المحتويات

العقد الاجتماعي: الحقوق الإلهية والطبيعية

العقد الاجتماعي والنساء

العقد الاجتماعي: الحاجة العربية والنساء

العقد الاجتماعي عربيًا والنساء

خاتمة

بين نظريات مختلفة أخذت فكرة العقد الاجتماعي -المستندة إلى (فرضية) وضعها (توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو)- منزلتها الكبيرة بوصفها أساسًا لنشأة الدولة، والانتقال من البدائية (حالة الطبيعة) ما قبل المجتمعية حيث لا ممتلكات خاصة ولا حكومة، إلى تكوين المجتمع المؤسّس على عقد أبرمه الناس إما صراحة أو ضمنًا، أعلنوا بموجبه إيقاف حالة الصراع المستمر وقبولهم العيش معًا لتحقيق المنفعة المشتركة، القائمة على خلق قابلية الاجتماع والتركيز على العقلانية لمبادئ الانتظام، بحسب ما تتفق عليه نظريات العقد الاجتماعي التي تحولت منذ عصر التنوير في أوروبا إلى نقطة عبور للانتقال من السلطة المطلقة ومشروعية الحق الإلهي، إلى شرعية اتفاق البشر في ما بينهم وإحلال إرادة الأفراد مكان أيّ إرادة أخرى لتكوين (المجتمع/ الدولة) تعبيرًا عن فضاء مدني، تُضبط من خلاله علاقة (الحاكم بالمحكوم) والعلاقة بين المتعاقدين، لبناء مجتمع متكامل أساسه العدل والمساواة.

هذه الشرعية التعاقدية وأثرها في خلق التحولات الكبرى منذ القرنين السابع والثامن عشر وجدت صداها لدى الدول كلها التي لم يتوفر فيها بناء العقد الاجتماعي السليم بين الحاكم والمحكوم، ولم تخرج من سياق بُناها التقليدية، لتمثل (حاجة ورغبة) في دخول عصر الحداثة السياسية والدولة المدنية. لتكون المفارقة قائمة على البعد النسوي، فنظرية العقد الاجتماعي تعرضت للانتقادات النسوية المبكرة، على تغييبها النساء بوصفهن فاعلات سياسيات، وجَعل وجودهن غير مرئي، وبقائهن بعيدات -نسبيًا- عن استكمال الهدم لكل البُنى الأبوية في ما يخصّ النساء -بحسب ما تُجادل به الحركات النسوية في الغرب- التي ستبقى معوّقًا متأصّلًا أمام ضرورة بناء العقد، فمسألة البُنى الأبوية المسيطرة في مجتمعاتنا العربية ما زال جدارها المبني على (الجنس والنوع) أساسًا لكل البُنى القائمة التي لم يهدمها الزمن ولا متغيرات العالم.

العقد الاجتماعي: الحقوق الإلهية والطبيعية

(كل مكان لا يؤنّث لا يعول عليه) هذا ما قاله: ابن عربي

أخذت فكرة العقد الاجتماعي في تاريخها البعيد، تبلورات مختلفة لتنظيم المجتمعات من أنظمة القرابة التي تحدد العلاقات السياسية بين أفراد العشيرة أو القبيلة، بوصفها نسقًا يلائم بنية المجتمعات النَسَبية وتتجلّى بحسب تعبير (جورج بالانديه) في الأنثروبولوجيا السياسية بالتحالفات والمجابهات أو بالاتحادات والانقسامات التي تصيب الجماعة النَسَبية.([1]) إلى حكم الآلهة أو وكلائهم للشعوب القديمة، وتنظيم علاقة المحكومين بالحاكم وعلاقتهم ببعضهم، وكذلك في الإمبراطوريات القديمة وقوانينها إذ عُدّ الشعب مصدر السلطة السياسية في روما، ولاحقًا عُد القانون الكنسي أصلًا للقانون والتشريع، وكذلك عُدّت الشريعة الإسلامية أساسًا قانونيًا لتنظيم الحياة الاجتماعية والمؤسسية.

وكان المبدأ القانوني السياسي في تنظيم الدولة والمجتمع متشابهًا -نسبيًا- في العالمين الإسلامي والأوروبي حتى القرنين الثاني والثالث عشر، قبل بداية الصراع بين الدين والدنيا (مطالب المسيح ومطالب القيصر) في الغرب لتحديد علاقة القانون الإلهي والطبيعي بالقانون الإنساني، وعلاقة القانون الكنسي بالقانون الدنيوي، وعلاقة القانون الذي شرّع بالعرف والأنواع المختلفة من القوانين الدنيوية (الاقطاعي، الملكي، الحضري) ببعضها. ولإيجاد (منزلتهم) كما أشار إليها ابن عربي من خلال (كيان قانوني) من القواعد والمفهومات، والنصوص والإجراءات القانونية للقضايا المتغيرة كالولاية القانونية، الجريمة، العقد، الملكية.. التي تحولت إلى عناصر بنيوية تتشكل منها النظم القانونية الغربية. بعد تمكنها من فصل الدين عن الدولة([2]).

وقد شكلت نظريات العقد الاجتماعي التي ينسبها الدارسون -تجاوزًا- إلى كل من هوبز وروسو ولوك؛ أساسًا حاسمًا في التحولات اللاحقة لأنها عملت:

 أولًا: على مناهضة نظرية الحق الإلهي أو الأصل الإلهي الذي تدعمه الكنيسة في تنظيم (المجتمع والسلطة)، وإرجاعها نشأة المجتمع إلى الأمر الإلهي، ومشروعية السلطة إلى الحق الإلهي الذي يمثل القانون الذي تبنته الكنيسة منظومة تشريعية وسلطة منذ زمن القديس (أوغسطين) الذي تبنى مقولة القديس (بولص): “كل قوة تأتي من الله التي وجدت ترجمتها في الرسالة إلى مؤمني روما، باعتبار طاعة الحاكم هي (أمّ الفضائل وحاميتها)، وإن طاعة ملك ظالم لا تتعارض في ذاتها مع الامتثال لأمر الله”([3]). ليكون الاستقلال عن الارتباط اللاهوتي تخليصًا للدولة من هيمنة الكنيسة ووصايتها، وبداية التفكير بـ (العقل، القوة، القدرة، الإرادة).

