أولًا- مقدمة

ثانيًا- لمحة تاريخية

ثالثًا- الخطط والآليات

رابعًا- المآلات

خامسًا- الحلول

سادسًا- خاتمة

أولًا- مقدمة:

من يقرأ المشهد الجيوعسكري في منطقة الشرق الأوسط، خاصة شرق البحر المتوسط في دول العراق وسورية ولبنان، وفي أغلب الدول المطلّة على الخليج العربي مثل اليمن والبحرين والإمارات وعُمان، يرى بأم عينه مدى التغلغل الإيراني المرعب في تلك المنطقة، عَسْكَرِيًّا وأمنيًّا وَاقْتِصَادِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا، والأخطر عَقَائِدِيًّا، ففي العراق، استطاع نظام الملالي، منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، التوغل اِجْتِمَاعِيًّا وَاقْتِصَادِيًّا عبر التغلغل الاجتماعي العقدي الأمني، أو ما يطلق عليها “القوة الناعمة”، وتبعها بالتوغل العسكري بُعيد سقوط نظام صدام حسين عَسْكَرِيًّا، عبر ميليشياته الطائفية وسيطرته على معظم قادة الجيش العراقي المستحدث حسب الرغبة الإيرانية، وفي سورية، استخدمت إيران الطريقة ذاتها والأسلوب عينه من حيث القوة الناعمة، في العقد الأخير من عهد الأسد الأب، واستطاعت التوغل بالقوة الخشنة منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة السورية، مستفيدة من وجود بشار الأسد وحاجته الماسة إلى حماية كرسيه من غضب الشعب السوري الذي تفجر في ثورة الكرامة عام 2011، أما في لبنان، فالتوغل كان قديمًا عبر أحد أخطر أدوات ملالي طهران في الشرق الأوسط وهو “حزب الله” اللبناني، واستطاع الحزب السيطرة على مفاصل الحكم في لبنان، واستطاع حتى الآن تعطيل الحياة السياسية والاقتصادية في ذلك البلد الذي يمكن أن ينهار في أي لحظة، أما في اليمن فميليشيات الحوثي (الذراع الطويلة لإيران هناك) استطاعت، من خلال الدعم المباشر وغير مباشر من قبل حكام طهران، فرض واقع جديد في المعادلة العسكرية وفي الواقع السياسي والاقتصادي المنهار أصلًا، فضلًا عن فرض جبهة ساخنة على حدود المملكة العربية السعودية، يمكن استخدامها في مخططات إيران المستقبلية، أما في دول الخليج، فالتوغل الإيراني ما زال يعتمد على القوة الناعمة، كالتوغل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني، لكنه ما زال يسير بخطًى بطيئة نِسْبِيًّا، نتيجة عدم توفر الظروف الموضوعية للتدخل بالقوة الخشنة، وهذا يمكن أن يحدث في المستقبل، خاصة في المملكة العربية السعودية، عبر ثلاث جبهات: الأولى من المنطقة الشرقية، والثانية من اليمن، والثالثة من الأردن، الذي يبدو أنه بدأ التوغل في هذا البلد عبر إغراق المجتمع الأردني بالمخدرات وشراء ذمم بعض رؤساء العشائر، وهذا يمكن أن يُدخل إيران إلى الأردن من بوابة اقتصادية عريضة، ومن خلال ما سبق، يمكن أن نبحث في دراستنا هذه في مخططات إيران وآليات عملها في المنطقة، وكيف استطاعت التوغل في تلك الدول ومن ساعدها في ذلك، ومن ثم سأتطرق إلى استنتاجات من نتائج التحركات الإيرانية وهدفها النهائي، ومن ثم سأقوم بطرح بعض الحلول، لكن في البداية لا بدّ من التطرّق إلى لمحة تاريخية عن تطور عمل نظام الملالي في طهران وشعاراتهم التي طرحت منذ تسلّم الخميني السلطة في طهران.

