عند قراءة رواية (سلالة العجاج) للكاتب السوري محمد المطرود، ستشعر كما لو أنَّك في مَضَافةٍ أدبيَّة، يُقدَّم إليكَ فيها أنواع شتَّى من السَّرد اللذيذ الطعم بتقنياتٍ حديثة، ضمن لوحاتٍ دسمة بالخيال الشعري، “تتناوقُ” فيها اللهجةُ العاميةُ المطعّمة للفصحى بالكثير من المجاز المحلي.

 وما من شكٍّ في أنك ستنتبه إلى بعض الإقحامات المقصودة في ترتيب الجمل، وستبحث عن تتمّة الجمل المبتورة، أو ربَّما تتساءل: لماذا أضاف المطرود “أل التعريف” إلى الفعل (كان)، والمقام هنا للنثر وليس للشعر! لكنَّك حتمًا “ستوالف ما لا يُوالَف”، وتمضي غارقًا في بحر النجاة من الأحداث المفتَّتة، على عكس اتجاه النحو والأسماء المجرورة المنصاعة للكسر، ولَسوفَ تطربُ لذلك كلّه وتطلب المزيد: “نظرتُ خلفي على (لا) عادة الذئاب، مسترشدًا بأمّي الصغيرة فارسة الأوجاع”. [سلالة العجاج، ص26]

“عن ظلٍّ قصيرٍ في الظهيرة”

وأنتَ تقرأ سيرة محمد المطرود/ هدَّار وسم البدو، في سلالة العجاج، لا بدَّ أن تنوسَ مع كثير من العبارات؛ كونها تتحدَّث بمجازٍ عميق عنكَ وعنّي وعن “أقرباء الهَم والدَّم”، وعن ذاك المكان الذي ننتمي إليه، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتة بين ريفٍ ومدينةٍ مُريَّفة ومدينةٍ أكبر.

ستُفاجَأ بـ “هدَّار وسم البدو” أو “وضَّاح اليمن” الذي قتلَهُ عشقُه، جالسًا أمامَك بين السطور، مكاشفًا، هامسًا لكَ عن قرب: “هذا أنا في الحاضر، وستعرف عنّي كلَّ شيء مضى، شريطة أن تكونَ قراءَتُك هادئة، كثيرة التأويلات والعناية بالتفاصيل التي نثرتها زوابع العجاج.. أنا يا صديقي شخصيةٌ مركَّبة من عدة أعراقٍ وأنساقٍ ثقافية، فلا تستغرب من بداوتي وتمدُّني، ونزاقتي وهدوئي، ومن استحضاري للجنوب حيث إقامتي في الشمال متشظّيًا بين هنا وهناك… أنا ذلك الطفل اليتيم الذي ما زال يسكنني”.

العنوان

[سلالة العجاج (وسم البدو وأنا/ النهايات والساعات الإضافية)] المنجز الأدبي الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2022، بما يحمله من نُتَف حكايا المسنين وتراثٍ شفهيٍّ غير مدوَّن، وبما يُجري من تداخُل بين شراسة المكان والخيال المتصالح معه، التائق لاكتشاف أولى اللذائذ وآخرها، هو ابنٌ لعجاج (جنوب الرّد) دائم التشكل، وإنْ بأشكال مختلفة، تنتمي للجذر نفسه. الجنوب الثري بالغبار والأشعار والنعوات والعادات والأساطير، المنذور للعطش والجفاف والخيبة وثقافة الماضي، وعصر البطولة الذي يغلّف حياة البدو.

الرّاوي في سلالة العجاج يمتلك صفة من صفات سميّ الأنهار تتجسَّد بـ “بُعْد الشوف: حدّة النظر”، وهو عارفٌ بنهاية هدَّار/ نهايته، لذلك يُعلي كثيرًا من أهمية أبناء الهامش الاجتماعي المنذور للزوابع، وهَاْ قد منحهم عنوان الرواية (سلالة العجاج)، وهو عنوان من مفردات المكان الذي لا يملك أبناؤُه سوى القدرة على التخيُّل مع خيطٍ ثخينٍ من التراب حولهم منذ الطفولة.

