مقدمة:

أولًا: العقد الاجتماعي؛ المفهوم والنظريات

1 – العقد الاجتماعي

2 – نظريات العقد الاجتماعي الغربي والإسلامي

أ – العقد الاجتماعي الغربي

ب – فكرة العقد الاجتماعي عند الإسلاميين

ج – العقد الاجتماعي في سورية المستقبل

ثانيًا: أبرز نقاط الخلاف بين الإسلاميين والعلمانيين حول العقد الاجتماعي

1 – مرجعية الدستور وهوية الدولة

2 – الأقلية والأكثرية

3 – الحريات والآداب العامة

4 – تمكين المرأة

5 – مبادئ التربية والتعليم

ثالثًا: محطات الالتقاء في عقد يمثل السور

2 – الخروج من حيز الإقناع الفكري إلى التوافق الوطني

3 – سياسة الرضى بالحد الأدنى من الرغبات وطمأنة الهواجس

خلاصة

مقدمة:

العقد الاجتماعي الذي نريد أن نتحدث عنه هو العقد الاجتماعي المعاصر الذي يخص مواطني دولةٍ ما، لها حدود معينة معترف بها في هيئة الأمم المتحدة، يتساوى فيها المواطنون بالحقوق في الوطن، ويتساوون بالواجبات تجاهه. وهذا العقد الاجتماعي الجديد يستلزم مساواة بين المسلم وغير المسلم، والعربي وغير العربي، في الحقوق السياسية والحريات الدينية دون أي استثناء، وهو ليس عقد البيعة الدينية على الخلافة أو الإمارة أو الدولة الدينية، مثل ولاية الفقيه، فنحن نتكلم هنا على دولةٍ بشرية التركيب والنشوء والإدارة.

وبالطبع، هناك جدل يتعلق بطبيعة هذا العقد، سببه الرئيس مكانة الدين في الحياة العامة، وما يتعلق بها من هوية الدولة، وصلاحية تدخلها في قضية الحريات والاستثناءات في الحقوق السياسية، وتأتي سلسة هذه الحوارات، بين الإسلاميين والعلمانيين، كضرورة متجددة لتخفيف الجدل النخبوي في ظاهره، والصراع العميق في داخله، والمورث للشروخ الاجتماعية في بلدنا سورية، وعلى امتداد العالم العربي والإسلامي.

إن إثراء الفقه السياسي عند الإسلاميين، ومحاولة تحليل بنية الدولة الحديثة، وتفهم أسباب قيامها وإدارتها من جهة، والالتزام بالأعراف المجتمعية والثقافية، واحترام المقدسات الدينية والاجتماعية عند العلمانيين في مجتمعاتهم من جهة أخرى، مع فتح أبواب الحرية على مصاريعها أمام الجميع، وتحقيق المساواة الدينية والسياسية بين المواطنين، وتطبيق القانون على الحاكم والمحكوم، على حد سواء، هو الأرضية المشتركة التي يمكن أن يتلاقى عليها الإسلاميون والعلمانيون في صياغة عقد اجتماعي رشيد.

وكما أن الإسلاميين مطالبون بترك الوصائية المسبقة وفرض الحمولة الأيديولوجية على غيرهم، يجب أن يدرك العلمانيون -سواء أكانوا من المواطنين المسلمين أم من المواطنين غير المسلمين- أن التشريع الإسلامي أهمّ وأثرى من أن تتخلى عنه المجتمعات الإسلامية؛ لأنها تعدّه جزءًا من هويتها الشخصية والحضارية، لا مجرد قانون مرور أو ملكية تجارية. فالإسلام -كما يقول الدكتور محمد مختار الشنقيطي- سيظلّ مصدرًا للقوانين في هذه المجتمعات، إلا إذا تسلط عليها مستبد قاهر؛ لأن هذه إرادة الشعوب وحاصل اختيارها. فالأوْلى بالعلمانيين التركيز على حكم القانون والمساواة أمام القانون، أكثر من التركيز على مصدر القانون.

أولًا: العقد الاجتماعي؛ المفهوم والنظريات

أ‌ – العقد الاجتماعي:

هو عبارة عن مجموعة من المحدِّدات، اتفق عليها مجموعة من الناس من أجل تنظيم المجتمع نحو الأفضل. هذا الاتفاق يضمن لهم العيش بسلام وفق قوانين متفق عليها سلفًا، ولا يمكن لأي شخص أن يخرق هذه القوانين. وهذه النظرية تفسر لنا نشأة الاجتماع السياسي وبقاءه واستمراره، متخذة من العقد أو الميثاق أو الاتفاق الاجتماعي الذي يقره الناس طواعية فيما بينهم، أساسًا للحقوق والواجبات التي تنظم شؤون الحياة المشتركة، وقاعدةً للتوفيق بين الإرادة العامة والإرادات الفردية المنضوية تحتها، ووسيلةً لإزالة التناقض بين ميول الإنسان الفردية وواجباته الاجتماعية، وأداةً تحُول دون تصعيد التنافس على المصالح والمراتب إلى الحد الذي يجعل منه صراعًا تناحريًا يهدد الناس في حياتهم وحقوقهم وحرياتهم[1].

