ذكر باتريك سيل، في كتابه “حافظ الأسد/ الصراع على الشرق الأوسط”، عبارة حول رؤية حافظ الأسد للديمقراطية، تفصح عن طبيعة النظام الاستبدادي القائم. إذ أشار باترك سيل إلى أن الأسد يرغب في أن تكون لديه دولة يضاهي بها العالم المتحضّر، وتقوم على أسس من الديمقراطية.. لكنه يخشى، إنْ هو حلَّ بُرغيًا واحدًا من آلة دولته المحكمةِ حركُتُها بدقة عالية، أنْ يتخلخل نظام آلتها كله، فلا يعود قادرًا على التحكم فيها.. إن ترجمة هذه الفكرة، تقول بوضوح تام:

إنَّ الأسد يرغب في ذلك فعلًا، ولكن ليس لتنمو الدولة وتزدهر، بل ليزداد هو اعتزازًا بأناه المفرطة في تضخمها المريض، وهذا شأن كل دكتاتور يرى في نفسه أنَّ الله قد خلقه وحده على شاكلته. وإذا كان هذا التناقض قد عاشه الأسد داخليًا، فإنَّه، أيْ التناقض، قد تحوَّل من حال داخلية ذاتية إلى تناقض عام، بين الدولة المصنوعة على شاكلته ورؤيته من جهة، وبين الشعب المقيَّد بما يمثله كأداة للنمو والتطور والنهوض بنفسه، وبالدولة معًا من جهة أخرى. وقد رافق ذلك التناقض جمودُ العقلية الفلاحية التي يحملها الأسد، فازداد الطين بلة، وبلغ التناقض ذروته، إذ وصل الشعب إلى قناعة مطلقة: أن لا إصلاح للنظام إلا بتفكيك بناه، ولا تفكيك لها إلا باجتثاثه الكامل. حيث إن هذه الأنظمة لا تسقط إلا من داخلها، أو من خلال أحداث جسام. وأعتقد أنَّ الوريث بشار استقرأ هذا التناقض، وأعلن رغبته في الإصلاح، لكنه لم يجرؤ على حلِّ “البرغي”، على الرغم من بحثه عن السبيل إلى حلِّ ذلك التناقض، واطلاعه على الخطط والمشاريع المناسبة، لكنه تجاهل ما قدِّم له، وعاود سيرته الأولى، وحين هبّ الناس في العام 2011 يصرخون من وجع حقيقي، آثر الاستماع إلى أمّه التي قالت له: “افعل كما فعل أبوك”، وقد فعل؛ فدمّر الدولة، وقتل الشعبَ وهجّره، وأفسح المجال لدخول الأجنبي، ونقل أسباب سقوط النظام الداخلية إلى سقوطه بفعل الأحداث الجسام، وهو اليوم أقرب إلى الموت منه إلى الحياة.

ومن هنا تأتي أهمية اللجنة الدستورية ودورها في تفكيك بنية النظام الداخلية التي أوهنتها جرائمها، وصار بالإمكان هدمها بالكامل، لتصار إلى بناء آخر جديد.

رؤية حول اللجنة الدستورية

ويبقى السؤال الطبيعي حول اللجنة الدستورية، على الرغم مما اعتراها من أخذ وردّ وولادة قيصرية، هل يمكن أن تقوم بهذا العمل أم إن المعوقات التي تأتيها من النظام، على الرغم من وهنه، ستحول دون ذلك؛ إذ ما يزال في يده بعض الأوراق ليلعبها مع المتدخلين الذين جلبهم، وهم كذلك يحتاجون إليه أيضًا لكن الوقت لم يعد يسعفهم، بسبب ضغط المتدخلين الآخرين والأوضاع الاقتصادية الداخلية. ومع ذلك سنذهب إلى التفاؤل، ونقول:

إذا أنجزت اللجنة مهمتها، وأنجزت ما هو منوط بها، وما يتطلبه الوضع السوري من مواد دستورية تُرسّخ مبدأ الديمقراطية والمواطنة الحقة، فإن بإمكانها أن تأخذ البلاد إلى ما يمكن عدُّه بداية الطريق نحو ما يطمح إليه السوريون، من حياة آمنة نامية تحت ظلال حريةٍ حُرموا منها على مدى خمسين عامًا لم تقدهم إلا إلى هذا الخراب المحيط الذي أتى بعد تسع سنوات من الاقتتال والأحقاد، وغياب ما يسمى بالعدالة الانتقالية، وانعدام محاسبة المسؤولين عن الارتكابات كافة، ومن أي جهة أتت.. ولعل هذا الأمر يقودنا إلى أهمية أن تكون هناك تفاهمات بين أطراف اللجنة، وأولها:

 الإقرار بأن هناك دولًا تدخلت لمصالحها، وأساءت إلى الشعب السوري، سواء جاءت بدعوة شرعية (بغض النظر عن أحقية تلك الشرعية من عدمها)، أم وجدت لها طريقًا عبر منافذ الحدود التي فتحت على مصاريعها وبأدوات مختلفة.. وفي المقابل لا بد كذلك من إدانة التطرف الديني، وانضواء بعضه تحت ظاهرة الإرهاب، وبخاصة ما تعلق منه بالقاعدة وتنظيم الدولة، وما شابههما، وكل من حاول البناء على أرضية إعادة التاريخ إلى الوراء!

ويدرك أعضاء اللجنة أنَّ ما عاناه السوريون في المرحلة الماضية من نقص في الديمقراطية والعدالة بأشكالها كافة، لم تأت من مواد الدستور فحسب، بل من تجاوزه، والالتفاف عليه، إن لم أقل من تجاهله بالكامل.. وعلى ذلك أرى أن يشتمل الدستور على ما يلي:

ومن هنا تأتي أهمية اللجنة الدستورية ودورها في تفكيك بنية النظام الداخلية التي أوهنتها جرائمها، وصار بالإمكان هدمها بالكامل، لتصار إلى بناء آخر جديد.

أولًا: منع تمجيد الرئيس، ومنع مخاطبته بأبعد من وظيفته المحددة بالدستور، وللاستنارة: (في السويد مثلًا، “لا يجوز استخدام كلمات مثل: سعادة، وفخامة، وجلالة، وظل الله على الأرض، بل يخاطب المسؤول -كائنًا من كان- باسمه، ووفق القانون”) إنَّ تجربتنا السابقة، تؤكد أنَّ التمجيد يقود إلى الاستبداد، كما أشار عبد الرحمن الكواكبي، وقد غدا التمجيد عندنا مجالًا لتجاوز الدستور والاستهتار به. وأكثر تجليات ذلك برزت في استمرار إرادة المستبد إلى ما بعد موته، وحدث ذلك حين عدِّل الدستور خلال خمس دقائق، من دون اعتراض أحدٍ من المئتين والخمسين عضوًا الذين يُفترض أنهم مشروعون.. فضلًا على أن التمجيد غدا بابًا لنهب مال الشعب والدولة معًا. واستخدمت تعابير مثل: (هذا واصل، وفلان صلته بالقصر، وزيد من عظم الرقبة، وعمرو من القرداحة.. إلخ).

ثانيًا: لا شك في أن اللجنة سوف تحدد مدة ولاية الرئيس بفترة أو فترتين.. أربع أو خمس أو سبع سنوات.. فإذا حدد الدستور ولاية الرئيس بسبع سنوات، فلا ضرورة للسماح له بالترشح، مهما كانت الظروف والأحوال، أما إذا كانت أربع أو خمس سنوات على أبعد حد، فيمكن أن يسمح له بالترشح لولاية ثانية..

ثالثًا: لا بد من وجود مادة تُخضع رئيس الجمهورية للمحاسبة، في إطار المهام التي يستلمها، إذ هو، في النهاية، موظف؟!

رابعًا: لا بدّ من وجود مواد في الدستور تحمي الديمقراطية، وتمنع من تشكل حالات بيروقراطية تصبّ في النهاية في مصلحة سلطة استبداد من نوع آخر.. ومن المهم في هذا المجال أن يُدرّس الدستور بدءًا من المدارس الثانوية..

وأخيرًا: إن ذلك كله، يوجب الارتقاء بمواصفات عضو البرلمان الذي سيحاسب السلطة التنفيذية ويشرع قوانين الشعب، وذلك بوضع شروط للترشح، تتعلق بمستوى التحصيل العلمي والتخصص المناسبين، والاهتمام بالشأن العام، فهذه الهيئة التشريعية تعدّ واجهة لرقيّ الدولة ووعي الشعب.

