ورقة قُدمت في إطار اللقاء الحواري الأول لـ صالون الكواكبي – مركز حرمون للدراسات المعاصرة – حول قضايا “الدين والدولة والسياسة” – إسطنبول في يومي 8 و9 تشرين الأول 2016.

 

يمكننا عدّ نضال البشر من أجل الحرية قديمًا قدم البشرية نفسها، وقد تطور عبر مئات -بل آلاف- السنين وصولًا إلى ما نحن عليه الآن. وثمة محطات تاريخية بالغة الأهمية في هذا المسار نذكر منها بهذه المناسبة مقولة عمر بن الخطاب الضاربة والفاتحة “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا” الأمر الذي أعطى مفهوم الحرية بعدًا جديدًا، وهي أنها معطاة للبشر حكمًا بقوة الخالق، وليست عطاءً أو منّة من مخلوق مهما علا شأنه.

أترك المراكمة النظريّة والفلسفيّة حول الحرية لأنتقل إلى موضوعي الرئيس “الحرية من الجانب الوضعي”، والذي أتناول فيه مسيرة تحول قيم الحرية إلى قواعد قانونية ملزمة وواجبة الاحترام والتطبيق. مؤكدا أنّ هذا الانتقال كان نتيجة لهذه المراكمة النظريّة والنضاليّة عبر التاريخ.

ستتناول هذه الورقة بضع محطات رئيسة كان لها الأثر الأكبر في مسيرة تبلور مبادئ الحرية وتجذرها على الصعيد القانوني الملموس، نبدؤها بالوثيقة، المنطلق، “الماغنا كارتا” ثم “إعلان الاستقلال” للولايات الأميركية الثلاث عشرة، ثم “دستور الاستقلال الأميركي”، ثم “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” بعيد انطلاق الثورة الفرنسية، ثم “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” الصادر عن الأمم المتحدة.

يمكننا اعتبار وثيقة “الماغنا كارتا” أو ما تُرجم إلى العربية بـ”العهد الأكبر” أو “الميثاق الأعظم” والتي صدرت في إنكلترا عام 1215 واعتُمدت كقانون عام 1225، بأنها أول وثيقة في التاريخ تنقل الحريات العامة من مستوى المبادئ النظرية الأخلاقية المجردة، إلى المستوى الوضعي، فأصبحت حقوقا ملموسة واجبة التطبيق بحكم القانون، ومعزّزة بوسائل إجرائية لحمايتها وضمان تطبيقها.

لم تأتِ أهمية الوثيقة من شمولها جميع الحريات والحقوق، ولا من شمولها فئات المجتمع كافّة، بل كانت اتفاقًا فحسب، بين ملك إنكلترا والبارونات المتمردين عليه، وتم بموجبها الحد من بعض سلطات الملك في الاعتقال والنفي ومصادرة الأملاك، فأصبح ذلك لا يصح إلا بموجب نص قانوني وبإجراءات قضائية عادلة، لكن عظمة الوثيقة تأتي من كونها دشّنت عهدًا جديدًا تقع فيه سلطة الملك تحت القانون، وجعلت سيادة القانون هي المبدأ، كما أنها دشّنت هذه المسيرة المهمّة في تاريخ البشرية، أي مسيرة تحويل الحقوق والحريات إلى قوانين وإجراءات وضعية. وأسست للحرية الفردية ضد السلطة الاعتباطية للحكم المطلق.

في القرن الثامن عشر اتّخذ متمردو المستعمرات الإنكليزية (استراليا– نيوزيلاندا– كندا– جنوب أفريقيا…..) من “الماغنا كارتا” نموذجًا لمطالبهم في الحرية والاستقلال عن التاج البريطاني. كما ظهر أثر “الماغنا كارتا” واضحًا في الدستور الأميركي ووثيقة الحقوق الأميركية، موضوع فقرتنا التالية.