ب‌ – نظريات العقد الاجتماعي الغربي والإسلامي:

اختلفت رؤية المفكرين الغربيين لمفهوم العقد الاجتماعي عن النظرة الإسلامية، وذلك على الرغم من جوهرية الفكرة بأن العقد هو فكرة تنظيمية للمجتمع للعيش بسلام وفق قوانين ناظمة ومحددة لحقوق كل مواطن وواجباته في دولته، إلا أن النظرة لدى المفكرين الإسلاميين تضمنت بنود هذا العقد من خلال التوفيق بين الرؤية الشرعية لحالة المجتمع المسلم وخصوصيته، مع مواكبة التطورات والأفكار التحديثية التي ظهرت مع مفكري التنوير في وقتنا الراهن، بينما يرى العلمانيون أن الفكرة المركزية في العقد الاجتماعي، وخاصة في جانبه الدستوري، لا تقبل التدين، ويشترط فيها الحيادية تجاه الأديان جميعًا.

  • العقد الاجتماعي الغربي:

يمكن اعتبار أن بعض رجال السياسة القريبين من الحكام وجدوا في العقائد الدينية صيغة سياسية تساعدهم في تثبيت الحاكم وفي تبرير كل ما يدعم شرعيته وبقاءه، وهو ما دفع المفكرين والفلاسفة، في عصر التنوير في أوروبا، إلى إثارة مسألة فصل الدين عن الدولة، والتخلص من استبداد الكنيسة، وقد ساهم ذلك في تثبيت معايير قانونية للعقد الاجتماعي، تستند إلى مفهوم (الدستور) و(دولة القانون). وقد برز في عصر التنوير كثيرٌ من منظري العقد الاجتماعي والحقوق الطبيعية، منهم توماس هوبز (1651)، وجون لوك، وجان جاك روسو، وإيمانويل كانط، وقد حاول كل منهم تفسير مسألة السلطة السياسية بشكل مختلف عن الآخرين.

  • فكرة العقد الاجتماعي عند الإسلاميين:

يرى الإسلاميون أن السلطة في الإسلام لیست تعسفية ولا جبرية، فهي -وإن كانت قوية في الحق- تنطوي على معاني العطف والرحمة والتسامح، وأنّ دستورها إلهي، مع أنها بشرية، ويعبّرون عن ذلك بقولهم (السيادة للشريعة والسلطان للأمة).

وإذا كانت العدالة والمساواة من الشروط الأساسية في نظرية العقد الاجتماعي السليم؛ فإن الشريعة الإسلامية تؤكد عليهما بشدة، ففي شأن العدالة، يقول تعالى في الآية رقم (58) من سورة النساء: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. إن الله نعما يعظكم به، إن الله كان سميعًا بصيرًا}. والآيات في ذلك كثيرة تنص على أوامر صريحة من الله تعالى للسلطة المسلمة بأن تكون قائمة بالعدل بين الناس في كل الأحوال، حتى مع غير المسلمين. وفي شأن المساواة، يقول تعالى في الآية رقم (13) من سورة الحجرات: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.

والحديث النبوي: (ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته…)، وحرص الدين الإسلامي على مبدأ الحرية؛ فأكد حق الاشتراك في السلطة: {وأمرهم شورى بينهم}، وكفل حرية التعبير عن الرأي، وحرية المعتقد، وحرية التجمع، وحرّم الاضطهاد والتمييز العنصري، لأي سبب من الأسباب.

ج – العقد الاجتماعي في سورية المستقبل:

بداية، لا بدّ من الإشارة قبل التوافق على العقد الاجتماعي إلى أن الحلّ في سورية اليوم يبدأ بإزالة نظام الاستبداد، ومحاسبة مرتكبي الجرائم بحق الإنسانية من جميع الأطراف؛ حتى يتسنى للسوريين والسوريات العيش في وطنهم بأمن وسلام، ويتمتعوا فيه بحرياتهم الأساسية وبحقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويتمكنوا من معالجة الجروح العميقة التي أصابتهم.

