عنوان المادة الأصلي باللغة الفرنسية:Alep : l’histoire cachée d’une chute
اسم الكاتبلوك ماتيو، المراسل الخاص لمدينة غازي عينتاب.

Luc Mathieu, envoyé spécial à Gaziantep

مصدر المادة الأصليجريدة الليبراسيون الفرنسية
رابط المادةhttp://www.liberation.fr/planete/2017/03/12/alep-l-histoire-cachee-d-une-chute_1555194
تاريخ النشر12 آذار/ مارس 2017
المترجمأنس عيسى

 

 

جدول المحتويات

حقل البطاطا

افتقد الثوار الحافز

خسرنا دعم السكان

تحت الأنقاض

 

 

01

الصورة: مقاتلون في الجيش السوري الحر يستريحون في دكان في الجنوب الغربي لمدينة حلب. بتاريخ 2 آب/ أغسطس 2016. عبد الرحمن إسماعيل/ رويترز.

مدنيون، مقاتلون أو عمال إغاثة إنسانية، كانوا موجودين في الشطر الثائر من المدينة، تحت القصف وتحت الحصار، قبل ان يستعديها النظام السوري وحلفاؤه في نهاية عام 2016. يشرحون لنا كيف عجلت انقساماتهم وقوع الهزيمة.

لن ينسى محمد عقيدي، يوم 22 كانون الأول/ ديسمبر 2016؛ فهو يفكر فيه منذ شهرين، ومن دون توقف، يسترجع ذله وتوتره وخيبة أمله. كان محمد عقيدي، 28 سنة، أحد قادة ((فاستقِم))؛ الكتيبة الثائرة من الجيش السوري الحر في أحياء الجزء الشرقي من مدينة حلب.

في 22 كانون الأول/ ديسمبر، كان عليه أن يترك المدينة، المدينة التي وُلد فيها وكبر، وقد غادرها مع آخر دفعة من قوافل الإخلاء. لقد انتصر النظام السوري وحلفاؤه، حيث قال من مقهى في مدينة غازي عينتاب، جنوبي تركيا: ((كنت أشعر بالمرض في تلك القافلة، لقد اختلط كل شيء ببعضه؛ الحزن، والقلق على عائلتي، والشعور بخيانة السكان، والعجز عن حمايتهم، لقد خُذِلنا من جانب المجتمع الدولي، ولكنّا ارتكبنا كثيرًا من الأخطاء)).

لم يخسر الثوار السوريون، خلال الشتاء الفائت، في الجزء الشرقي من مدينة حلب فحسب، ولم يُسحقوا إلا بعمليات القصف السورية والروسية. لقد انهاروا، وكانوا ضحايا أنفسهم وفَقْد ثقتهم وانقساماتهم، لقد هُجروا من داعميهم الأجنبيين، ومن جانب السكان المذعورين أيضًا. في صيف عام 2016، بينما كان الحصار يشتد، كانوا يظنون بقدرتهم على الصمود لمدة عام، لا بل عامين، كانوا يعرفون بأنهم سيخسرون، ولكن ليس بتلك السرعة.

 

02

الصورة: خريطة تظهر الجهات المسيطرة على المناطق والمدن. اللون الرمادي: الدولة الإسلامية، اللون البرتقالي الباهت: القوات الحكومية، اللون الأصفر: الأكراد، اللون الأخضر: الثوار. المصدر: Liveuamap، 8 آذار/ مارس 2017.

 

حقل البطاطا

لقد كان الثائرون والسكان –على الرغم من ذلك- مجهزين؛ حيث انقسمت المدينة، منذ منتصف عام 2012، إلى جزأين، في الغرب تقع الأحياء التي يسيطر عليها النظام، وفي الشرق تلك الخاضعة للمعارضة. لم تتوقف عمليات القصف منذ ذلك الحين، فقد تكثفت منذ أيلول/ سبتمبر 2015، عندما قررت روسيا التدخل، وحوصر الجزء الشرقي من حلب بعد ذلك بأقل من عام. وزّعت المجالس المحلية التي عينتها المعارضة، والمنظمات غير الحكومية المؤن الموجودة في مخازن محميّة، وحوّل ((ميلاد شعبي)) وهو عامل قديم، حديقة في حي هنانو إلى حقل بطاطا، وفي هذا الأمر يشرح ((ملهم عقيدي)) قائلًا: ((كانت الفكرة تتجلى في القدرة على الصمود بفضل الاكتفاء الذاتي من دون الاعتماد على مساعدة خارجية محتملة، فقد صمد الناس في أماكن أخرى من سورية من مثل حمص وداريا والغوطة سنوات في ظل الحصار، وكنا نريد أن نفعل مثلهم. نحن أيضًا كنا نظن أنفسنا مستعدين، كان عندنا أنفاق ومؤن من الذخيرة)).

