عنوان المادة الأصلي باللغة الإنكليزية:10 Conflicts to Watch in 2017
اسم الكاتبJean-Marie Guéhenno

جان ماري غوينو

مصدر المادة الأصليForeign Policy
مكان النشر الثانيInternational Crisis Group
رابط المادةhttps://www.crisisgroup.org/global/10-conflicts-watch-2017
تاريخ النشر5 كانون الثاني/ يناير 2017
المترجممروان زكريا

 

 

 

جدول المحتويات

من تركيا إلى المكسيك، يزداد الخطر في عدد من بؤر التوتر في العالم هذا العام

  1. سورية والعراق
  2. تركيا 
  3. اليمن
  4. الساحل الأفريقي الكبير وحوض بحيرة تشاد
  5. جمهورية الكونغو الديمقراطية
  6. جنوب السودان
  7. أفغانستان
  8. ميانمار
  9. أوكرانيا
  10. المكسيك

 

 

من تركيا إلى المكسيك، يزداد الخطر في عدد من بؤر التوتر في العالم هذا العام

يدخل العالم في حقبته الأكثر خطورة منذ عقود، ويسبق التنامي الحاد في الحروب إبان السنوات الراهنة قدرتنا على التكيف مع عواقبها؛ بدءًا من أزمة اللاجئين العالمية، إلى انتشار الإرهاب، يخلق عجزنا الجمعي عن حل الصراعات تهديداتٍ وطوارئ جديدة. وتؤدي سياسات الخوف في المجتمعات المسالمة أيضًا إلى استقطاب خطِر وديماغوجي.

وفي خلفية هذا المشهد، يحضر انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية، وهو من دون شك الحدث الأبرز في أحداث العام المنصرم، وذو تبعات جيوسياسية كبيرة على المستقبل العالمي. وقد قيل الكثير عن المجهول من أجندة ترامب في السياسة الخارجية، لكن أمرًا واحدًا نعلمه بالتأكيد، وهو أن انعدام الاستقرار في ذاته يمكن أن يستقر في المرحلة المقبلة، خاصّة أن الأمر يتعلق بأقوى لاعب في الساحة العالمية.

ومنذ الآن، بدأ حلفاء الولايات المتحدة الغاضبون، من أوروبا وشرقي آسيا، بالتذمر من تغريدات ترامب على موقع تويتر، وتبجحه بين حين وآخر. هل يبرم صفقة مع روسيا فوق رؤوس الأوروبيين؟ هل يحاول إلغاء اتفاق إيران النووي؟ وهل يقترح سباق تسلح جديد بحق؟ لا أحد يعلم. وهنا بالضبط تكمن المشكلة!

نالت السنوات الستون الماضية حصّتها من الأزمات، من فييتنام ورواندا إلى الحرب في العراق. لكن الرؤية التي شكّلت هيكل العلاقات بين القوى الرئيسة منذ نهاية الحرب الباردة، كانت تلك التي تتمثل في نظام عالمي متعاون، ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، تتزعمه وتقوده الولايات المتحدة. لكن ذلك النظام كان مهتزًا حتى قبل فوز ترامب في الانتخابات. فقد خفّضت النفقات منذ مرحلة رئاسة أوباما، لكن أوباما عمل على ردم تلك الفجوة بدعم المؤسسات العالمية. أمّا اليوم، فلا يمكننا الافتراض أن الولايات المتحدة التي سوف تتبع سياسة ((أميركا أولًا)) ستشكّل الجدران والأساسات للنظام العالمي. ومن المرجح أن ينظر إلى قوة أميركا الصلبة، حين لا تقترن بالقوة الناعمة، على أنها تهديد بديل من الحماية التي كانت تمثّلها في نظر كثيرين. وليس من المرجح أن يقود نظام مبنيّ على الصفقات قصيرة المدى، والتحولات السريعة، إلى حال من الاستقرار.

في أوروبا، تتضاعف حال عدم الاستقرار المتأتية من التوجهات السياسية للولايات المتحدة بسبب النتائج الفوضوية لتصويت البريكسيت. وقد اكتسبت القوى القومية في البلدان الأوروبية مزيدًا من الشعبية، وسوف يحدد مسار الانتخابات المقبلة في كل من فرنسا وألمانيا وهولندا مصير المشروع الأوروبي. ويعد احتمال تفكك الاتحاد الأوروبي واحدًا من أكبر التحديات التي نواجهها اليوم، قد يضيّع الانتباه إلى ذلك الهمّ وسط التطورات المنذرة بالخطر التي قد تخطف الاهتمام عن المسألة الأوروبية. ولكن لا يمكننا احتمال فقدان الصوت الموازِن لأوروبا في العالم.

ويغير تفاقم التنافسات الإقليمية خريطة السياسات العالمية اليوم، مثل ذلك الحاضر في التنافس بين إيران ودول الخليج العربي على النفوذ في الشرق الأوسط، على وجه التحديد. وكان للحرب بالوكالة التي نتجت عن ذلك التنافس عواقب مدمرة في كل من سورية والعراق واليمن. ويرى كثير من القادة العالميين اليوم أن المخرج من تعميق الانقسامات، يكمن في التوحّد حول الهدف المشترك المتمثل في محاربة الإرهاب. لكن ذلك وهمٌ محض، فالإرهاب ليس إلّا أمرًا موقّتًا، ولا يمكن لمحاربة ((أمر موقّت)) أن تكون استراتيجية. تستغل الجماعات الجهادية الحروب وانهيار الدول لتوطيد سلطتها، ولا تزدهر تلك الجماعات إلا في ظل الفوضى، لكن ما يحتاج إليه النظام العالمي في النهاية هو استراتيجية لمنع الصراعات، تدعمُ سلطة الدول التي يزدهرون فيها، وبصورة شاملة. النظام في حاجة إلى ما هو أكثر من محض عدو مشترك، حتى يحافظ على نفسه.

