على الرغم من أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة ما زالوا يتجنبون التعامل مع نظام الأسد، ويرفضون تطبيع العلاقات معه، فإن الشرق الأوسط يشهد تغييرًا يتمثل في وجود مساع عربية قديمة متجددة لإعادة العلاقات مع نظام الأسد، من خلال إحياء العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية.

في خضم ذلك، من المهم أن نرى نظرة النظام الإيراني لعجلة التطبيع العربي مع نظام الأسد، والتي بدأت تقريبًا في عام 2018، عندما أعادت كلٌّ من البحرين والإمارات سفاراتهما إلى دمشق، والتحركات العربية الحديثة الأخرى في هذا الإطار، ولا سيما في ظل الحديث عن رغبة الولايات المتحدة في مغادرة المنطقة، والتركيز على روسيا والصين بشكل أكبر، الأمر الذي سيكوّن العديد من التداعيات على المشهد الإقليمي وتوازن القوى فيه.

صحيح أن التصريحات الرسمية الإيرانية حول التطبيع العربي مع دمشق نادرة، أو قد تكاد تكون معدومة، إلا أن النظرة الإيرانية حيال هذه التطورات المهمة ترتسم بشكل غير مباشر على ما تنشره المواقع الإيرانية الرسمية وغير الرسمية المقرّبة من مراكز صنع القرار في طهران، وهذا ما رصدناه في أربع مؤشرات.

أولًا: شعور المنتصر الشامت بأعدائه

ما يطفو على السطح من الوهلة الأولى، بالنسبة إلى النظام الإيراني، هو شعور المنتصر الشامت الذي يرى أن إحياء علاقات العالم العربي مع نظام الأسد مؤشرٌ على انتصاره على أعدائه الذين أقرّوا بهزيمتهم في مواجهة “الحلف المقاوم”، من خلال اتباع الطرق الدبلوماسية الناعمة. لذلك، يُظهر واقع إحياء علاقات العالم العربي مع سورية، من وجهة نظر النظام الإيراني، أن سورية تجاوزت أزمتها، وليس أمام الدول العربية، التي سعت خلال الأعوام الماضية لاستخدام أدواتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية وفرض العقوبات المختلفة لإسقاط نظام الأسد، خيار سوى الاعتراف بالحكومة الحاكمة في سورية[1].

والآن، نظرًا للمخاوف التي يشعر بها القادة العرب من توسع النفوذ الإيراني في المنطقة، يضع النظام الإيراني إعادة نظر الدول العربية بسياساتها تجاه سورية في إطار يأس هذه الدول التي أصرّت على مواقفها لنحو عشر سنوات دون نتيجة، لتعود من بوابة الدبلوماسية لمواجهة المدّ الإيراني[2].

ثانيًا: عودة بلا شروط

إلى جانب إحساس الإيرانيين بشعور المنتصر الشامت من سعي الدول العربية لإعادة علاقاتها مع نظام الأسد بعد سنوات من الانقطاع، ونظرتهم إلى هذه العودة على أنها اعتراف بالهزيمة الاستراتيجية أمام “حلف المقاومة”، يرى الإيرانيون أن الدول العربية، خاصة السعودية، مستعدة للتخلي عن مطالبها في سورية، مقابل العودة دون فرض أي شروط مسبقة على نظام الأسد، كما حدث في الحالة الإماراتية.

لذلك، خلافًا لما كانت تعرضه السعودية في السابق بتقديم مساعدتها في إعادة إعمار سورية، ووقف دعم بعض فصائل الثورة السورية، مقابل ابتعاد سورية عن إيران و”حزب الله”، يرى الإيرانيون اليوم أن السعودية لا يمكنها فرض شروطها للعودة، بل يجب أن تعترف بحقيقة انتصار إيران في الحرب السورية، وعدم تحديها لهذه الحقيقة[3]. حتى إن بعض الآراء ذهبت إلى الحديث بأنّ طهران سمحت بانفتاح البوابة السورية على المملكة العربية السعودية، لوضعها على طريق إعادة الإعمار، وإفساح المجال للاستثمارات السعودية التي ستمنع انهيار الاقتصاد السوري، وذلك بهدف تعميق نفوذ وهيمنة طهران المستقبلية على دمشق[4].

