المحتويات

مقدمة

أولًا: الحركة الاحتجاجية وإعادة تموضع القوى المحلية؛ اقتناص الفرص

ثانيًا: صراع القوى المحلية على المجالس؛ الأنماط والتأثيرات

ثالثًا: عمليات تأسيس المجلس المحلي لسراقب؛ صراع قيد التبلور

رابعًا: الصراع بين أحرار الشام وهيئة “تحرير الشام” على المجالس؛ التحكم للبقاء

خاتمة

 

 

مقدمة

تكونت المجالس المحلية للمعارضة وكانت بنى إدارية هشة منذ النصف الأول من عام 2012، وذلك بضغط المطالب المجتمعية المنادية بإيجاد بديل حوكمي لسلطة النظام ومؤسساته المغيبة عمدًا لمعاقبة مناطق الاحتجاج، وجاء تشكيلها ليعكس تصاعد الهويات المحلياتية وتوق قواها للتعبير عن نفسها وممارسة دورها في أطر مؤسساتية مستقلة، حرمت منها سابقًا في ظل حكم نظام الأسد الاب والابن.

وفي عقب مرور ما يزيد على ست سنوات على انطلاقة تجربة المجالس، وما عايشته من أهوال الصراع وما تعرضت له من تهديدات أمنية، وفي ظل ما واجهته -وما تزال- من خطر تطويعها سياسيًا وكذلك احتوائها أو تصفيتها من منافسيها وأعدائها، وأمام ما تعانيه من قلة الموارد في ظل تنامي المطالب الخدمية للسكان المحليين، تجد المجالس اليوم نفسها أمام تحد آخر ناجم عن تحولها إلى ساحة لتصفية صراعات القوى المحلية في ما بينها على اختلاف طبيعتها وتوجهاتها، وذلك ضمن مسعاها لاكتساب النفوذ واحتكار الموارد وتصدر الدور السياسي المحلي، ومن المتوقع أن تزداد وتيرة تلك الصراعات لا سيما مع دخول الأزمة السورية مرحلة التبريد من خلال تثبيت اتفاقات مناطق خفض التصعيد والبناء عليها لإنجاز تسوية سياسية من نوع ما، الأمر الذي يتهدد عملية حوكمة المجالس بوصفها بنى تمثيلية قادرة على إدارة مجتمعاتها المحلية.

تحاول هذه الورقة البحثية تسليط الضوء على بعض نماذج صراع القوى المحلية وانعكاساتها في المجالس أداءً واستمرارًا.

 

أولًا: الحركة الاحتجاجية وإعادة تموضع القوى المحلية؛ اقتناص الفرص

تعرضت المجتمعات المحلية في ظل حكم نظام الأسد إلى العبث بمكوناتها وتوازناتها بفعل سياسات التحكم والسيطرة التي لجأ إليها النظام لضبط حركة تلك المجتمعات وقواها بما يستجيب لحسابات استمراره واستقراره، وضمن ما سبق أناط النظام عملية صنع القرار المحلي بوكلاء أمنيين يحظون بثقته، في حين وظف الهياكل الإدارية والمؤسسات السياسية أدوات لتنظيم المجتمعات المحلية ([1])، أما أسلوبه في السيطرة على القوى المحلية وإدارتها فكان من خلال اعتماده لسياستي العصا “العقاب” والجزرة “المنافع الرمزية والمادية” وفرق تسد ([2])، بما يحول دون بروز مراكز لقوى محلية مستقلة عنه ومهددة له. أفرزت سياسات النظام نتائج كارثية على المجتمع السوري تمثلت بافتقار قواه إلى خبرات العمل السياسي والتنظيمي، وعمقت هذه السياسات خطوط التصدع الاجتماعية (العرقية، المذهبية) بين مكونات المجتمع السوري.

تراخت سياسات التحكم وسيطرة النظام على المجتمعات المحلية بفعل عوامل عدّة منها أثر العولمة والتغيرات الديموغرافية وسياسات الليبرالية الاقتصادية التي انتهجها بشار الأسد عقب توليه الحكم، لتجد القوى المحلية نفسها أمام فرصة للتعبير عن نفسها بزيادة انخراطها في العمل الاجتماعي الخيري، وأحيانًا في العمل السياسي المحلي. وفي حين كان يعول على ما سبق لدمج القوى المحلية وبخاصة تلك الصاعدة منها في الحيز العام، وإعادة تعريف العلاقة بين النظام والدولة والمجتمع وفق قواعد جديدة وصولًا إلى اشتقاق عقد اجتماعي تشاركي، قُيِّد هذا النشاط وأنهي بعضه بضغط من الحرس القديم للنظام مخافة فَقْد السيطرة على مسار الأمور، لا سيما في ظل التحديات والخطر المحدق بالنظام آنذاك (احتلال العراق، اغتيال الحريري)، لتعود سياسات الضبط والسيطرة على ما كانت عليه.