ومع بداية عهد إدارة ترامب، يبدو أن الدبلوماسية الإجرائية تزداد كثيرًا، وقد بدأت بالفعل. وحلت المساومات التكتيكية محل الاستراتيجيات طويلة المدى، والسياسيات المبنيّة على القيَم. قد يعطينا التقارب الروسي التركي بعض الأمل في تخفيف مستوى العنف في سورية، ولكن على موسكو وأنقرة البدء بنهج يسير في طريق دعم حكومة شاملة في سورية، وإلّا فهم يغامرون بالغرق في المستنقع السوري أكثر فأكثر. وليس من المرجح أن نرى شرق أوسط مستقرًا في ظل الدعم الحالي لأنظمة استبدادية تهمل مطالب أغلبية شعوبها.

وقد بدأ الاتحاد الأوروبي الذي ظل يدافع لزمن طويل عن الدبلوماسية المبنيّة على القيم، بمساومات مع كل من تركيا، وأفغانستان، والدول الأفريقية بهدف وقف تدفق المهاجرين واللاجئين، مع عواقب عالمية مقلقة. ومن جهة أخرى، قد تستغل أوروبا أي تقدم محتمل في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، لتبدأ نظامًا عسكريًا من جديد، على المستويين التقليدي والنووي، نظامًا سيكون عمليّا في وقته، وليس انتهازيًّا.

ويظهر النهج الصيني العنيد، في علاقات الصين بغيرها من الدول الآسيوية ومع أفريقيا ودول أميركا اللاتينية؛ فما الذي يمكن أن يكون عليه شكل العالم من دون حماية الولايات المتحدة، وطمأنتها حلفائها؟

وقد تبدو تلك الاتفاقات الإجرائية إحياءً للسياسة الواقعية، لكن نظامًا عالميًا يقوده صنع الصفقات قصيرة المدى معرّض لعدم الاستقرار بالتأكيد؛ ويمكن خرق الاتفاقات حين لا تعكس استراتيجيات بعيدة المدى، وسوف تكون الخسارة أكبر إذا لم يقم نظام يمكن التنبؤ به، وقواعد مقبولة على نطاق واسع، ومؤسسات قوية على مستوى العالم.

ويتجه العالم إلى مزيد من حال تعدد الأقطاب، ما يجعل العالم كله متأرجحًا، تتجاذبه مجموعة متنوعة من اللاعبين الحكوميين وغير الحكوميين، وللجماعات المسلحة فيه تأثير كما للمجتمعات المدنية. وفي عالم كهذا، لا يمكن للقوى الرئيسة أن تحتوي -بصورة منفردة- الصراعات المحلية، أو تسيطر عليها، ولكن يمكن لهم أن يتلاعبوا بها، أو ينجروا إليها في بعض الأحيان؛ يمكن لتلك الصراعات المحلية أن تشكل شرارة قد تشعل نيرانًا أكبر بكثير منها.

سواءٌ أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا، فالعولمة الآن حقيقة واقعة، والعالم كله متصل. وقد أطلقت الحرب السورية أزمة لاجئين، أسهمت في التصويت لصالح البريكسيت الذي أدى في دوره إلى عواقب سياسية واقتصادية عميقة، سوف تظهر نتائجها أيضًا إلى العلن. ربما تتمنى البلاد الانكفاء على ذاتها، ولكن لا يمكن إحقاق سلام أو ازدهار من دون مزيد من الإدارة التعاونية للعلاقات الدولية.

 

1. سورية والعراق 

بعد نحو ست سنوات من الصراع، وما يقدر بـنصف مليون من القتلى، ونحو 12 مليونًا من النازحين، يبدو أن الرئيس السوري بشار الأسد باقٍ في السلطة في الوقت الحالي، ولكن قواته لا تتمكن من إنهاء الحرب، ولا استعادة السيطرة الكاملة حتى الآن، على الرغم من الدعم الخارجي الذي تتلقاه. وكان ذلك واضحًا في إعادة استيلاء الدولة الإسلامية على تدمر، بعد تسعة أشهر من إطلاق الحملة العسكرية الروسية لدعم الأسد. ومكّنت سياسة الأسد، في ضرب المعارضة غير الجهادية، من قوة الجماعات الإسلامية المتطرفة من مثل: الدولة الإسلامية، وجبهة فتح الشام (المعروفة سابقًا بجبهة النصرة). وقد أُضعف الثوار غير الجهاديين بصورة أكبر بعد الهزيمة الأخيرة في حلب؛ وظلّوا ضعفاء مشتّتين بفعل طرائق التقويض المختلفة التي انتهجها داعمو الدولة السورية. ومثّلت استعادة النظام شرقيَّ حلب في كانون الأول/ ديسمبر من العام المنصرم نقطة تحوّل قاسية، مع نجاح النظام وحلفائه عبر حصار المدينة، والقصف الجائر للمدنيين. وعبر الدبلوماسيون الغربيون عن رعبهم وغضبهم من تلك الأحداث، لكنهم فشلوا في خلق ردّ صلب عليها. وأُخلي المدنيون والثوار في النهاية، وبتردد، وبعد أن أبرمت صفقة بين روسيا، وتركيا، وإيران. وأتبع الثلاثي ذلك بلقاء في موسكو بغرض ((إحياء العملية السياسية)) لإنهاء الحرب في سورية. ولم تُدعَ الولايات المتحدة، ولا الأمم المتحدة إلى ذلك اللقاء، حتى إنهما لم تستشارا في ذلك. ويبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي ترعاه كل من روسيا وتركيا قد انهار في غضون أيام، بعد أن تابع النظام شن هجمات عسكرية في ضواحي العاصمة دمشق. وعلى الرغم من التحديات الكبيرة المتوقعة من تلك المساعي، إلا أن هذا المسار الدبلوماسي الجديد قد يفتح أفضل ما في الإمكان لتخفيف مستوى العنف في سورية.

