في بيان إعلان انتخاب المفتي العام للجمهورية العربية السورية، واختيار المجلس الإسلامي السوري في المنفى الشيخ “أسامة الرفاعي” لهذا المنصب، وردت جملة على لسان الناطق باسم المجلس الإسلامي، وصف فيها مقام الإفتاء بأنه “أحد أهمّ أعمدة الهوية السورية”! وتابع: “كان لا بد للعلماء من وقفة في هذه الهجمة على الهوية السورية”! وبغض النظر عما جاء في البيان، من كلام حسن وآخر لا نتفق معه، حول الرؤية الدينية للمجلس، وتمثيل السوريين دينيًا، كان تعبير بيان المجلس عن الهوية السورية يمثل حالة خلاف مع كثير من السوريين، وأنّ عملية طرح هوية للسوريين، من خلال تجمع ديني يمثل لونًا دينيًا واحدًا، غير مقبولة داخل الإسلام السني نفسه، وأن ادعاء هوية دينية محددة للوطن يغدو مشكلة كبيرة في ظل حالة التشظي التي يعيشها السوريون في كل مكان ([1]).

وهنا نتساءل: هل الهوية الدينية للوطن، مشكلة أم حل؟

أمام حرب الهويات المتفاقمة في شرقنا البائس، وقد ازدادت رقعتها في الربيع العربي، تقفز هوية الدولة كسؤال عندما يطرح الإسلامويون أنفسهم لقيادتها: ما هوية الدولة؟ وطنية أم دينية أم عرقية؟

وفي الإجابة عن هذا السؤال، نقول: الهُوية في دولةٍ ما تتجلى فيها سماتٌ تميزها عن سواها، وينتمي أبناء الوطن كلهم إليها، ويعتزون بها، ولها عناصر تحددها، كالموقع الجغرافي، والتاريخ المشترك، والعملة المشتركة، والعَلَم، والحقوق ذاتها، والواجبات عينها، مما يجعل الجميع خاضعين لقانونها العام، ومدافعين عن أرضها، ولو تشتت هذه السمات فستنهار الوحدة الوطنية، ونغدو شعوبًا لا شعبًا واحدًا.

نعم، إنّ الدراسات السوسيولوجية تؤكد أن لكل جماعة هوية توضحها خصائص تاريخية واجتماعية ودينية تعبّر عنهم، ولكن عندما نجعل للدولة المؤلف شعبها من مكونات متعددة، هويةً ترمز إلى مكون واحد من مجموع المكونات، لتميزه دستوريًا على الآخرين، هنا تصبح هوية الدولة حالة استعلائية لهذا المكون على الآخرين، وبذلك تتهافت كل مقولات المواطنة، ويضعف الانتماء الوطني، وهذه عقبة تعرقل تحقيق المشروع الوطني، واستقرار الدولة.

الهوية الدينية للوطن، مشكلة أم حل؟

الحقيقة أنّ الهوية الدينية مشكلة لا حل، لأن التفسير السياسي للإسلام يحتاج إلى تفسير الانتماء العقدي فيه، ونحن في تاريخ الإسلام قرأنا عن صراعات وسفك دماء من أجل الانتماء العقدي، حدث ذلك في محنة خلق القرآن، ومرسوم الاعتقاد القادري، ومعارك الأيوبيين مع الفاطميين، والصراع المستمر بين أهل الحديث والأشعرية.

ولقد شهد تاريخنا صراعات حول الهوية الدينية إسلاميًا، كانت مخجلة بكل معنى الكلمة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، في سنة 447 ه حدث صراع بين الأشاعرة وأهل الحديث ببغداد، حتى منع أهلُ الحديث من الحنابلة الأشاعرةَ أن يحضروا صلاة الجمعة وصلاة الجماعة! وراح فيه ضحايا من الطرفين ([2]). وحدث خلاف بين الأشاعرة والماتريدية، مع أنهما مذهبان قريبان من بعض! ووصل الأمر بمفتي الشافعية “أبو منصور محمد البروي” في القرن السادس الهجري إلى أنه أراد أثناء زيارته لبغداد أن يفرض الجزية على الحنابلة! بحسب رواية سبط الجوزي، في كتابه (مرآة الزمان)، وهناك صراعات مذهبية وطائفية في تاريخنا، يخجل المرء من ذكرها.