ننتقل إلى “إعلان استقلال الولايات الأميركية عن بريطانيا”، والذي صدر في تموز 1776، بإجماع ممثّلي الولايات الأميركية الثلاث عشرة (المستعمرات البريطانية آنذاك): وقد جاء فيه:

“نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية، وهي أن البشر خُلقوا متساوين، وأن خالقهم حباهم بحقوق معينة لا يمكن نُكرانها والتصرف فيها، وأنَّ من بينها الحقَّ في الحياة والحرية، والسعيُ في سبيل نُشدان السعادة. وإنَّه لضمان هذه الحقوق، تَنشأ الحكومات بين الناس مستمِدة سُلطاتها العادلة من موافقة المحكومين. وإنه عندما يصبح أيُّ شكل من أشكال الحكم في أي وقت من الأوقات هادِمًا ومدمِّرًا لهذه الغايات، يصبح من حقِّ الشعب أن يغيِّرَه أو يُلغيَه، ويشكِّل حكومة جديدة مقيمًا أساسَها على المبادئ، ومنظّمًا سلطاتها وفق الكيفية التي تبدو له أفضلَ ملاءمة لتحقيق سلامته ورفاهه”.

وقد أصبح هذا الإعلان جزءًا من الدستور الأميركي، والمعيار الأخلاقي الذي يتوجب على الولايات المتحدة الدفاع عنه، وعدّه الرئيس الأميركي “أبراهام لينكولن” وثيقة الأساسيات التي ينبغي من خلالها تفسير دستور الولايات المتحدة.

وفي العام 1791، أُدخلت إلى الدستور الأميركي التعديلات العشرة المسماة “وثيقة الحقوق” والتي تحدد الحقوق والامتيازات والحريات التي لا يجوز للحكومات الفيدرالية أن تحرم البشر منها.

لقد عكست وثيقة الحرية رغبة الأميركيين الكبيرة في المحافظة على حقوق المواطنين الأساسية، كحرية الرأي والتعبير، وحرية التجمع، وحرية المعتقد والعبادة، كما أنها منعت الكونغرس من سنّ قوانين تتبنى دينًا رسميًّا للدولة، أو تفضيل دين على آخر.

لقد نص التعديل الأول على ما يلي:

“لا يُصدر الكونغرس أي قانون خاص بإقامة دين من الأديان أو يمنع حرية ممارسته، أو يحدّ من حرية التعبير أو الصحافة، أو من حق الناس في الاجتماع سلميًّا، وفي مطالبة الحكومة بإنصافهم من الإجحاف”.

هذا النص، الذي أصبح مبدأً فوق دستوري، منع الكونغرس من المساس بحرية الأديان وممارستها، أيًّا كانت هذه الأديان، وجعل من حرية الدين والمعتقد مبدأً أعلى في الولايات المتحدة الأميركية لا يمكن المساس به من قبل أيِّ سلطة، ويمكن لأيٍّ كان اللجوء إلى القضاء لإبطال أيِّ تصرف أو قرار يخالف هذا المبدأ.

نأتي إلى المحطة التالية، والبالغة الأهمية بدورها على صعيد تجذير مسألة الحريات وقوننتها، وهذه المحطة هي “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” الصادر بُعيد انطلاق الثورة الفرنسية، والذي أصبح فيما بعد جزءًا لا يتجزّأ من الدستور الفرنسي، بل على رأسه، حيث جاء في ديباجة الدستور الفرنسيّ:

“يعلنُ الشعبُ الفرنسيُّ رسميًّا تمسُّكَه بحقوق الإنسان وبمبادئ السيادة الوطنية مثلما حددها إعلان 1789، وأكدتها وأتمتها ديباجة دستور 1946، وكذا تمسكه بالحقوق والواجبات التي أقرها ميثاق البيئة في عام 2004”.

وأقتبس ممّا جاء في الإعلان ما يلي:

المادة 4:

تكمن الحرية في القدرة على فعل كل ما لا يضر بالغير. ولذلك فإن ممارسة الحقوق الطبيعية لكل إنسان ليس لها حدود إلا تلك التي تكفل للأعضاء الآخرين في المجتمع التمتع بذات الحقوق. ولا يجوز تحديد هذه الحدود إلا بموجب القانون”.