هذا الاحتفاء بمَا/ بمَنْ هو مهمَّش لم يقتصر على العنوان وحده؛ إذ إنَّ الاستطراد بالحديث عنهم في متن الرواية على حساب الشخصيات المحرّكة للحدث المركزي، ما هو إلا تذكيرٌ مقصود بالهامش المُغيَّب حين يكون بطلًا نبيلًا، لكن يبتلعه المكان؛ فيبقى منسيًا بعيدًا عن المتن، ذاك المتحَكَّم به من قبل السلطات التي نذرت البلادَ كلها للرياح منذ نصف قرنٍ وأكثر:” ولو تسنَّى لحكَّاء موهوب الوقتَ/ الزمن، فسأكون أول المبشرين بميلاد أدبٍ يخص شمال شرق البلاد، حيث نهران يحضنان المدنَ والقرى والدساكر والمزارع وأحلامَ الناس الموجوعين بقطيعة الجغرافيا حينًا، وحينًا بقطيعة السلطات” [سلالة العجاج، ص17].

ثمَّ، انتقالًا إلى داخل السرد الروائي، تطلّ العناوين الفرعية على رأس كل مقطع/ لوحة سردية، بكثافةٍ شعرية في الغالب، مُعليةً من “شأن المجاز على حساب الحقيقة”، فتبدو كنقاط علّامٍ قد يستدل بها القارئ على ما لم يُصرَّح به.

وإذ ينزُّ الشعرُ من تلك العناوين إلى مفاصل السرد؛ فإنَّ ذلك يضفي حالةً من المؤانسة بين القارئ والسارد الذي يغوص عميقًا داخل الفضاء المكاني الواقعي والمُتخيَّل (في الجنوب والشمال)، وداخل الشخصيات وداخله، حيثُ تعدُّدٌ للـ”أنا” ولازمن متسلسل، فيبدو الراوي لسيرته قريبًا وبعيدًا في الآن ذاته: “عن أزمنةٍ شرسة – في مديح الذئب/ ذئبي – أولى اللذّات – تاركًا أرض الجدوى – شغوفًا بالنهاية أدلّل هواياتي – أنا والقرين – غرقنا مجازًا في الحكاية – كانوا أشباهَ يُوسُفَ ولهم بئرُهم – كانوا نحَّاةَ وحلٍ وقلبي بيتُهم – القلّة الكثيرة…”. [ بعض العناوين الفرعية من رواية سلالة العجاج]

الحدث

تدور أحداث الرواية بدءًا من أرض الخيال الطفلية، حيث نشأ اليتيم في منطقة نائية حدودية تابعة لمحافظة الحسكة، اسمها جنوب الرد، مرورًا بانتقاله ودراسته في مدينة الحسكة ثمَّ حلب، وصولًا إلى لجوئه إلى ألمانيا.

يتكلم المطرود “المتناهَب في شخصين” على الطفل اليتيم الذي هو، ثمَّ يكمل سيرة الطفل ويقاطعها بالحديث عن فارسٍ بدويٍّ قرينٍ له؛ اسمه هدَّار وسم البدو، ينامُ بعينٍ مفتوحة متوسّدًا بارودته، وقد قُتل على يد (آل البلاش) بعد أن عشق ابنتهم (ترفْ) التي قُتلت أيضًا وهي عفيفة، وتَرفْ اسم علم محلّي يُطلق على الفتاة التي تجمع منتهى صفات الجمال والنّضَارة والرّقَّة، حتى إنَّ كثيرًا من شعراء الشعر الشعبي ما زالوا يصفون الحبيبة المُتَخيَّلة بـ “ترفْ”، ويكتفون بذلك:

” في قصة ترفْ، تشمخُ سيرةُ عطرها، صرَّة الجلد الصغيرة مليئة بالنَّفَل والمسك الأصلي والمَحْلَب والقرنفل، تتدلَّى من عنقها بين نهدين ككعبَيْ غزالٍ جَفل، بالهباري تتهادى على كتفيها، بالتراجي متهدلتين من أذنيها الصغيرتين على عُنُقها، بالتماعة المعدن الكريم الذهبية، بالدنين الخافت الذي يحدثه، بالثوب الطويل الموشَّى بخيوطٍ لامعةٍ في أذياله، بالزُّبون ذي الرُّدْنين الفضفاضين وهما يمنحان الغزالةَ غُنْجًا مضاعفًا، فإذا مرَّت بأرضٍ، يقول سكّانُها: (مرَّتْ من هنا الغزالةُ تَرفْ)”. [سلالة العجاج، ص62]

ثمَّ يتحدث عن هدَّار وسم البدو (سميّ الأنهار) كما لو أنَّه يتحدَّث عن نفسه، بصورة مباشرة وغير مباشرة، يتدخل بسردها ليحكم قبضته على نهايات ومفاصل الأزمنة الشرسة التي مرّ بها هناك، وكأنه يريد التخلص من علاقة التوتر مع الزمن الصحراوي الـ “ما زال” يسكنه، “الزمن الصَّحراوي الذي من طبيعته أن يتكاثرَ بشراهة”، كما يقول الروائي الأردني جلال برجس.

وتارةً، يسعى إلى الإحاطة بما حدث في كلّ شبرٍ هناك، ويلمّح بما يمكن أن يحدث لو أنَّ الشخصيات نفسها كانت في سياقٍ ومكانٍ مختلفيَن:

“يا هدَّار الوسم، ليتكَ هنا، وليت (تَرفْ) امرأةٌ من أرض الجرمان، لكنتَ ظفرتَ بالذي تريد، لكنتَ في حلٍّ من تقديم صكوك نقاوة النسب، وأقرب إلى قرارك بنفسك، وترفٌ قرارُها بيدها..”. [سلالة العجاج، ص146]

وحين ينتهي من مرثية المقاربات والمقارنات خلال طريقه إلى الشمال، حيث ألمانيا ومنحة هاينرش بول والهدوء الأخضر، تتسلّل إليه الوحشة من عالم الغريب الذي يكرهه مثلما كان يكره عالم الاغتراب في البلد الأول اللافظ لأبنائه، فتأتي محاولةٌ متعطشةٌ لاستحضار واستجلاب المكان/ الجنوب، باصفراره وزوابعه وعجاجه وما يُقذف منها في الجهات، وبما يكتنزه المكان من أساطير وخيَّالة وثقافة ذكورية ورؤى فلسفية وقلق ولا جدوى وزمنٍ مُسَمَّر: “لم أتخلَّص ممَّا كنتُ عليه، رسمتُ الكثيرَ من البراري هنا وخيلًا وسرابًا على مدّ نظري، لئلّا أصطدم على الدوام بالأخضر الذي هنا، غير أنّي مليءٌ بالجفاف الذي هناك..”. [سلالة العجاج، ص43]

رواية سلالة العجاج ليست سيرة ذاتية للشخصية البؤرية (المطرود أو هدَّار وسم البدو) فقط، وإنَّما سيرة ذاتية للمكان ذاته المنتمي للزوابع دائمة التشكل، في ذاك المثلث الجغرافي المنفتح على التوتر، حيث أسرجة الزيت مُناسَة ودلال القهوة على النار، وحيث الزمن المفتوح على الحدود السورية العراقية المليئة بشخصيات الماضي الذي ما يزال حاضرًا بقوَّة.

وإذْ لا منطق -غالبًا- في نهايات الأمور التي شاهدها وسمع بها ذاك اليتيمُ المُصغي لأصوات الجنيات في أعماق الأرض، فإنه لا بدَّ من اللامنطق -أحيانًا- في لعبة تشكيل السرد الحكائي التي انتهجها المطرود ببراعة: “لا رابط منطقيًا وزمنيًا بين هذه القصص، سوى محاولتي للملمة ما أحسبه شذرات، يمكن من خلالها (لَظْم) عقد حكاية واحدة، أو إعادة إنتاج المهدور والمصروف بعدم الاهتمام أو الخوف من تحريكه، قد لا أسلمُ من المساءَلة، وقد أتلطَّى خلف أكذوبةٍ تنجيني إلى حين، لكنَّ المؤكد هو أنَّ ما أفعله جزء من إحساسي بالمسؤولية تجاه مكانٍ غنيٍّ بخرافاته وحكاياته وواقعيته السحرية”. [سلالة العجاج، ص 17]