ولا بد -كما أشارت كثير من المواثيق والتوصيات الوطنية والأممية- من ضرورة مساءلة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة ضد الإنسانية، في إطار من العدالة الانتقالية، من أجل بلسمة جراح السوريين وتحررهم من الخوف والانقسام، وصولًا إلى التعافي الاجتماعي. ولا يتكامل الحل إلا ببدء عملية إعادة الإعمار، وإصلاح مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة وتشكيل الجيش والأجهزة الأمنية لتقوم بدورها الوظيفي بحماية الوطن والمواطن.

إن أساس الحفاظ على سيادة سورية ووحدتها، ومنع تكرار ما حصل من مآس وآلام بحق الشعب السوري، يكمن في إقامة الدولة المدنية الديمقراطية على أساس مبدأ السلطة للشعب يحكم نفسه بنفسه، فلا هي للعسكر، ولا هي للأجهزة الأمنية، ولا هي لطبقة من رجال الدين، ولا لأقلية حزبية أو نخبوية أو أسرية أيًا كانت هذه الأقلية، وفي تعزيز التداولية، وفصل السلطات، وسيادة القانون، والالتزام بحقوق الإنسان، والمساواة في القانون وأمامه، ومبدأ المواطنة، واحترام التعدد والتنوع، وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، ومنع التمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس، وإحياء الحياة السياسية والتعددية الحزبية، وضمان حرية الرأي والتعبير، واعتبار التعذيب جريمة مستمرة لا تسقط بالتقادم. وذلك كله يوجب قيام قضاء مستقل ونزيه، ومؤسسات مجتمع مدني تحصّن العقد الوطني، وإعلام حر ومسؤول. مع وجوب اعتبار قيم الشعب السوري الدينية والمجتمعية في الحرية والكرامة والتسامح، وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مرجعية أساسية في حماية حقوق جميع المواطنين.

ونستطيع القول إن هذه الأطر هي المسالك الطبيعية لقيام العقد الاجتماعي بين السوريين الذين لم يتح لهم سابقًا تثبيت أي عقد اجتماعي حقيقي لهم، حتى على أدنى محددات التوافق بين أفراد ومكونات المجتمع، وإن الدساتير والقوانين التي وُضعت، خلال القرن الماضي، كانت حبرًا على ورق، أمام الاضطرابات المستمرة التي لم تترك فرصة للسوريين لتثبيت عقد اجتماعي باستقلالية، لخدمة المجتمع أخلاقيًا وسياسيًا، وصيانته قانونيًا، بعيدًا عن المصلحة السياسية الانتهازية لأصحاب القرار الأمني القمعي.

ولهذا، من الضرورة الوصول إلى إنجاز عقد اجتماعي ودستور يراعي كل أفراد المجتمع وثقافاتهم وهواجسهم، ويضمن مساهمتهم الإيجابية الفاعلة، كمصدر غنى فكريٍ وسياسيٍ واقتصادي وثقافي، وفي الوقت نفسه تحدد شكل الحكم ودوره ومحدداته، بما يتوافق عليه المجتمع بالتراضي والقبول.

إن الأحداث الأخيرة وتشعباتها فرزت قضايا مستجدة، على المجتمع السوري، وأصبح من الضروري، على أيّ عقد اجتماعي قادم، أن يأخذ بالحسبان كل الجوانب والأبعاد الإنسانية والسياسية والأخلاقية، التي أحاطت بالمجتمع والدولة، بغية تثبيت عقد اجتماعي يوازي تضحيات المجتمع السوري، عبر عقود طويلة لنيل حقوقه وصيانتها.

ثانيًا: أبرز نقاط الخلاف بين الإسلاميين والعلمانيين حول العقد الاجتماعي

1 – مرجعية الدستور وهوية الدولة:

  • مفهوم الدستور والقانون الدستوري:

الدستور: هو مجموعة من القواعد التي تنظم تأسيس السلطة وانتقالها وممارساتها، أي تلك المتعلقة بالتنظيم السياسي، ويمكن أن توجد بأسلوبين، فهي إما أن تكون وليدة الأعراف والتقاليد، وهذا ما يسمونه بالدستور العرفي اللا مكتوب، وإما أن تكون مدونة صراحة في وثيقة رسمية مكتوبة، فتسمى بالدستور المدوّن المكتوب[2].

أما القانون الدستوري، فهو مجموعة القواعد القانونية التي يتقرر بموجبها تنظيم ومباشرة السلطة السياسية وتحديد كيفية انتقالها”[3].