ثانيًا: (أنسنة) اجتماع البشر، وجعل المجتمع والسلطة شأنًا تقودهما الطبيعة، فالبشرية الأولى لم تحتَج في اجتماعها إلى الوصول إلى ترتيب إلهي لأصل السلطة والمؤسسات، إنما يعود أصلها إلى اتفاقات يقيمها الناس في ما بينهم، على أساس العقل أو القانون الطبيعي الذي اختلف في توصيفه فلاسفة العقد الاجتماعي (هوبز ولوك وروسو).

وبغض النظر عن الفروق بين مفكري العقد الاجتماعي الثلاثة وتفاوت نظرياتهم -في الحق الطبيعي بين الانعزال و(حرب الجميع ضد الجميع)، وقابلية الاجتماع بحكم العقل، وغريزة (الملكية/ حب الذات)، وفي كيفية الخروج منها بالحاكم القدير (الليفياثان) أو (حكومة) الأغلبية الديمقراطية أو (الإرادة) العامة لإثبات حقوق الشعب- فإنها شكّلت المدخل الواسع للمنحى الديمقراطي وبخاصة مع روسو بوصفه حقًّا ثابتًا لصاحِب السلطة (الشعب) ولا يمكن التنازل عنه.

وقدّموا أساسًا في الثورة القانونية للخروج من القانون الطبيعي السابق المبني على التفاوت بين البشر الذي تطور تطورًا مذهلًا منذ القرن السابع عشر مع غاليلي وديكارت ونيوتن، ليخرجوا من أفكار عدم التساوي التي رُسخت مع النظريات الفلسفية السابقة منذ أفلاطون وسقراط وفي كل القوانين والشرائع الإلهية والدينية. وقد وجدت نظرية التعاقد صداها السياسي لأنها استجابة حقيقية ومتوازنة للتحول الذي حدث في أوروبا، لتكتمل هذه الثورة القانونية في عقب الثورة الفرنسية مُغيّرة المنحى العام للتفكير في الخطاب المستقل والمؤسسات والمواطنة بوصفها مسألة متعلقة بالدولة.

لتستعيد في القرن العشرين، زخمها الفلسفي والأخلاقي مع إيمانويل كانط، وجون رولز في جعل العقد الاجتماعي مرتبطًا ارتباطًا صحيحًا بالنظرية الأخلاقية والسياسية الحديثة، وإحياء نظرية العقد في (نظرية العدالة) التي مثلت تطورًا معاصرًا في استخدام العقد ضمن مبادئ أخلاقية وفي ظل متغيرات عادلة ملائمة للجميع ليستطيعوا طاعتها.

العقد الاجتماعي والنساء

أخذ الاهتمام بموضوع العقد الاجتماعي ومسألة النساء (الاختلاف البيولوجي والتساوي في الحقوق)، نطاقًا واسعًا في التفكير النسوي بين انتقاده أو الاستفادة منه، وامتد ذلك إلى مستويات مختلفة من بنائه النظري إلى مفكريه؛ فالتاريخ الطويل الذي عاشته المرأة خارج الوجود الفاعل على كل الصعد خارج الأسرة أو العائلة، استمر -نسبيًا- مع فكرة العقد الاجتماعي ونقاشه، فمسألة الحقوق وكيفية نيلها وتنظيمها على صعيد المجتمع المدني والمواطنة، كانت تواجه بمسؤولية المرأة ودورها التاريخي المتأصل داخل الأسرة، فالبشر عمومًا لم يكونوا في حالة طبيعية من قبل، إلا أن مُنظّري العقد استخدموا هذه الفكرة لشرح قواعد المجتمع، بوصف (العقد) يتيح للبشر العيش بسلام ويحفظ ممتلكاتهم (حقوقهم) وأن البشر سيدخلون بـ(حرية) في هذا العقد لتأمين الفوائد.

 ومنذ انبثاق العقد الاجتماعي أو (الليبرالية الكلاسيكية)، تركّز انتقاد النسويات على الفصل الصارم الذي خلقته المناهج الكلاسيكية بين المضمارين العام والخاص واللغة المحايدة للنوع الاجتماعي التي أظهرت النساء بوصفهن طبقة ثانية بالنسبة إلى فلاسفة العقد بافتراض أن النساء لم يمثلن موضوعات فعلية داخل الأدبيات البحثية في النظرية السياسية، وأن أثر أي عقد من الناحية الاجتماعية والسياسية والأخلاقية سينعكس عليهن بالدرجة الكبرى، فهناك علاقة مباشرة بين العقد وخضوع المرأة للرجل، وكذلك بين الطروحات الفردية وحجّة الرعاية، ومسألة الوجود السياسي للمرأة وانقسامه بين الخاص والعام. فبينما كانت نظرة الفلاسفة إلى السياسة المجتمعية شاملة وعالمية، ما أثر في طبيعة عملهم، بالمقابل كانت النسوة قابعات في القاع، تقُمنّ بالغسيل وتُلقنّ الجيل الجديد أحاديثًا جانبية عن قواعد المدنية والإنسانية العامة. فلم يكن نقد النسويات من ممارسة الفلسفة (بطريقة مختلفة) أو من منطلق أنثوي ونظرة نسوية إلى العالم، إنما كانت رؤيتهن نابعة من الواقع ومن الحياة المعيشة.

وانقسمت توجهات النساء في مناقشة الأفكار وتقدير صوابيتها وعقلانيتها في كل الاتجاهات، إذ انشغل عدد من النسويات بداية بإعداد تسلسل زمني تاريخي لما طرحه المنظرون السياسيون السابقون حول النساء، وتوضيح كيفية استخدام طروحاتهم لتسويغ استبعاد النساء من الحياة المدنية، ووضعهن داخل قالب نمطي بوصفهن قاصرات عن الفعل في المجتمع المدني، وفي المجالات العامة، لقد كُنّ غير مرئيات.