ومن المرجح أن تستمر الحرب ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام، وهناك حاجة عاجلة لضمان عدم تأجيج مزيد من العنف أو عدم الاستقرار. في سورية، هنالك مسعيان متنافسان ضد الجماعة -واحد تقوده أنقرة، والآخر يقوده الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني- ويتداخل المسعيان مع صراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني في الداخل التركي. وكانت واشنطن قد دعمت كلا المسعيين إذ حاولت تخفيف الصدامات المباشرة المحتملة بين الطرفين إلى أدنى حد ممكن.

يجب على إدارة ترامب أن تولي تبريد الصراع بين شريكيها التركي والكردي اهتمامًا أعلى من اهتمامها باسترجاع الأراضي الفوري من الجهاديين. وإذا حدث صدام بين الطرفين، فسوف تكون الدولة الإسلامية أول الرابحين من ذلك.

وما تزال الدولة الإسلامية تعلن الخلافة في أجزاء من العراق وسورية، على الرغم من خسارتها مساحات كبيرة إبان العام المنصرم. وحتى إن هزمت عسكريًا، يبقى خطر عودتها إلى الظهور والتكوّن، أو ظهور جماعة متطرفة شبيهة بها؛ ماثلًا إلا إذا عولجت بإيجاد حكومة قوية. وكان ظهور الدولة الإسلامية في العراق مثالًا على كيفية ظهور جماعات كتلك في ظل فشل الدولة. وهي تنشر أيديولوجيا ما تزال تلقى صدى بين الناس في أرجاء العالم، وتخلق التهديدات في أماكن أبعد بكثير من حدود العراق أو سورية، مثل ظهور الهجمات في إسطنبول وبرلين مؤخّرًا.

وأدى القتال الذي حدث مؤخرًا في العراق، ضد الدولة الإسلامية إلى تقليص قدرة الدولة على الحكم، وتسبب بدمار هائل، وعسكرة الشباب، وتأزم المجتمع العراقي. وفرّق كذلك بين الأحزاب السياسية الشيعية والكردية وحولها إلى أحزاب متنازعة، يعتمد كل منها على الدعم الإقليمي والقوات شبه العسكرية للتنافس على الموارد العراقية. لقد ضاعفت الحرب على الدولة الإسلامية التي غذت صعودَها الآلام والخسارات بين العرب من السنة؛ من الأضرار الحاصلة من حكم الجماعة. ولتفادي ما هو أسوأ، تحتاج بغداد، وحكومة إقليم كردستان العراق إلى الدعم والضغط لكبح الجماعات شبه العسكرية. وإذا لم يُتعامل مع النجاح الراهن للحملة العسكرية المدعومة أميركيًا لاستعادة الموصل بصورة سليمة، فقد تخفق العملية؛ حين تشمل الجماعات المحلية –إلى جانب الجيش العراقي النظامي، والقوات الخاصة المضادة للإرهاب، وقوات الشرطة الفدرالية التي تقود العملية داخل المدينة- وتسعى تلك الجماعات المحلية كذلك لغنائم النصر. وعلاوة على ذلك، تتنافس كل من إيران وتركيا على النفوذ في المنطقة، عبر استخدام وكلاء محليين. وكلما طال أمد الصراع، انتهز عدد من الجماعات الفرص لربح مزيد من المكاسب الاستراتيجية عبر السيطرة الجغرافية، ومن ثمّ، تعقيد التسوية السياسية.

على العراق، بدعم من الولايات المتحدة وشركاء آخرين، أن يتابع في عمليات الدعم العسكري واللوجستي للقوات العراقية للدفع بها نحو المدينة، وإنشاء قوات حفظ أمن موظفة محليًا في المناطق التي تُستعاد من الدولة الإسلامية بغية تأمين الحفاظ على المكاسب العسكرية، والتأكد من عدم خسارتها مجددًا. وسيحتاج العراقيون أيضًا إلى بداية حكومية قوية، مع لاعبين سياسيين محليين، ومقبولين محليًا.