  • الجدل الدستوري:

ومن الأمور التي أثارت جدلًا بين أوساط الثورة السورية، النصُّ على “مرجعية الشريعة” في الدستور، فمن قائل بوجوب النص على مرجعية الشريعة، ولا يمكن التنازل عن هذا المطلب مهما كانت الأسباب، ومن قائل بعدم الوجوب اكتفاءً بأن غالبية الشعب مسلم، ولا حاجة للنص على مرجعية الشريعة؛ فهو لن يقبل إلا بالشريعة الإسلامية مرجعًا له بعد كل هذه التضحيات، كما أن تيارات أخرى تنادي بعلمانية الدولة ولا تقبل بمرجعية الشريعة.

ولأن هناك خلافًا حول الوثيقة التي يجب اعتمادها في مرحلة الحكم الانتقالي، حيث يصعب إعداد دستور جديد في هذه المرحلة؛ برزت أصوات كثيرة بضرورة اعتماد دستور 1950، في مرحلة الحكم الانتقالي، لأسباب عديدة، حتى يتم الانتقال إلى الحكم الدائم.

وجاء في دستور 1950 في المقدمة التي نصت على الشريعة الإسلامية: (ولما كانت غالبية الشعب تدين بالإسلام، فإن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومُثُله العليا. وإننا نعلن أيضًا أن شعبنا عازم على توطيد أواصر التعاون بينه وبين شعوب العالم العربي والإسلامي، وعلى بناء دولته الحديثة على أسس من الأخلاق القويمة التي جاء بها الإسلام والأديان السماوية الأخرى، وعلى مكافحة الإلحاد وانحلال الأخلاق).

وفي الفصل الأول: (في الجمهورية العربية السورية) المادة الثالثة:

  • دين رئيس الجمهورية الإسلام.
  • الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع.
  • حرية الاعتقاد مصونة، والدولة تحترم جميع الأديان السماوية، وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على أن لا يخل ذلك بالنظام العام.
  • الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية.

وقد أعلنت هذه المادة أن دين الرئيس هو الإسلام، وأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، وبذلك أكدت الهوية العامة للدستور، وهي الإسلام، خاصة أن هذه المادة وردت في الفصل الأول، وهو الذي يعـــرّف الجمهورية العربية السورية واللغة الرسمية والعاصمة والدّين الرسمي للدولة. كما أكد الدستور في الوقت ذاته في الفصل الأول أن (سورية جمهورية عربية ديمقراطية نيابية ذات سيادة تامة).

وتنص معظم الدساتير في الدول العربية على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس أو المصدر الرئيسي من مصادر التشريع. ويأتي هذا النصّ منسجمًا مع واقع وتاريخ هذه المجتمعات، قبل نشوء فكرة الدولة الوطنية الحديثة، وقبل نشوء التيارات الفكرية الحديثة التي تنادي بالعلمانية منهجًا للحياة، فالدعوة إلى تطبيق الشريعة، أو النصّ على أنها مرجعية رئيسية، ليست طارئة أو مبتدعة، بل هي دعوة لإعادة تطبيقها.

بينما يرى العلمانيون أن البقاء في أسْر الأحكام الدينية هو إقصاءٌ للطوائف غير الإسلامية، وخلقٌ لأجواء من الصراع الهوياتي وتجذيره في المجتمع، ويشترطون أن تكون الدولة حيادية تجاه كل الأديان.

  • جدل هوية الدولة:

البحث في موضوع الهوية من القضايا الأساسية التي شغلت المثقفين في العالم، فالهوية قضية محورية، وعنصرٌ مهم وإستراتيجي، سواء على الصعيد الأمني أو التنموي، كما يعدّ صراع الهوية أحد امتدادات صراع مرجعية الدستور، ويظهر في أحد أشكاله. والهوية تعني الانتماء الكامل إلى الأمة، بكل أبعاده المادية والمعنوية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ولا تقتصر على مجرد الانتماء العصبي أو القبلي أو العنصري أو الجغرافي، فهي تكامل نفسي فكري.

وليست الهوية قيمةً مغلقةً ترفض الإثراء، بل هي قابلة للتطور والهيكلة متأثرة بالذاكرة الجمعية، وبالخيالات الشخصية، وبالأديان السماوية، وعلى رأسها الدين الإسلامي الذي يشكّل دينًا رئيسًا في سورية، وهويةً ثقافيةً وإرثًا تاريخيًا للشعب السوري.

وعلى المؤسسات الدينية الانشغالُ الجدي والمكثف بتجديد الخطاب الديني الذي يكفل تخفيف الصراعات بين المكونات السورية. وعندما نتكلم على الهويّة هنا، لا نعني الإسلاميين والعلمانيين فحسب، بل القوميين أيضًا، وهناك نقاش اليوم بخصوص العمق السوري العربي والإسلامي واللغة الرسمية للدولة.