ثانيًا- لمحة تاريخية:                                                                                                                  

أُسست مملكة إيران على يد رضا بهلوي، في الثلاثين من كانون الأول/ ديسمبر عام 1925، الذي بدّل اسم البلاد من “فارس” إلى “إيران” التي تعني بلاد “الآريين”، واستمر رضا بهلوي في حكم إيران إلى عام 1941، إذ سلّم ابنه محمد رضا بهلوي الحكم في إيران، واستمر هذا في الحكم إلى أن قامت الثورة الإيرانية، وتسلّم الخميني السلطة في السادس والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر عام 1979 (1). استطاع الخميني السيطرة على إيران في وقت قصير، نتيجة عوامل عدة من أهمّها عمله تحت غطاء الدين، خاصة أن النسبة الأكبر من الإيرانيين يعتنقون الإسلام، وأغلبهم ينتمون إلى المذهب الشيعي الذي ينتمي إليه الخميني ورفاقه الذين حوّلوا إيران -تحت هذا الشعار- إلى دولة إسلامية أطلق عليها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنذ الأيام الأولى لبسط سيطرة الملالي على الحكم، رفعوا شعار “تحرير القدس” وتصدير الثورة، لإسقاط الأنظمة الملكية والدكتاتورية لتحلّ محلها جمهوريات إسلامية على غرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي بدأت تضع نفسها كنموذج لمشروع جديد، بعيدًا عن النموذج الغربي كالولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وأيضا بعيدًا عن النموذج الشرقي المتمثل بالاتحاد السوفيتي، وبدأت تخطط لتنفيذ مشروعها في الشرق الأوسط، خاصة في البلدان العربية معتمدة على الأقليات الشيعية الموجودة في كل تلك الدول، ومن هنا بدأ ملالي طهران في رفع شعار تحرير القدس، ولهذا قاموا بتقديم المساعدات والدعم لمنظمة التحرير الفلسطينية، كما قدّموا الدعم لحركات التحرر من السيطرة الأميركية، كالزعيم فيدل كاسترو في كوبا، ولحركات مكافحة العنصرية مثل نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، ولعلّ نقطة انطلاق إيران في مشروع تصدير للثورة بدأت من لبنان؛ فكان التوغل الإيراني الأقدم زَمَنِيًّا في تلك الدولة من خلال “حزب الله” اللبناني الذي يدين بالولاء المطلق لملالي طهران، جهارًا نهارًا، وعلى لسان قادته وعلى رأسهم حسن نصر الله، ويمكن أن نقول إن نظام الملالي في طهران نجح في لبنان، كأول بلد عربي صُدرت إليه الثورة الإيرانية، ويمكن أن نقول أيضًا إن العراق هو البلد العربي الثاني الذي بدأ نظام الملالي بالتغلغل فيه، بغية تصدير الثورة له بحكم موقعه الجغرافي الملاصق لإيران، ليكون بوابته الرئيسية في غزو باقي دول المنطقة، وهذا ما عمل عليه من خلال افتعال عدد من الأحداث أهمّها الانفجارات التي وقعت في الجامعة المستنصرية، وقصف بعض المناطق الحدودية العراقية مثل الكوت وديالي التي كانت سببًا في اندلاع الحرب العراقية الإيرانية لثماني سنوات، وعند انتهاء الحرب؛ بدأ ملالي طهران في التغلغل بما يسمّى “القوة الناعمة” في المجتمع العراقي، لإرساء قاعدة يمكن الاستفادة منها في المستقبل، وهذا ما حصل فعلًا عند سقوط نظام صدام حسين، حيث كانت إيران قد حققت جزءًا من ذلك المخطط واستفادت منه لأقصى درجة، خاصة من حيث تشكيل ميليشيات طائفية تدين بالولاء المطلق لطهران التي سيطرت بدورها على الجيش العراقي الذي استُحدث بُعيد سقوط بغداد بيد الأميركان، وكان فضل تلك السيطرة يعود لقادة تلك الميليشيات ومرجعياتها الدينية العراقية.

