تعقّد المشهد السياسي والعسكري كثيرًا، خلال سنوات الصراع الدامي في سورية؛ فالقوى المتدخلة في المسألة السورية متعددة، سواء أكانت قوى داخلية أم خارجية. وقد أدى تشابك العلاقات المؤسسة على المصالح المشتركة أحيانًا، وعلى التنافس والصراع أحيانًا أخرى، بين تلك القوى، إلى إنتاج لوحة من التشكيلات السياسية – المدنية، والعسكرية، باتت هي المقررة لحاضر البلاد ورسم ملامحها المستقبلية، وبات رصدها وتعرّف بناها وأهدافها ومصادر قوتها ضرورةً لكلّ مهتم بقطع هذه المرحلة والتأسيس لمرحلة جديدة.

يسمح ربط القوى المذكورة بالجغرافية السورية بملاحظة التفكك الحاصل في الجغرافية السياسية والاقتصادية والاجتماعية السورية، حيث بتنا نتحدث عن جغرافيا عسكرية وأخرى سياسية وكذلك اقتصادية… وهو من أسوأ ما خلفته الحرب بين تلك القوى. وقد باتت الوطنية السورية، بالمفهوم الجغرافي السياسي، في خطر شديد، وبات تحليل الواقع السوري على المستوى المصغّر- التحليل الميكروي مدخلًا لازمًا لفهم الواقع الأكبر.

وعلى ذلك، نحاول في هذه المقالة التركيز على دراسة ميكروية لإحدى المحافظات السورية ذات الخصوصية الدينية – المذهبية، لنرصد قواها الفاعلة المدنية والعسكرية، كنتاج لصراع مرير عاشته سورية وما زالت تعيشه حتى اليوم. إنها محافظة السويداء والمعروفة بجبل العرب.

تنشط في محافظة السويداء قوى ومجموعات سياسية، وأخرى مسلحة، وهذه الأخيرة مدعومة، سياسيًا وماليًا، من الدول المتدخلة في الصراع السوري: روسيا وإيران وأميركا وإسرائيل وتركيا و…. وقد يصل الدعم إلى المساندة المباشرة. وفي مقابل ذلك، تتمتع غالبية القوى السياسية المدنية السلمية باستقلاليتها، وتطرح نفسها كقوى معارضه للنظام، إنها قوى سياسية وطنية تتمتع بتاريخ نضالي، وبعضها له امتداد على المستوى الوطني.

أولًا- التجمعات والقوى السياسية المدنية السلمية

* الهيئة الاجتماعية للعمل الوطني في السويداء: تأسست في مطلع عام 2012، ووضعت لنفسها أهدافًا على رأسها الحفاظ على السلم الأهلي، ووحدة المجتمع بكل فئاته وطوائفه ومذاهبه… وهي تتشكل من أشخاص لا يشترط انتمائهم إلى حزب أو أي فكر أو مذهب أو دين، وهي ليست بعيدة عن السياسة، لكنها تصنف نفسها هيئة اجتماعية تسعى لإبعاد الفتن والنزاعات بين أهل الجبل وجيرانهم أو فيما بينهم، وتبذل جهودًا في الدفاع عن السلم الأهلي، وهي تشارك في الفعاليات الشعبية السلمية، وفي الاحتجاجات على الأوضاع المعاشية وعلى الفلتان الأمني وفوضى السلاح والتسلح، وتشارك في إحياء المناسبات الوطنية.

* تجمع القوى الوطنية في السويداء: يتكون من مجموعة قوى متنوعة في طابعها وأنشطتها: سياسية وثقافية واجتماعية، تلتقي في طابعها العام المعارض للنظام، توافقت على هدف التغيير الجذري للنظام السياسي الحاكم، بالأساليب السلمية، ويشارك التجمع في الفعاليات الشعبية السلمية وإحياء المناسبات الوطنية، ويعبّر عن مواقفه تجاه الأحداث.