ولتفكيك امتداد أثر العادات والتقاليد إلى تفكير الفلاسفة في نظريات القانون الطبيعي منزلة محترمة في تاريخ الفلسفة ليكون مصادقة على قول هيجل “إن كلًا منا هو ابن عصره وربيب زمانه.. وأن الفلسفة في عصرها ملخص للفكر” فكراهية المرأة واحتقارها ووضعها المساوي للعبيد أسست تفكير أفلاطون وأرسطو فيها، ونسبة كل الفضائل إلى الرجل وجد لها بعض الآثار لدى فلاسفة العقد الاجتماعي (هوبز ولوك وروسو) بحسب ما جادلت به النظريات النسوية لعقود، انطلاقًا من (هوبز) بوصفه من الفلاسفة الغربيين الأوائل الذين أصرّوا على مساواة كل الناس والتصريح بضم النساء عند ابتكار العقد وقدرتهن على أن يكنّ ذوات سيادة، فالسلطة عنده (ليست مذكرة ولا مؤنثة)، وجادل في الحق الطبيعي الأمومي، مصادمًا الأفكار السائدة في زمنه. لكنه في الوقت نفسه تحدث عن الكومنولث بلغة بطريركية، إذ وصف في حديثه عن الانتقال من الحالة الطبيعية إلى المجتمع المدني، العائلات بـ(الآباء) و(الخدم) و(الأطفال)، وطمس الأمهات بصورة كلية مسوغًا هذا بأن الآباء -لا الأمهات- هم من أوجدوا المجتمعات([4]).

وهذا امتد لطروحات لوك الذي كان متقدمًا جدًا في عصره، خصوصًا في نقده للبطريركية الأبوية، والأسس المتكافئة البديلة للسلطة السياسية القائمة على (موافقة) الفرد، وكذلك لا يرى لوك فقط أن المرأة تمتلك العقلانية الكاملة، وأن الأمهات (يتشاركن) مع الآباء في السلطة الأبوية على أطفالهم، وأن عقد الزواج طوعي للطرفين كليهما وأن الشروط إلى حدّ ما قابلة للتفاوض لديهما، ولكن أيضًا قد يفسخ أي من الطرفين الزواج نفسه حالَ تحقيق نهايته الرئيسية (تربية الأبناء). وهذا لم يكن مسموحًا به في إنكلترا وأميركا حتى منتصف القرن العشرين أي بعد ما يقارب ثلاثمئة عام من كتابة لوك([5]).

لكن لوك بقي مثيرًا للجدل، إذ يرى بعض الكتاب النسويين أنه ساعد على إدامة تقليد من الأفكار التي يعود تاريخها إلى أرسطو واستخدمت عصورًا لإخضاع النساء، وأنه في دفاعه عن حرية الإنسان وحقوقه جعل هذا الإنسان مرادفًا للرجل، وترك المرأة للعادات والتقاليد البالية، بحسب كتابه (الحكومة المدنية).

ليكون النقد الأقسى موجهًا إلى روسو من (سوزان موللر أوكين) في كتابها (النساء في الفكر السياسي)، إذ يواصل نظرة التراث الغربي كله إلى النساء على الرغم من مخالفتها المبادئ الرئيسية في الأخلاق ونظريتها الاجتماعية، ويجعل منها موضوعًا جنسيًا للرجل، ولا بد أن تكون مغرية ومثيرة وأن تكون مسيطرة على رغباتها اللامحدودة في آن معًا أي (جنسية ومحتشمة) وفي كتابه (إميل) يجعل السيطرة للأزواج مطلقة على زوجاتهم ويقترح تربية أخلاقية للنساء هي الضدّ لما اقترحه للرجال.([6])

ونظرًا إلى التأثير طويل الأمد وواسع النطاق لنظرية العقد الاجتماعي، وستكون النساء معنيات بهذه النظرية مع الشروع في تطبيقها، التفتت النسويات إلى مناقشة فحوى العقد نفسه التي لا تقتصر على النوع الاجتماعي فحسب بل تمتد إلى ما يتعين فيها من تحديدات وتحديات تنعكس على النساء، أهمها:

أولًا: أن العقود الاجتماعية بصيغها العامة عملت على تحديد المواطنة بوصفها منزلة في الحقوق الرسمية (السلبية) المدنية والسياسية؛ بمعنى لا يطلب من المواطنين المشاركة في النشاط السياسي ما عدا التصويت، وتقوم هذه المواطنة على الفرد، وهي ضرورية لحماية حريته، فاهتمّت بحصول الأفراد على الحقوق الرسمية ولم تهتمّ بتقويتهم وتمكينهم من ممارسة هذه الحقوق واقعيًا. ويقوم هذا التوجه في الفردية على التمييز الواضح بين المجال العام -حيث يعد تدخل الدولة مسموحًا به- والمجال الخاص للعائلة حيث لا تتدخل الدولة، فتدخُّل الدولة في المجال الخاص من خلال العاملين المدنيين يحدث في دول الرفاه.

وكان لـكتاب (كارول باتمان) 1988 (العقد الجنسي)، أثره في إعادة النظر في العقود والسلطة الأبوية، وهذا العقد يحتمل الكذب ضمن أسطورة العقد المثالي، وأنه يقدم تقاسمًا في الهيمنة على النساء اللواتي كُنّ في السابق تحت السيطرة الحصرية لرجل واحد هو الأب. ومع العقد الجديد تحول النظام الأبوي إلى مناقشة من يملك سلطة على النساء، ولا يمثل تغييرًا جوهريًا في هيمنة الرجال، إذ إن علاقات القوة بين الرجال تتغير، لكن علاقة المرأة بقوة الرجل لا تتغير، وهذا العقد ينطوي في جزء منه على وجود سلطة على النساء لا تسمح بإنهاء النظام الأبوي بالكامل، بل استبدل بشكل مختلف، فوُزّعت سلطة الذكور بين عدد أكبر من الرجال، بدلًا من أن يحتفظ بها رجل واحد، وأوردت أمثلة للسيطرة الأبوية على المرأة في ثلاثة عقود نموذجية معاصرة على الأقل: عقد الزواج ، وعقد الدعارة ، وعقد الأمومة البديلة التي تقر بسيطرة الرجل على المرأة، أو سيطرة رجل معين على امرأة معينة.