هاجت القوات الروسية والسورية، منذ منتصف شهر أيلول/ سبتمبر 2016، حيث كانت تقصف من دون توقف. وفي الجزء الشرقي من حلب، لا يصدّق طارق وهو أحد قادة نور الدين الزنكي – سرية قديمة من الجيش السوري الحر تطرّفت فيما بعد- ما حدث، فقال: ((لم أتوقف عن القتال منذ أكثر من أربع سنوات. ولكنّي لم أشاهد مطلقًا شيئًا كهذا، فقد كان عدد الضربات الجوية مثيرًا للهذيان، وكانت طائرات الميغ تدور بمعدل 24 ساعة في اليوم، ولم تهدأ ضربات المدفعية. كانوا يستخدمون أنواع الأسلحة كلها، من مثل الصواريخ المخترقة للتحصينات التي تهدّم المباني، وتهز الأرض، والأسلحة الكيماوية، والقنابل الحارقة)).

وبين 23 و27 من أيلول/ سبتمبر، قُتل حوالى 300 شخص، كان من بينهم 96 طفلًا، وذلك وفقًا لتقرير صدر عن الأمم المتحدة، ونُشر في نهاية شهر شباط/ فبراير، واستُهدِفت المستشفيات والمدارس والأفران بصورة منهجية. تسبب ذلك في بث الذعر في صفوف السكان، ووفقًا للمجلس المحلي لمدينة حلب، بقي حوالى 270.000 شخصًا في الجزء الشرقي من مدينة حلب في شهر تموز/ يوليو 2016، وشرعت العائلات منذ أيلول/ سبتمبر بالهرب إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام، وفي هذا الشأن يشرح ملهم عقيدي: ((حتى عندما تكون مطلوبًا للنظام، في إمكانك أحيانًا أن تعبر بدفعك رشوة مقدارها 100 دولار للشبيحة الذين يتحكمون في حواجز التفتيش)).

اختبأ أولئك الباقون في بيوتهم، وحاول الثوار المحافظة على خطوط الجبهة، وعن ذلك قال ملهم: ((كان نقص المقاتلين مشكلة، ولا سيما المقاتلون المتمرسون؛ فقد خسرنا المئات منهم في أربع سنوات من الحرب))، وأضاف طارق: ((لم نكن ننام، كنا نمضي وقتنا في التنقل بسيارة (بيك-أب) من جبهة إلى أخرى، لإعطاء الانطباع بأن عددنا كان كبيرًا)).

 

افتقد الثوار الحافز

بعيدًا عن حلب، كانت الاجتماعات تتكاثر في أنقرة؛ العاصمة التركية، وكانت تضم ممثلين روسيين وأعضاء من أجهزة الاستخبارات التركية، إضافة إلى قيادات من الجماعات الثائرة، بينما لم يُستدعَ الغرب ولا دول الخليج. وفي نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر، بات الخطاب أكثر قسوة، حيث قال المستشار السياسي لجماعة ثائرة: ((نقولها بوضوح، لقد هدّدنا الأتراك والروسيون بأننا إن لم نقبل بعمليات الإخلاء فستكون تلك نهايتنا، حيث لن يُقتل المقاتلون جميعهم فحسب، بل ستُغلق الحدود كلها، ولن نتلقى أي دعم بعد ذلك)). وقال مسؤول تركي شارحًا: ((لم يكن للوقوف في وجه تصميم النظام السوري وروسيا على استعادة الجزء الشرقي من حلب، مفضيًا إلى شيء، ولم تكن لدينا الإمكانات للتصدي لذلك التصميم؛ لذا كان من الأفضل أن نشدد على الإخلاء ونتجنب المجزرة. ولكن في الحقيقة، إن العالم كله -ونحن أيضًا- خذل الثائرين)).  شعر مقاتلو الجيش السوري الحر باقتراب الأمر. فقد بدأت أنقرة تتقرب إلى موسكو، وأطلقت في نهاية شهر آب/ أغسطس عمليتها الخاصة ((درع الفرات)) إلى الشرق من مدينة حلب. ومنذ بدء الربيع، خفّض مركز العمليات الموجود في تركيا، المعروف باسم موم (MOM) -الذي يجمع الدعم الخارجي للمعارضة- عمليات تسليمه الأسلحة الخفيفة والذخائر والمال، وفي هذا المضمار قال المستشار السياسي متحسرًا: ((توقفوا توقّفًا شبه كامل، عن تزويدنا بالصواريخ المضادة للدبابات (تاو)، وكان هذا كل ما كنا نحتاج إليه في الجزء الشرقي من مدينة حلب)).