فالهوية الدينية، داخل الدائرة ذاتها ومع الآخر المختلف عنها، لغم للصراع وعدم استقرار الدولة، فللدين احترامه ومكانته، والثقافة الإسلامية شيء والهوية الإسلامية للوطن شيء آخر، ونحن نعتز بإسلامنا، ولكن أن نجعله الهوية للسوريين كلهم، باختلاف مكوناتهم الاعتقادية والعرقية، هنا تكمن المشكلة. ولكوننا نعيش في وطن واحد، أبناؤه لهم انتماءات دينية وطائفية متعددة، يحتاج قولنا إن “هوية الوطن إسلامية”، إلى تحديد سمات هذه الهوية، وهنا سنعود لنجتر الصراعات على الإسلام بين الهويات الإسلامية، من مختلف الطوائف والملل الموجودة، وعندئذ ستغدو الهوية المفروضة مصدر خلاف لا اتفاق، وتفريق لا تجميع، وفُرقة لا وحدة.

لكنّ بعضهم استغل التداخل الكبير في تاريخنا بين الدين والدولة، كي يطالبوا بهوية دينية محددة للدولة، تتقدم على باقي الهويات! ولكن هذه الهوية الدينية المحددة، وإنْ كانت تلبّي رغبة بعضهم، تخلق مشكلة في مع المكونات غير المسلمة بالوطن من جهة، ومشكلة مع القوميات السورية الأخرى، التي يرى منظروها أن الدين ليس شرطًا وحيدًا، ليجعلنا منصهرين في بلد واحد أو خلافة واحدة.

هويات دينية أم هوية وطنية جامعة؟

إذا كان من حقّ المسلم أن يحتفظ بهويته، فهذا يعني أن من حق الآخرين من المكونات الأخرى أن يحتفظوا بهوياتهم، في وطن متعدد الانتماءات الهوياتية، ولكن هذه الهويات يجب ألا تعلو على الهوية الوطنية الجامعة، ولا تميز جماعة عن أخرى. وإن “فوبيا” الهويات لا حلّ لها إلا بإقرار مبدأ المواطنة، وبها تنتفي هيمنة هوية على باقي الهويات، وتحتفظ كل هوية بسماتها، لكن المشكلة في رؤية أنصار الهوية الدينية المحددة أنهم يطرحون هويتهم متمايزة وذات استعلاء على باقي الهويات، وتلك عقبة كبرى في طريق تحقيق المشروع الوطني، وولادة دولة المواطنة بمعناها العميق.

في بحث مرشح لجائزة “شبكة الألوكة الإسلامية”، بعنوان (الهوية الإسلامية والتحديات التي تواجهها)، تقدم الباحثة “أمل بنت سليم بن سالم العتيبي” رؤيتها للهوية بقولها: “والهوية الإسلامية المتميزة بمرجعيتها الربانية هي ما يعطي للمجتمع الإسلامي قيمته ويحفظ عليه تماسكه ولا عزة له بدونها”. وتتابع قولها:” في المجتمعات الإسلامية، يُعدّ الدين الإسلامي الهوية الأساسية والرسمية لها، فهو الانتهاء الحقيقي والرمز ومحور حياة المجتمع، من خلالها يتفاعل أفراد المجتمع، وحينما يضعف التمسك بالدين والالتزام به في نفوس الأفراد يظلّ هو الهوية المفقودة التي نبحث عنها، وذلك بحكم أننا مسلمون أولًا وأخيرًا، ولأنه ليس من الممكن أن نختار غير الإسلام هوية ونظل مع ذلك مسلمين، فنحن حينما ابتغينا الإسلام دينًا، فقد ارتضيناه هوية” ([3]).

وعندما تؤكد الباحثة أن الهوية الإسلامية تتميز بمرجعيتها الربانية، نكون أمام هوية من نوع كهنوتي، مَنْ يخالفها أو يعارضها سيتهم باتهامات خطيرة! وهذا يعني أننا أمام حرب هويات مع الآخرين، وضياع للهوية الوطنية الجامعة. والمشكلة الحقيقة التي تعوق نهضتنا ليست الهويات المكوناتية على أهميتها، إنما الحقوق، حقوق المواطنة المتساوية، وحقوق الإنسان، والعطاء على الكفاءة لا على الولاء، فالتنوع الهوياتي ممكن أن يكون حالة ثراء حضارية، لأنه سنّة من سنن الله في خلقه، ومن الممكن أيضًا، إنْ لم نجد التعامل معه بروح المواطنة، أن يغدو شرارة تُشعل حربًا أهلية بين المكونات كلها.