وفي سورية، لم يختلف المشهد كثيرًا إلا أن حافظ الأسد لم يكن كصدّام حسين، من حيث الانتماء إلى الوطن، وسورية لم تكن العراق من حيث التركيبة السكانية والعرقية والدينية والطائفية، ولهذا كان الأسد الأب الغطاء والراعي الرسمي للتغلغل الإيراني في سورية منذ عام 1988، تارة بغض الطرف عن استخدامهم القوة الناعمة من خلال شرائهم العقارات والأراضي المحيطة بالمراقد الشيعية وغيرها من الأساليب الخبيثة، وتارة أخرى عبر تسهيل استقرارهم في سورية، من خلال تسهيل دخولهم وإقامتهم وعملهم على الأراضي السورية، إلى أن جاء وريثه وقدّم سورية ومؤسساتها الرسمية، خاصة الجيش والأمن، على طبق من ذهب للمحتل الإيراني، وأصبح الحرس الثوري الإيراني المتحكم في كثير من مفاصل الدولة السورية، بل أصبحت هناك قطعات كاملة من الميليشيات الإيرانية على ملاك وزارة الدفاع السورية، بُعيد منح كثير من تلك الميليشيات الجنسية السورية.

أما في اليمن فقد اعتمد نظام الملالي في طهران على الحوثيين في تأسيس قاعدةٍ لهم في اليمن، وبرز ذلك بعد انطلاق الثورة اليمنية ولجوء الرئيس عبد الله صالح إليهم لحماية عرشه، لكنهم غدروا به وقتلوه وفرضوا أنفسهم كقوة عسكرية وسياسية في المعادلة اليمنية، وهذا ما أرّق المملكة العربية السعودية، خوفًا من وجود كيان يمكن أن يهدّد أمنها، ومع الزمن يمكن أن يحقق طموحات ملالي طهران في السيطرة على الأراضي المقدسة، وهذا ما دفع السعوديين إلى خوض معركتهم ضد الحوثيين على الأراضي اليمنية.

ثالثًا- الخطط والآليات:

اعتمد نظام ملالي إيران، في تصدير الثورة وغزوه لدول لبنان والعراق وسورية واليمن، على مخطط واحد نُفذ بطرق وآليات مختلفة، نظرًا لاختلاف الزمان والمكان والظروف المحيطة في كل دولة، لكن الخطة الأساسية لتصدير الثورة كانت واحدة، ونُفذت عبر أسلوبين:

الأول: التوغل بالقوة الناعمة التي يمكن أن تمهّد الطريق للقوة الخشنة، بالدخول إلى البلاد المستهدفة من أوسع أبوابها، ويمكن أن نقول إن القوة الناعمة نُفذت بطرق عدة من أهمّها:

  • – إغراق المجتمع بالمال السياسي: الأمر الذي أسهم في شراء ذمم كثير من قادة المجتمع، خاصة من الشيعة العرب، وهذا ما حدث قبيل دخول ميليشياتها إلى العراق وسورية واليمن، حيث استطاعت إيران تأسيس قاعدة لوجستية لتنفيذ مخططها في تلك البلدان، ففي العراق بنت علاقات متينة مع المراجع الدينية كالسيستاني ومقتدى الصدر وغيرهم، وفي سورية عمدت على زرع كثير من قادتها ومرجعياتها الدينية حول مرقد السيدة زينب في ريف دمشق، بالإضافة إلى رعاية القرى الشيعية في حلب وإدلب وريف دمشق، وفي اليمن كان الحوثيون ذراع إيران الطويلة هناك مستفيدين من الحاجة الماسة والفقر والجهل لأغلب سكان اليمن، إضافة إلى الطبيعة القبلية للمجتمع اليمني الذي يعتمد على حماية القبيلة من خلال ميليشيات تابعة لكل قبيلة، أما في لبنان فكان التوغل عبر “حزب الله” اللبناني وحركة (أمل) الشيعية الذين بنوا إمبراطورية مالية مصدرها إيران، واستخدموها لتقوية الحاضنة الشعبية لكليهما ولترسيخ نفوذهم في مؤسسات الدولة اللبنانية بشكل مبكر، واعتمدت إيران في ذلك بشكل كبير على شخصيات من الطائفة الشيعية تخرجوا من الحوزات العلمية في طهران، كالأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله وغيره من قادة الحزب، كما اعتمد الإيرانيون على القادة الشيعة السياسيين اليساريين في لبنان، مثل نبيه بري الذي تم احتضانه من خلال الدعم الكبير لحركة (أمل) التي يقودها، واستغل الإيرانيون الظروف السياسية والحرب الأهلية هناك لتقوية هذا الحزب ودعمه بكل الوسائل المادية واللوجستية.
  • – شراء الأراضي والعقارات القريبة من المراقد الدينية الشيعية: حيث أحدثت حولها مشاريع خدمية ضخمة، استغلتها إيران خير استغلال، من خلال ربط موظفي تلك المشاريع بمنظوماتها الأمنية والعقائدية.
  • – الجمعيات الخيرية: وعمل تحت غطائها كثير من الفعاليات الاقتصادية والدينية.
  • – بناء الحسينيات: حيث عمدت إلى تفعيل دورها في إعطاء الدروس الدينية ونشر المذهب الشيعي، خاصة بين الشباب.
  • – تكوين عصابات للتجار بالمخدرات لنشرها خاصة في صفوف الشباب، لتغييبهم ولتسهيل التحكم فيهم.
  • – نشر وتسهيل عمليات تجارة الرقيق الأبيض، عبر فتح مراكز سرّية لزواج المتعة، سرعان ما تحولت إلى علنية في السنوات الخمس الاخيرة.
  • – التوغل في بعض مؤسسات الدولة المهمة، خاصة الدينية الثقافية والاقتصادية والأمنية، وعمدت من خلال ذلك إلى شراء العناصر الفاعلة في تلك المؤسسات.

الثاني: التوغل بالقوة الخشنة المتمثلة في الدخول إلى البلد المراد غزوه، في حال توفر الظروف المناسبة، كالغزو الأميركي للعراق وثورات الربيع العربي، ويأتي هذا التدخل غالبًا عبر الميليشيات الطائفية التي تم تدريبها بشكل جيد والإشراف عليها وقيادتها من قبل الحرس الثوري، وعناصر هذه الميليشيات على الأغلب ليسوا إيرانيون وجُلّهم من أفغانستان وباكستان وغيرهم من أبناء الطائفة الشيعية مثل ميليشيات “فاطميون” و”زينبيون” الذين يتم غرس العقيدة الدينية في رؤوسهم وشحذ هممهم، بحجة “حماية المراقد الشيعية المقدسة”، وتنفيذ الأوامر من دون النظر إلى الهدف النهائي لهذا القتال، لدرجة أنهم وزعوا جوازات سفر على عناصر تلك الميليشيات تخوّل حاملها الدخول إلى الجنة، ولم تكتفِ إيران باستخدام تلك الميليشيات العابرة للحدود بل بدأت تقوم فور وضع قدمها في تلك البلدان بتجنيد شباب ذلك البلد، عبر مغريات مادية كبيرة وامتيازات لهم ولعائلاتهم، مثل “الحشد الشعبي” العراقي و”حزب الله” العراقي و”حيدريون” و”حركة النجباء العراقية” و”كتائب عصائب أهل الحق” في العراق، وفي سورية “حزب الله السوري” وكتيبة الفوعة وكتيبة الزهراء وكتيبة شهيد المحراب وكتيبة العباس وغيرها من الميليشيات المحلية، ومن خلال تلك الميليشيات وتحت غطائها، يتم نقل الأسلحة والعتاد من إيران إلى تلك الدول، وتقام معامل لتصنيع وتطوير تلك الأسلحة، كما تقوم إيران بدمج بعض الميليشيات الطائفية في جيوش تلك الدول، بعد إعطائهم هم وعائلاتهم جنسية تلك الدولة، الأمر الذي يحقق لها التغيير الديموغرافي بعد أن قامت بتهجير السكان الأصليين من مناطقهم بالقوة، الأمر الذي سعت له من اللحظة الأولى لتدخلها في تلك البلدان، وهذا ما حدث في سورية بشكل جلي، عندما ساعدت بشكل كبير في تهجير السكان المحليين من أبناء السنّة إلى خارج ديارهم، من خلال ارتكابها كثيرًا من المجازر بحق هؤلاء، وزرعت بدلًا منهم عائلات عناصر وقادة الميليشيات الطائفية الذين تم دمجهم في الجيش السوري، وأصبحوا ضمن ملاك وزارة الدفاع وهيئة الأركان السورية.