2 – الأقلية والأكثرية:

ظلّت المكونات الدينية والعرقية المتعددة في سورية، مدة طويلة، تعيش حالة من العزلة الداخلية النسبية عن بعضها، فتحولت الفسيفساء السورية من حالة غنى في التنوع والانفتاح، إلى حالة من الحذر والانكماش، وأدى ذلك إلى تعطيل الحياة المدنية في سورية، والحضور الطاغي لأجهزة الأمن بين مكونات المجتمع طوال العقود الماضية، وترك هذا الأمر تأثيرًا سلبيًا بالغًا في التقاء السوريين وتفاعلهم فيما بينهم تفاعلًا عابرًا للطوائف، فتلاشت فرص قيام عقد اجتماعي حقيقي بينهم، بل بدأ الكلام عن ترويج خِطابَي “حماية الأقليات” و”المظلومية السنية”.

وبالرغم من الحكم الطائفي الذي عانته سورية طوال عقود، نتيجة استثمار النظام السوري للأقلية العلوية؛ فإن البعض يتخوف من قيادة الأغلبية المسلمة السنية للمشهد السياسي، ومن أن يؤدي ذلك إلى اضطهاد بقية الأقليات. وهو تخوف -من وجهة نظر الإسلاميين- في غير مكانه إطلاقًا؛ لأنهم يؤكدون أن الأقلية غير المسلمة في المجتمع المسلم حظيت، في ظل التشريع الإسلامي، بما لم تحظَ به أقلية أخرى، في أي قانون وفي أي بلد آخر، من حقوق وامتيازات؛ فقد كفل التشريع الإسلامي للأقليات غير المسلمة حقوقًا وامتيازات عِدة، لعل من أهمها كفالة حرية الاعتقاد، وذلك انطلاقًا من قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدينِ}. ولم يكن التشريع الإسلامي لِيَدَعَ غير المسلمين يتمتعون بحرية الاعتقاد، ثم من ناحية أخرى لا يسنّ ما يحافظ على حياتهم، باعتبارهم بَشَرًا لهم حق الحياة والوجود، وفي ذلك يقول الرسول، في حديث أورده البخاري: (مَنْ قتَلَ مُعَاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجَنة).

3 – الحريات والآداب العامة:

تشكل الآداب العامة في حياة المجتمعات المختلفة ركيزة أساسية من ركائز استقرار الأفراد في أوطانهم وأماكن سكناهم، فالآداب العامة هي تلك الآداب التي تم التعارف عليها بين الأفراد في المجتمعات المختلفة، وتتضمن الآداب العامة آداب التعامل بين الناس في مختلف المواقف والأوقات؛ في الزيارات، والشارع، والاستئذان، والمواعيد، والاجتماعات، وأثناء تناول الطعام، وفي العديد من المجالات والأمور الأخرى العديدة والمتنوعة.

يمكن للآداب العامة أن تكون الضامن الرئيس الذي يمكن له أن يعمل على ضمان استمرار العلاقات بين الأفراد ضمن حدود المودة والمحبة، ذلك أن نسبة لا بأس بها، من الخلافات التي تنشب بين الأفراد، تكون ناتجة عن عدم التقيد بهذه الآداب. ولا بد من وضع لائحة بالآداب العامة تراعي خصوصية المجتمع السوري ودين أفراده وعاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم.

وفي سياق متصل، تعدّ الحرية الشخصية المتفرعة عن الحريات العامة مطلبًا فطريًا طبيعيًا من مطالب الإنسان، التي خلقه الله عز وجل وفطره عليها، فحاجتُه إليها عندما يفتقدُها تفوق حاجتَه إلى الطعام والشراب، وقد أقرَّها الدينُ الإسلامي الحنيف كحق مكتسب لكل إنسان على وجه الأرض، إذ أعطاه الله -عزّ وجلّ- كامل الحرية لاختيار دينه وعقيدته، كما اختيار تصرفاته وتعبيره عن آرائه.

ومبدأ الحرية الشخصية في الإسلام محكومٌ بضوابط ومعاييرَ معينة، لا يجوز تجاوزها أو المساس بها، فهي تتقيد بخطوط عريضة لا يجب لها أن تُمَس، كخطوط الدين والأخلاق والقوانين، وأيضًا حقوق وحريات الآخرين، ففي الإسلام نجد أن الحرية منظمةٌ ضمن إطار معين، حتى تحقق أهدافها التي تخدم الإنسانية، ويمكننا تلخيص هذه المعايير بالآتي:

  • ألا تؤدي حرية الفرد أو الجماعة إلى تهديد أركان النظام العام وسلامته.
  • ألا تؤدي الحرية إلى تفويت حقوق أعظم منها، لذا لا بد من النظر إلى قيمها ونتائجها ورتبتها وذاتها.
  • لا بد من أن تكون الحرية غير مضرّة بالآخرين وحرياتهم.