وفي حلب، كان في الإمكان الشعور الفوري بالإنذار الأخير الروسي، حيث روى لنا ميلاد شعبي قائلًا: ((لقد كان الثوار فاقدين الحافز، وكان بعض المقاتلين يرفض طاعة قادته. أمّا نحن المدنيين، فلم نستطع أن نفهم لماذا لجأت تركيا التي طالما كانت تقول إن حلب (خط أحمر) إلى تغيير إستراتيجيتها)). شعر السكان في الأحياء بالغضب، وطالبوا بشرح ما يحدث، وبدا عليهم القلق لرؤية التخلي عن الدفاع عن بعض المناطق، وألقوا باللائمة على الثوار. ((كان من الواضح حصول انقلاب ما؛ فمنذ عام 2012، كانت لنا علاقات حسنة نوعًا ما معهم. ولكن الآن انتهى الأمر، لم نعد نثق بهم. أتذكر اجتماعًا بأحد قياداتهم، واستفسرت منه عمّا يحصل، وإن كان يريد أن يربح الأسد. واكتفى في إجابته بقوله: (ما خطتك؟ أين تريد أن تذهب؟ يجدر بك أن تلتحق بأحد خطوط الجبهة عوضًا عن طرح أسئلة كتلك). لم يعد في إمكاننا الاستمرار في الاعتماد عليهم)).

وفي الوقت الذي لم تتوقف فيه عمليات القصف عن زيادة عنفها، دخل المقاتلون في صراع مفتوح، وكان تعدادهم وقتئذ حوالى 6.000 مقاتل ينتمي معظمهم إلى كتائب الجيش السوري الحر، وبخاصّة (الجبهة الشامية) و(فاستقم) وبقدر أقل (فيلق الشام). وكان تعداد الجماعة الإسلامية نور الدين الزنكي قريبًا من 800 رجل، أما جهاديّو فتح الشام (الاسم الجديد لجبهة النصرة، الفرع السوري للقاعدة) فكانوا بين 150 و200 جهاديًّا، أي بعيدًا عن الخطابات الروسية التي كانت تؤكد سيطرتهم على الجزء الشرقي من مدينة حلب. وضمت المجموعة الصغيرة (أبو عمارة) بضع عشرات من المقاتلين، وفي 3 تشرين الثاني/ نوفمبر، بينما كانت المدينة تتعرض للتدمير، اشتعلت معركة بين تلك الكتائب.

 

خسرنا دعم السكان

كانت كتيبة نور الدين الزنكي هي من أشعلت تلك المعركة، بزعم تعرض اثنين من قادتها للاعتقال من جانب ((فاستقم))، وعن ذلك يقول ملهم عقيدي: ((كانت تلك حجة، فقد كانت علاقاتنا بهم سيئة، وكانوا يريدون مهاجمتنا على أيّ حال)).  وبالتحاق فتح الشام بهم، تمكن مقاتلو نور الدين الزنكي من الاستيلاء على عدد من مستودعات أسلحة الجيش السوري الحر. حُلّت تلك المسألة في ساعات عدة، ولكن جماعات الجيش السوري الحر، على الرغم من كونها أكثر عددًا، قد خسرت. وكما كانت هذه هي الحال منذ بداية الحرب، أظهرت تلك الجماعات عدم قدرتها على التحالف، ويقول ملهم عقيدي في ذلك الشأن: ((هذه كبرى نقاط ضعفنا؛ حيث لم تنجح أبدًا محاولات الاتحاد على الرغم من امتلاكنا جميعًا العدو المشترك نفسه، لم تستطع أي إدارة مشتركة أن تفرض نفسها)).

أما طارق، قائد نور الدين الزنكي، فما زال مؤيدًا إلى يومنا هذا هجوم 3 تشرين الثاني/ نوفمبر، حيث قال: ((حتى لو كان في إمكان الجماعات جميعها أن تتحد، فلم يكن في إمكاننا فعل أي شيء ضد الروسيين، كانوا أقوياء جدًا. لقد اجتمعنا في السنوات الثلاث الماضية، ولكن الاجتماعات لم تفض إلا إلى اتفاقات محلية لا تحقق شيئًا)).

كانت المعركة في الجزء الشرقي من حلب مستمرة في إضعاف الثوار، وفقد المقاتلون ثقتهم أكثر فأكثر بقياداتهم، أما بالنسبة إلى السكان، فـ ((لم يعد لديهم أي أمل آخر، فقد خسرنا دعمهم))، وفقًا لملهم عقيدي الذي أقر بذلك.

