مقدّمة

الطائفة مفهومٌ متغيّر الدلالة كغيره من المفاهيم، واستخدامه عبر التاريخ لم يكن بالمعنى الذي نفهمه الآن، فقد كان لُغويًا يُعَبّر عن الجزء، فالطائفة من الشيء هي الجزء منه، كما يدلّ على الجماعة أو الفِرقة أو المجموعة من الناس، قال تعالى في محكم تنزيله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} سورة الحجرات، الآية التاسعة. ثم استُعمل اللفظ للدلالة على أصحاب الحِرَف، فكان يقال طائفة النسّاجين وطائفة الحدادين أو الصاغة أو ما شابه. لكنّ تطوّر المجتمعات يعطي للكلام معاني جديدة، ويغيّر من محتوياته بتغيّر الفرقاء الذين يتناولونه بالاستعمال أو يشملهم بالدلالة، فيختفي المعنى الأولي ليحلّ مكانه معنى آخر أو حتى معانٍ مختلفة قد تكون مغايرةً تمامًا عمّا كان الأمر عليه في البداية.

نشأة وتطوّر المسألة الطائفية في سورية

لم تكن الطائفية -بمفهومها المعاصر- موجودة على الدوام في سورية، ولا في الشرق العربي، حيث هي الأبرز حضورًا الآن. فقد ساعد تغيّر الواقع السياسي والاقتصادي، منذ نهاية الإمبراطورية العثمانية وخضوع سورية ودول المشرق للاستعمارين البريطاني والفرنسي، في تسريع وتيرة تشكّل الطوائف بالمعنى السياسي، أي في أن تلعب الطوائف دورًا في الفضاء العام، ومن ثمّ في أن تأخذ الطائفية أبعادًا أكبر وأوسع من مجرد الاختلاف في نظرة أتباعها إلى أنفسهم وإلى غيرهم من باقي مكونات المجتمع الذين يتقاسمون معهم العيش فيه.

“كانت الإمبراطورية العثمانية تتألف من عدد كبير من المجموعات المحلية العشائرية واللغوية والدينية، التي تشكل في مجموعها جاليات مغلقة. وقد كان كل منها بمثابة (عالم) يقتصر على أعضائه ويطالبهم بولائهم المطلق. وقد تلامست هذه العوالم دون أن تختلط ببعضها البعض، فكان كل منها ينظر للآخر بعين الشك والريبة، وربما الكراهية. وكانت معظمها يغلب عليها الركود وعدم التغيير والمحدودية. أما عالم أهل السنّة، رغم تمزقه بشتى أشكال التشقق الداخلي، فقد ظلّ يتمتع بشيء من الشمولية والشعور بالثقة وروح المسؤولية التي كان يفتقدها الآخرون. وكانت الجاليات الأخرى هامشية وبعيدة عن السلطة وصنع القرار التاريخي”[1].

لقد مرّ تشكّل الهويّة السورية بمخاضات عسيرة جدًا، فكان سكان سورية الطبيعية، في نهايات فترة الحكم العثماني لبلاد الشام، لا يرون أنفسهم إلا جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، لكنّ نموّ التيارات القومية التركية، بفعل الاحتكاك بمثيلاتها في أوروبا وتأثرها بالقومية الألمانية الناشئة خاصّة، أدى إلى أن يتنبّه القوميون العرب إلى تمايزهم عن الأتراك، وعندما لم تأخذ الحكومات التركية المسيطر عليها من قادة أحزاب تركيا الفتاة والاتحاد والترقّي هواجسهم الثقافية بعين الاعتبار، بات من الطبيعي لهم أن ينتقلوا إلى مراحل جديدة لبناء هويّتهم الخاصة التي لم تخرج عن فضاءي العروبة والإسلام الثقافيين. وكانت المحاولة الأولية لبناء الدولة السورية التي شملت آنذاك فلسطين ولبنان والأردن محاولة جادّة، تأخذ بعين الاعتبار الفروقات الإقليمية الواضحة بين هذه الأجزاء، فكان أن اعتمد دستور المملكة السورية العربية مبدأ اللامركزية أساسًا لنظام الحكم. لكن الظروف الدولية لم تسمح لهذه التجربة بالاستمرار، فلم تكد تأخذ القوى السورية خطواتها الأولى نحو الاستقلال، حتى وقعت تحت الاحتلال البريطاني والفرنسي من جرّاء تفاهمات واتفاقيات الدولتين المنتصرتين في الحرب العالمية الأولى.