المادة 10:

لا يجوز إزعاج أحد بسبب آرائه حتى وإن كانت دينية، شريطة ألا يخل الإعلان عنها بالنظام العام المحدد وفي القانون”.

المادة 11:

“إن حرية التعبير عن الأفكار والآراء هي واحدة من أثمن حقوق الإنسان، بالتالي يجوز لأي مواطن أن يتكلم، يكتب وينشر بحرية، باستثناء ما هو بمثابة إساءة استخدام لهذه الحرية في الحالات التي يحددها القانون”.

وجاء في ديباجة الدستور الفرنسي الصادر عام 1946، التي تعدّ، كإعلان الحقوق، جزءًا رئيسا من الدستور الفرنسي:

“غداة الانتصار الذي حققته الشعوب الحرة على الأنظمة التي سعت إلى استعباد وإهانة البشرية، يعلن الشعب الفرنسي مجدّدًا أن كل إنسان يملك حقوقًا مقدسة وثابتة من دون تمييز على أساس الأصل أو الدين أو العقيدة“.

ننتقل إلى محطة هامة أخرى في هذا المسيرة، وهي “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، وهو أول وثيقة حقوق دولية الطابع، تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 ، وتتضمن رأيها في حقوق الإنسان التي يجب أن تكون مكفولة ومحمية لكل البشر.

شكل هذا الإعلان، مع وثيقتين أُخريين صدرتا عام 1966 عن المصدر نفسه، وتمت المصادقة عليهما عام 1976، وهما “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” و“العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، ما يسمى بـ “الشِّرعة الدولية لحقوق الإنسان“.

جاء في المادة 1 من الإعلان:

“يولد جميع الناس أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق. وقد وُهبوا عقلًا وضميرًا وعليهم أن يعامِل بعضهم بعضًا بروح الإخاء”.

وفي المادة 2:

“لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، من دون أي تفرقة بين الرجال والنساء”.

وفي المادة 18:

“لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين. ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرًّا أم مع الجماعة”.

وفي المادة 19:

“لكل شخص الحقّ في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء من دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت من دون تقيد بالحدود الجغرافية”.

أما “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”، والذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966، وأصبح نافذًا في العام 1976، فينصّ في مادته الثامنة عشرة على ما يلي:

  1. لكل إنسان الحق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدينٍ ما، وحريته في اعتناق أيّ دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.
  2. لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريّته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره.
  3. لا يجوز إخضاع حريّة الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة، أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
  4. تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، في تأمين تربية أولادهم دينيًّا وخُلقيًّا وفقًا لقناعاتهم الخاصّة.

 

لكن ماذا عن القيمة القانونية لإعلانات الحقوق العالمية؟

سأتناول هذا الموضوع بتبسيط وإيجاز أرجو ألّا يكون مخلًّا.

لا تتمتع إعلانات الحقوق (الحريّات من ضمنها طبعًا) بأي قيمة قانونية أو إجرائية ملزمة بالنسبة لدولة ما، ما دامت هذه الدولة لم تعتمدها في نظامها القانوني. وفي ما عدا ذلك تبقى لإعلانات الحقوق قيمتها الأدبية والأخلاقية فحسب؛ لأن فرضها من الخارج من دون إرادة المشرّع الوطني يعدّ اعتداء على مبدأ السيادة الذي تتشبث به جميع الدول.

أما عندما يقوم المشرع الدستوري باعتماد تلك الإعلانات في المنظومة القانونية الوطنية، فتصبح قيمتها القانونية محققة، وحكمها حكم التشريعات الوطنية من حيث وجوب الاحترام والتطبيق. لكن ينتقل النقاش في هذه الحالة إلى المستوى القانوني الذي تصنّف فيه تلك الإعلانات، أي هل نضعها في مستوى الدستور، أو أعلى، أو في مستوى التشريعات العادية (القوانين)؟

ثمة دول تضع إعلانات الحقوق في مرتبة أعلى من قواعد الدستور، وهذا الموقف مؤسَّس على الرأي الفقهي الذي يقول إن حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية، أعلى وأسمى من الدستور، وهي سابقة على وجود الدّولة أساسًا، وأن الدولة لم تنشأ إلا لضمان تلك الحريات. لذلك فإن إعلانات الحقوق، والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان يجب أن تكون أعلى وأسمى من الدستور، وهي بذلك لا تُلزم المُشرِّع العادي فحسب، بل تلزم المُشرِّع الدستوري أيضًا، ما يستدعي ضرورة أن تتوافق أحكام الدستور مع إعلانات الحقوق، وإلا كانت جديرة بالبُطلان، ويمكن اللجوء إلى القضاء في حال مخالفتها، ومن هذه الدول فرنسا.