رابعًا- المآلات:

من خلال تتبع الأحداث التي عصفت بالمنطقة من جراء الغزو الأميركي للعراق واندلاع ثورات الربيع العربي حتى يومنا هذا؛ نرى بوضوح أن هناك نجاحًا كبيرًا لنظام الملالي في تنفيذ مخططاتهم في السيطرة على المنطقة العربية، وقد بات دور إيران الفاعل في المنطقة لا يمكن تجاهله، حيث نجحت جُزْئِيًّا حتى اللحظة في السيطرة على قرار عدد من الدول التي توغلت فيها، ويمكن أن نرى ذلك من خلال إلقاء نظرة سريعة على ما آلت إليه الأوضاع الميدانية والسياسية في بعض البلدان التي غزتها إيران، كالعراق الذي باتت هيمنة الحرس الثوري الإيراني الذراع العسكري الخارجي لنظام الملالي عليه جليةً وواضحةً، ولم يقتصر تحكمه على الميليشيات العراقية، بل امتد نفوذه إلى مؤسسات الدولة العراقية وعلى رأسها مجلس الوزراء والبرلمان والأجهزة الأمنية والجيش العراقي، فضلًا عن التموضع العسكري المكثف للقوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها على شكل قواعد عسكرية تتمركز في أغلب المحافظات العراقية، وبهذا يمكن أن نقول إن العراق حَالِيًّا يرزح تحت الاحتلالين الأميركي والإيراني، أما في سورية، فالمشهد الآن لا يختلف كثيرًا عن المشهد في العراق، من حيث الوجود المكثف للميليشيات الإيرانية على الأراضي السورية والتغلغل الإيراني في الجيش السوري وأجهزة المخابرات، لدرجة أنها أصبحت تتقاسم النفوذ في تلك المؤسسات مع المحتل الروسي في ظلّ غياب تام للأسد وتأثيره في هذه المؤسسات، فضلًا عن التغلغل الإيراني الكبير في النسيج الاجتماعي السوري، من خلال فرض التشيع تارة بالترهيب وتارة أخرى بالترغيب كتقديم المعونات للسكان المحليين الرازحين تحت سيطرة تلك الميليشيات وإنشاء العديد من الحسينيات في تلك المناطق، إضافة إلى سيطرتها على كثير من رجال الدين واستخدامهم لتنفيذ مخططاتهم الرامية لإقناع أتباعهم بالتشيع، الأمر الذي بات فيه أبناء الشعب السوري في مناطق سيطرة الأسد في حالة من الخوف والهلع على أبنائهم، لهذا يسعون وبكل الطرق لإيصالهم إلى برّ الأمان خارج سورية، وبهذا وقع الشباب السوري تحت سندان الذهاب إلى الخدمة الإلزامية في جيش الأسد أو الانخراط في المجموعات التي تُرسلها روسيا للقتال خارج سورية، ومطرقة التشيع والتطوع في الميليشيات المفروض عليهم من قبل المحتل الإيراني، أما في لبنان، فما زال “حزب الله” حتى الآن يتحكّم في قرار الدولة اللبنانية، بكل مؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية، على الرغم من كثير من الجرائم التي ارتكبها بحق اللبنانيين، وكان آخرها تفجير شحنة نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، أما في اليمن، فالحال هناك لا تختلف كثيرًا عما هي في العراق وسورية؛ فالحوثيون (الذراع الطويلة لنظام الملالي) يسيطرون على جزء كبير من الأراضي اليمنية، وعلى الرغم من خوضهم الحرب مع بعض دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ما زالوا يحتفظون بقوتهم العسكرية، نتيجة الدعم المتواصل لهم من قبل ملالي طهران، أما باقي دول الخليج والأردن، فما زالت إيران تتبع أسلوبها المعهود بالقوة الناعمة في التمهيد لاستخدام القوة الخشنة، متى سنحت الفرصة لذلك، وأعتقد أن استخدام القوة الخشنة لن يتأخر كثيرًا في الأردن، نتيجة الظروف التي خلقتها إيران في الجنوب السوري خاصة على الحدود الأردنية السورية ومحاولاتها الحثيثة إغراق المجتمع الأردني بالمخدرات، فضلًا عن شراء بعض زعماء العشائر الأردنية بالمال السياسي وإغراقهم به، أما بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، فانتشار الميليشيات الإيرانية على حدودها الشرقية بات واضحًا، مستغلة وجود الشيعة العرب السعوديين في تلك المنطقة، وأعتقد أن هذا سيكون الخطر الداهم على المملكة، إذا ما نجح نظام الملالي من التوغل في الأردن، ومن ثمّ محاصرة المملكة من حدودها الشمالية، وبهذا يمكن أن نقول أن إيران قد حققت 80% من مخططاتها الرامية للسيطرة على الأراضي المقدسة في مكة والمدينة المنورة، وتفتيت الحجاز وإعادة ترتيبه حسب مصالحها ومصالح مشغليها وداعميها وشركائها.