صحيح أن العقود السالفة قد وقعت فيها مظلومية على المكوّن السنّي الحامل للإسلام السياسي، ولكن هذا لا يعني أن المكونات الأخرى لم تتعرض لمظلوميات، فالاستبداد ظلم الجميع، والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية هي مطلب كل الهويات، والتمايز الهوياتي يقتل هذا المطالب، ويفرغها من مضمونها ([4]).

إنّ مجتمعنا السوري مجتمع متعدد الهويات الفرعية (دينية، إثنية، طائفية، مذهبية)، وهذه الهويات إن لم تكن هناك هوية وطنية جامعة تحتضنها كلها بالعدل، ستتباغض وربما تتحارب، والمطلوب تفاهم هذه الهويات على عقد اجتماعي لا تناقضها، من خلال ميثاق وطني محدد يلتزم به الجميع، يكون مقدمة الدستور القادم للبلاد.

تجارب الهوية الدينية في التاريخ المعاصر، كمقدمات للانفصال!!

الهوية الدينية تجعل الولاء والبراء الديني مقدّمًا على الولاء الوطني! وهذه ربما تكون مقدّمة للانفصال عن الوطن وتفكك الدولة! فالتجارب القريبة تخبرنا أن الهوية الدينية كانت سببًا للانفصال! فقد أدت إلى انفصال الباكستان وبنغلادش عن الهند عام 1947، وتسببت في نزوح ما يقارب 10 إلى 12 مليون شخص لأسباب دينية، وكانت أكبر عملية تهجير ونزوح في حينها.

وفي العام 1948، بعد قيام دولة باكستان ببضعة أشهر، وقعت حرب أهلية تخللتها جرائم ضد الإنسانية، حينما أعلن الرئيس “محمد علي جناح” أنّ اللغة “الأوردية” اللغة الوطنية للدولة الجديدة، على الرغم من أن 4% فقط من سكان الباكستان كانوا يتحدثون بها آنذاك، واتُهِمَ مؤيدو استخدام اللغة البنغالية بالشيوعيين والخونة وأعداء الدولة، وكان للجماعات الإسلامية المتشددة مثل “الرابطة الإسلامية” وحزب “نظام الإسلام”، و”الجماعة الإسلامية” و”جمعية علماء الباكستان”، والميليشيات الدينية المتطرفة كـ”البدر” و”الشمس”، دورٌ في تلك الجرائم، بالتعاون مع الجيش الباكستاني.

ثم انفصلت بنغلادش عن الباكستان عام 1971 لأسباب هوياتية! بعد حرب أهلية أيضًا أدت إلى إبادة جماعية في بنغلاديش، قام بها الجيش الوطني الباكستاني خلال الحرب الثالثة “حرب تحرير بنغلاديش”، في 1971، نتج عنها مقتل ما يقارب 3 ملايين شخصًا! وأسهمت في تهجير ما يقارب 10 ملايين إلى الأقاليم الغربية البنغالية والهند. والإبادة الجماعية التي ارتكبتها باكستان الغربية ضد باكستان الشرقية كانت بسبب مطالبتها بحق تقرير المصير لأسباب تتعلق بالهوية، وكان جزء رئيسي منها ضد الهندوس، وأدى ذلك إلى نزوح عدد كبير منهم، وشكل الهندوس نحو 60% من اللاجئين البنغال إلى الهند، حينذاك. وأجبر العديد من الهندوس على اعتناق الإسلام. وشملت تلك الإبادة حملة منهجية من الاغتصاب الجماعي، اتُهِمت بها القوات المسلحة الباكستانية وميليشيات مساندة إسلاموية تنتمي إلى تنظيم “جماعة إسلامي” ([5]).

ولو بحثنا في أسباب انفصال جنوب السودان عام 2011 عن الوطن الأم، في أثناء الحكم الإسلامي للسودان، وجدنا أن هناك شبه إجماع على أن الهوية الدينية كانت وراء ذلك، وذلك بسبب الاضطهاد الديني الذي مارسه أهل الشمال على الجنوب، إذ جعلوهم مواطنين درجة ثانية، إضافة إلى فرض الثقافة العربية الإسلامية على الأفارقة من مسيحيين ووثنيين، وإهمال مشروعات التنمية بالجنوب. والأمر ذاته حصل في الصومال، وأدى إلى الانفصال، فعدم الإيمان والاتفاق على مبادئ المواطنة، وهوية وطنية جامعة، قسّمَ الصومال إلى صومالات، وأدخله حربًا أهلية لم تتوقف رحاها حتى يومنا.