سارعَت جيوش فرنسا إلى تحطيم المملكة السورية العربية الوليدة، ومن ثمّ استخدمت سياسة واضحة تقومُ على مبدأ تقسيم سورية الصغرى (بعد اقتطاع الأردن وفلسطين لصالح الانتداب البريطاني) إلى أقاليم طائفية صغيرة، انطلاقًا من فكرة أنّ بلاد الشام لم تكن دولة موحدة من قبل، وأنها كانت عبارة عن ولايات متفرقة لا يجمعها شيء سوى الحكم العثماني.

نشأ عن هذه السياسة دولة لبنان الحالية التي أعلن قيامها في أول أيلول/ سبتمبر 1920، وأعلنت دولة حلب في الثامن من الشهر ذاته، كما أعلن قيام دولة العلويين في الثالث والعشرين من الشهر ذاته، أمّا دولة جبل الدروز، فقد أعلنت في العشرين من نيسان/ أبريل عام 1921، وأصبحت دمشق عاصمة ما بقي من سورية، باستثناء إقليم الجزيرة الذي مارست فيه فرنسا حكمًا مستقلًا، وسنجق إسكندرون الذي بقي مستقلًا إلى أن استولت عليه تركيا عام 1939.

لكنّ مشروع التقسيم هذا فشل عدا انفصال لبنان وضمّ لواء إسكندرون، وذلك للتكاليف الباهظة التي كان على حكومة الانتداب تأمينها لإنشاء حكومات وإدارات مستقلة في هذه الدويلات الصغيرة، إضافة إلى حركات المقاومة الشعبية التي لم تتوقف[2].

مع ذلك، فقد مكّنت السياسة الفرنسية فئات مجتمعيّة معيّنة من القوميات والطوائف والأديان ذات الأقليّة العددية من الوصول إلى مراكز السلطة بشكل واضح وغير متناسب مع حجمها وتأثيرها، بالعكس مما فعلته مع الأكثرية العددية من العرب السنّة.

لقد اتبعت سلطات الانتداب الفرنسي سياسة تمكين الأقليات القومية والدينية والطائفية من التغلغل في مفاصل القوات المسلّحة، ونضرب لذلك مثلًا اندهاش العقيد عبد الحميد السرّاج (رئيس مكتب المخابرات العسكرية) عندما علم -في معرض التحقيق باغتيال العقيد السنّي عدنان المالكي، على يد الرقيب العلويّ يونس عبد الرحيم- أنّ نسبة العلويين من فئة صفّ الضباط في الجيش كانت لا تقل عنّ 55% من المجموع العام.

لم تُتح للسوريين فرصةُ بناء دولتهم باستقلال، كما ينبغي لها كي تلبّي مصالحهم الوطنية، فكان عليهم أن يصارعوا الاحتلال الفرنسي من جهة، وأن يعملوا من أجل مكافحة الواقع الانفصالي الذي سببته السياسة الفرنسية من جهة ثانية. وقد أسهم هذا الصراع في تشتت القوى والجهود وعدمّ التمكّن من بناء أمّة سورية كاملة المعالم، فـ “عندما نالت سورية استقلالها عام 1946 كانت دولة في كثير من النواحي دون أن تكون أمة، فكانت كيانًا سياسيًا دون أن تكون مجتمعًا سياسيًا”[3].

ويُضاف إلى ذلك كلّه وقوع القوى السياسية السورية نهبًا للتحالفات والمحاور الإقليمية، فكانت الكتلة الشاميّة أقرب إلى المحور السعودي المصري، بينما كانت الكتلة الحلبية أقرب للمحور التركي العراقي، والذي تمظهر سياسيًا فيما بعد بما سُمّي “حلف بغداد”. لقد كانت السياسة محصورة في مراكز المدن الكبرى والعاصمة، لكنّ الهجرات الريفية التي بدأت تتكثّف، مع تركيز الخدمات في هذه المدن، غيّرت قليلًا من المزاج الشعبي العام، فبدأ أبناء الأرياف ممارسة السياسة عن كثب، من خلال انخراطهم في الجامعات والجيش والقوات المسلحة والوظائف العامّة التي تركّزت في العاصمة والمدن الكبرى.

