عن ملف مجلة (قلمون) الخاص بالفن التشكيلي السوري

ركزت الدراسات الثقافية المهتمة بالشأن السوري على أهمية تفعيل دور الفنون في مراحل التغيير السياسي والاجتماعي، وفي حالات النزاع الأهلي، ودور الفنون في بناء السلم الأهلي منذ عام 2011، وذلك لأن الفنون هي المسبار في التعرف إلى الثقافة المجتمعية والقضايا الراهنة، وذلك لقدرتها على تلمس أفكار المجتمع واتجاهاته في المراحل التاريخية المختلفة. فالفنون تمثل المرآة التي تعبرها الأفكار كاملة، والتجارب السياسية والاجتماعية والثقافية، وحتى الاقتصادية التي يعيشها أي مجتمع.

حضرت الفنون منذ عام 2011، في محاولة المجتمع السوري إعادة التدقيق في هويته الوطنية التي شُكلت في السنوات الثلاثين الماضية، وإعادة تفحص مكوناتها وأسسها والبنى الفكرية التي قامت عليها.

فغالبًا ما لجأت المجتمعات والثقافات إلى الفنون بغاية إعادة التدقيق، النقد والتفكيك للهوية المتشكلة عبر التجارب السياسية، وأنظمة الحكم المتعددة. وبالمقابل، فقد وُظفت الفنون أيضًا بسرعة من جانب المجتمع السوري في محاولة التعبير عن رغبته في التغيير. فقد رأينا منذ عام 2011، كيف ترافقت الاحتجاجات الشعبية مع طفرة في الإنتاج الغنائي والأدبي والسينمائي والتشكيلي، معبرة عن تطلعات المجتمع ورغباته وآماله. فمثلًا، ترافقت التظاهرات مع تأليف الشعارات، الأغاني والرقصات واللافتات التي ترتبط جميعها بالفنون بغاية التعبير عن الرغبة المجتمعية والآراء السياسية للفئات الاجتماعية المنتفضة.

ومن هنا جاء اهتمام مجلة (قلمون) بتخصيص سلسلة ملفات من أعدادها للفنون السورية، فجاء العدد السابع خاصًا بالسينما السورية ومشكلاتها، وتطور العمل السينمائي في أثناء الأحداث السياسية والاجتماعية التي شهدتها سورية. فانصب اهتمام الملف على تاريخ السينما السورية، وانقسام الإنتاج السينمائي بين سينما تعكس خطاب النظام الحاكم والسينما التسجيلية الثورية التي عكست قضايا الراغبين في التغيير وآمالهم. وحرص الملف على تحليل الخطاب الفني السينمائي في الإنتاجين السينمائيين الحاضرين في الساحة السورية. واهتم الملف برسم المعالم المستقبلية للسينما السورية، انطلاقًا من استقراء حاضر هذه السينما بما لها وما عليها.

واستكمالًا للاهتمام بالفنون السورية والإضاءة عليها جاء العدد الثامن خاصًا بالإنتاج الروائي السوري منذ عام 2011. فحمل الملف عنوانًا فرعيًا هو: (استكشاف خرائط السرد المناهض).

يعرّف الملف السرد المناهض بوصفه السرد الذي يتوخى تفكيك السرديات المتأبدة، والرؤى النكوصية التي تقود المجتمع إلى خارج سياقات التاريخ، والاضطلاع بالوظيفة النقدية وذلك من خلال ابتكار سرديات مناهضة، تكون أشد صدقًا، وأكثر مطابقة للحقيقة التاريخية.

وإيمانًا منها بأن الفن واحد من أهم ميادين الحياة الإنسانية -نظرًا لكونه يؤدي وظيفة مزدوجة: التعبير عما يعتمل في أنفس الفنانين، من حيث هم أفراد، والتكثيف الرمزي لما يدور في الحياة الاجتماعية للشعب-. جاء العدد الثاني عشر من مجلة (قلمون) خاصًا بالفن التشكيلي السوري. ملف تتأتى أهميته من مستويات عدة، منها ما يتعلق بنوعية المجلة بوصفها مختصة في الدراسات البحثية والأكاديمية، ومنها ما يتأتى من الموضوعة بذاتها أي الفن التشكيلي السوري، ومنها ما يتأتى من غياب المنابر المتخصصة التي تفسح المجال للكتابات النقدية الفنية في العلاقة بين الفن والمجتمع أو في طرح النصوص التخصصية في مجال النقد الفني. وهذا ما سنحاول تبيانه من خلال دراسة الملف ووضع أبحاثه في أطر العناصر المهمة والمميزة لتخصيص مجلة قلمون عددًا خاصًا بالفن التشكيلي السوري.