 تجربة الكاتب في مجلس الشعب

(الدور التشريعي الثامن /2003 /2007)

بداية، لا بد من الإشارة إلى أن مؤسسات الدولة التي صنعها الأسد الأب لم تكن تتمتع بأي حرية سياسية في شؤون دائرتها الضيقة، سواء أكانت إنتاجية أم إدارية تنفيذية أم تشريعية وقضائية.. فلم تكن أي من تلك المؤسسات قادرةً على التصرف بأي أمر مهم يخص عملها، ما لم تستند في قرارها إلى المراكز التي تقود الدولة: القصر الجمهوري، أجهزة الأمن، ضباط كبار، قيادة قطرية، فروع حزب.. إلخ، وبحسب التسلل والوسائط. وهذا يعني أن السير يجري على عكس منطق الحياة، وعقل الإنسان، فمن الجاهل إلى العارف. فمن يده بالعمل عليه أن يتلقى تعليمات ممن لا علاقة له به إطلاقًا.. بمعنى لا سلطة تنفيذية لمن صلته المباشرة بالعمل، وكل شيء يجري عبر التقارير التي قلَّما تصدق، ومن خلال المحسوبيات ومستحقاتها، وعلى ذلك فالكثير من المشاريع التي كان لها أن تنجز خلال سنة أو اثنتين، كانت تستمر نحو ربع قرن كحد أدنى! وهذا فساد أسوأ من أي فساد؛ إذ يتضمن كل ألوان الفساد المعروف ويؤخر التنمية في الوقت نفسه.. إذ الفساد المعهود والمدافع عنه أحيانًا يأتي في هامش التنمية، لكنه لا يوقفها بل يسرِّع فيها..! وعلى ذلك؛ أقول إن تلك المؤسسات التي لم يكن أحد يستمع إليها، كانت قادرة على إيصال صوت الشعب في مجالاتها، وأن تساهم في فضح طبيعة استبداد النظام، لكنها -مع الأسف- لم تكن لتؤثر فيه إيجابيًا، ومن هنا تأتي كذبة النقابية السياسية أو فراغ محتواها، وقد أتى بها النظام السابق من البلدان الاشتراكية!

وعلى ذلك؛ يمكن القول:

إن المجلس لم يكن أكثر من منبر للخطاب للمهتمين بالشأن العام، وخاصة لأولئك الحزبيين وقليل جدًا من المستقلين.. ويمكن تشبيه حال المجلس بمنتدًى ثقافي محمي من الاستدعاءات الأمنية، إلا من التعليمات الراسخة في ذهنية المواطن السوري عمومًا! فهذا مسموح به وذاك محرّم، أما الذين هم بين بين، فيمكن لبعضهم فقط الخوض فيه. وعمومًا فإن كثيرًا من المداخلات تأتي في العموميات، وأنا أتحدث هنا عن الشأن السوري العام، لا عن التشريع ومناقشة مشاريع القوانين. وأعني المساس بجوهر سياسة الدولة، وسلطتها التنفيذية، فلا أذكر أن الدور التشريعي الذي ساهمتُ فيه قد حاسب مسؤولًا أو عالج قضية فساد كبيرة، وأتى بنتائج إيجابية، على الرغم من طرح الكثير الفاقع منها كقضية الإعفاء الضريبي لمنافذ الحدود جميعها التي يستثمرها رامي مخلوف.. الأمر الذي يدفع بعضو المجلس الجاد إلى درجة اليأس، فيلوذ أحيانًا بصمته “إلا مَن رحم ربي”.

أمثلة حية

ويمكن الإشارة هنا إلى مجالات عدة هي من اختصاص مجلس الشعب، ومن خلال حوادث لها دلالاتها، واحدة تتعلق بحرية رأي عضو مجلس الشعب العلني، والثانية بخصوص محاسبة السلطة التنفيذية، أما الثالثة ففي التشريع، ولها فرعان: الأول أن يتقدم مجموعة من الأعضاء بمشروع قانون يخصُّ حال معينة تهمّ البلد والناس، أو أن يرفض المجلس مشروع قانون تصرّ عليه السلطة التنفيذية.

في حرية الرأي ونقله إلى الشعب: معلوم أنَّ ما كان يعرض عن مجلس الشعب إلى الجمهور كان منقّى ومغربلًا ومصفَّى.. (مفلتر على الناعم). ولما امتعض المجلس من هذا الأمر، استطاع بعد تداول أن ينتزع قرارًا بتخصيص صفحة في إحدى الصحف المحلية لأعضاء مجلس الشعب، يطرحون من خلالها قضايا المواطنين، ويقولون رأيهم في هذه القضية أو تلك.. وهكذا كان، إذ أعطي المجلس صفحة في جريدة الثورة، تديرها صحفية تنقل من خلالها رأي الأعضاء وقضايا مختلفة تهم الشعب. ولكن لم يمض على الصفحة أسابيع حتى سمعنا أنَّ محسن بلال (وزير الإعلام) قد ألغى الصفحة، وتبين أن القرار اتخذ بناء على طلب من رئيس مجلس الشعب بالذات.. بالطبع طرحت القضية في المجلس ولكن دون جدوى!