وثمة دول أخرى تضع إعلانات الحقوق على سويّة قانونية واحدة مع الدستور، وموقفها هذا مؤسس على أن الإعلانات تصدر عن نفس السلطة التي وضعت الدستور، أو تم تبنيها من السلطة فحسب، ولا سيما أن هذه الإعلانات تتناول مبادئ وقواعد لا تقلّ عن مبادئ الدستور نفسه، ومن هذه الدول الولايات المتحدة الأميركية.

وهناك فريق ثالث من الدول ينكر على هذه الإعلانات القيمة القانونية، ويصفها بأنها عرض عقائدي أو فلسفي فحسب، يفتقر إلى القابلية للتطبيق المباشر، ولا يمكن أن تُرتِّب أثرًا قانونيًّا، فهي تُلهم المشرع وحده فقط، لكنها لا تلزم القاضي.

أما على الصعيد العملي، فلا بد من التمييز بين طائفتين من الأحكام التي تتضمنها إعلانات الحقوق:

  1. فبعضها يعبر عن قاعدة من قواعد القانون الوضعي، وبوضعها قصد واضع الدستور أنّها ملزمة قانونًا، لأنها ممكنة التطبيق في النظام القانوني الراهن، مثال ذلك ما ينصّ عليه إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي من تكريسٍ لحرية الرأي والتعبير وحمايتها.
  2. وبعضها الآخر لا يعبِّر عن قاعدة من قواعد القانون الوضعي، كالأحكام التي تحدٍّد غايات الدولة، فهي تصلُح لأن تكون موجِّهًا للمشرع، لكن لا تصلُح للاحتجاج بها أمام المحاكم بعدِّها حقوقا غير قابلة للاستيفاء مباشرة، وليس لها مؤيد قانوني. مثال ذلك إعلان حق الأفراد في العمل.

بقي أن نقول إنّ قيمة إعلانات الحقوق الأدبية، وقوتها القانونية تزداد باطّراد مع الوقت، فبعد أن كانت قيودًا على نشاط الدولة لحماية حقوق وحريات الأفراد فحسب، أصبحت في ما بعد التزام الدولة العمل على ملء هذه الحقوق بمضامينها، والسعي لتحقيقها باتخاذ أفعال إيجابية تساعد على تحقيقها، وتزيل العوائق من طريقها.

 

بقيت الفقرة الأخيرة في ورقتنا، وهي حول مدى تعارض إعلانات الحقوق مع الأديان.

وبمعنى آخر، هل ثمة تعارض أو تناقض بين إعلانات الحقوق فيما لو تم اعتمادها، والدساتير التي تحوي نصوصًا دينية؟

في ما يخص حرية الدين والمعتقد مثلا، نجد أن أهم الضمانات والمعايير الدولية التي ينص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي يُفترض بالدول مراعاتها واعتمادها في دساتيرها هي بشكل مختصر:

  • لكل فرد الحرية التامة في اعتناق أي دين، وفي ممارسة شعائر دينه وطقوسه، بمفرده أو مع الجماعة، خفية أو علنًا، وكذلك حريته تعليم دينه أو التبشير به.
  • تقييد الحرية المذكورة لا يجوز إلا بموجب قوانين تتطلبها السلامة العامة والنظام العام، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، أو حقوق الآخرين وحرياتهم.