 

2. تركيا

ينذر الهجوم الأخير ليلة رأس السنة الجديدة في إسطنبول –الذي تسبب بمقتل 39 شخصًا على الأقل- بمزيد من العنف في المستقبل. وقد أعلنت الدولة الإسلامية مسؤوليتها عن الهجوم، وهو أمر غير معهود لممارسات الجماعة في تركيا، وقد يكون مؤشّرًا لتصعيد آتٍ. وتواجه تركيا صراعًا متصاعدًا مع حزب العمال الكردستاني، إضافة إلى اتجاه أحوال الحرب في سورية والعراق نحو الأسوأ. وتستعدّ تركيا لهيجان أكبر، مع الاستقطاب السياسي القائم، والضغوط الاقتصادية، والتحالفات الضعيفة للدولة التركية.

وتتدهور أوضاع الصراع بين الدولة وميليشيات حزب العمال الكردستاني في عقب انهيار اتفاق الهدنة في تموز/ يوليو 2015. ومنذ ذلك الوقت، دخل الصراع مع حزب العمال الكردستاني فصله الأسوأ في تاريخه الممتد ثلاثة عقود، مع أكثر من 2500 عسكري، ورجل أمن، ومدني قُتلوا من الطرفين، ويُتوقع اتجاه الصراع إلى مزيد من التصعيد. وأدت الاصطدامات، والعمليات الأمنية، إلى نزوح أكثر من 350 ألف مدني من بيوتهم، وسوّت أحياء مدينية عدة بالأرض في جنوب شرقي تركيا، ذي الأغلبية الكردية. وقتل هجوم مزدوج بالقنابل، مرتبط بقوات حزب العمال الكردي، 45 شخصًا، قرب ملعب لكرة القدم في إسطنبول في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2016. وردًّا على ذلك، قامت الحكومة مجددًا بحبس ممثلي الحركة الكردية، مغلقة بذلك قناة في غاية الأهمية، قد تساعد على تسوية سياسية تضمن حقوق حماية أساسية للأكراد في تركيا.

وبينما تتجذر الخلافات على الصعيد المحلي في تركيا، يدفع التصعيد الأخير بالمخاوف المتنامية لأنقرة من المكاسب الكردية في الشمال السوري والعراقي. وكان من شأن ذلك، إلى جانب الخطر الآتي من الدولة الإسلامية، أن يدفع بأنقرة إلى إرسال أولى وحدات الجند إلى البلدين كليهما، ليؤدي ذلك إلى توريطها في الفوضى الشرق أوسطية بصورة أعمق.

ومحليًا، تواصل حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان ضغوطها على المعارضة السياسية، بهدف إحداث تغييرات دستورية تفضي إلى نظام رئاسي، ومن المتوقع أن تعرض تلك التغييرات على استفتاء شعبي في وقت مبكر من الربيع هذا العام. وقامت الحكومة بحملة كبرى لتسريح الموظفين، مع تطهير أكثر من 100 ألف من الموظفين الحكوميين، على أعقاب محاولة الانقلاب في تموز/ يوليو 2016.

وعلى الرغم من كون تركيا شريكة قوية في حلف شمال الأطلسي على الحدود الأوروبية الجنوبية، انتقد حلفاؤها الغربيون بشدة، تحول الحكومة إلى السلوك الاستبدادي. يضاف ذلك إلى التوتر الذي نتج عن المفاوضات الراكدة بين الاتحاد الأوروبي وأنقرة حول دخول تركيا إلى الاتحاد. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، رد أردوغان بغضب على الانتقادات الآتية من بروكسل، وهدّد بتمزيق اتفاق آذار/ مارس 2016 للّاجئين، الذي تتعهد فيه أنقرة بمنع تدفق اللاجئين السوريين إلى أوروبا. ويوجد في الوقت الحالي 2.7 مليون لاجئ سوريّ مسجل في تركيا؛ وتضع عملية دمجهم تحديات أمام الدولة وأمام المجتمعات المضيفة.

وتتدهور العلاقات التركية مع واشنطن نتيجة التصعيد التركي العسكري مع القوات الكردية الحليفة لأميركا في سورية، ومع المطالبات التركية لواشنطن بتسليم فتح الله غولن، من يفترض أنه العقل المدبر للانقلاب. وتوصلت أنقرة إلى تقارب صعب مع موسكو، في الوقت الحالي. وتقلل أنقرة بصورة متزايدة من تحالفاتها مع القوى الغربية، وتبرم الاتفاقات والتسويات مع روسيا وإيران، ولكن تبقى علاقات تركيا وإيران في موقف خطِر، خاصة مع الخلافات المبدئية بشأن مصالحهما في كل من سورية والعراق.

 

3. اليمن

تسببت الحرب في اليمن بكارثة إنسانية أخرى، وبتدمير البلاد التي كانت في الأساس أفقر بلد في العالم العربي. ومع كون ملايين الناس على حافة المجاعة، تلح الحاجة إلى هدنة شاملة وتسوية سياسية بصورة عاجلة.

وقد عانى اليمنيون ويلات الحرب من قصف جوي، وهجمات صاروخية، وكساد اقتصادي. وبحسب الأمم المتحدة، يقدر عدد القتلى هناك بأربعة آلاف من المدنيين، تسببت الحملة الجوية التي قادتها السعودية في مقتل معظمهم. ويتهم أطراف الصراع جميعهم بارتكاب جرائم حرب، بما فيها الهجمات العشوائية على مناطق سكنية مأهولة بالمدنيين.