هناك توجه عند الجمهور العلماني بتجاوز الحرية في البلاد العربية والإسلامية حدود الشرائع، وخصوصًا في أمورٍ جد حساسة لها تعلقها بالهوية والخصوصية، ولا سيما قضية الزواج والعلاقات الجنسية والأحوال الشخصية، وهذا ما يسبب قطيعة وطنية بين التيار الإسلامي والعلماني، نتيجة التخندق وراء الأهداف النظرية النهائية دون مصالحة على أساس الحد الأدنى.

4 – تمكين المرأة:

 برز شعار أو مصطلح “تمكين المرأة” في المحافل النسائية، على مستوى عالمنا العربي والإسلامي، كنتيجة طبيعية للسجال الذي دار ويدور مع كل مؤتمر أو منتدى يتناول قضايا المرأة في عالمنا العربي والإسلامي، أو حتى على المستوى العالمي، ويُتهم الإسلامُ والإسلاميون بتكريس النظرة الدونية للمرأة، وحرمانها من حقوقها، الاجتماعية والسياسية، وقد غصت الكتب والمجلات والمواقع، بما يدل على ذلك، ولعل مرجع ذلك لعدة أمور أبرزها الحنق والأحكام المسبقة، وعدم الاطلاع بإنصاف على ما جاءت به الشريعة، وعدم مراعاة خصوصية المرأة في مجتمعنا العربي والإسلامي.

 مع العلم أن الأوضاع التي تعيشها المرأة المسلمة، بين التقاليد الراكدة والأفكار الوافدة، تفرض على مفكري الأمة وعلمائها في مختلف التخصصات أن يضعوا برنامجًا نابعًا من ثقافتنا حول قضايا المرأة، ويكون هذا البرنامج مرجعيةً يُتحدث بها مع أصحاب الدعوات الأخرى الرامية إلى تعميم ثقافتها وأفكارها.

إن الرؤية الاسلامية لتمكين المرأة تعمل على الدفع لتوظيف طاقاتها وحشد إمكاناتها ليس من أجل الخلاص والانعتاق الفردي فحسب، ولكن أيضًا من أجل عملية التغيير والتنوير الاجتماعي الشاملة. وليس فقط كعاملة وناشطة في المجال العام الاقتصادي والسياسي، ولكن أيضًا كمتقنة لدورها الذي لا يقل خطورة في المجال الخاص للأسرة الصغيرة، وفي نطاق الشبكات الاجتماعية المتوسطة كالأسرة الممتدة ومجتمعات الجوار. ذلك لأن أي تحقير أو تقليل من شأن هذه الأدوار إنما يجني على المرأة نفسها قبل جنايته على من حولها في محيطها الأسري والعائلي والمجتمعي الحميم.

إن تحرير مصطلح التمكين ليناسب مجتمعاتنا يوجب النأي به عن مفهوم الفردية الذي صاحب تمكين المرأة الغربية، وأدى إلى تفسخ الأسرة والمجتمع. ينبغي أن نرعى ونحافظ ونشجع طبيعة وعلاقات الأسرة الممتدة وعلاقات الجوار كشبكات اجتماعية تحمي المرأة والطفل والرجل من أمراض وكوارث الفردية الأنانية التي يرزح تحت عبئها الغرب، وينادي العقلاء فيه إلى ضرورة الرجوع إلى العلاقات الجمعية الداعمة للأفراد، وعدم الانجرار وراء الإنجازات الفردية منقطعة الصلة بمصلحة الجماعات والمجتمع.

من جهة أخرى، إن مسألة الحقوق السياسية للمرأة أمرٌ مقرر في الإسلام، وإذا كانت مسألة “إمامة المرأة” أو رئاستها للدولة، موضعَ خلاف طويل، أقره قوم وأنكره آخرون، فإن بقية الحقوق السياسية، كحق الانتخاب، وحق الاستفتاء، وحق الترشيح لعضوية مجلس الشورى، أمور متوافق عليه لدرجة كبيرة.