خامسًا- الحلول:

في ظل الواقع الحالي المؤسف، في المنطقة العربية عامة، وعلى وجه الخصوص في الدول التي استطاعت إيران غزوها والتوغل فيها، ونتيجة التقدّم والانتصارات التي حققها المشروع الفارسي المستتر تحت غطاء الدين في المنطقة، على كل المستويات العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، ونتيجة صمت العرب وجامعتهم، وغياب أي مشروع عربي يمكن أن يوقف مشروع التمدد الإيراني في الدول العربية ومشاريع أخرى متلازمة مع هذا المشروع، كالمشروع التركي والمشروع الصهيوني والمشروع الأميركي والمشروع الروسي؛ أعتقد أنه من الصعب إيجاد حلول يمكن أن تُوقف هذا المشروع، إلا إذا أفاق العرب -حكومات وشعوبًا- من سباتهم العميق، ووقفوا بوجه إيران وملاليها وأطماعهم، وعمدوا إلى إنشاء مشروع وآليات حقيقية وناجعة لتنفيذ هذا المشروع الذي يمكن أن نبدأ بالخطوة الأولى منه، بالدعم السياسي واللوجستي للمجاميع التي ما زالت تقاوم المشروع الإيراني، في الدول التي استطاعت إيران التوغل فيها، لأن هؤلاء هم خط الدفاع الأول عن الأمة العربية، وبدعمهم واحتوائهم يمكن أن تعود الأمور إلى نصابها، وانهيار هذا الحاجز سيُسهل كَثِيرًا مهمة إيران في ابتلاع باقي الدول العربية، وبالتوازي مع هذا كله، على الدول العربية تقديم الدعم المطلق لثوار الأحواز العربية والتيارات المعارضة لنظام الملالي داخل إيران وخارجها، وحثها على القيام بالتمرّد على سلطات طهران وإشعال نار التظاهرات التي يمكن أن تشغل السلطات الإيرانية وتبطئ تحركاتها خارج البلاد، لحين إيجاد وسائل ناجعة لوقف هذا التمدد، وهذا الأمر يستدعي من الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودول الخليج ومصر، العمل بوتيرة عالية لتبني هذا المشروع، وتقديم العون المادي واللوجستي والاستخباراتي الفني لاختراق المجتمع الإيراني بكل الطرق، إضافة إلى فتح معارك دبلوماسية في المؤسسات الدولية، لإيقاف هذا الغول عن التمادي وإجباره على الانكفاء داخل بلاده، وترك قادة دول المنطقة تدير دولها بالطريقة التي ترغب فيها الشعوب العربية، أملًا في تحقيق الازدهار المنشود لكل شعوب المنطقة.