لم تنجح تلك السياسات في طمس حقائق التحول التي أصابت المجتمع السوري من حيث تشكل خطوط تصدع اجتماعية جديدة بين قوى صاعدة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة كالشباب الجامعي والتكنوقراط، إضافة إلى رجالات الاقتصاد الجديد والأمن، وأخرى منكفئة ينتمي إليها الفلاحون والعمال والقوى المحلية التقليدية (الوجهاء من زعماء العشائر وممثلو العائلات).

على هذه الأرضية، جاءت الحركة الاحتجاجية في آذار/ مارس 2011 لتؤسس فرصة للقوى المحلية لإعادة تموضعها، سواءً الصاعدة منها في مسعاها لزيادة مكتسباتها والإقرار بدورها، أو تلك المنكفئة منها بهدف استعادة منزلتها المتأكلة، ولتنشئ بينهما وداخل معسكر كل منهما حالات انقسام، يمكن تتبعها في تقلبات مواقفهما تجاه التعاطي مع الحركة الاحتجاجية وتحولاتها وأطوارها. ما يهم في هذ الصدد قراءة التحولات التي طرأت على المجتمعات المحلية المناهضة للنظام وصراعاتها وآثارها في المجالس المحلية، إذ أسهمت الديناميات التي ولدتها الحركة الاحتجاجية (اقتصاد الحرب، التغيرات الديموغرافية، العسكرة، التدخل الخارجي) في هدم البنى الاجتماعية والهياكل التنظيمية السائدة وإعادة إنتاجها، لنشهد عمومًا -مع وجود تمايزات في مناطق أخرى بحسب نسيجها الاجتماعي وسياق أوضاعها والفاعلين المحليين والخارجيين فيها- بروز قوى محلية صاعدة تنتمي بأغلبها إلى الفئة العمرية المتوسطة، من مثل تجار الحروب والأنفاق والمعابر الذين حازوا على موارد اقتصادية بحكم دورهم وسيطًا تجاريًا بين فرقاء الصراع، ورجال الدين الذين ناوروا لضمان دورهم عبر هيمنتهم على القضاء الشرعي، كذلك منتسبي الفصائل وقياداتهم الذين أدّوا دورًا في تعبئة المجتمعات المحلية عسكريًا والسيطرة على قرارها في الحرب والسلم، إضافة إلى ناشطي الحراك المدني من الطبقة المتوسطة ممن ضمنوا دورهم من خلال عضويتهم في المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني أو تحولهم إلى قيادات سياسية.

بالمقابل تراجعت -تراجعًا ملحوظًا- مشاركة القوى المحلية المحسوبة على النظام بوصفها وسيطًا له (من مثل العائلات البارزة، والقادة الدينيين والقبليين، والتجار الأغنياء وآخرين ([3])) في عملية صنع القرار المحلي، لتكتفي بالمراقبة وتحين الفرص الناشئة ضمن موجات التحول السياسي والميداني للتعبير عن نفسها واستعادة شيء من منزلتها ودورها.

مثّلت فكرة العداء للنظام مظلة عابرة لإجماع القوى المناهضة للنظام، وقد أسهمت ديناميات الصراع وشدته والطبيعة الفوضوية للمساعدات الخارجية([4])، في بروز الخلافات بين هذه القوى وتعميق حال الانقسام في ما بينها بما تمثله من امتداد لحال الاستقطاب في المستويين الدولي والإقليمي، وأفضى طول الصراع وتحول طبيعته مع تراجع الخطاب والممارسات من مناهضة النظام إلى إمكان التعايش معه، وتشكل مناطق خفض التصعيد([5])، إلى تحولات في المجتمعات المحلية يمكن ملاحظتها في إعادة تموضع قواها وتغير توازناتها وتزايد صراعاتها في سبيل احتكار الموارد واكتساب المنزلة وتصدر الدور السياسي، وفي حين جرى احتواء بعض تلك الصراعات موقتًا وتسويتها بوساطة آليات محلية (توافقات محلية، مجالس الصلح، قضاء شرعي، انتخابات)، خرجت أخرى على قواعد الضبط المحلية لتكتسب طابعًا عنفيًا، تجسد في توظيف تلك القوى لأدوات القسر المادية ولمعايير الدين والعائلة والثورية ضد بعضها، وما يلفت الانتباه نقل القوى المحلية صراعاتها إلى المجالس المحلية بتزايد عما سبق([6])، إدراكًا منهم لأهميتها المتزايدة في سياق ترتيبات المرحلتين الراهنة وكذلك الانتقالية.