وقد دخلت المملكة العربية السعودية إلى الصراع في شهر آذار/ مارس 2015 لمواجهة التقدم الذي أحرزته قوات الحوثي، وهي ميليشيا شيعية زيدية في معظمها، وترى الرياض فيها وكيلًا لمنافستها إيران. وعلى الرغم من أن الحوثيين ليسوا مرتبطين بإيران عن قرب، إلا أنهم يخدمون المصالح الإيرانية بتوريط السعودية في حال مستعصية في اليمن. ويبدو أن الطرفين هناك عالقان في دوامة من العنف المتصاعد والاستفزازات العسكرية، ما يعطل محادثات السلام في الأمم المتحدة. وفي شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، رفضت الحكومة التي تدعمها السعودية، ويرأسها عبد ربه منصور هادي، خريطة الطريق التي اقترحتها الأمم المتحدة. وفي الشهر ذاته، ألّفت قوات الحوثي مع حلفائها، من قوات الرئيس السابق علي عبد الله الصالح أساسًا، حكومة جديدة.

وعلى الرغم من التحديات، ما زال من الممكن إقناع الأطراف بقبول خارطة طريق على أساس تسوية تنهي الحرب هناك وتعود باليمن إلى قيادة عملية سياسية داخليًا. ويعتمد ذلك في جزء كبير منه على حسابات المملكة العربية السعودية، ورغبة وكلائها الدوليين، وخصوصًا الولايات المتحدة وبريطانيا، في تشجيع الرياض على اتخاذ موقف الدعم الكامل للتسوية السياسية المطروحة. ويحمل الفشل في إعادة الأمور إلى نصابها مخاطر قد تصيب الأطراف الداخلة في الصراع جميعها، إذ تزدهر الجماعات الجهادية العنيفة –بما فيها تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وتنظيم الدولة الإسلامية- في الفوضى اليمنية.

 

4. الساحل الأفريقي الكبير وحوض بحيرة تشاد

أسهمت الصراعات المتداخلة في أنحاء الساحل الأفريقي الكبير وحوض بحيرة تشاد في إحداث معاناة إنسانية كبرى، بما فيها نزوح 4.2 مليون إنسان من بيوتهم. إذ يتناحر الجهاديون، والجماعات المسلحة، وشبكات الجريمة على السلطة والنفوذ في هذا الإقليم الفقير، حيث الحدود نفوذة، والحكومات عاجزة عن ضبط الأوضاع.

في العام 2016، أطلق الجهاديون المتمركزون في الساحل الأوسط هجمات مميتة في غرب النيجر، وبوركينا فاسو، وساحل العاج، معززين من ضعف الإقليم. وما يزال تنظيم القاعدة ناشطًا في المغرب، الإسلامية، بينما تنمو جماعة جديدة، تعلن ولاءها للدولة الإسلامية. ويبدو أن الجميع يستهدف المدنيين، ومن المرجح أن يستمر ذلك الاستهداف، إضافة إلى استهداف القوات الدولية. وتعد دولة مالي الأكثر خطورة للعاملين في حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة، مع سبعين موظفًا قتلوا بـ((أفعال وحشية)) منذ العام 2013.

قد تواجه دولة مالي أزمة كبرى هذا العام، إذ من الممكن أن تخرق اتفاق باماكو للسلام 2015. وقد أسهم تشرذم تحالف المتمردين الراهن في الشمال (تنسيقية حركات أزواد) في تكاثر المجموعات المسلحة، وانتشار العنف في وسط مالي. وعلى القوى الإقليمية انتهاز فرصة قمة الاتحاد الأفريقي في يناير 2017 لإحياء عملية السلام، وإحضار الجماعات التي أهملت في السابق. ويقع على الجزائر، وهي راع مهمّ للاستقرار في الإقليم، دورٌ رئيس تلعبه بصفتها وسيطًا رئيسًا في اتفاقات السلام.

وقد رفعت قوات الأمن التابعة لكل من نيجيريا والنيجر والكاميرون وتشاد من مستوى قتالها جماعة ((بوكو حرام)). وفي نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2016، أعلن الرئيس النيجيري ((التدمير النهائي لإرهابيي بوكو حرام في معقلهم الأخير)) في غابة سامبيسا، لكن الجماعة لم تنته بعد. وعلى الرغم من التركيز العالمي في ممارسات ((بوكو حرام)) في خطف النساء والفتيات، فيجب على صناع القرار الانتباه إلى أن بعض النساء انضموا إلى الحركة طوعًا، بحثًا عن فرص اقتصادية واجتماعية. ويجب فهم أنواع التجارب التي تخوضها النساء في الصراع هناك، لمعالجة العصيان من جذوره.

ويهدد كلّ من حركة ((بوكو حرام)) المتمردة، والرد العسكري العنيف عليها، ونقص الكفاءة في مساعدة الناس المتضررين من الصراع، في صناعة حلقة مفرغة من العنف واليأس. وإذا لم تستجب حكومات الإقليم بمسؤولية للكارثة الإنسانية، فقد تتعرض إلى الانعزال عن مجتمعاتها، وتزرع بذلك بذور الثورات في المستقبل. وعلى الحكومات أن تستثمر في التنمية الاقتصادية كذلك، وتقوّي الحكم المحلي لتقليص الفرص أمام الجماعات المتطرفة.

