رغم نداءات الأمم المتحدة بضرورة تجميد الصراعات المسلحة في الشرق الأوسط نتيجة انتشار فيروس كورونا، شن الطيران الإسرائيلي مطلع الأسبوع الجاري غاراات جوية على أطراف العاصمة السورية دمشق، وضربت صواريخ إسرائيلية بعيدة المدى مواقع متعددة قرب العاصمة السورية دمشق، خلّفت قتلى، ورفضت إسرائيل إعلان أهدافها الحقيقية.

استهدفت غالبية الغارات الإسرائيلة مقرات ومواقع للقوات الإيرانية وحزب الله اللبناني والميليشيات الموالية لها من جنسيات سورية وغير سورية، وأسفرت عن مقتل عدد من القادة الإيرانيين وقادة حزب الله اللبناني.

كثّفت اسرائيل في الأعوام الأخيرة وتيرة قصفها في سورية، مستهدفة بشكل أساسي مواقع للجيش السوري تقوم بتطوير صواريخ متوسطة المدى، وأهدافاً إيرانية وأخرى لحزب الله اللبناني، وكانت آخر غارة شنتها إسرائيل على مواقع سورية في 20 مارس، قُتل فيها تسعة عناصر من مجموعات موالية لقوات النظام وحليفتها إيران في منطقة تدمر وسط سورية.

ورغم الاحتجاجات السورية المستمرة منذ سنوات، إلا أن إسرائيل قالت إنها ستواصل تصدّيها لما تصفه بمحاولات إيران الرامية إلى ترسيخ وجودها العسكري في سورية عير إرسال أسلحة متطورة إلى حزب الله.

الانفجارات العنيفة التي يسمعها سكّان العاصمة دمشق كل بضعة أسابيع تضرب عملياً أطراف العاصمة دمشق الغربية والجنوبية، وتنجم عن قصف جوي إسرائيلي، حيث تتواجد بكثافة مقرات ومواقع للقوات الإيرانية وحزب الله اللبناني والمليشيات الموالية لها من جنسيات سورية وغير سورية، وهي تقريباً منطقة تخضع لهيمنة الحزب اللبناني والإيرانيين، وتلك الغارات تحظى بموافقة ومباركة روسية في الغالب الأعم.

ما يدعو للتصديق أن روسيا أعطت “المباركة”، هو أن المناطق المقصوفة تخضع لاتفاق فك الاشتباك بين إسرائيل وروسيا، والتي تدعو الأطراف لعدم القيام بغارات جوية إلا بعد إعلام الطرف الآخر، كما أن هذه البقعة فوق دمشق مغطذاة بشبكة صواريخ روسية مضادة للطيران، لم تعمل يوماً أثناء أي هجوم إسرائيلي جوي على العاصمة أو قربها.

لم تُغيّر إسرائيل شيئاً في قواعد الاشتباك مع حزب الله والإيرانيين في سورية، مشيرًا ومازالت تعتمد سياسة قصف أي بؤر خطر في سورية تستخدمها حزب الله في سورية، وأية مستودعات تُقل إليها أسلحة يمكن أن تُهدد الأمن القومي الإسرائيلي، ولم يوقف “كورونا” إسرائيل أو يدفعها لتغيير أي من خططها أو استراتيجياتها.

منذ اندلع النزاع في سورية عام 2011، شن الجيش الإسرائيلي مئات الغارات الجوية والصاروخية ضد أهداف داخل سورية، استهدفت بشكل أساسي مستودعات ومعسكرات لحزب الله اللبناني، وأهدافاً إيرانية عسكرية بشرية وعسكرية لوجستيه، وقتلت مسؤولين عسكريين إيرانين، فضلاً عن قصف مركز البحثو العلمية التابع لوزارة الدفاع السورية والمسؤول عن تطوير الصواريخ، لكن إسرائيل نادراً ما تبنت هذه الغارات.

تأتي الضربات الجوية الإسرائيلية على أهداف تتبع لإيران في سورية بعد كل زيارة لمسؤول إيراني رفيع إلى سورية، كزيارة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إلى دمشق في 20 نيسان/ أبريل الماضين والتي جاءت مفاجئة لعالم السياسيين، فالعالم أجمع مشغول بوقف كوارث فيروس كورونا، فيما يقوم ظريف بلقاء رأس النظام السوري، وزاد الشكوك بهدف الزيارة أنها جاءت بعد مهاجمة الإعلام الروسي لرأس النظام السوري.

تحمل اليزيارات الإيرانية رسائل تريد طهران التأكيد عليها، وهي أنها مستمرة في دعم الأسد، وبأنها لن تتخلى عنه بسهولة، وقد دعت إيران إلى عقد اجتماع ثلاثي يضم أطراف أستانة (إيران، تركيا، روسيا) على مستوى وزراء الخارجية، وناقش فيه وزراء خارجية الدول الثلاث (هاتفياً) التطورات الميدانية في إدلب وشرق الفرات، وتطورات العملية السياسية والوضع الإنساني، ولم يأت ذلك الاجتماع بشيء جديد، إلا تأكيد أن إيران مازالت لاعباً في الملف السوري.

وبمقدار ما تشكل المتغيرات والتطورات في الداخل الروسي، على صعيد الهجمة الإعلامية على الأسد ونظامه، مصدر قلق لإيران، فإن إيران تشكل أيضاً مصدر قلق حقيقي لمشاريع روسيا في سورية، وللأمن القومي الإسرائيلي في نفس الوقت، حيث ترغب إيران في البقاء في سورية، ولا تفكر في الخروج منها، بعد كل الدعم الذي قدمته لنظام الأسد منذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011، خاصة في ظل قدرتها على استيعاب آثار الضغوط الأمريكية والضربات الإسرائيلية.

إن طهران لا تواجه من الضغوط ما يجبرها فعليًا على التخلي عن نفوذها ووجودها العسكري في سورية، ولذلك فهي تحاول خلط الأوراق دائماً، بعد إبعادها عن الاتفاق الروسي – التركي الأخير، حول وقف العمليات العسكرية في إدلب، في مارس من العام الحالي. هذا الأمر تُدركه روسيا وتركيا جيدًا.

الواضح في الأمر أن من مصلحة إيران عدم نجاح المساعي الروسية لأي حل سياسي، لاعتقادها أن هذا قد يؤسس لمرحلة لاحقة في مستقبل سورية قد تُستثنى منها إيران، خصوصًا في ظل الرغبة الدولية المتزايدة في إخراجها من سورية، وهو ما تُصرّ عليه كل من أميركا وإسرائيل أيضاً، لهذا فإنها لن تتوقف عن استفزاز إسرائيل، وبالتالي لن تتوقف إسرائيل عن ضرب أهداف داخل الأراضي السورية، على الأقل إلى حين إيجاد حل سياسي شامل ونهائي في سورية.