مع ذلك كلّه، بقيت الصراعات بين الريف المدينة ذات تأثير كبير في مستقبل سورية، فكانت التداخلات العشائرية والطائفية والدينية والمناطقية تتفاعل بشكل كبير، لتنتج مجتمعًا مقسّمًا لا مجتمعًا واحدًا، خاصّة مع غياب سياسة تنموية واضحة تأخذ احتياجات الأطراف بعين الاعتبار، فقد كان الاقتصاد الزراعي هو الغالب على البنية الاقتصادية السورية، مع ذلك لم تكن الأرياف تحظى بالاهتمام الكافي لتنميتها وتوطين أبنائها فيها. وكان لطبيعة الإدارة المركزية الشديدة في مرحلة الاستقلال أكبر الأثر في حرمان هذه المناطق، مقابل الإنفاق على المراكز، التي عانت بدورها سياسة الترييف بسبب الهجرات المكثّفة إليها، وبسبب أحزمة الفقر التي بدأت تحيط بها من كل جانب، وكان”العداء بين سكان الريف وسكان المدن يصل إلى حد يصبح عنده بالإمكان التحدث عن شعبين مختلفين يتعايشان داخل إطار سياسي واحد دون أن يختلطا، والفلاح هو الذي يتكبد نتائج هذا العداء، لأن البناء الاجتماعي الاقتصادي يقوم أساسًا على صدارة المدن بلا منازع”[4].

وعند انقلاب الضباط البعثيين على الحكم المدني، في 8 آذار/ مارس 1963، كانت الأجواء شبه جاهزة لتحويل الصراع السياسي المجتمعي على الثروة والنفوذ، من خلفيات اقتصادية طبقية، إلى أشكالٍ تتداخل فيها الأبعاد جميعها لتأخذ في النهاية صورة طائفية نوعًا ما، أو صورة توحي بإزاحة الأكثرية العددية من سكان المدن والمراكز الحضرية الكبرى عن مراكز الفعل، وتعزيز سيطرة الأقليات الدينية والطائفية، مع أننا سنشهد تحالفات واسعة فيما بعد بين التجار والصناعيين والطبقة البرجوازية التقليدية من جهة، وبين أبناء الطبقات الفقيرة الذين تبوّؤوا المناصب القيادية والمراكز الحساسة والعليا في جميع مؤسسات الدولة، ابتداءً من الجيش وأجهزة الأمن وصولًا في مراحل متأخرة إلى جميع مؤسسات الدولة المدنية.

لم تقتصر المسؤولية عن هذا التحول في شكل الصراع إلى مظاهر طائفية على العسكر فقط، بل أسهم الإسلام السياسي وتياراته المختلفة في نصيب مهمٍ من تطييف الصراع. لقد كان لجماعة “الإخوان المسلمين” خاصّة دورٌ بارز في أخذ الأكثرية السنيّة رهينة لتفسيراتها الخاصّة للدين ودوره في المجتمع، وكان هذا المذهب والسلوك معبرًا طبيعيًا لها للمنافسة على السلطة. كذلك أسهمت فئة رجال الدين من غير المتحزّبين مباشرة في هذا التحوّل، فكان اصطفافهم خلف فئة التجار وأصحاب رؤوس الأموال، لدعم موقفهم أمام السلطات الحاكمة، من أهم عوامل تدجين المجتمع، وهذا التماهي بين مصالح رجال الدين والتجار وأصحاب السلطة كان من العوامل التي أوصلت غالبية السوريين إلى الاعتقاد بأنّ الطائفية بنية أساسية يقوم عليها المجتمع السوري.

تعزز هذا الفرز مع استيلاء رجال الدين في إيران على السلطة، بعد إسقاط نظام الشاه، وكانت سورية محطة مناسبة لنقل النشاط الدعوي بداية ثم الثقافي في مراحل متأخرة، والسياسي والعسكري في مرحلة ما بعد الثورة السورية. لقد لعب الخطاب الطائفي الإيراني دورًا كبيرًا في تعزيز الانقسام المجتمعي السوري، فأصبح للأكثرية السنية الآن سردية جديدة تقوم على مظلومية راهنة يعيشها أهلها قتلًا وتهجيرًا وتدميرًا لمدنهم وقراهم واستيلاءً على أملاكهم ومصادرة لمستقبلهم.