أولًا: إيجاد المنبر البحثي والأكاديمي المتخصص لدراسة دور الفن في تشكيل الهوية الوطنية. فقد وضعت كلمة العدد الفن التشكيلي موضوعًا للملف الثاني عشر من مجلة (قلمون)، في إطار مسار تتبع عناصر الهوية الثقافية السورية، بعد أن كانت المجلة قد رصدت جوانب من هذه الهوية في ثلاثة ملفات سابقة تمحورت حول: (السينما السورية)، (الرواية السورية راهنًا)، و(الأدب القصصي عند زكريا تامر). وبهذا، تركز كلمة العدد على دور الفنون كالسينما والأدب، والفن التشكيلي في تشكيل الهوية الثقافية الوطنية.

التجارب التي عايشها المجتمع السوري منذ عام 2011، وضعت الهوية الوطنية أمام تجارب وجودية، وطرحت عليها عددًا من الأسئلة الجوهرية والإشكالات الثقافية، وقد سعى الفن السينمائي والروائي، والتشكيلي السوري إلى تناول هذه الموضوعات، وإلى التعبير عن هذه التجارب المعاصرة. فبرزت في الإنتاج الفني السوري موضوعات مثل: الثورة والقمع والعنف المسلح والحرب والنزوح والهجرة، والتفكك الاجتماعي. الإنتاجات الفنية التي تناولت هذه الموضوعات والتجارب المعاصرة أدّت دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل الهوية الوطنية، من خلال نقد الهوية المرسومة في العهود السابقة، واحتواء تكوينات الهوية بموضوعاتها وتجاربها المعاصرة. ولذلك هي بحاجة إلى رفدها بتشجيع الكتابات النقدية والتحليلية لهذه الأنواع من الإنتاج الفني.

ثانيًا: يفسح الملف الفني المجال لإعادة قراءة تاريخ الفن التشيكلي السوري بمقاربات أكاديمية، ورؤية بحثية علمية بعيدة عن المقررات المنتجة وفق أطر المعاينة الحكومية الرسمية، أو عبر المنابر الفنية والأكاديمية المتعلقة بإنتاج الخطاب الحكومي التي كانت سائدة في الكتابة عن تاريخ الفن التشكيلي عقودًا طويلة.

وقد خصص المحور الأول من الملف مجموعة من الأبحاث عن المقدمات الأولى للفن التشكيلي السوري في الفن الشعبي، والمسائل المتعلقة بالنشأة والتأصيل. فأعيدت قراءة بداية الفن التشكيلي السوري من خلال الرسومات المرافقة للكتب الأدبية الشعبية والمخطوطات القصصية، ومن خلال فن الأيقونة. وقدم المحور قراءة لتاريخ الحركة التشكيلية السورية في علاقتها مع تيارات الحداثة الفنية العالمية، وقراءة الحركة التشكيلية من باب نظرية الفن. وهكذا تعددت القراءات في الملف لتاريخ الفن التشكيلي السوري.

ثالثًا: يفتح الملف باب البحث في الخصوصيات المناطقية من الجغرافية السورية وتأثير كل منها في الفن التشكيلي السوري، ويفسح إمكانية الكتابة عن التأثيرات الثقافية المتعددة التي رفدت هذه الحركة التشكيلية التي لم يكن مرضيًا عنها من جانب الدولة السورية والنظام الحاكم. كما هي تأثيرات الثقافة الكردية في الفن التشكيلي مثلًا التي كان يعمل على تغييبها وطمسها.

وفي هذا المحور يُدرس دور الفنانين الأكراد السوريين في رفد التجربة التشكيلية السورية، وخصوصًا في رفد تيار الحداثة الفنية فيها. وتُدرس في بحث آخر العلاقة التبادلية بين وعي الفنان باللحظة التاريخية والبيئة عمومًا وخصوصية البيئة في منطقة الجزيرة السورية خصوصًا، بوصفها مصدرًا لبناء اللوحة. وفي إطار التعرف إلى الخصوصيات المناطقية في الحركة الفنية التشكيلية السورية يضم المحور بحثًا تعريفيًا بتاريخ الحركة التشكيلية وخصوصيتها في منطقة اللاذقية.