 

5. جمهورية الكونغو الديمقراطية

تلقت جمهورية الكونغو الديمقراطية أخبارًا جيدة بعد وقت قصير من عشية رأس السنة، حين أعلن الكهنة الكاثوليك أنه قد جرى التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة السياسية في البلاد. ولكن لم يوقع الرئيس جوزيف كابيلا على الاتفاق، الذي تطلب منه التنحي عن الحكم بعد الانتخابات التي سوف تجري في البلاد في وقت قصير قبل نهاية العام 2017. وعلى الرغم من مستويات انعدام الثقة العالية بين الأحزاب، يعدّ الاتفاق -بذلت فيه كنيسة الكونغو الكاثوليكية جهد الوساطة- أفضل فرصة للتقدم في البلاد. لكن التحدي القائم الآن يكمن في التحضير للانتخابات، وإحداث انتقال سلمي للسلطة في وقت قصير، ويُطلب الدعم الدولي الصلب أساسًا لتحقيق ذلك.

وقوبل إصرار كابيلا على التمسك بالحكم بعد ولايته الثانية، في تحد للدستور الكونغولي، بمعارضة شديدة وتظاهرات شعبية في الشوارع في العام 2016، الأمر الذي يهدد بمزيد من انتشار العنف في أرجاء البلاد؛ ويعني الفساد المزمن في الكونغو، وسياسات ((الرابح يأخذ كل شيء)) أن لدى كابيلا الكثير ليخسره، لذا ربما لا يترك الحكم بسهولة. لذلك، على القوى الأفريقية والعالمية أن تنسق مساعيها لإمساك الكونغو عن الهاوية -وهي تقف على حافتها- ومنع مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة. ولا تملك الـ ((مونوسكو))– وهي أوسع بعثة لحفظ سلام تابعة للأمم المتحدة- الاستطاعة الكافية للتعامل مع تحديات مثل تلك، وقد تكون أكثر تأثيرًا مع تفويض أضيق، بأن تترك بناء الدستور، وتتجه نحو مراكز للأعمال المفيدة، ومراقبة حقوق الإنسان.

في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، لقي 53 شخصًا على الأقل مصرعهم على يد قوات الأمن معظمهم، حين تحولت التظاهرات المناهضة لحكم كابيلا أبعد من مدة حكمه الدستورية إلى العنف. وذكر في التقارير أن الصدامات بين قوات الأمن والمتظاهرين في عدد من المدن تسببت في مقتل 40 شخصًا على الأقل. ومن المرجح أن يستمر العنف إذا تأجّلت الانتخابات مرة أخرى. ويحضّر تحالف قوى المعارضة ((التجمع)) لاستخدام سلطة الشارع في محاولة لإجبار كابيلا على التنحي. ويسهم التوتر السياسي في كينشاسا أيضًا بزيادة العنف في أرجاء البلاد، بما في ذلك الشرق الغارق في الصراع.

 

6. جنوب السودان

بعد ثلاث سنوات من الحرب الأهلية، ما زال البلد الأحدث في العالم يعاني عددًا من الصراعات؛ إذ تغذي الشكاوى من الحكومة المركزية إضافة إلى دوائر العنف الإثني، الاحتراب الحاصل الذي تسبب في نزوح مليون و800 ألف شخص عن بيوتهم، وأجبر نحو مليون و200 ألف على مغادرة البلاد. وتراكمت المخاوف الدولية بعد تقارير عن أعمال وحشية جماعية، وعن تعثر التقدم نحو تطبيق اتفاق السلام للعام 2015. وفي كانون الأول/ ديسمبر، دعا الرئيس سالفا كيير إلى تجديد الهدنة، وإجراء حوار وطني لإحقاق السلام والمصالحة الوطنية. ويعتمد النجاح في تلك المساعي من عدمه، على رغبة الحكومة الانتقالية بالتفاوض تفاوضًا عادلًا مع الجماعات الفردية المسلحة، وإشراك الجماهير على مستوى القاعدة الشعبية.

خُرق اتفاق السلام المدعومة عالميًا في تموز/ يوليو 2016، حين اندلع الاقتتال في جوبا بين القوات الحكومية والثوار السابقين. وترك زعيم المعارضة البلاد مؤخرًا، وهو ريك ماشار نائب الرئيس السابق الذي عاد إلى جوبا مؤخرًا بحسب شروط الاتفاق. ومنذ ذلك الحين، عزز كيير من موقعه في العاصمة، وفي الإقليم كاملًا، مما يهيّئ للارتقاء بالمفاوضات مع عناصر المعارضة المسلحة، بما في ذلك جماعات هي الآن خارج الحكومة الانتقالية.

وقد تحسّنت الظروف الأمنية في جوبا في الأشهر الأخيرة، على الرغم من استمرار الاقتتال والعنف الإثني في مناطق أخرى. وتركز المساعي الدبلوماسية الدولية على نشر قوات بتعداد 4000 مقاتل، وهي قوة غير كافية لوضع حد للعنف الأساس، والدفع بالعملية السياسية الأعمق التي يتطلبها إحقاق السلام. وتحتاج بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جنوب السودان UNMISS إلى إصلاح عاجل، وهو أمر واضح، خاصة بعد الفشل في حماية المدنيين إبان أحداث العنف الأخيرة في جوبًا في شهر تموز/ يوليو. وتكمن بارقة الأمل لمأساة البلاد في التقارب المرتقب بين جنوب السودان وأوغندا، والسودان الذي يمكن له أن يضمن الاستقرار في المنطقة مستقبلًا.