* هناك أحزاب وتجمعات لها وجود في بقية المناطق السورية، مثل بعض الأحزاب المكونة لهيئة التنسيق الوطنية وتحالف (جود)، والتحالف السوري للحرية والعدالة الإنسانية، فضلًا عن وجود عدد من الأحزاب والتيارات الموجودة ضمن التجمعات السابقة، ولها نشاط مستقل نسبيًا، مثل كوادر من الشيوعيين السوريين في جبل العرب، تيار مواطنة، وحزب الإرادة الشعبية، وحزب الشعب. إضافة إلى منظمات مجتمع مدني، مثل المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وجمعية حقوق المرأة.

ويمكن عدُّ الأحزاب والتجمعات والمنظمات السابق ذكرها قوى معارضة للنظام بصفة عامة، وإن كانت معارضتها تتدرج من الجذرية إلى الأقل جذرية.

وفي موازاة تلك القوى، تضم محافظة السويداء مجموعة من القوى السياسية (بعضها يمتلك تنظيمات شبة عسكرية) وجميعها مؤيده للسلطة الحاكمة وداعمة لها: حزب البعث الحاكم، وحلفاؤه المنضوون في ما يسمى بالجبهة الوطنية التقدمية، فضلًا عن وجود جناح للحزب القومي السوري، وبصورة عامة، يمكن القول عن تلك القوى بأنها فقدت كثيرًا من وظائفها السياسية، وتحوّلت إلى قوى يتم تكليفها بأدوار أمنية ميليشياوية، تنفذ طلبات السلطة الأمنية في المحافظة تمامًا كحزب البعث وبعض أحزاب الجبهة التقدمية وجناح للحزب القومي السوري. فضلًا عن بعض الأحزاب الجديدة التي حصلت على ترخيص لمزاولة نشاطها في السنوات الأخيرة، كحزب سوريا المستقبل، وحزب اللواء أو “الفيلق”، والحزب الشعبي الديمقراطي.

ثانيًا: الفصائل والمجموعات المسلحة في السويداء:

* الفصائل المسلّحة الموالية لكلّ من روسيا وإيران: غير خاف على السوريين عمومًا مدى انخراط كل من روسيا وإيران في الساحة السورية، وساحة السويداء واحدة من تلك الساحات. فقد ازداد تغلغلهما أخيرًا “على الصعيدين العسكري والاقتصادي، ليشغل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، عبر التحكم في المراكز والنقاط الرئيسية للمنطقة، برعاية الفروع الأمنية للنظام، وكذلك عبر المجموعات والفصائل المسلحة المستقلة نسبيًا”، والتي اتخذت لنفسها تسميات مختلفة، ومنها: “فصيل الدفاع الوطني، مجموعة راجي فلحوط، مجموعة رامي مزهر.. والعشرات غيرها”. وهذه جميعها مرتبطة بالفروع الأمنية، كأمن الدولة، والأمن العسكري على وجه التحديد.

إن تعدد الفصائل المسلحة المدعومة من كلٍّ من روسيا وإيران، وما يرافق أنشطتها المصحوبة بالتنافس فيما بينها، أدى إلى استفحال حالات الفلتان الأمني المسلّح، وجعل السكان العاديين يعيشون الرعب بشكل دائم، خاصة أن هذه الفصائل ترتبط بشبكة مافيوية لا تنحصر أعمالها بالعمليات الأمنية، بل تمتد إلى تجارة المخدرات والممنوعات والتهريب والخطف والنشل.. ويتقاسم غنائمها جميع المنخرطين في العمليات السوداء، وبخاصة الكبار منهم، هذا فضلًا عن التعدي على حقوق السكان في مواد أساسية (المازوت والبنزين والغاز..)؛ ما يثير التوترات والمناوشات فيما بينها، وغالبًا ما يذهب ضحيتها قتلى، وحالات اختطاف، فتُضطر الأجهزة الأمنية في المحافظة إلى رفع غطاء حمايتها عن بعضها، أمام الرأي العام للمحافظة، تهربًا من الإحراج الذي تسببه تلك المجموعات للنظام وقواه الأمنية من جهة، ولإعطاء السخط الشعبي وضعًا منضبطًا وقانونيًا، كي لا يبدو أنه نوع من التمرّد على السلطة.