ثالثًا: مسعى لخفض التصعيد مع النظام الإيراني قد يُفضي إلى عزل إسرائيل

يرى النظام الإيراني اليوم، وقد تنفّس الصعداء بعد خروج إدارة ترامب من السلطة مطلع العام الجاري، في المساعي العربية للتطبيع مع نظام الأسد، محاولةً منها لتغيير نهجها العدائي مع إيران، ومسعًى لخفض التصعيد معها في أحد أكثر الملفات الإقليمية سخونةً، خاصة بعد دخول بايدن إلى البيت الأبيض، وتسريع المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي قد يشكل دافعًا رئيسيًا لعملية قد تؤدي، في نظر الدول العربية، إلى تحوّل في ميزان القوى الحالي لصالح إيران في المنطقة[5].

وهذا يعني أنّ لدى دول الخليج مصالحَ واضحة في الدخول بمحادثات مع إيران، للحدّ من التوترات معها في المنطقة ككل، وفي سورية على وجه الخصوص، وفي المنحى نفسه، يرى الإيرانيون أن ضرورات النظام الإقليمي الجديد في منطقة غرب آسيا، التي قد تشهد انسحابًا مفاجئًا للقوات الأميركية، كما حدث في أفغانستان، تحتّم على الدول العربية اتخاذ نهج خفض التصعيد مع “محور المقاومة”، خاصة في سورية[6].

ونظرًا لاعتبار إيران أن تطبيع العلاقات مع سورية من جانب العالم العربي، خاصة السعودية، يعتمد إلى حد كبير على علاقات إيران مع السعودية وما ستؤول إليه محادثاتهما، فإن طهران ترى في الخطوة العربية فرصة لإفشال المخطط الإسرائيلي الرامي لتشكيل جبهة إقليمية موحدة ضد إيران في محاولة لعزلها. أي أن المساعي العربية للتطبيع مع دمشق وخفض التصعيد والتوترات في العلاقات السعودية الإيرانية، يمكن أن يُفضي إلى عزل إسرائيل بدلًا من إيران، ويوقف قطار التطبيع العربي مع إسرائيل[7].

رابعًا: مزاحمة النفوذ التركي القطري شمال غرب سورية

شجعت الحالة الإماراتية والبحرينية للتطبيع وإعادة المسارات الدبلوماسية مع نظام الأسد، إيران على الاعتقاد بأن التطبيع العربي لا يستهدف بالدرجة الأولى النفوذَ الإيراني على المدى المنظور، بقدر ما يستهدف بشكل أساسي النفوذ التركي القطري، شمال غرب سورية، وهي نقطة تلتقي عندها مصالح كل من إيران وحليفها الأسد والدول الخليجية في سورية[8].

أكبر دليل على ذلك هو الحالة الإماراتية التي أسهمت، منذ عودة مساراتها الدبلوماسية مع دمشق في عام 2018، في تقديم مختلف أنواع الدعم المادي لتمويل حملات نظام الأسد العسكرية على الشمال السوري المحرر، والتخفيف من آلامه الاقتصادية، بالرغم من عقوبات قانون قيصر.

لذلك وجدت طهران في الصف العربي المنقسم، بين متردد خجول ومتسارع عجول للتطبيع مع نظام الأسد، فرصة ذات أهمية مزدوجة؛ فالتطبيع العربي سينتشل حليفها الأسد من مستنقع الأزمات الاقتصادية من دون أن يؤثر ذلك في نفوذها على المدى المنظور من جهة، ويعمل في الوقت ذاته على مزاحمة النفوذ التركي القطري شمال غرب سورية، من جهة أخرى.