وعلى ذلك؛ ينبغي ما يلي:

  1. يجب أن تنطلق المرأة إلى العمل الخاص والعام، من خلال رؤية شاملة لحياة تهدف إلى سلامة الإنسان والمجتمع، إلى جانب رفاهه عن طريق النضال الداخلي والخارجي، وليس باعتبارها سباقًا محمومًا على اللذائذ والمتع المادية.
  2. رفض ذوبان شخصية المرأة وتذويبها في شخصية الرجل، ورفض تكريس الأنانية الفردية في نفسيتها، لكيلا تعيش في عالم انعزالي مسور بطموحات فردية مصادمة للجانب الطبيعي والاجتماعي، في تركيبها وتركيب كل إنسان، ذكرًا كان أم أنثى.
  3. رفض تقديس تطبيقات المسلمين وتفسيراتهم لنصوص الإسلام تحت تأثير مراحل تاريخية وثقافية معينة، ورفض الانجرار الأعمى غير المميز لنماذج التمكين التغريبية، خاصة تلك التي تنبثق من السخط على الأنوثة، والرغبة في الترجل باعتبار أن تحرير وتمكين المرأة يقاس بمدى اقتراب جوهرها ومظهرها من الرجولة.
  4. الاستفادة من تجارب النساء في ثقافات مختلفة، ومن ضمنها الغربية، مع الاحتفاظ دائمًا بحقّ قبول أو رفض ما تطرحه المنظمات النسائية العالمية علينا، وقبول ما يتوافق مع خصوصية ثقافاتنا وتحديات ظروفنا.

5 – مبادئ التربية والتعليم

لا بد أن تراعي العملية التعليمية في سورية المستقبل ديانات ولغات جميع الإثنيات المكونة للمجتمع السوري، وقد نصت العديد من الدساتير على اعتبار ذلك حقًا يكفله القانون، وعليه يجب أن يقوم النظام التربوي والتعليمي في سورية على مراعاة القيم الدينية والأخلاقية للمجتمع السوري وتعزيز السلام والديمقراطية، وأن يغطي اللغات العربية والإنكليزية والكُردية وغيرها، وأن يعمل على كسر الصورة النمطية وترسيخ التعاون مع الآخر وتقبّله وعلى آليات الحوار، واللاعنف واحترام مبادئ المواطنة وحقوق المرأة، وتعزيز قيم التكافل الاجتماعي.

ثالثًا: محطات الالتقاء في عقد اجتماعي يمثل السوريين

1 – القطيعة مع نظام الاستبداد والاحتكام إلى الديمقراطية

في حال بقاء نظام الاستبداد، فلا معنى لدستور أو عقد اجتماعي أو حتى تطبيق للشريعة، فأول محطة من محطات اللقاء بين الإسلاميين والعلمانيين هي القطيعة مع نظام الاستبداد، مهما كانت مرجعيته وهويته، سواء كانت دينية أو عسكرية أو ملكية أو علمانية أو قومية أو يسارية. وقد دفع السوريون جميعًا ثمنًا باهظًا، من جراء حكم الحزب الطائفي الواحد في سورية طوال أكثر من خمسين عامًا، من حيث غياب الديمقراطية، وانتشار الفساد والمحسوبية، وغياب العدالة الاجتماعية، وقد أدى الأسلوب الأمني والعسكري الذي اتبعه النظام الاستبدادي إلى اضطرار السوريين إلى حمل السلاح، وإلى ظهور الخطاب الطائفي بمختلف صوره، وصارت الشتيمة على مواقع التواصل والتصفية على أرض الميدان هي لغة الخطاب والتقاطع، بدل التواصل. ومن هنا؛ فإن أول ما يجب أن ينصّ عليه أي عقد اجتماعي في سورية المستقبل هو الرفض الكامل (مع التجريم) للاستبداد وأنظمته (الانقلاب وحكم العسكر، التكفير، الطائفية، الملكية الوراثية المطلقة)، وأن يكون الحكم للشعب من خلال الخيار الديمقراطي.