أضف إلى ذلك استمرار نشاط ميليشيا “حزب الله” اللبناني، الموجودة بكثافة في محافظة السويداء وعموم المنطقة الجنوبية، بدعمٍ من شخصيات إيرانية نافذة ومدعومة من قوًى أمنية ومجموعات مسلحة محلية، على صعيد الاتجار بالمخدرات وعمل استثمارات مالية، في إطار سعيها لإحداث تغيير ديموغرافي ومذهبي في المحافظة.

* رجال الكرامة “أكبر الفصائل المسلحة في محافظة السويداء”، حسب تصريحات أعضائه. يضم الآلاف من أبناء المحافظة، معظمهم يرتدي الزيّ الديني المتعارف عليه في المحافظة، ويصرّحون بأنهم “لا يقاتلون أو يعتدون إلا على من يعتدي عليهم، و يدافعون عن الأرض والكرامة في جبل العرب”، وأعضاء الكرامة لا يتقاضون رواتب شهرية أو مقابلًا ماديًا مقابل خدمتهم، مقارنة مع باقي الفصائل، وأسلحتهم وتجهيزاتهم هي حصيلة مساعدات مالية من مصادر غير حكومية وخارج إطار الدعم الروسي – الإيراني.

وفي الآونة الأخيرة، تشكل في السويداء فصيل عسكري جديد، تحت مسمى (حزب اللواء)، يدفع مبالغ مالية مغرية لأعضائه، وتتبع له مجموعة مسلحة باسم “قوى مكافحة الإرهاب”، ولا يذكر هذا الفصيل صراحة مصادرَ تمويله ودعمه، غير أنّ المتابعين لنشأته ونشاطه يذكرون أنه مدعوم من إسرائيل وأميركا، ومرتبط بفروع أمنية محليّة يجري التنسيق فيما بينها على قدم وساق.

يترافق تردي الأوضاع الأمنية في المحافظة، مع تردٍ غير مسبوق للأوضاع المعيشية التي باتت تشكل حزامًا خانقًا لغالبية السكان، ويؤدي ذلك إلى ترك الشباب أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الهروب وإما حمل السلاح لتحصيل المال بطرق غير مشروعة. وبالفعل، يبحث الشباب الرافض للانخراط في الأنشطة الملوثة/ السوداء عن فرص النجاة بأنفسهم عن طريق مغادرة البلاد، وقد ذكرت مصادر محلية مؤكدة أن عدد المغادرين سورية عبر مطار دمشق، خلال آب/ أغسطس 2021 من المحافظة، بلغ 11.850 مغادرًا، وهو عدد كبير مقارنة بعدد سكان المحافظة الذي لا يتجاوز 500 ألف نسمة!

إن عبث الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، وشراكاتها مع المافيات الإيرانية والروسية المنخرطة بعمق في المنطقة الجنوبية، واستباحة مقدراتها وأمن سكانها، يمثل خطرًا جديًا وتحديًا يطرح على القوى الوطنية في السويداء وباقي المنطقة الجنوبية، وجوب التعاون للتصدي لتلك القوى ومخاطرها، من خلال العمل على تنوير السكان وتبصيرهم وتعبئتهم وتنظيمهم في كيانات مدنيّة وسياسية وطنية، لتوحيد جهودهم في وجه المافيات متعددة الرؤوس التي تعيث فسادًا وتعمل لإفقار السكان. وقدر هؤلاء هو المقاومة الوطنية السلميّة.