رابعًا: يفسح الملف فرصة التعريف بتجارب فنية سورية طالما خضع أصحابها للتهميش والإهمال والمنع لما تحمله أعمالهم الفنية من موضوعات أو أساليب تشكيلية صنفت ضمن المحظور السياسي أو الديني أو الاجتماعي.

وفي هذا الإطار احتوى الملف على عدد من الأبحاث تتخصص في دراسة تجارب فنية تشكيلية سورية، وتتعمق في مسائل ارتباط اللغة التشكيلية أو الفنية بمبدعيها، وتوضح أشكال التعبير والأساليب التي يتفرد بها كل فنان داخل الاتجاه الفني أو المدرسة الفنية التي يستمد منها رؤيته الفردية والشخصية للإنسان والعالم، ومنها: الفنان يوسف عبدلكي، الفنانة عتاب حريب، الفنان خضر عبد الكريم، والفنانة سارة شمة.

خامسًا: يقدم الملف مساحة للكتابة النقدية والتحليلية لتأثير الحدث السياسي والاجتماعي السوري منذ عام 2011، مع ظهور الاحتجاجات الشعبية والقمع والاعتقال والصراع المسلح، وتأثيره في الفن التشكيلي السوري. ومن ثم إفساح المجال للكتابات الرائدة التي تتناول تأثير هذه المرحلة التاريخية في الإنتاج الإبداعي السوري.

في هذا الجزء تأتي أهمية تتبع مسار الفن التشكيلي السوري المعاصر في علاقته بالموضوعات الراهنة السياسية والاجتماعية والثقافية، والإنتاج الإبداعي للفنانين في التعامل مع التجربة السورية منذ عام 2011. وكيف سعى الفن إلى ابتكار الطرائق والأساليب الإبداعية للتعبير عن التجربة المجتمعية المعيشة. فتضمن المحور تحليلًا للنتاج الفني السوري المعاصر الذي يتضمن لغة بصرية تعبر عن العنف، وتضمن أيضًا دراسة نقدية عن تجليات مفهوم الاعتقال في الفن التشكيلي السوري المعاصر منذ عام 2011.

سادسًا: يفسح الملف الفني المجال أيضًا لنقد السياسيات الحكومية الرسمية الثقافية عمومًا، المطبقة في مجال الفن التشكيلي خصوصًا، وإيجاد المساحة الفكرية التي تسمح بتحليلها وتفكيكها، للوصول إلى آليات نقد فاعلة تجاه السياسيات الثقافية الوطنية الرسمية أو تلك المتعلقة بتنظيم العمل الثقافي للجهات الخاصة والمستقلة. وهذا ما قدمه المحور بتسليطه الضوء على نشأة المركز الوطني للفنون البصرية وآلية عمله في العاصمة السورية دمشق الذي افتتح عام 2015.

سابعًا: يفسح الملف المساحة للكتابة التخصصية في مجال النقد الفني والدراسات الثقافية، ونظرية الفن بطريقة أكاديمية، وبأسلوب البحث العلمي. ما يفسح المجال لنشر نصوص على قدر من التخصص في مضمار الكتابة في النقد الفني عمومًا والتشكيلي خصوصًا. نجد هذه المساحة من الكتابة التخصصية في النقد التشكيلي الفني في عدد من الأبحاث، خصوصًا تلك التي تدرس الحركة التشكيلية السورية في ضوء الحداثة، وتدرس بعض التجارب الفنية مثل تجربة يوسف عبد لكي، سارة شمة، وخضر عبد الكريم، وكذلك نجدها في الدراسات التشكيلية المتعلقة بأثر الحدث السياسي والاجتماعي منذ عام 2011 في الفن التشكيلي.

خاتمة:

إن تخصيص مجلة (قلمون) عددها الثاني عشر للفن التشكيلي السوري، في ظل سياق الوضع الفني والثقافي الراهن، يسمح بإعادة تحليل العلاقة بين المجتمع والفن مع فتح الباب واسعًا لتحليلات نقدية – فنية، وتطبيق نظريات اجتماعية متحررة من الرؤية الحكومية الرسمية، متجاوزة أطر المسموح به في دراسة هذه العلاقة بين المجتمع والفن في سورية، ويسمح للكتابات النقدية المتخصصة بالبحث في العلاقة بين التجربة السياسية والاجتماعية والثقافية السورية والإبداع الفني السوري المعاصر.