2 – الخروج من مسار الإقناع الفكري إلى التوافق الوطني

أشارت بعض النخب المثقفة إلى أن مواجهة الخطاب الطائفي والتخندق الأيديولوجي تبدأ بمراجعةٍ منهجيةٍ للتاريخ السوري، وخاصة لجوانبه الاجتماعية والفكرية، بعيدًا من الخطابات العاطفية والمجاملات، وانطلاقًا من البيت ودور العلم والعبادة، لإزالة الأحكام والتصورات المسبقة بين السوريين، بعيدًا من الإقصاء والتهميش والتخوين والتكفير. ولا يتم ذلك إلا باستحضار القيم الدينية المشتركة، من تكريم النفس البشرية التي خلقها الله، وتثمين قيمة الحياة وحرية المعتقد، وممارسة الشعائر الدينية، ونشر ثقافة التسامح. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن هذا لا يتم بمحاولة كل طرف إقناع الآخر بوجهة نظره الأيديولوجية، بل بمعرفة جوانب الاشتراك الوطني، فليس مهمًا أن يتأسلم العلماني، ولا أن يتعلمن الإسلامي، ولكن من المهم جدًا أن يتوافق كلا الطرفين على استقرار نظام الحكم والشراكة الوطنية وتمكين الديمقراطية ومناهضة العمالة والتبعية وتحقيق النزاهة والشفافية، وكذلك الأمر مع الشيعة والسنّة فهم ليسوا بحاجة إلى أعداد إضافية، بل إلى أن يكفوا عن قتال بعضهم، وإلى إنهاء الهواجس التاريخية.

3 – سياسة الرضى بالحد الأدنى من الرغبات وطمأنة الهواجس

لكلٍّ من المتخندقين وراء الهوية، ولو كانوا معتدلين، بنكُ أهداف كبيرة وواسعة، تؤسس لها في النفس بواعثُ الدين أو محبة الآخر والوطن، وقد تؤسس لها أيضًا الرغبات الشخصية والجماعية والمذهبية، ويتداخل فيها الديني مع المناطقي مع الإثني مع الاقتصادي. وليست مناقشة هذه الأمور مطلوبة في صياغة العقد الاجتماعي، ولكن المهم أن يقتنع كل واحدٍ منا بالحد الأدنى منها، وأن يساعده الآخر في ذلك، عسى أن يحد من طموحه الأقصى الذي لن يناله إلا بتخريب النسيج الوطني، فمثلًا: يتطلع كثير من الإسلاميين إلى أسلمة نظام الحكم والدولة، ويعارضهم العلمانيون والأقليات الدينية في ذلك، وغالبًا يؤدي ذلك إلى الصدام والاستقواء بالجيش وحكم العسكر، كما حدث في أكثر من بلدٍ عربي، ولو أن الإسلاميين رضوا بالحد الأدنى من الرغبات، بطريقة لا تؤثر في المكونات الأخرى، وساعدتهم المكونات الأخرى في ذلك مقابل حصولها أيضًا على الحد الأدنى من رغباتها؛ لتمّ التأسيس لعقد اجتماعي رشيد.

خلاصة ومحددات:

لا بد من تحويل المواثيق التوافقية إلى ثقافة مجتمعية، تتوضح فيها ملامح العقد الاجتماعي للجمهور العام، لإزالة الالتباس والغموض عن مواقف النخب المتصدرة والقائدة للرأي العام، من مختلف التيارات، ومن أمثلة هذه المحددات:

  1. بناء دولة تقوم على دستور مدني قائم على توافقية وطنية، تضعه جمعية تأسيسية منتخَبة، ويضمن التمثيل العادل لكل مكونات المجتمع.
  2. دولة ديمقراطية تعددية تداولية ذات نظام حكم جمهوري نيابي، يختار فيها الشعب من يمثله ومن يحكمه.
  3. دولة يتساوى فيها المواطنون جميعًا، ويحق لأي مواطن فيها الوصول إلى أعلى المناصب، كما يتساوى فيها الرجال والنساء، وتتمتع فيها المرأة بحقوقها الكاملة.
  4. دولة تلتزم بحقوق الإنسان، كما أقرتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية، وتمنع التعذيب وتجرمه.
  5. دولة تقوم على فصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وتكون القوات المسلحة وأجهزة الأمن فيها لحماية الوطن والشعب، لا لحماية سلطة أو نظام، ولا تتدخل في التنافس السياسي بين الأحزاب والقوى الوطنية.

[1] سفيان البراق، العقد الاجتماعي… نظرة تاريخية في آراء 3 فلاسفة، موقع ألترا صوت، 15 آب/ أغسطس 2018، رابط: http://bit.ly/2P28kAH، وانظر هاني عمران، العقد الاجتماعي، الموسوعة العربية، رابط: http://bit.ly/2IVcMNM

[2] حسن البحري، القانون الدستوري والنظم السياسية، (دمشق: الجامعة الافتراضية السوريةـ 2018)، ص 35 – 36.

[3] انظر: إسماعيل الغزالي، القانون الدستوري والنظم السياسية (بيروت: المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، 1989)، ص 9 -10.

__________

(*) بحث مقدم إلى ندوة “التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تحتاج إليه سورية المستقبل ” التي عُقدها مركز حرمون للدراسات المعاصرة في مدينة إسطنبول في 19 و20 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.