ثانيًا: كان الانتقاد الأكبر متعلقًا بالشق السياسي وتنظيم العلاقة بين (الحاكم والمحكوم) التي تحتاج إلى تنظيم العلاقة مع المجتمع ككل (نساء ورجالًا)، ما أدّى إلى ردة فعل على مسألة الدور السياسي والمشاركة السياسية في العقد ومساواة النساء بالرجال -لأن الشراكة في العمل حدثت منذ الثورة الصناعية- وهو ما عبّرت عنه في الثورة الفرنسية (أوليمب ديغوغ) الامرأة الثورية، فجعلت هذه النقطة شديدة الوضوح، من خلال كلامها المشهور عن استحقاق النساء الذهاب إلى المقصلة، عندها يستحقون كذلك الذهاب إلى مجلس النواب، وهو ما عبّرت عنه (حنة أرندت) بنقاشها للسياسة ومعناها، بأن النساء اللاتي ولدن متساويات، لكنهن لسن مواطنات، ولم يكن يمكنهن التصويت أو الترشح في الانتخابات. سوّغ المنع -كالعادة- على أساس أن النساء لم يناسبن نقاء الحياة السياسية، لأنهن كن ينتمين إلى حياة منزلية، وأنه يجب إبقاء المصلحة العامة للمجتمع بعيدًا عن نشاط الحياة الخاصة ومصالحها. لقد وضّحت محاججة (أوليمب ديغوغ) أنه لا يمكن رسم الخط الفاصل بين الحياة الخاصة والحياة السياسية بهذه السهولة، فالحياة الخاصة تصبح حياة سياسية حين يحكم على النساء بالإعدام بوصفهن أعداء للثورة. وهذا التساوي يتطلب الحق بالمساواة كاملة التي من ضمنها المشاركة المتساوية في الحياة السياسية.

ونظرًا إلى أهمية المسألة السياسية والقانونية في العقد الاجتماعي، فإن الدراسات النسوية امتدت إلى أبعاد مختلفة في إلقاء الضوء على عدد من المشكلات المتأصلة في التفكير السياسي والقانوني، والخلط الذي تُمثّله مسألة المساواة. وقد قدمت (حنة أرندت) في كتابها (ما السياسة) طرحًا لإعادة النظر في نسبة المساواة إلى العدالة وليس إلى الحرية، فالحرية أساس المساواة وليس التفكير بعدالة القانون أو نسبة عدالته، معللة سبب الخلط: بسوء تأويل العبارة اليونانية دستور حرّ (الإيزونوميا) فالمساواة أمام القانون، لا تعني أننا جميعًا متساوون أمامه ولا أن القانون هو نفسه بالنسبة إلى الجميع، لكن الكل يحظى بالحقوق الشرعية نفسها في النشاط السياسي داخل المدينة/ الدولة. مثل: حرية التعبير، وهي ليست الإنصات أو القبول، إنما حرية المشاركة والنقاش لامتلاك التجربة ضمن العلاقة مع الآخرين. حرية الحركة التي لا تعني فقط عدم الخضوع إلى ضغوط أي إنسان آخر، ولكن أيضًا القدرة على الابتعاد عن محيط الضغوطات كليًّا، البيت والعائلة، فسيد البيت (الرجل) يتصرف بهذه الحرية، لتكوين العلاقات والتحاور والتفاعل.

وهذه لا يمكن بلوغها بوسائل السياسة بل بمحتوى السياسة ومعناها. لقد صاغت (أرندت) الحرية بوصفها نمطًا لوجود الإنسان، ليس الوجود الخاص بل الوجود السياسي الذي يجعل الحرية ظاهرة دنيوية تبرز في الفعل الجماعي، ولا تكتفي بالإرادة بوصفها قدرة على النفي والإثبات([7]).

العقد الاجتماعي: الحاجة العربية والنساء

فرضت الأوضاع العامة التي يعيشها (المواطنون) في الدول العربية الالتفات إلى تبني طروحات العقد الاجتماعي، بما هو تجربة ناجحة لمجتمعات مدنية وحكومات ديمقراطية من جهة، ولما يُمثّله من حاجة هذه الشعوب إلى ضبط العلاقة مع الحكم (الحاكم والمحكوم)، إذ عمل عدد من الأنظمة العربية على قاعدة (الأكثر أمانًا أن تُهاب لا أن تُحبّ) بحسب نصيحة ميكافيللي لأميره. وكذلك ضبط العلاقة على الصعيد المجتمعي، والرغبة في التحول من المجتمعات التقليدية من عشائرية وعائلية ودينية وعرقية التي تعتمد على سلطة المشايخ والزعامات التقليدية وهيمنتهم على المضمار العام، هذه القوة التي لم تتفكك بعوامل الزمن لتصل إلى علاقة مواطنين لهم شخصياتهم الحقوقية والسياسية والاجتماعية والثقافية. وأصبح وجود العقد الاجتماعي وإقامة المجتمع المدني مطلبًا بعد الثورات لضبط الواقع وحاجة الأفراد إلى التخلص من العقود السابقة والبُنى التسلطية واعتمادها على نظريات أيديولوجية مختلفة -قومية وحدوية تحررية اشتراكية- فقدت محتواها الأصلي، والبُنى القبلية والعصبوية، المُتجذّرة في الاجتماع السياسي العربي والكابحة لكل محاولة لترسيخ فكرة المواطنة([8]).