ثانيًا: في محاسبة السلطة التنفيذية، (أنبّه إلى أنَّ ما أتحدث عنه موجود في الدستور، وفي النظام الداخلي لمجلس الشعب)، ومع ذلك لم يحدث أن حوسب وزير ما على الإطلاق، كل ما استطاع أن يفعله المجلس أن يتحاور مع عدد من الوزراء، حول قضايا معينة وأسئلة عامة عن سير العمل في وزارته. وحدث مرةً أن استدعي وزير الداخلية للرد على أسئلة أعضاء المجلس، وأظن أنَّ اسمه “علي حمود”، فكانت طلبات أغلب المتحدثين عن ترخيص أسلحة فردية وبواريد صيد وزيادة عدد المخافر في هذا البلدة أو تلك، وحين سأل أحد الأعضاء عن أسباب تعرض المواطنين السوريين للتعذيب داخل مخافر الأمن الجنائي؛ لم يجبه. فكرر السائل سؤاله، فما كان من “سيادة الوزير” إلا أن غضب وثار وخرج عن طوره متصوَّرًا نفسه في أحد مخافره.

في مشاريع القوانين، المعهود في مناقشة مشاريع القوانين إما أن تحال من السلطة التنفيذية، وإما أن يتقدم بها عدد من أعضاء المجلس لإحالتها إلى السلطة التنفيذية لإبداء الرأي، ومعظم هذه المشاريع، إن لم أقل كلها، تذهب ولا تعود. وحين يسأل من تقدم بها، يبدأ التسويف والمداورة إلى أن تنتهي دورة المجلس وينتهي الأمر. أما المشاريع التي تأتي بها السلطة التنفيذية ويعترض عليها المجلس أو يستبدل بموادها أخرى، فيجري الأخذ والرد واللعب على الدستور إلى أن تجد السلطة التنفيذية منفذًا لها تحقق ما تبغيه. ولعل خير مثال هنا هو ما جرى خلال مناقشة المادة 137 من القانون الأساسي للعاملين في الدولة الذي عدل مطلع العام 2005 وعمل به بدءًا من العام 2006، وتخص المادة المعنية ما يسند إلى “مقتضيات المصلحة العامة” (التسريح التعسفي)، وهذا الموضوع غالبًا ما يستغل لأمر سياسي، وعلى ذلك فقد جرى الاتفاق مع ممثلي الأحزاب والنقابات على إلغاء هذه المادة من القانون الجديد.. وفعلًا حصل ما أرادته غالبية الأعضاء، لكن المشروع عاد مع عدم موافقة (السلطة التنفيذية)، وكان من عادة رئيس المجلس -إذا أراد أن يرهب الأعضاء- أن يقول: “إن السيد الرئيس أعاد مشروع القانون لـ كذا وكذا”. ولما فتح باب النقاش، أشار أول المتحدثين إلى أن الفقرة ج من المادة “111” في النظام الداخل للمجلس تعطي الكلمة الأخيرة للمجلس (أي إذا أصرّ ثلثا أعضاء المجلس على تعديل المشروع) وقد أكَّد عضو آخر ما قاله الأول. وعندئذ، أقفل رئيس المجلس النقاش لئلا يستزيد الأعضاء، فيُحرج أمام السلطة التنفيذية. بعد ذلك كان هناك أخذ ورد حاميان بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وحضر رئيس مجلس الوزراء إلى المجلس، وحاول استمالة الأعضاء زاعمًا أن هذه المادة لها علاقة بالفساد، وعلى المجلس أن يفسح للسلطة التنفيذية المجال لمحاربته.. بالطبع لم يقتنع المجلس، فلجأت الحكومة عندئذ إلى الأكثرية التي يحققها النواب البعثيون، ومن يمونون عليهم من مستقلين وسواهم، وشكلوا أكثرية توافقت على صيغة فيها التفاف على المادة، إذ قيِّدت بلجنة يرأسها وزير العمل، ما يعني، في النهاية، تغلب السلطة التنفيذية على التشريعية، ومما يؤسف له أن رئيس اتحاد العمال نفسه قد غيّر رأيه لكفة الحكومة!

إنَّ ما ذُكر آنفًا يُعدُّ غيضًا من فيض، مما يعكس واقع ما يسمّى بـ “الديمقراطية الشعبية” و”النقابية السياسية” اللتين تعملان في النهاية على تدجين المجتمع، عبر هيئات تمثله صوريًا!