 

ثانيًا: صراع القوى المحلية على المجالس؛ الأنماط والتأثيرات

يتوزع حوالى 470 مجلسًا بين مقيم ومهجر في المناطق المسيطر عليها من طيف واسع من الفصائل العسكرية المناوئة للنظام، وفي عقب مرور ما يزيد على  6 سنوات على انطلاق تجربة المجالس بنجاحاتها وإخفاقاتها، وما تواجهه من تحديات ناجمة عن قلة مواردها وضعف مأسستها وافتقادها إلى مركز قوي ترتبط به، إضافةً إلى التحديات الناشئة عن اتفاقات خفض التصعيد ([7])، تجد المجالس المحلية نفسها أمام تحدي تحولها إلى ساحة مركزية للصراع بين القوى المحلية على اختلاف توجهاتها وهوياتها، إدراكًا منها لما تمثله المجالس من قيمة سياسية وما تمنحه من شرعية محلية وما توفره من أداة خدمية، تعدّ جميعها عناصر أساسية لضمان نمو مصالحها وبسط سيطرتها على المجتمعات المحلية.

يتخذ صراع القوى المحلية على المجالس أشكالًا عدة، وذلك بحسب تباين الديناميات السائدة وطبيعة القوى المحلية، إضافة إلى عوامل أخرى تتصل بالمجالس من حيث حجمها وطبيعة دورها ومواردها وعلاقاتها، ويجري الصراع بوساطة مروحة واسعة من الأدوات، ولا يقتصر الصراع على معسكر القوى المناهضة للنظام بل يتعداه إلى تلك المحسوبة عليه في مسعاها لاستعادة دورها انطلاقًا من بوابة المجالس، ولا يجب النظر إلى القوى المحلية في تصنيفاتها العامة بوصفها كتلًا متماسكة في مواجهة بعضها في أثناء صراعها على المجالس ([8])، وفي ما يأتي نموذجان من الشمال السوري عن صراع القوى المحلية على المجالس.

 

ثالثًا: عمليات تأسيس المجلس المحلي لسراقب؛ صراع قيد التبلور

أُسِّس المجلس المحلي لمدينة سراقب وريفها في كانون الثاني/ يناير 2013 بوساطة التوافق بين مجموعة من الناشطين الثوريين، ولم تخرج الدورات الأربع اللاحقة للمجلس والممتدة ولايتها من نيسان/ أبريل 2014 ولغاية نيسان/ أبريل 2016 على أسلوب التوافق بين الناشطين الثوريين في عمليات تأليف المجلس([9])، ليصار لاحقًا إلى اعتماد الانتخاب بوساطة مجمع انتخابي مصغر([10]) (مجلس الأعيان المكون من 150 إلى 200 عضو من العائلات والنخب المحلية والمحسوبين على الفصائل العسكرية المحلية) في دورة نيسان/ أبريل 2016، ثم اللجوء إلى الانتخابات المباشرة في دورة تموز/ يوليو 2017.([11])

لم يتبلور الصراع بوضوح في الدورات الأولى لمجلس سراقب بحكم التوافق واقتصار المشاركة على الناشطين الثوريين “توافقات النخبة الثورية”، ولكن سرعان ما بدأ الصراع يتضح أكثر خصوصًا مع توسيع نطاق المشاركين في عملية التأسيس وهو ما يمكن ملاحظته منذ دورة نيسان/ أبريل 2016، إذ جرت الانتخاب بوساطة مجلس الأعيان، لتبدأ معها الصراعات بين مجلسي الأعيان والشورى من جهة والمجلس المحلي من جهة أخرى بعنوان الخلاف على حدود الصلاحيات وطبيعة الدور ([12]).

مثّلت انتخابات تموز/ يوليو 2017 نقطة مفصلية في تمظهر الصراع المحلي على مجلس سراقب، لا سيما مع انخراط عدد أكبر من القوى المحلية على اختلاف توجهاتها وطبيعتها في عملية تأليف المجلس، وتوافقها على الانتخابات بوصفها أداة لحسم هذا الصراع، وليتبلور في إثرها قائمتين انتخابيتين عدّهما بعضهم تجسيدًا لحالة الصراع المحلي بين تيار مدني وآخر مدني مدعوم عسكريًا ([13])، بينما عدّه بعض آخر تجسيدًا لحالة الصراع بين تيارين عائلي وآخر مدني. ([14])

أسهم الاحتكام إلى الانتخابات ونتيجتها (لا غالب ولا مغلوب) في ضبط الصراع المحلي وعدم تفاقمه، وما يلحظ في هذا السياق عدم تصويت القوى المحلية في المعركة الانتخابية بوصفها كتلًا متماسكة، إذ صوّت بعضها في اتجاهات مغايرة لمعايير الثورية والعائلية ([15])، وأظهرت الانتخابات تنامي تأثير الطبقات الفقيرة والمتوسطة في عملية تأسيس المجلس، وتوضح خياراتها الانتخابية لمصلحة التصويت للتكنوقراط على حساب الثوريين ([16]).