وازداد التركيز على طرح العقد الاجتماعي الجديد في الدول التي انتقلت للحرب كالدولة السورية إذ أصاب الخلل كافة أركان الدولة التي دخلت في مرحلة الفوضى -التشظي وغياب الأمن المجتمعي، الفساد والمحسوبيات واختلاف الولاءات وغيرها- وفقدان الأمل بالحلول خارج عقد جديد يُبنى على جملة القواعد والقوانين والرؤى والبرامج والسياسات التي تؤسس لقواعد العيش المشترك. الأمر الذي يدفع إلى الأخذ بمسألة التخلص من البنيتين كلتيهما؛ استبداد الحكم والبُنى الدينية والطائفية معًا. أو على الأقل إمكان قولبتهم ضمن بنية جديدة تضمن حقوق المواطنين وحرياتهم وتساهم في بناء الدولة من جديد بعيدًا من البُنى المغلقة والهيمنة بنوعيها السياسي والديني، لضمان الأمن المجتمعي على قاعدتين أساسيتين مترابطتين: المواطنة وصيانة السلم الأهلي. وثلاثة قيم: قيمة الفرد وهي قيمة عليا وحقوقه مقدسة، قيمة المجتمع الملتزم بالمقتضيات القانونية الضرورية لتأسيس (الجماعة المدنية)، قيمة الدولة ذات السيادة، وهي سيادة لا تتحقق إلا إذا اعترف المجتمع بها وعدّ السلطة والحقوق الناتجة منها حقوقًا مشروعة. وهذه الشروط لا يمكن تحقيقها إلا بالابتعاد عن الأيديولوجيات القائمة، لتكوين استجابة متوازنة وموفقة لعقد يتبناه الجميع.

وهذه القواعد والقيم تدعو إلى السؤال عن موقع النساء فيها جميعًا، وما هي التصورات لبناء إستراتيجية متكاملة في ما يخص النساء؟ فكل منها تمثل حدًا من حدود مشكلات النساء.

العقد الاجتماعي عربيًا والنساء

“إن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل في كل شيء، بل يراه عين كل شيء”. ابن عربي.

على الرغم من وجود إشارات مختلفة إلى ضرورة التساوي في الحقوق، وإلى وجود النساء بوصفهن فاعلات حقيقيات في المضمار العام، ومناصرة قضاياهن عمومًا، لا يؤدي ذلك إلى إلغاء التداخلات المختلفة (سياسية ودينية ومجتمعية) التي تحدّ من وجود النساء الفاعلات. وتعوق بحدود كبيرة رفع مستوى توقعاتهن، عن ما يمكن طرحه صيغًا افتراضية لعقود اجتماعية جديدة، ما لم تتضمن صراحة حل القضايا المشكلة المفروضة على النساء، على الأقل بنظام العقود مثلًا: لم تؤخذ بالحسبان العقود المدنية في الزواج التي تؤمّن للنساء فرص التساوي. علمًا أنه مُطبّق في دول إسلامية مثل تركيا وتونس، ويُمثل حاجة حقيقة في الدول المتنوعة دينيًا وطائفيًا، لبناء روابط القربى كتأصيل قديم للتحالف (التشارك). وجرى تسويغ الأمر بالخصوصية النسوية التي تبدو أكثر تعقيدًا في ما تفرضه من مواجهات. في المقابل سُمِح بأنماط من الزواج (المسيار والستر والمتعة) وغيرها يتضاعف فيها حرمان المرأة من أي حق، ولا ترفض من الشرع أو الدول.

 وهذا ينطبق على مطالب النساء التي تبدو حذرة في تصوير ما تريده فعلًا وكيفية المجادلة فيه، أو نيله وما هي رؤيتهن للعقد الاجتماعي، في بلدان تحكمها هياكل اجتماعية واقتصادية معقّدة، فرضت على النساء الاكتفاء بالمطالبة ببعض الحقوق، والعمل على مسائل مختلفة كتمكين المرأة والعمل على إيجاد أرضيات الفعل النسوي، والمطالبة بجملة من الحقوق (التعليم، العمل، المشاركة المدنية والسياسية) وأخذت بعض النسويات على عاتقهن توضيح الخلل في القوانين الاجتماعية والشرعية الدينية المفروضة عليهن، وعدم المساواة الأسرية، وغياب الأمن الأسري نتيجة فحوى العقود الشرعية (سهولة الطلاق من جانب الرجل، حضانة الأولاد، الميراث، عدم قدرة المرأة على إعطاء الجنسية لأولادها).

ليقف المنحى العام للمطالب عند حدود قابلية التطبيق أو عدمه، والاكتفاء بالتعديلات التي لاقت استجابات مختلفة، علمًا أن تأييد هذه التعديلات القانونية بشكلها المُطالب به لا يعني تطبيقها، أو على الأقل هذا ما توضحه التَجربة، إذ تُقرّ أغلب دساتير الدول العربية على المواطنة والمساواة وغير ذلك في مسألة حقوق النساء، ولا تطبقها.

نظرًا إلى الصعوبة التي تجدها النساء في طرح مطالبهن كلها عبر المطالبة بعقد اجتماعي جديد، يتضمن (العقد الجنسي) بحسب توصيف (كارول باتمان)، كبناء متكامل يُقدم لهن الضمانات الكافية لمواجهة المتغيرات، فإن هدم ما بنته الأنظمة الأبوية، والتقاطعات الواسعة بين المضمارين العام والخاص، إذ يفترض الأول: وجودًا فاعلًا، ويفترض الثاني: القسر والعزل. وتحكمه قوانين صارمة تستمد موادها من مبادئ الشريعة الإسلامية، أو شرائع الطوائف والأديان والأعراف والتقاليد لتكون بنية متراصة الجوانب تجعل المرأة في درجة ثانية أو أقل، بحيث يكون المضمار الخاص المتمثل في مؤسسة الأسرة والعلاقات الزوجية التي تتحكم فيهم قوانين الأحوال الشخصية، أكبر أثرًا وفاعلية في إعاقة المرأة عن المواطنة وعن العقد الاجتماعي ولب قضية الشرعنة، في معاملة الجميع بوصفهم أشخاصًا أحرارًا ومتساوين أخلاقيًا، وعدم خضوع أي شخص لإرادة شخص آخر أو حكمه.

الأمر الذي يتطلب اتجاهات مختلفة للعمل، انطلاقًا من السؤال عن كيفية تحليل الرؤية النسوية للمطالب؟ وما العمل لتدعيمها من خلال العقد القائم؟ وما الأدوات الممكنة لاحتواء هذه المشكلات وتحقيق المطالب؟ للخروج من الدوران حول بعض المطالب (لتعديل) العقد القائم، والبحث عن إيجاد أرضية مختلفة يمكن العمل من خلالها، تكون أكثر عقلانية واستيعابًا لحاجتهن المختلفة التي شهدت متغيرات كثيرة على كل الصعد.

