا من 100% ؛ فإنّ وكالات الأمن والمفوضيّة الأوروبية يدعون إلى توسيع صلاحيات يوروداك بما يتجاوز طلبات اللجوء؛ لتشمل عملية دخول جميع المهاجرين القادمين إلى الاتحاد الأوروبي، ما يخلق مناخًا لمعركة حول الخصوصية والحريات المدنية في البرلمان الأوروبي.

كذلك يُتوقع إبرام صفقة بين حزب الشعب الأوروبي، من جهة، والاشتراكيين والليبراليين وحزب الخضر من جهة أخرى، ومن شأن تلك الصفقة أن تجعلهم يتحدّون معًا؛ لتمرير قانون حماية البيانات العامة المقترح، ولكي يتمّ تمكين هذه الصفقة يجب أن تُحلّ الخلافات حول سجلات أسماء المسافرين، وإنشاء نظام الدخول والخروج في عموم أوروبا، وأنموذج تبادل المعلومات. وتهدف قائمة مقترحات اللجنة الأوروبية الحالية لإرساء هذا التوازن، بيد أنّه يجب أن  تُطبّق من قبل المهاجرين ومواطنيالاتحاد الأوروبي الذين يمكن أن يشكلوا تهديداً للأمن على حدّ سواء.

يستعين تسعون بالمائة من المهاجرين غير الشرعيين – في مرحلة ما من رحلتهم- بالمهرّبين، لكن الجماعات الإرهابيّة نادرًا ما تستخدم طرق التهريب؛ للتسلل إلى أوروبا؛ حيث إنّهم – أي الإرهابيين –  غالباً ما يكونون من حملة الجنسيات الأوروبية، أو تصاريح الإقامة طويلة الأجل. و على الرغم من ذلك يجب أن تذلّل العقبات أمام الجهد المشترك لفريق العمليات التابع لليوروبول مع حاجز الاتصال- في مركز تهريب المهاجرين الأوروبي الذي  أنشئ حديثًا في لاهاي- مع فرق التحقيقات، وفرق التحليل المتنقلة والمنتشرة في المناطق الساخنة في أوروبا.

وفي الوقت نفسه، ينبغي تطبيق تأمين شبكة تبادل المعلومات التابعة لليوروبول، وأن يكون ذلك متوافقًا تمامًا مع نظام المعلومات الخاص بالتأشيرات، ونظام معلومات الشنغن، وإلّا فإنّ اليوروبول لن يكون بمقدوره العمل كصمّام أمني ثانٍ في ما يخصّ المهاجرين.

وحالما تُتخذ كلّ هذه التدابير، فيمكن رفع بعض الضوابط المؤقتة – عالية التكلفة – ضمن منطقة الشنغن. وقد قامت ثمانيةٌ من الدول الأعضاء ، منذ أيلول/ سبتمبر 2015 ، بشكل فرديّ بإعادة ضبط مؤقتة للحدود في مواقع معيّنة ضمن منطقة الشنغن. أمّا في حال استمرار الوضع الراهن لما بعد شهر أيار/ مايو، فمن المرجّح أن تقدّم اللجنة الأوروبية مقترحًا لنهج أكثر تماسكًا في إدارة الحدود الداخلية في عموم أوروبا. وعلى الرغم من أنه من الحتميّ أن تكون بعض هذه التحركات موضع ترحيب في الوقت الراهن، إلّا أنّه ينبغي أن يكون الهدف رفع جميع ضوابط الحدود الداخلية بحلول نهاية العام.

 

نهج الدوائر المركزية

لا يمكننا أن نأمل وجود سياسة لجوء أوروبية عامّة ما لم تكن هناك إدارة ناجعة للحدود الأوروبية، وتناقص في عدد اللاجئين الواصلين إلى شواطئها. وفي ضوء ذلك، لا يمكن تأمين حدود أوروبا إلّا من خلال نهج الدوائر المركزية؛ وذلك خارج حدود أوروبا وداخلها، وعلى الحدود الأوروبية نفسها. إن هذا العام، عام 2016، يجب أن يكون مكرّسًا لهذا المشروع، وفي حال نجاحه فإن أوروبا- في العام القادم- ستكون قادرة- أخيرًا- أن تضع إطارًا أساسيًّا لسياسة عامّة وهادفة للّاجئين والمهاجرين.

 

ماتيو غارافوغيلا Matteo Garavoglia

زميل زائر- السياسات الخارجية – مركز الولايات المتحدة وأوروبا.

 

رابط المقالة:

http://www.brookings.edu/blogs/order-from-chaos/posts/2016/05/02-securings-europes-borders-garavoglia