تشخيص الأزمة الطائفية وتحديد نطاقها وأبعادها

لا شكّ في أنّ الأزمة الطائفية في سورية ليست محصورة بين مكوّنين فقط، السنّة والعلويين، بل تشمل جميع الأديان بكل طوائفها. لكن أكثر ما يظهر على الساحة هو ما يرتبط بالسياسة والسلطة والثروة والنفوذ. وباعتبار أنّ الأكثرية العربية السنّية كانت تعدّ نفسها على الدوام صاحبة الحق في جمع السلطة والثروة مستندة إلى التاريخ الموغل في القدم منذ الفتوحات الإسلامية، وباعتبار أنّ ذلك قد بدأ بالتغيّر بدءًا من عصر الامتيازات أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، وتعزز مع الاحتلال الفرنسي في بداية القرن العشرين، واستُكمل مع سيطرة العسكر على السلطة منذ ستينيات القرن الماضي، ثم تأكّد بتركّز السلطة في يد شخصين ينتميان إلى الطائفة العلوية وعلى مدار الخمسين عامًا الماضية كلها من عمر سورية، فإنّ اتخاذ الصراع أشكالًا أو تمظهرات طائفية محصورة بين هاتين الفئتين هو أمرٌ مفهوم لدرجة كبيرة.

لو دخلنا في عمق البنية المجتمعية لجميع المكونات السورية، لوجدنا فيها انقسامًا داخليًا من نوعٍ ما، سواء بين أتباع الدين الواحد والقومية الواحدة أم بين بين الأديان والقوميات المختلفة. وقد بقيت هذه الانقسامات وتعمّقت مع مرور الوقت، بسبب عدم وجود أجواء صحيّة للحوار والنقاش حولها. وكان الكبت والقمع هما الأداتان الأساسيتان اللتان استخدمتهما السلطة السياسية الأمنية في نظام الحكم خلال الخمسين عامًا الماضية على الأقل، لمنع مثل هذه الحوارات. جعل هذا من الريبة والتوجس والخوف والانغلاق على الذات وعدم معرفة الآخر أسسًا صلبة راسخة للتعامل بين المكونات السورية. أما المظاهر الاحتفالية التي كانت تجمع بها السلطة رموزًا وممثلين عن هذه المكونات، فلم تكن سوى مجرّد ذرٍّ للرماد في العيون. لقد كان دأب نظام الأسد بمرحلتيه إظهار انعدام وجود الطائفية مع العمل الدؤوب على تكريسها. لقد كانت المحاصصات الطائفية في كل التعيينات السياسية والإدارية والعسكرية والأمنية حاضرة في سورية، لكن الحديث عنها كان جريمة لا تُغتفر.

ومع تفجّر الثورة السورية، ظهرت كلّ هذه الرواسب إلى السطح، وبات من الممكن الحديث بها علانية، وسيكون لذلك أثر إيجابي على المدى البعيد في المجتمع السوري. لكنّ الخطاب الراهن لا يبشّر عمومًا بالخير، فباستثناء بعض الشرائح المثقفة من المجتمع والعابرة للطوائف والقوميات والأديان، لا يسود سوى خطاب الكراهية والتحريض والطائفية، على جميع الجبهات المتقابلة. وسيكون من غير المفيد القفز على الواقع والحديث عن يوتوبيا غير موجودة إلا في أمنياتنا وأحلامنا. لقد ساد خطاب الوطنية والعقلانية والتعالي على الانقسامات خلال الأشهر الأولى من الثورة، لكنّه انقلب رأسًا على عقب، مع دخول الثورة طورها العسكري، ونحن هنا لا نتهم الثورة بالتسبب في ذلك؛ فالمسؤول الرئيس والأول عن ذلك هو نظام الأسد، بما اتبعه من استراتيجية واضحة في سَوق المجتمع السوري نحو الهاوية. لكننا لا نبرّء القوى المسيطرة وقوى الأمر الواقع من مسؤولياتها وأخطائها أيضًا.