ومن المحتمل جدًا، في ظل تيقن طهران من رغبة الدول العربية في تخفيض التصعيد معها في الوقت الراهن، أن تنظر إلى هذه العودة على أنها دعم لجهودها وجهود نظام الأسد، لشنّ حملات عسكرية أوسع وأشد تأثيرًا، بمشاركة مليشياوية إيرانية واسعة بالضرورة، نحو الشمال السوري المحرر.

خاتمة:

قد لا تحبذ طهران انفتاح الدول العربية على دمشق وإعادة إحياء علاقاتها معها، لما في ذلك من تأثير سلبي على النفوذ والهيمنة الإيرانية في سورية، على المدى البعيد، لكنها قد لا تمنع حدوث ذلك على المدى المنظور، نظرًا لعدم قدرتها على حلّ الأزمات الاقتصادية التي باتت تهدد استقرار النظام الحاكم في دمشق.

لذلك ستبدي طهران بعض اللين، وتلتزم خيار الصمت حيال هذه التطورات، أو تشجع على ذلك من خلال وسائل إعلامها الحكومية وغير الحكومية، من دون إبداء تصريحات رسمية، ريثما يحصل حليفها الأسد على شرعيته الدولية المفقودة، من خلال التطبيع المبدئي مع الدول العربية، الذي سينتشله أيضًا من مستنقع الأزمة الاقتصادية.

وهذا يعني أن السكوت أو الرضى الضمني من جانب طهران، على التطبيع العربي مع نظام الأسد، يأتي ضمن المساعي الإيرانية الحثيثة لإعادة تأهيل النظام على الساحة الإقليمية والدولية، بعد أن أيقنت طهران أن التطبيع العربي مع نظام الأسد لا يزاحم نفوذها بقدر ما يزاحم النفوذ التركي القطري، في شمال غرب سورية بالدرجة الأولى، وهو ما تلتقي حوله مصالح أغلب هؤلاء الفاعلين.

ومع تيقن طهران من مدى إحكام قبضة نفوذها العسكري والأمني والسياسي والثقافي في سورية، تجد اليوم في مسيرة التطبيع العربي المتسارع مع نظام الأسد فرصةً ذهبيةً، لانتشال الأسد من مستنقع الأزمات الاقتصادية الذي لا تستطيع إخراجه منه دون أن يكلف ذلك خزينتها قرشًا واحدًا.

وفي موازاة ذلك، ستبذل إيران جهودها الحثيثة التي تمثلت بالزيارات المتكررة لوزير خارجيتها الجديد وللوفود الاقتصادية المختلفة إلى سورية، لإعادة تذكير دمشق بأفضال طهران عليها، وحقّها في الحصول على حصة منصفة من عملية إعادة الإعمار، كتعويض عمّا أنفقته خلال السنوات الماضية.


[1]– الضوء الأخضر للدول العربية لتجديد العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، من هو المنتصر في الميدان؟ – نادي المراسلين الشبان – https://www.yjc.news/fa/news/7748140

[2]– الدول العربية تتسابق فيما بينها لإحياء العلاقات مع سوريا – نادي المراسلين الشبان – https://www.yjc.news/fa/news/7911027

[3]– السعودية تقترب من تطبيع العلاقات مع سوريا – راديو فردا – https://bit.ly/3uXjmKa

[4]– فتح البوابة السورية أمام السعودية بموافقة طهران – https://bit.ly/3uWLb5z

[5]– عملية تطبيع العلاقات السورية السعودية – المركز الدولي لدراسات السلام – https://bit.ly/3j4nBiB

[6]– مسارعة الدول العربية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا. الأهداف والأسباب – موقع الوقت – https://bit.ly/2XijAzi

[7]– المرجع رقم 5

[8]– المرجع رقم 6