 

7. أفغانستان

تمثّل الحرب في أفغانستان، إلى جانب عدم الاستقرار السياسي، تهديدًا جديًا للسلام والأمن العالميين، وذلك بعد أكثر من 15 سنة على ضرب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لحركة طالبان، وإبعادها عن السلطة بصفتها جزءًا من حملة أوسع لهزيمة تنظيم القاعدة. تحقق طالبان اليوم مكاسب على الأرض؛ وتتحمل شبكة حقّاني مسؤولية الهجمات في المدن الرئيسة؛ وتعلن الدولة الإسلامية عن سلسلة من الهجمات التي تستهدف المسلمين الشيعة، ويبدو أنها عازمة على تأجيج العنف الطائفي. وصل عدد الصدامات المسلحة العام الماضي إلى أعلى مستوى له منذ بدء الأمم المتحدة بتسجيل الأحداث في الـ 2007، مع عدد كبير من الضحايا بين المدنيين. وسوف يؤدي إضعاف قوات الأمن الأفغانية المتزايد إلى المغامرة بحكم مساحات واسعة من البلاد، وتركها من دون حكومة التي في دورها ستتحول إلى فرصة تستغلها الجماعات المسلحة المارقة أو المدعومة إقليميًا.

ولم تكد أطول الحروب الأميركية تذكر كقضية سياسية إبان الانتخابات الرئاسية. وما تزال نوايا الرئيس ترامب بشأن أفغانستان غير واضحة، إلا أنه عبّر عن شكوكه بشأن بناء الدولة بصورة متكررة. وكان اختياره مستشارَ الأمن القومي مثيرًا للجدل، حيث عين الجنرال المتقاعد مايكل فلين الذي شارك في حربي العراق وأفغانستان مديرًا للاستخبارات لوحدات العمليات الخاصة المشتركة. ويخطئ تركيز فلين المعلن على ((الإرهاب الإسلامي المتطرف)) بوصفه الخطر الأكثر أهمية على مستوى العالم؛ في تشخيص المشكلة، مع تعقيدات مقلقة في أفغانستان وما حولها. يجب أن تكون التسوية مع طالبان عبر التفاوض هي التوجه الاستراتيجي، وتلك تحتاج إلى توافق إقليمي أكبر، إلى جانب دخول الصين في العملية. وبينما كوّنت روسيا وباكستان والصين مجموعة عمل حول الشأن الأفغاني، مع الهدف المفترض بتكوين ((هيكل إقليمي مضاد للإرهاب))؛ تركت كابول خارج الاستشارات الثلاثية.

وطالما كانت العلاقات بين أفغانستان وباكستان متأزمة بسبب دعم إسلام آباد حركةَ طالبان وغيرها من المجموعات المسلحة. وازدادت التوترات في الخريف الماضي، حين أجبر آلاف من اللاجئين الأفغان في الباكستان على الهرب بسبب العنف المتصاعد، والاعتقالات، والمضايقات. وازدادت أزمة اللاجئين الأفغان سوءًا بعد خطة الاتحاد الأوروبي، بإبعاد 80 ألف طالب لجوء، وإعادتهم إلى أفغانستان التي كانت ردًّا سياسيًا على ضرورة إنسانية. ذلك كله إضافة إلى الأزمة الاقتصادية في البلاد التي تضيف بخطورة مزيدًا من الضغوط على دولة ضعيفة.

 

8. ميانمار

وعدت الحكومة المدنية الجديدة بقيادة أون سان سو تشي، الحائزة جائزة نوبل للسلام، بالسلام والمصالحة الوطنية أولويةً عليا؛ ومع ذلك، هددت أحداث العنف الراهنة المساعي إلى إنهاء نحو 70 سنة من الصراع. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر، شن ((التحالف الشمالي)) لأربع جماعات مسلحة هجمات مشتركة غير مسبوقة على أهداف مدنية في منطقة تجارية رئيسة على الحدود مع الصين، مطلقة تصعيدًا عسكريًا في الشمال الشرقي. ما يضر بمسار الجلسة المقبلة لمؤتمر بانغلونغ للقرن الحادي والعشرين المزمع عقده في شباط/ فبراير 2016، بوصفه جزءًا من عملية السلام المتجددة لجمع الجماعات الإثنية المسلحة معظمها في البلاد. وفي الوقت نفسه، يستدعي مصير أقلية روهينغيا المسلمة اهتمامًا متجددًا من المجتمع الدولي. إذ شهد السكان انتهاك حقوقهم بصورة متصاعدة في السنوات الأخيرة، خاصة في عقب العنف المضاد للمسلمين في ولاية راخين عام 2012. وانطلقت شرارة العنف الأخير في راخين عبر سلسلة من الهجمات في تشرين الأول/ أكتوبر، وتشرين الثاني/ نوفمبر، استهدفت شرطة الحدود والجيش في منطقة قريبة من جبهة ميانمار الشمالية الغربية مع بنغلادش. وردت قوات الأمن بعنف في حملة لم تفرّق كثيرًا بين المسلحين والمدنيين، مع أنباء عن عمليات إعدام، واغتصاب، وحرق. وفي أواسط كانون الثاني/ ديسمبر، قدرت الأمم المتحدة عدد النازحين من روهينغيا إلى بنغلادش بنحو 27 ألف نازح. وأصدر أكثر من عشرة زملاء من الحائزين جائزة نوبل للسلام رسالة انتقدوا فيها أون سان سو تشي، لفشلها في التصريح عن الانتهاكات الصارخة التي حدثت، والدعوة إلى حقوق مواطنة كاملة ومساوية لمجتمع روهينغيا.