لقد وعى المدنيون حقيقة عدم قدوم أيّ مساعدات إنسانية من الخارج، فالأمم المتحدة مشلولة، وعلى الرغم من أيام من المحادثات في منتصف شهر أيلول/ سبتمبر، ظلت قافلة المساعدات المكونة من 20 شاحنة عالقة على معبر باب الهوى الحدودي منتظرة الإذن الذي لن يأتي أبدًا. وبتاريخ 19 أيلول/ سبتمبر، بعد أسبوع من بدء سريان الهدنة، تعرضت قافلة أخرى تابعة للأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري للاستهداف بضربات الطائرات المروحية، وبقذائف طائرات السوخوي في أرم الكبرى، إلى الغرب من مدينة حلب، نتج عن ذلك مقتل أربعة عشر عاملًا من عمال الإغاثة الإنسانية، وجرح خمسة عشر آخرين. وقد أثبتت مفوضية التحقيق التابعة للأمم المتحدة أن النظام السوري هو من قاد ذلك الهجوم.

وفي الضواحي الشرقية، انفجرت تظاهرات أمام المجلس المحلي، وأخذ السكان الغاضبون ما يحتاجونه مباشرة من مخازن المنظمات غير الحكومية، وعن هذا يقول ميلاد شعبي: ((رأيت شخصًا غادر مع 60 سلة مساعدة عاجلة، كان من المفترض أن تدوم تلك المخازن أشهرًا عدّة)).

كان لدى الثوار مخازنهم الخاصة، صودر بعضها من المحلات التجارية في بداية المحاصرة، وذلك وفقًا لتقرير الأمم المتحدة، ولتهدئة السكان، كان الثائرون يعمدون إلى إجبار التجار على خفض الأسعار، لكن لم ينجح ذلك، وانفجرت الأسعار غلاءً.

 

تحت الأنقاض

تعرضت الدفاعات للانهيار عسكريًّا، ففي منتصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، بدأ الجنود السوريون، ولكن بصورة محددة؛ الميليشيات العراقية والأفغانية وحزب الله اللبناني بالتقدم بقيادة إيرانية. واستطاعوا، وفي اليوم السادس والعشرين من الشهر ذاته السيطرة على هنانو، الواقعة شمالي حلب، وهي المنطقة نفسها التي كان الثوار قد دخلوا منها قبل أربع سنين ونصف. وسقطت الأحياء حيًّا تلو الآخر، وفي كل مرة، كان السكان يهربون تجاه الغرب، وأحيانًا تجاه الشمال إلى الشيخ مقصود (المنطقة الكردية).

 

كان الوضع الإنساني كارثيًّا، حيث لم يعد أي مشفى يعمل في شهر كانون الأول/ ديسمبر، واحتشد الناس الذين لم يتمكنوا من الهرب في الأحياء التي كانت ما تزال تحت سيطرة المعارضة، لم يكن عندهم ماء، وهم من دون طعام، ومن دون ملجأ غالبًا، وبقيت الجثث تحت الأنقاض من دون سحبها، وكان الجرحى يحتضرون في الشوارع. وعن ذلك الوضع قال بيبرس مشعل، القائد في الدفاع المدني في الجزء الشرقي من مدينة حلب، الخوذات البيضاوات: ((كانت عائلات بأكملها موجودة تحت الأنقاض، لم يكن في إمكاننا إخراجها؛ حيث كانت مراكزنا وعرباتنا تتعرض للاستهداف)).

 

بدأت عمليات الإخلاء في 15 كانون الأول/ ديسمبر. وبينما كان بيبرس مشعل في المقدمة، وراء مقود جرافة تكنس الشوارع من الكومات الرملية التي نصبت بغرض الدفاع، اخترقت رصاصة قناص كليته ومعدته، أخرجه في إثرها الهلال الأحمر السوري من حلب. في الأيام التالية كانت القوافل تغادر، تتوقف، ومن ثم تعود من حيث أتت، ويؤكد طارق ذلك بقوله: ((كانت المشكلات في المرات كلها تأتي من الإيرانيين ومن حزب الله، حيث كانوا يُنزلون الناس من الباصات ويعيدونهم، في اتجاه الجزء الشرقي من حلب بعد ساعات عدّة من الانتظار في الثلج، كانوا يريدون قتل الثوار جميعهم)).

بعد التوقف مرات عدة، استؤنفت عمليات الإخلاء، وحُشر الثائرون الباقون في تقاطع شوارع عدّة، يقول ملهم عقيدي: ((كان ما يزال هناك الآلاف من المدنيين، ولكن لم يكن أمامنا خيار آخر، كان علينا الرحيل)). في 22 كانون الأول/ ديسمبر، مثّلت مئات من السيارات وعشرات الباصات القافلة الأخيرة للذهاب إلى المحافظة المجاورة في إدلب، تاركةً الجزء الشرقي من مدينة حلب والثورة السورية في حال دمار.