لا يمكن لسورية أن تتعافى دون الانتقال السياسي أولًا ودون اتبّاع مسار وطني متكامل للعدالة الانتقالية. ويجب أن يتسع هذا المسار للحوار المجتمعي بكل مستوياته، ويجب أن يُبنى على المصارحة والشفافية وتقبّل الآخر كما هو. فإذا لم يحصل هذا، فلن يكون بإمكاننا إلا أن نتوقع استمرار الأحقاد الطائفية والقومية والمناطقية. من يستطيع الجزم بأنّ موظفين مدنيين أو عساكر وضباطًا من الطائفة العلوية يمكن أن يخدموا في درعا أو إدلب أو دير الزور، اليوم أو إلى خمسين عامًا مقبلًا، دون هذا البرنامج الوطني للعدالة الانتقالية؟! وكذلك بالمثل للعرب المسلمين السنة، إن أحبّوا العمل في طرطوس أو السياحة في سواحل اللاذقية. هل يأمن رعايا الكنائس على أنفسهم، مثلًا، بعد اختطاف الأب باولو على يد تنظيم (داعش) المحسوب على العرب السنّة -شئنا أم أبينا- وفق النظرة النمطية التي تمّ تكريسها سوريًا وإقليميًا وعالميًا؟ وهل يأمن أهل بانياس وحلب وغوطة دمشق من سلوك أحفاد معراج أورال (علي كيالي) أو سهيل الحسن أو عصام زهر الدين؟! الموضوع في علم الغيب، لكنّ مؤشراته ومقدماته واضحة أمامنا منذ اللحظة، وبدون ما ذكرنا، ستبقى الجروح نازفة والأحقاد قائمة.

إنّ استمرار الأسد في الحكم يعني استمرار الانحدار نحو الهاوية، فبنية هذا النظام غير قابلة للتغيّر، إنها حركة إجبارية نحو الفساد والخراب، بأدوات لا تتطوّر إلا في مجالات القمع والقتل والتدمير. لذلك لن تقوم لسورية قيامة إن بقي الأسد ونظامه جاثمين على صدور السوريين. وصحيح أنّ المشكلة الأساسية في النظام ككل، لكنّ رأس النظام بات مع مرور الزمن أكبر من مجرد رأس الهرم، إنه بنيته الأساسية وهيكله العظمي وعصبه ودماغه المشغّل، وبسقوطه يمكن أن نشهد سقوطًا دراماتيكيًا لنظام لم يستطع أفراده إلا التوافق على وريث الأسد الأب لمنع انهيار نظامهم.

ما الذي يمكن القيام به، الآن وبعد الانتقال السياسي

يمكن القيام بالكثير، منذ اللحظة، لوقف حالة التدهور في بنية المجتمع السوري. فباعتبار أننا سنجد أنفسنا -طال الزمن أم قصُر- أمام دولة منهارة بكل المقاييس، فإن واجبنا يقتضي أن نبدأ منذ اللحظة في التأسيس لبنى مؤسساتية جديدة، ومحاولة وضع التصورات العامة والدخول في القضايا التفصيلية، ما أمكن. فالبحث في أشكال الدولة المناسبة لسورية، وأشكال أنظمة الحكم، والعلاقة بين المناطق والأطراف والمركز، كلها قضايا يمكن العمل عليها منذ الآن، وفي لحظة الاستحقاق، يكون أمامنا كثير من الخيارات والبدائل المدروسة من جهة، كما يكون لدينا كثير من الخبرات التي عملت على هذه الدراسات وطوّرتها من جهة ثانية، وبهذا نوفر الوقت ونستثمر الجهود الضائعة هدرًا في زمن التشتت والضياع الراهن. يمكن البحث في طبيعة الاقتصاد الذي نحتاج إليه، وإمكانيات التوزيع العادل للثروات، وفتح المجال أمام المنافسة الشريفة، وتشجيع الكفاءات، وهذه كلها مجالات مفتوحة للدرس والتطوير حتى قبل الخلاص من الاستبداد.

كذلك نحتاج إلى العمل على تطوير البنى الفوقية للمؤسسات السورية، المؤسسات الرسمية والاتحادات الطوعية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني المختلفة، فهذه يمكن العمل عليها منذ اللحظة الراهنة، بحثًا وتطويرًا وتعديلًا. لسنا بحاجة بالطبع إلى إعادة اختراع العجلة، فتجارب الشعوب والدول التي سبقتنا موجودة ومتاحة لنا للدرس والمقارنة، ويمكننا بكل تأكيد اختصار الوقت والجهد عند التمعّن بها، وإن اقتصرت فائدتنا منها على تجنّب الأخطاء التي وقع فيها من سبقنا، فهو كافٍ لنا.