أولًا: تغير وظيفة المرأة نظرًا إلى وجودها خارج المنزل، (المضمار العام)، كوجود نسبة كبيرة من المتعلمات وثمّة تزايد في الإقبال النسائي على انتقاء المسار العلمي التخصّصي، (مجالات الطبّ والوظائف الأكاديمية ووسائل الإعلام تشغلها طبيبات وأستاذات وصحافيّات ومذيعات). وكذلك دخول المرأة إلى سوق العمل باكرًا في معظم الدول، واكتسابها عددًا من الخبرات الحياتية، ما زاد من قدرتها على احترام وجودها الفاعل والمنتج، وهذه تعد إحدى تجلّيات التحول في طريقة فهم العقد الاجتماعي، في مسألة واجبات الحكومة، من ناحية الرعاية التي يقدمها العقد، أو ما يسمى قياس رفاه (المرأة) الذي يجري تعريفه من زاوية المؤشرات الاجتماعية – الاقتصادية مثل: دخل الفرد، والتحصيل التعليمي، ووضع الصحة، ومعدل الفقر، وهذا يدخل في مصطلح العقد الاجتماعي إذ إنه يشير -عمومًا- إلى توقعات المواطنين وعلاقتهم بالدولة عندما يتعلق الأمر ببنية الاقتصاد، ومستوى إشراف الحكومة على قضايا توزيع الدخل.

لكن أوضاع النساء لم تتحسن بسبب غياب هذا الإشراف، بل تلقى على النساء أعباء كبيرة ومضافة إلى واقعها بوصفها عاملة في المنزل وفي تربية الأولاد والاهتمام بهم. فمن الناحية التاريخية كانت أعباء العمل للذكور والإناث متساوية إلى حد كبير في أجزاء عدة من العالم، حيث يعمل الرجال أغلب العمل المأجور، بينما تساهم النساء في أغلب العمل غير المأجور في الاقتصاد – الإنجابي.

والاحتفاظ بالوظيفة التاريخية في العقد الاجتماعي القائم على (النوع الاجتماعي، الجنسي) لا يمكن أن يقدم حلولًا للنساء، ما دام نفاذ النساء إلى الدعم الاقتصادي يجري أساسًا من خلال الزواج. وهذا الترتيب يشير إلى وجود غير مرئي لحاجات النساء وحقوقهن، ويتيح للرجال الاستمرار في السيطرة على المرأة وعدها تابعة. بما يتجاوز مفهوم الاستقلالية للرجل إلى إمكانية تعرض النساء للتهديد في ظل سهولة إلغاء العقد الجنسي وإمكانية استبدال الرجل بعمل المرأة الإنجابي (الزواج مرة ثانية) بينما تجد النساء صعوبة في تأمين الدخل خصوصًا النساء اللاتي كرسن أنفسهن سابقًا لتوفير الرعاية الإنجابية غير مدفوعة الأجر([9]). وفي النظرة العامّة المجتمعية – الاقتصادية يجري التجاهل لقيمة مساهمات النسوة الاقتصادية والاجتماعية وعدّ النساء غير منتجات، فعمل المرأة يبقى من دون قيمته الفعلية انطلاقًا من عملها داخل الأسرة، إلى وجودها في قطاعات العمل المختلفة، فغياب الاستثمار المُبرمج في جهدهن من شأنه أن يتدنّى بمستوى إنتاجيتهن ويهمِّش ما ينجزنه([10]).

المشكلة: ليست فقط في غياب المطالبة بعقد يتضمن الحماية الاقتصادية ويُسهّل حصولهن على حقهن، إنما بصعوبة تحقيقه في ظل إقرار الدول أو قبولها بنية العقد الأسري الشرعي القائم على مسؤوليات الرجال الاقتصادية تجاه المرأة وتأمين رفاهها الذي تنص عليه الشريعة الإسلامية صراحة، فالعقد هنا يتحقق داخل الأسرة البطريركية وتُقننه الدولة.

ويمكن توضيحه بأن أغلب الدول أقرّت في دساتيرها (حق العمل) بشكل فردي للجميع ولا علاقة للعقود الشرعية به. ولكنها طمست كفالة العمل في التصور السائد للعقد وغيبت الرعاية، ليؤدي إلى تناقض كبير في إصدار سياسات الإقرار بحق المرأة في النفاذ المباشر إلى الدخل، والحاجة إلى تيسير قدرة النساء على القيام بكل من العمل المأجور والإنجابي، ولا تمدهنّ ببديل للعقد البطريركي، وبذلك لا تستفيد النساء سواء في المستوى الفردي أو مستوى الأسرة من مسألة العقد الاجتماعي، وكذلك لا تستفيد الدول من تغييبها نصف القدرة الانتاجية.

والأمر الآخر هو رعاية كبار السن (الأهل) والأطفال والأرامل التي تحيلها الدولة على ما يضمنه الوضع الشرعي بمسؤولية الرجل عن الأسرة الممتدة، وفي هذا تهرب من مسؤوليتها الحمائية، في ظل الوضع الاقتصادي السيء فهي تعني زيادة الفقر.

وهذا يرتب إما إقرار الدول في عقدها تحمل مسؤوليات النساء العاملات وتحقيق الرفاه، ثم إلغاء كفالة العقد الشرعي لهن، وتطبيق العقد المدني بشروطه المربحة للطرفين. أو فرض النساء (عقدًا تصالحيًا) مع العقد الديني بحيث يمكنهن الاستفادة مما تقدمه الشريعة في آياتها عن العدالة والمساواة، إعطاء الجنسية من الأم للأولاد (عيسى بن مريم)، وزوجات الرسول وحقوقهن في العمل والتعليم والقيادة، والبحث عن حقوق فقهية للنساء لا تتوافر عليها قوانين الأحوال الشخصية، وكذلك الاستفادة من ميزات الشروط غير المحرمة في الزواج، بحيث تصبح قاعدة. وبالنسبة إلى رعاية الكبار والأطفال والمعوقين و.. فإن حلها في تحمل الدول مسؤولياتها بغض النظر عما يقدمه الرجال، أو بناء قاعدة تشاركية لإعالة الأسر بحيث تكون الدولة مساهمة في الرعاية.