فهل تتعارض هذه المعايير مع النص على دين الدولة في الدستور؟ أو مع اعتماد الشريعة كمصدر للتشريع؟

بالنسبة للمعايير الدولية، فلا ضير في أن تتبنى الدولة دين أغلبية سكانها وتعدّه دينا لها، شرط ألا يترتب على ذلك أي انتهاك للحقوق المدنيّة والسياسيّة، أو أي تمييز ضد المؤمنين بديانات أخرى، أو ضد غير المؤمنين.

وقد أقرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن” مجرد وجود دين رسمي للدولة أو وجود كنيسة مسيطرة لا يخالف حق الحرية في الدين أو المعتقد مادام الأفراد يتمتعون بحرية ترك هذا الدين أو الكنيسة”

وفي معرض تعليقها على المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، قالت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة: “إن الاعتراف بديانة ما بعدِّها دين الدولة، أو الدين الرسمي أو التقليدي، أو بعدِّ أتباعها يشكلون أغلبية السكان، يجب ألا يؤدي الى إعاقة التمتع بأي حق من الحقوق المنصوص عليها في العهد بما في ذلك المادتين 18 و 27، كما يجب ألا يؤدي الى أي تمييز ضد أتباع الديانات الأخرى، أو الأشخاص غير المؤمنين بأي دين”.

استنادًا إلى ذلك، فإن وجود النص الديني في الدستور لا يحول، مبدئيًّا، من دون عدِّه مطابقًا للمعايير الدولية إذا نصّ أيضًا على الضمانات الدولية المعتمدة في هذا الخصوص، وكانت النصوص الدينيّة لا تتعارض مع هذه الضمانات. لذلك يمكن عدُّ الكثير من الدساتير التي تعتمد الإسلام كدين للدولة، أو كمصدر للتشريع، أنها منسجمة مع المعايير القانونية الدولية ذات الصلة.

لكن يبقى هناك، من وجهة نظري، عدد من النقاط الإشكالية ألخصها بما يلي:

  • النقطة الأولى تتعلق بالقدرة على تجاوز التعارض بين بعض الصيَغ الدينية التي ترد في بعض الدساتير، وبين تلك الضمانات الموجودة في الدساتير نفسها. فأنا أرى أن ذلك غير ممكن إلا على حساب تهميش أحدها، أي النصّ الدينيّ أو الضمانات، فاحترام كليهما يؤدي إلى تعارض وتناقض خطِر يهدد بنسف الضمانات في أي وقت، فاحترام أحكام الشريعة، واحترام حرية المعتقد وحرية ممارسة الشعائر الدينية للجميع في الوقت نفسه، أمر لا يمكن تخيله، ولا بد إذًا من احترام أحدهما وإهمال الآخر عبر التعامل معه كنص شكلي، وحتى التهميش قد لا يدوم مع تغير الظروف وموازين القوى.
  • أما النقطة الثانية فتكمن في عدم وجود جهاز قضائي أو برلماني مسؤول عن تحقيق التوافق، ومنع التعارض بين أحكام الدستور المختلفة، وعلى رأسها التعارض بين النص الديني وباقي النصوص.
  • أما النقطة الثالثة فتتعلق بعدم وجود تعريفات واضحة متفق عليها للمصطلحات الدينية، كالشريعة، ومبادئ الشريعة، وعدم وجود جهات مرجعية يناط بها وضع تعريف لهذه المصطلحات.

في جميع الأحوال، لا تستطيع الدول الدينية كالسعودية وأفغانستان وإيران، توفير ضمانات تتوافق مع المعايير الدولية، كذلك يتعذر ذلك على الدول التي تتبنى صيغًا دينية متشدّدة في دساتيرها، مثل “الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع” حتى لو تبنت ظاهريا كافة المعايير الدولية ذات العلاقة. فمصر تفرض حظرًا على ممارسة البهائيين شعائرهم الدينية، بعدِّهم ليسوا من أهل الكتاب، وديانتهم غير معترف بها، ما استدعى إدانة رسمية من قبل لجنة حقوق الإنسان، التي عدّت الحظر تجاوزًا على حق حرية الدين والمعتقد، وطالبت الحكومة المصرية باحترام المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في تشريعاتها وفي تطبيق تلك التشريعات.