أتمنى أن يتحرك العرب زعماء وشعوبًا؛ فالخطب جلل، والمستقبل مفروش بالحديد والنار، وأعتقد أنه إذا لم يقم الحكام العرب في استدراك الموقف واتخاذ القرار الصائب لإيجاد الحلول الناجعة لإيقاف الغزو الإيراني لبلداننا؛ فإن هؤلاء الحكام متورطون -بشكل أو بآخر- في تلك المخططات، مقابل عروشهم التي يمكن أن تكون أغلى من دماء الشعب العربي بأكمله ومستقبله ومستقبل أبنائه. 

سادسًا- خاتمة:

ملخّص القول إن الدول التي غزاها الإيرانيون باتت معظمها مدمّرة وتفتقد البنية التحتية، فضلًا عن اعتبارها من الدول الأكثر تخلفًا وفقرًا في العالم، إذ أصبحت شعوب تلك الدول تحت خط الفقر بدرجات مرعبة، فضلًا عن انعدام الأمن والأمان لمواطني تلك البلدان، ليترافق ذلك مع عدم وجود استقرار اقتصادي واجتماعي وسياسي وتفكيك المؤسسات الرسمية لتلك الدول، إضافة إلى تفكيك جيوش تلك الدول، وربط قادتها بالحرس الثوري الإيراني، وإضافة إلى إحداث تغيير عميق في البنية الديموغرافية لمجتمعات تلك الدول، وعلى الرغم من ذلك، ما زالت إيران ماضية حتى اللحظة في تنفيذ مخططاتها تجاه المنطقة العربية، معتمدة على عوامل عدة، أهمّها الاستفادة القصوى من عدم استقرار الدول العربية، بعد الغزو الأميركي للعراق وما تبعه من ثورات الربيع العربي التي سخّرت إيران جزءًا منها لمصالحها، معتمدة على حلفائها في المنطقة وأشقائها في العقيدة: الإخوان المسلمين في سورية ومصر والعراق واليمن، الذين ثبت أنهم جزء فاعل في الثورات المضادة التي تصدّت لثورات الربيع العربي، ولا ننسى دور حكّام تلك الدول الذين سهّلوا مهمة تنفيذ مخططات الحرس الثوري الإيراني في تلك الدول، وما فعله بشار الأسد والمالكي وعبد الله صالح وحسن نصر الله خيرُ دليل على هذا، وبهذا يمكن أن نقول إنّ إيران وحلفاءها يسعون إلى تغيير وجه المنطقة إلى الأبد، كلّ يعمل لمصالحه الخاصة، لتبقى شعوب المنطقة هي الخاسر الأكبر من هذه المخططات، نتيجة التشتت الحاصل في مواقف النخب السياسية والعسكرية التي صنعها أعداء الثورة السورية، وارتماء تلك النخب -إذا جاز تسميتها بهذا الاسم- في أحضان الفرقاء، مهتمين بتحقيق مصالحهم الشخصية أو الحزبية الضيقة، على حساب دماء وأشلاء الشعوب العربية وضبابية مستقبل أبنائها وضياع شبابها بين مهجّر ومعوّق وجاهل، ليتحقق الحلم الإيراني ومن وراءه، في عودة العرب إلى القرون الوسطى، وإعادة إغراقهم في الحروب البينية، وترسيخ الجهل والتخلف والتمزق بين مكونات مجتمعاتهم.