إنّ التدرّب منذ اللحظة على خلق مجتمع مدني هو أمرٌ في غاية الأهمية، فهذه المساحة كانت مُلغاة في سورية منذ انقلاب البعث عام ثلاثة وستين، وإعادة فتح المجال العام للمشاركة الشعبية أمرٌ في غاية الأهمية. وكلما بدأنا مبكرين في دراسة هذه المفاهيم، كان من السهل علينا مستقبلًا ممارستها، فالنظرية أساسٌ لا غنى عنه للنجاح في الواقع والتطبيق العملي.

أمّا على صعيد المستقبل، بعد الانتقال السياسي من الاستبداد إلى الديمقراطية، فلا بدّ من بناء منظومة دستورية وقانونية متكاملة، تأخذ بعين الاعتبار وبالدرجة الأولى حقوق الإنسان، وهذه المنظومة يجب أن تعبّر عن كل السوريين، فإن لم يجد كل سوري نفسه فيها فلن تنجح، لأنّ الانتماء والهوية الوطنية هما شعورٌ يتجسد في المنظومة الدستورية والحقوقية لأي مجتمع، فإن أقصت هذه المنظومة مكونًا أو أكثر أو مجموعة ما قومية أو دينية أو طائفية، فإننا سنبقى أمام حالة الاستعصاء التي أوصلتنا إلى هذا المأزق الراهن.

يجب أن يكون لدينا نهجٌ واضح للمشاركة الشعبية في إعادة إنتاج الوعي السوري، وفي إعادة بناء السرديات الوطنية عمّا جرى، دون إفراط أو تفريط. يجب أن نعترف بأخطائنا علانية، ويجب أن نكتب التاريخ كما هو لنتجنّب الدخول في مظلوميات جديدة قد تعيدنا أو تعيد الأجيال القادمة إلى دوامة العنف التي ما نزال نعيشها حتى اللحظة. ولكي يتحقق هذا، لا بدّ من وجود برامج وطنية للحوار واضحة ومخطط لها بشكل استراتيجي.

من وجهة نظرٍ تبحث عن أسس جديدة لبناء مجتمع سليم، فإنّ أهمّ منظومة يمكن العمل عليها عمليًا، هي منظومات التعليم بمراحله المختلفة، الأساسي والإعدادي والثانوي، مرورًا بالتعليم المهني، وصولًا إلى التعليم العالي. فأساس النهضة يعتمد على بناء نظام تعليمي يتوافق ويتناسب مع الكتلة البشرية السورية من جهة، ومع الاحتياجات الوطنية من جهة ثانية. هكذا نهضت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وهكذا يمكن أن تنهض سورية، فسورية تحتاج إلى نظام تعليمي يأخذ بعين الاعتبار ذوي الاحتياجات الخاصة من ضحايا الحرب، مثلًا، فهؤلاء الذين يربُو تعدادهم على مليون إنسان، في أقل التقديرات، دون أن نضيف إليهم الضحايا الذين تعرّضوا لأضرار وأمراض نفسية فقط، يجب إدماجهم في المجتمع السوري الجديد وفي عجلة الإنتاج بلا أدنى ريب، وهذا يحتاج إلى أنظمة تعليم عادية ومهنية وحرفية جديدة كليًا غير تلك التي كانت موجودة في سورية قبل الثورة.


[1] ألبرت حوراني – تاريخ الأقليات في العالم العربي – ص 22 – المصدر كتاب نيكولاس فان دام (الصراع على السلطة في سورية) – الطبعة الإلكترونية عام 2006- ص 18.

[2] بشير زين العابدين- التحدي الطائفي في سوريا – بحث مقدّم لمؤتمر تحديات ما بعد الربيع العربي – ص 6 – تجمّع الأصالة – مجلة البيان – المركز العربي للدراسات الإنسانية – ليبيا طرابلس – 22-23- ديسمبر 2012

[3] نيكولاس فان دام (الصراع على السلطة في سورية) – الطبعة الإلكترونية عام 2006- ص 22.

[4]  نيكولاس فان دام – المرجع السابق – ص 35