يشيد الكاتب “عشَّ المعنى” متحدّثًا عن نفسه، و “كأنَّه أحدٌ سواه”، وعن هدَّار “الذي هو”، وقد لا يستطيع المتلقي في بعض المقاطع أن يميز أحدهما من الآخر، إلا إذا ذُكرَ اسمُ واحدٍ منهما بين الجمل أو أُشير إليه، وربَّما يلجأ القارئ أحيانًا إلى إعادة تشكيل الخيط السردي للرواية في ذهنه، بعد كلّ عملية قطعٍ مقصودة للمعنى المتسلسل على شكل ومضات.

وهكذا، تمضي الرواية في صياغة الأحداث التي تنمو وتتماوَج ضمن زمنٍ حلميٍّ وزمنٍ واقعي، لكنَّ الملاحظ فيها أنَّ السرد يتأخر عن إكمال سيرة “هدَّار وسم البدو”، لصالح الطفل الذي بدأ يحبو في اليُتْم، اليُتْم/ البَتْر بوصفه قدرًا لا يزال الفكاك منه في الشمال صعبًا؛ سواء أكان من جهة الأب أم من جهة الأم التي اسمها عبطة، ومعنى عَبْطة باللغة العربية الفصحى هو [أن يموتَ الشخصُ شابًا دون سببٍ أو علّة].. وكأنَّ الاسمَ هو الذي يُنبئ بقدَر صاحبه أحيانًا!:

“لم تكن مصادفةً أن أحبَّ المقابر، تبدأ علاقتي منذ الأزل، منذ القبر الأول والأجمل، مكان أمي الثاني، حيثُ رحلة الولد ابن العاشرة ليلًا إلى التي تسمعني وأسمعها، لأصير جزءًا من حكاية مقابر (العنترية) على أطراف القامشلي، وكائنًا أقرب إلى الشبح، فالمكان الذي يتجنبهُ الكبار، تواطأتُ مع أصحابه، حتى صرتُ واحدًا منهم، وصاروا كلّهم مني، وإذ أنتقلُ من هذا الأثير على قلبي، أقترب هناك في ليل القرى من أمكنة مشابهة، أعطي الأسماء التي هناك للأسماء التي هنا، أشطبُ الشواهدَ التي هنا، وأكتب أسمائي التي هناك، كلها: عبطة خلف (أمّي)”. [سلالة العجاج، ص144]

الزمن

يُشكل الزمن عنصرًا محوريًا في عملية الكتابة الأدبية، خاصة في جنس الرواية، بل إنَّ السرد الروائي هو فنُّ زمني بجدارة. ولأنَّ ترتيب الزمن الروائي يختلف عن ترتيب الزمن الطبيعي المتدرّج (الماضي، الحاضر، المستقبل) بالإضافة إلى أنَّه زمنٌ غير ثابت، دائم التحول، يكون للروائي زمنُه النفسي الذاتي (الماضي والحاضر) الذي يحاول إحكام السيطرة عليه عبر تقنيات تسريع السرد أو تبطيْئه، من خلال الاستطراد بالوصف أو التأمل أو الحوار أو المونولوج الداخلي واستدعاء الذكريات..