ثانيًا: وجود أرضية أولية لأن ينظم الناس أنفسهم داخل المجتمع المدني لتقديم رؤية بعينها للعالم أو للعمل داخله، عن طريق المنظمات المدنية، وانتشارها من دون أن ترقى إلى مرحلة العمل على البعد الإستراتيجي الذي يضم نوعًا من السياسة الاجتماعية – الثقافية التي يصوغ بموجبها الأفراد والجماعات غرضًا مشتركًا، واقتران هذا البعد الاستراتيجي بانفتاح مؤسسات المجتمع المدني ومنظماته أمام عدد من الفاعلين السياسيين، بحسب غرامشي. لتبقى عاجزة عن تشكيل المصفوفة المؤسسية، أو الإحاطة باستراتيجيات التكيف التي تتعين فيها علاقات الأفراد بالمجتمع من جهة والتجمع كحاجز بين الدولة والمواطن من جهة ثانية.

وتنوعت الدراسات التي تناولت مشكلات المنظمات المدنية وحملت جميعها أفكارًا يمكن الاستفادة منها في تقويم عمل هذه المنظمات وتصويب سياستها المؤسسية، ولكنها بقيت محض كراسات للباحثين، لم يجرِ تعميمها كقواعد لتكوين المنظمات، والاستفادة منها لتجاوزها، والمشكلات بعمومها تظهر أكثر في المنظمات النسوية، نتيجة الفصل المبالغ فيه -في فهم التنمية الشاملة- بين الجانب الاقتصادي والاجتماعي من جهة، والجانب السياسي من جهة أخرى، بما يشكّله من مكوّن مفصليّ وحاسم في إنجاح الخطط التنموية أو في إخفاقها.

وبقيت المنظمات النسوية التي تُعدّ أكثر انتشارًا عربيًا، محدودة التأثير والفاعلية، فالانخراط في العمل الجمعيّ الأهلي أو المدني المفترض به أن يمدّ المرأة بالثقة والقدرة على مواجهة مشكلات الواقع، بوصف النساء بأنهنّ الفئة الأكثر تضررًا من وضع المجتمع الصعب. لكن هذه المنظمات والاتحادات النسوية بقيت في بعض الدول رهينة للواقع، واقتصر دورها على العمل ضمن قطّاعات المشكلات المزمنة كالتعليم والصحّة وقضايا تحديد النسل والأسرة بالنسبة إلى فئة المهمّشين والفقراء.

المشكلة: بالنظر إلى النتائج لم تقدّم سوى تحسّنًا طفيفًا في المستوى العام، والخاص في ما يخصّ وضع النساء، المسيطر عليه داخل الأسرة. فهذا غالبًا لا يشكل أحد أهداف المنظمات المدنية. علمًا أن الأسرة تنخرط كحركة واسعة في (حرب المواقع) بحسب تعبير (غرامشي)، إذ ينمو من خلالها الخطاب السياسي المعارض للمجال العام -الذي أسسه الإسلاميون- والآخذ في الاتساع ويقل خضوعه للرقابة، وهو مجال يسعى إلى تعزيز حماية الأسر والعلاقات التكميلية بين الجنسين، ويعزز الروابط الاجتماعية الشائعة ويرفض الاتصال العام كمواطنين.

وهذا يرتب الاستفادة من الطروحات المقدمة عن إمكانية ضم الأسرة إلى المؤسسات المدنية لتكوين الشركات وزيادة النشاط المجتمعي، فالمنظمات المدنية مجال تحكمه الدولة في حدود تيسيره وتأمينه وتمكينه، ويكون لأفراد المنظمة العمل التنظيمي والتأهيلي، ثم إمكانية التأثير والتصويب من داخل الأسر المختلفة، وبناء تحالف النسويات (الأُختية) بين المنظمات النسوية، وتوجيهها نحو فكرة وجود قمع مشترك و(أبوية) واحدة تؤثر بشكل مماثل في جميع النساء. وتستوجب الدعم لبناء أشكال (المقاومة) من داخل الأسر. وقد تكون التجربة التي يمكن الاستفادة منها تجربة الحركات الدينية الإخوان المسلمين وآلية تنشيطهم العمل النسوي الأسروي، القبيسيات واستثمارهن النساء، وتغيير قاعدة العمل من المنطلق الشعبوي الديني الذي لا يؤدي خدمة للنساء أو الدول، إلى العمل لمصلحة النساء للمصلحة العامة.

أما المشاركة السياسية للنساء داخل الأحزاب أو النقابات والبرلمانات فهي ليست سوى قفزة إلى الأمام في الهواء، إذ إن مشاركة النساء بقيت محض وجود تجميلي، حتى لو تكررت الحالة ووجدت النساء بمراكز اتخاذ القرار على الرغم مما يصاحب الاعتراف بهذه الحقوق من ضجّة كبرى عن الديمقراطية وخطب عن حرية المرأة، لكنها فعليًّا تتعلق بقرارات سياسية في نظام الدولة وذلك لإبراز نوع من الاعتراف المقنّع بحقوق المرأة للاستهلاك الخارجي، ولا يلغي أنهن ملكًا لغيرهن ومصدرًا للتلاعبات السياسية والدينية والتجارية.

فضلًا عن أنه لم يحصل في أي بلد في العالم أن حصلت المرأة على المساواة الحقيقية بالرجل لحصولها على الحقوق السياسية فحسب، ووجود النساء البرلمانيات أو الحزبيات لا يعكس واقع النساء ككل، ولا يعني أنها نالت حقًا من حقوقها المواطنية، بحيث يمكن مقارنتها بأيّ من نساء الغرب اللاتي يعشن واقع الثقافة الغربية التي قطعت أشواطًا طويلة في تقرير الحقوق النسوية في مستوى الوعي العام، ولهن أثرهن السياسي الفاعل وحواملهن الفكرية كـ(أنجيلا ميركل أو مارغريت تاتشر أو تريزا ماي، أو مارين لوبان، وبنظير بوتو وغيرهن) ممن استطعن التأثير في مجتمعاتهن بسبب أفكارهن ونهجهن السياسي بغض النظر عن هذا النهج.