الصراع على الهوية الدينية أو العرقية، وعدم الاتفاق على هوية وطنية جامعة من خلال عقد اجتماعي متفق عليه، يؤدي إلى عدم استقرار الدولة، فعندما انتصر المسلمون الأفغان على الاتحاد السوفيتي عام 1989، وأراد الأفغان إقامة دولة، تقاتلوا، وسفكوا دماءهم، لأنهم فشلوا في إقامة دولة وطنية جامعة تحتوي الجميع، فكلهم مسلمون، لكن طغيان الهويات المذهبية والطائفية والإثنية، وقصور الوعي بكيفية إنشاء الدولة، أدّيا إلى حرب أهلية نتج عنها تفوق جماعة محددة تمثلت بحركة “طالبان”، فرضت بالقهر شروطها على باقي الهويات الإثنية والطائفية، وتكرر الصراع ذاته بعد خروج الأمريكان من أفغانستان منذ أشهر قليلة.

فلنتعلم من التاريخ والآخرين

هذا لا يعني أن حال الغرب في الصراع على الهوية الدينية كانت أفضل، ولكنهم من بعد حروب دموية طويلة توصلوا إلى أن الدولة الحديثة والهوية الوطنية الجامعة هي الحل لصراع الطوائف الدينية، فالغرب لم ينهض إلا لسببين: الأول التنوير الديني، والثاني الانتهاء من حرب الهويات الدينية.

إن التاريخ معلّم الشعوب، فأطول معركة في التاريخ كانت المعارك الطائفية في أوروبا، فحرب الثمانين عامًا، بين إسبانيا ودولة المقاطعات السبع المنخفضة المتحدة (هولندا اليوم)، كانت حربًا على الهوية الدينية. حتى جاءت اتفاقية “ويستڤاليا”، وهي أول اتفاقيّة دبلوماسيّة في العصر الحديث، لترسي نظامًا جديدًا في أوروبا، بُني على مبدأ السيادة الوطنية، كما انتهت معها حرب الثلاثين عامًا بين ألمانيا وفرنسا وشمال إيطاليا وهولندا وكتالونيا، بعد مفاوضات في كلٍّ من مدينتي (Osnabrück) التي باتت تلقب أوروبيًا بمدينة السلام، ومدينة (Münster)، ووقع عليهما عام 1648 مندوب الإمبراطور الروماني فرديناند الثالث ومندوبو فرنسا والسويد وهولندا وإسبانيا وباقي الإمارات الكاثوليكية والبروتستانتية التابعة للإمبراطورية الرومانية.

خلاصة القول:

الهوية الدينية المحددة الواحدة والمفروضة على باقي الهويات الأخرى كانت سببًا لكل تلك الحروب، وكان الوعي بضرورة إقامة دولة حديثة، تجمع أبناء الوطن كلهم على هوية جامعة، هو الذي أنهى تلك الحروب الهوياتية، وبدأت مسيرة النهضة الأوروبية، حيث كان التنوير قائدًا لتلك المسيرة، حتى أصبحت تلك الدول قِبلة للمهاجرين واللاجئين المضطهدين، دينيًا أو اثنيًا أو أيديولوجيًا، من شرقنا البائس. فهل نحن متعظون؟


[1] ـ فيما يلي البيان كفيديو: https://bit.ly/3FM7dvO

[2] ـ ابن كثيرة. البداية والنهاية. الناشر: بيت الأفكار الدولية. لبنان. 2004. أحداث: 447 للهجرة.

[3] ـ https://bit.ly/3HPJAo0

[4] ـ راجع حول المظلومية للكاتب نفسه؛ دراسة بعنوان (المظلومية في سورية، ما الحل؟) https://bit.ly/3p1sNpg

[5] ـ سارميلا بوس: الحساب الميت: ذكريات حرب بنغلاديش عام 1971.Bose, S. (2011). Dead Reckoning: Memories of the 1971 Bangladesh War. London: Hurst and Co. الصفحات 73 ــ 122. بتصرف.