ومن المعروف أنَّ الرواية الكلاسيكية ظلّت معتمدةً على الزمن التسلسلي المتدّرج من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل، لكنَّ الرواية الحديثة كسرت ذلك القالب؛ لأنَّ إيقاع الزمن الحديث بما يحمله من تسارُع وقلق وتحوُّل وتداخل يختلف عن إيقاعه في الماضي البعيد، والقريب أيضًا: “وها أنا بهذا الوجد المتاخم للبكاء أعيدُ كتابة نفسي وَفْقَ ما سمعتُ، وأعيدُ ما سمعتُ وَفْقَ نفسي، أرتّبُ الأحداثَ والشخصيات في خزانة السيرة، بلا ترتيبٍ زمنيٍّ صارم”. [سلالة العجاج، ص100]

إنَّ الرواية الحديثة دائمة البحث عن أشكال زمنية جديدة متشظّية تعكس صورة الواقع، وهذا ما يجعل اهتمام الروائي مركَّزًا على تقنية “تفتيت الحدث”، وعلى أعماق الشخصيات أكثر من اهتمامه بـ “الزمن الخارجي المتسلسل الذي اعتادَ عليه المتلقي في السابق”، فضلًا عن أنَّ الرواية بشكلٍ عام ما تزال حقلًا للتجريب والمغامرة وإعادة البناء، ما يذكّرنا بالقول الشهير لـ “باختين”: “الرواية مشروع غير مكتمل..”.

(سلالة العجاج) بما تستعرضه من أحداثٍ مفتَّتة وقفزٍ زمنيٍّ من مكانٍ إلى آخر، نحو الأمام ونحو الوراء، تعطي نمطًا زمنيًا لكلّ شخصية، وتترك دلالات متناثرة لأزمنة أخرى قد تكون مقصودة أو غير مصرَّح بها إلى الآن، لكنها تُصاغ مرَّةً ثانية في ذهن القارئ المُولع بالتفسير والبحث عن الدهشة في كلّ عملية إفراغٍ لغويّ للرؤيا:

“أتخيَّل زمنًا آخر وأعيشُ فيه، لديَّ فراغٌ في تصوري لتلك الأيام، ملأتُهُ بالذي سمعتُ حتى صرتُ أمشي في تلك الدروب وأحادثُ رجالَ ونساءَ ذلك الزمن، أتشاجرُ معهم، أتصالحُ، وكما لو أنَّ لي قدرةً سحرية، أغيّرُ في مواضع بعض الأحداث، وأصحّحُ مسارها بالذي أراه صحيحًا، وهكذا آخذُ دورَ العرَّاف”. [سلالة العجاج، ص22]

ومع أنَّ الزمن في السرد الروائي يقوم بدور أساسي في ربط النص بالعالم الخارجي، فإنّ له وظائفَ أخرى، منها أن يكون الزمنُ نفسُه سببًا جوهريًا لمحتوى النص أو أغلبه، أو -في الحد الأدنى- قد يكون أحد محفّزات الكتابة، ويكثر ذلك الاستخدام الصريح أو الضمني؛ في أغلب الروايات الحديثة المصوّرة لحيّزٍ مكاني مهمَّش ومقهور، يكون نتيجةً مباشرةً لـ “زمنٍ سياسيٍّ” مظلم.

 وإذا ما حاولنا تحديد نطاق الزمن للحدث المركزي في الرواية، من خلال المعطيات الموجودة في سيرة الراوي، فإننا نستطيع أن نلاحظ وقوعه في حيّز زمني يتجاوز 50 عامًا من استبداد “الزمن السياسي”، بدءًا من عام 1970 حيث ولادة الكاتب/ الطفل اليتيم، التي تزامنت مع استلام حافظ الأسد للسلطة في سورية، في السنة نفسها، بانقلاب عسكري سُمّي “الحركة التصحيحية”، مرورًا بحالة اليتم وتقاسم الخبز القليل مع العائلة الكبيرة للأخوال، ثمَّ العديد من المحطات الدراسية والاجتماعية والكثير من الملاحقات والتصنيفات الأمنية، فاصطدامًا بالحواجز النفسية والأسمنتية العسكرية، وانتهاءً بالكلمة الخاتمة للنص الروائي (يتبع)، حيث النهاية الزمنية المفتوحة على مستقبلٍ غامض ينظر فيه الغريب من بلده البديل نحو الوطن الذي أصبح جنوبًا تتكاثر فيه الزوابع:

“قبل ثلاثين عامًا، وكنتُ آنها في العشرين، سألني محقّق الأمن السياسي عن لاحقة اسمي (المطرود)، ما إذا كانت لقبًا تحمله العائلة ام اسمًا لجَد!.. لم يكن الوقتُ جيدًا لي لأسهبَ له، فالولد العشريني -ذو الميول الشيوعية آنذاك، ووشى به زميله في الهيئة الطلابية لمعهد إعداد المعلمين، فقط؛ لأنه لم يستطع مشاركة الآخرين أمسية شعرية احتفاءً بذكرى (حركة حافظ الأسد التصحيحية) والتي اعتاد السوريون فيما بينهم تسميتها: الحركة الانقلابية- ليس بحالٍ جيدة، وهم ينقلونه من مشرحة التعذيب إلى غرفة التحقيق…”. [سلالة العجاج، ص151]

نورد ذلك، دون أن نغفل عن انفتاح الزمن السردي على الماضي، حيث كان للبدو زمنٌ خاصٌّ بهم، يربطون الأحداث به لا بالزمن الطبيعي المتعارف عليه: “في زمنٍ مضى، كان البدو يؤرّخون بموت أحدهم، أو معركة نشبت بين قبيلتين، أو كارثة طبيعية، ولم تكن الكاميرا، كانت الربابة وكان الشاعر، وكان القوَّالوان؛ ولهذا كان الشاعر ثمينًا، وكانت الآلة ذات الوتر الواحد المقدود من ذيل فرس أصيلة. كل الذي وصل إلى أسماعي ولم أره، كنتُ أقرَؤُه كأسطورة أو جزء من خرافة، إلّا قصة هدَّار وسم البدو، صرتُ أقيسُ -وَفْقَها- القصص الأخرى التي أمرُّ بها”. [سلالة العجاج، ص74]

 وفي “بحثٍ عن الزمن الضائع” أو عن الساعة الخامسة والعشرين، أو عن تفسيرٍ ملموسٍ للزمن المختلف بين جنوبٍ، وشمالٍ يحتفي بالساعة الذهبية للحب، يأتي التساؤل:

“ما هو الزمن بالضبط، وقتَ كانت الخيلُ والرجال تجدُّ في أثر أحدٍ ما، كان يريد اكتساب الوقت/ الزمن، لأقل ساعة إضافية أخرى!”.

اللاحقة والسابقة في الزمن

إنَّ استخدام تقنية (اللاحقة: استرجاع الأحداث الماضية وإلحاقها بحاضر السَّرد) والذي تمَّ بإيقاف السَّرد في الزمن الحاضر والعودة بالذاكرة إلى أحداث الزمن الماضي، المليء بالحياة القليلة والفجوات والخيبات والأعمال غير المكتملة وحضور الأصدقاء الغائبين..، يقابله أيضًا استخدام لتقنية (السابقة: استباق الأحداث) ولكن على نحوٍ قليل في الرواية التي يحضر فيها الزمن الماضي بكلّ أنواعه، بسطوةٍ مستبدّة ومُنتجة للحاضر: “ستفردُ العجوزُ بظهرها المنحني وشعرها الأشيب ويديها المرتجفتين صرّةَ الأمنيات أمامي: قطعٌ من العاج، بقايا غضار أخضر، قواقع صغيرة، كسَر فخارٍ محروق، ونويات تمر، ستقول: بلّل نوية التمر بلعابك. سأفعل، ثمّ أرميها بين أخواتها وهنَّ يتدافعنَ أمام نظر العجوز الضعيف، ستسألني عن جهة نواة التمر، سأقول: الشمال…”. [الرواية، ص181]

وبعد؛ هذه المقاربة من المنطقي أنها أغفلت الكثير ولم تستطع الإحاطة بما يلفت الانتباه في أثناء قراءة (سلالة العجاج)، الرواية الخصبة باللغة والأحداث والألم وظلم المكان، مع القدرة العجيبة على الاستمرار في الحياة والانتماء الشعوري الدائم لتراب ذاك العجاج، بالرغم من كل المحطات والحواجز النفسية والإسمنتية التي وضعها الطارئون واعترضت صاحب (آلام ذئب الجنوب) واعترضتنا.