اختلاف الواقع يفرض العمل ويرتبه في اتجاهات مختلفة تنطلق من التداخل الواضح بين الحيّز العام والخاص على صعيد المجتمع (الأسرة) وبين المجال الخاص ومجال السلطة على صعيد آخر، فالمرأة قد لا تكون حتى فاعلًا (سلبيًا) بمعنى لا تنال حق التصويت في الديمقراطيات. وهذا يتطلب الاستفادة من العقدين كليهما معًا: الديني، بالعودة إلى (أمرهم شورى بينهم) وتشمل الجنسين معًا، وقبول الرسول بمشورة (أم سلمة) في صلح الحديبية، إضافة إلى الأمثلة الكثيرة على حكم النساء، أو بحدود أقل التأثير الفاعل من الخلف كمستشارات (ست الملك) مثالًا. والمدني، بالعمل على استقلالهن السياسي- الفكري، بإنشاء حراك نسوي سياسي رديف للعمل المدني، لتكثيف الفعل وتوجيه الغايات نحو المفهوم التحرري للنساء.

فالمطلوب، ليس بناء فقه نسوي، أو توجيه العمل باتجاه ديني، لتكوين حركات دينية نسوية، إنما فتح حوار نسوي مع الدين وعقوده وتحليله من مصدره (العقيدة) إلى امتداده التراثي (العقد الذكوري) وانعكاسهما الواقعي في غياب الموازنة بين (الدين والدنيا)، والاستفادة من كل المعطيات وتسخير كل الأعمدة التي أنشأها المقدس لخدمة قضاياهن وقضايا المصلحة العامة.

وفي النتيجة: لا يمكن الإشارة إلى كل المشكلات التي تعيشها النساء في بحث فردي فهذا يحتاج إلى جهد جماعي لإحاطة واقع النساء المتخلف، ولبناء عقد اجتماعي يراعي الوجود النسوي ويؤمّن متطلباته، لكن هذه محاولة لإيجاد (الممكن) كأفكار للعمل النسوي على صعيد العقد الاجتماعي.

خاتمة

نظرًا إلى الصعوبة إذا لم يكن من المحال؛ تطبيق فصل الدين عن الدولة، وفصل المرأة عن ذكورية الشريعة، وكذلك يبدو ضربًا من الخيال إسقاط العقد الاجتماعي بالمفهوم الغربي على الواقع النسوي الإسلامي، لا بد في البدء من تكوين مفهوم موحّد حول أي امرأة نريد، ثم البحث عن الحلول بحدود الواقع الممكن، بعيدًا من التصادم مع الشريعة كي لا تتحول المطالب المحقة إلى ديماغوجيا صعبة المنال، والأفضل تقسيم العمل (ديكارتيًا) من الأسهل إلى الأصعب، والعمل على عقد تصالحي نسوي مع الشريعة توازيًا مع البحث القانوني حول حقوق المرأة من مسألة الزواج إلى منح الجنسية لأطفالها إلى الميراث، وغيرها، خصوصًا أن ما تواجهه المرأة العربية عمومًا هو عقد قائم ومكتمل بقواعده الدينية والمجتمعية الممتدة من المجال الخاص إلى العام، وبالعكس والقائمة على القانون الشرعي واجتهاد الفقهاء (الذكور) والواقع الثقافي (التراث والعادات) المندمجة مع الفكر الأبوي. وليس عقدًا اجتماعيًا وضعه مجموعة من الفلاسفة ليشكل أرضية لوضع جديد فرضته المتغيرات العامة، فالفلاسفة عمومًا صاغوا أفكارهم بطريقة تعاونية، وتقبلوا الاعتراضات والردود، وتبادلوا الأفكار سنوات طويلة، وأحيانًا كان كل ذلك يجري مع امرأة.


[1] – جورج بالانديه. الأنتروبولوجيا السياسية. علي المصري (مترجم). مجد -المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت. ط1 (2007) ص: 54 حتى 59

[2] – توبي هيف. الثورة القانونية الأوروبية. مجلة الحكمة. كتاب إلكتروني. ص: 15 https://bit.ly/2NMBAwD

[3] – الرسالة إلى مؤمني روما 13. التفسير التطبيقي للكتاب المقدس. شركة ماستر ميديا، القاهرة. ط2 (1998) ص: 2408.

[4] – شارون لويد وسوزان سريدهار. فلسفة هوبز الأخلاقية والسياسية موسوعة ستانفورد للفلسفة، محمد الرشودي (مترجم)

[5] – Nancy J. Hirschmann and Kirstie M. McClure (eds.) Feminist Interpretations of John Locke http://bit.ly/3qZyX8X/

[6] – سوزان موللر أوكين. النساء في الفكر السياسي الغربي. ترجمة: إمام عبد الفتاح. المشروع القومي للترجمة.ط1(2002) ص:12

[7] – حنة أرندت. ما السياسية. د.زهير الخويلدي، أ. سلمى بالحاج مبروك(مترجمان). دار الأمان، الرباط. ط1 (2014) ص43 – 51 -64- 87

[8] – غسان سلامة. من الشرعية المعطوبة إلى العقد الاجتماعي الجديد- بحث مؤمنون بلا حدود https://bit.ly/3qYLN7o

[9] – نحو دراسة النوع الاجتماعي في العلوم السياسية. د. ميرفت حاتم (محررة). د.شهرت العالم (مترجم). ص: 228 – 230

[10] – اﻟﻤﺮأة واﻟﺘﻨﻤﻴﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ ﻓﻲ اﻟﺒﺤﺮ اﻟمتوسط، سمير رضوان. منتدى البحوث الاقتصادية، جان لويس ريفيرز . معهد البحر المتوسط – EEAS