ونُفّذت الهجمات الأولى من جماعة مسلحة تعرف بـ ((حركة اليقين)) التي يعد ظهورها نقطة تحول محتملة في ميانمار. وعلى الرغم من أن مجتمع روهينغيا لم يكن متطرفًا يومًا، إلا أن الرد العسكري العنيف من الحكومة يزيد من مخاطر انتشار العنف. وقد تُستغلّ المناطق التي لا تسيطر عليها الحكومة من جماعات جهادية تحاول تحقيق أجنداتها الخاصة، ما قد يشعل توترات دينية في أرجاء البلاد التي تقطنها أغلبية بوذية.

 

9. أوكرانيا

بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، وحوالى 10 آلاف من الضحايا، يحكم التدخل العسكري الروسي مناحي الحياة السياسية جميعها في أوكرانيا. وتتجه أوكرانيا المقسمة بفعل الصراع، والمقعدة بفعل الفساد، نحو مزيد من عدم الاستقرار. ويثير إعجاب ترامب المفترض بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مخاوف كييف، وكذلك تثير مخاوفها الشائعات القائلة إنّ الولايات المتحدة قد تقرر وقف العقوبات ضد روسيا. وقد أوقف تطبيق معاهدة مينسك للسلام (شباط/ فبراير 2015)، ما قرّب روسيا من تحقيق اثنين من أهدافها في الصراع الأوكراني: إنشاء كيانات سياسية دائمة في شرقي أوكرانيا توالي روسيا، وتطبيع عملية ضمها لشبه جزيرة القرم الذي أشعل الحرب في العام 2014.

وتتنامى خيبات الأمل في أنحاء أوكرانيا، بشأن القادة التي أتت بهم تظاهرات ((الميدان)) في عام 2014 إلى السلطة، لكنهم الآن يماثلون القلة التي كانت حاكمة. ويتراجع الدعم الغربي للرئيس بيترو بوروشينكو، نظرًا لعدم رغبة كييف، أو عدم قدرتها في القيام بالإصلاح الاقتصادي الموعود، والإجراءات الصارمة ضد الفساد. وقد تتضاعف مشاكل بوروشينكو إذا أجريت انتخابات برلمانية هذا العام 2017 التي قد تؤدي إلى كسب أنصار روسيا قاعدة أكبر.

يجب على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الضغط على كييف، بصورة أكبر لإجراء الإصلاحات، واستخدام دبلوماسية قاسية مع موسكو في الوقت نفسه، بما في ذلك الإبقاء على العقوبات. يجب إقناع بوتين أنه لا يمكن تطبيع العلاقات مع أوروبا مادامت بلاده تستخدم أشكال الحروب جميعها للإبقاء على الأوضاع في أوكرانيا من دون تسوية. وترسل أفعال الروس رسائل راعبة للمنطقة كلها، بما في ذلك استخدام القوة، والهجمات السبرانية والحملات الدعائية، والضغوط المالية.

 

10. المكسيك

ربما لن يمكن تفادي مستوًى عاليًا من التوتر بين الولايات المتحدة والمكسيك، بعد أن وعدت حملة ترامب الانتخابية ببناء جدار حدودي بين البلدين، وترحيل ملايين المهاجرين غير المسجلين، وإلغاء اتفاق التجارة الحرة في أميركا الشمالية. وقد وصف ترامب –كما هو معروف- المهاجرين المكسيكيين بأنهم تجار مخدرات، ومجرمون، ومغتصبون، وحاز دعم الجماعات القومية البيضاء. وفي مسعى مبكر لتفادي مواجهات مستقبلية، دعا الرئيس المكسيكي إنريكي بينا نيتو الرئيس ترامب، المرشح الرئاسي حين ذاك، إلى زيارة بلاده في أيلول/ سبتمبر، ولاقت الخطوة احتجاجًا بين جموع المكسيكيين الغاضبين على مستويات الجريمة العالية، والفساد، وضعف الاقتصاد.

يعلم بينا نييتو أن المكسيك لا تحتمل معاداة جارتها الكبرى. ويقال إن نخب السياسيين ورجال الأعمال المكسيكيين يحاولون إقناع ترامب ومستشاريه بالعدول عن مواقفهم بشأن المهاجرين والتجارة الحرة.

إذا شرعت الولايات المتحدة في تنفيذ سياسة الترحيل الجماعي، قد يهدد ذلك بإشعال شرارة ما هو أسوأ حتى من أزمة أمنية وإنسانية، إذ ينزح اللاجئون والمهاجرون من المكسيك وأميركا الوسطى بسبب المستويات الرهيبة للعنف مصحوبة بالفقر المزمن. ووجد مسح أجري عام 2016 أن العنف المسلح في المكسيك وفي المثلث الشمالي قتل حوالى 34 ألف إنسان، وهو أكثر ممّا قتل في أفغانستان في المدة نفسها. وعادة ما يؤدي رفع مستويات الترحيل إلى الدفع بالمهاجرين غير المسجلين إلى قنوات أكثر خطورة، وفي ذلك فائدة للعصابات الإجرامية والمسؤولين الفاسدين. يمكن للولايات المتحدة أن تخدم مصالحها بتعزيز شراكتها مع المكسيك، ومعالجة الفشل الممنهج الذي يفتح الطريق أمام العنف والفساد.