كذلك، لا يمكن قراءة الصراع المحلي في سراقب بمعزل عن تطورات الوضع العام في محافظة إدلب ومساعي “هيئة تحرير الشام” للهيمنة الإدارية، بعد نجاحها في فرض سطوتها العسكرية على المحافظة في عقب اقتتالها الأخير ضد حركة أحرار الشام، وفي هذا الصدد قامت الهيئة بإلحاق المجالس المحلية في ريف سراقب بجهازها الخدمي، لتمارس لاحقًا الضغط على مجلس سراقب باستغلال ملفي الكهرباء والمياه([17])، واعتقلت رئيس المجلس([18])، الأمر الذي اضطره إلى تسليم عدد من المديريات الخدمية ذات الإيرادات المالية لإدارة مدينة إدلب (الهاتف، المياه، الأحوال المدنية، المصالح العقارية([19]))، وفي هذا السياق أعلن المجلس توقف جباية المياه، مسوغًا ذلك بعدم تجاوب السكان مع الجباه المحليين التابعين له.([20])

أما عن مستقبل هذه الصراعات وأثرها في مجلس سراقب، فيرى بعض أنها مضبوطة ومن الممكن إدارتها بوساطة الانتخابات ما دامت محصورة ضمن التيار المدني فحسب([21])، في حين توقع آخرون أن يتبلور الصراع بصورة أوضح ويأخذ مسارات دامية في ظل تثبيت مسار آستانة وما سيتركه من تداعيات سلبية في أداء المجلس للخدمات واستقراره المؤسسي([22])، كذلك توقع بعض استمرار الصراع، إلا أن حدته وشكله وآثاره في المجلس فرهن بأسلوب القائمين على المجلس في إدارة الخدمات والعلاقات مع القوى المحلية([23])، وبتطورات الوضع العام في محافظة إدلب، علاوةً على مساعي هيئة “تحرير الشام” لفرض هيمنتها الإدارية.

 

رابعًا: الصراع بين أحرار الشام وهيئة “تحرير الشام” على المجالس؛ التحكم للبقاء

تدرك الفصائل العسكرية أهمية المجالس المحلية راهنًا لما تقوم به من أدوار خدمية وتمثيلية تمثّل مرتكزات شرعيتها، وتعي محورية المجالس في مقاربات الدول والجهات الداعمة بوصفها إحدى قنوات تمرير الدعم وتنفيذ مشروعات التدخل الإنساني والتنموي حاليًا، فضلًا عن كونها ركائز رئيسة في تطبيق الحل السياسي مستقبلًا. ويتزايد اهتمام الفصائل بالمجالس بغية توظيفها لإدامة سيطرتها المحلية وإقصاء منافسيها وضمان استمرارها، لا سيما في ظل الانحسار بالتدريج للعمليات العسكرية في مناطق سيطرة المعارضة بحكم اتفاقات خفض التصعيد، وتراجع الدعم المالي المقدم للفصائل. وضمن ما سبق، شهدت محافظة إدلب صراعًا محمومًا بين حركة أحرار الشام الإسلامية وهيئة “تحرير الشام” للسيطرة على المجالس المحلية، مستغلين قوتهما العسكرية ومواردهما، وقد استفادتا من الانقسامات المجتمعية وهشاشة المجالس المحلية وضعف منظومتها الإدارية التي تنتمي إليها (الحكومة الموقتة) لفرض وصايتهما على المجالس، إذ رعت هيئة إدارة الخدمات المحسوبة على أحرار الشام في وقت سابق تأسيس مجالس محلية عدّة وفق نظام خاص بها([24])، وقدمت الدعم المادي واللوجستي لعدد من المجالس لضمان ولائها([25])، في حين انخرطت الحركة بصيغ مختلفة في تأسيس عدد من المجالس سواءً من خلال دعمها لبعض المرشحين أم ترشيح آخرين محسوبين عليها لعضوية تلك المجالس.

لم تختلف هيئة “تحرير الشام” عن حركة أحرار الشام في مسعاها للهيمنة على المجالس سواءً من خلال التعاون المصلحي معها أم احتوائها فاختراقها أو إقصائها ([26]).

وضمن ما سبق، عملت الهيئة وما تزال على إضعاف مجالس المدن الكبرى، وذلك من خلال السيطرة على مديرياتها الخدمية التي توفر لها مردودًا ماديًا، إضافة إلى إلحاق المجالس الفرعية التابعة لهذه المجالس للإدارة المدنية للخدمات، الأمر الذي يجعل هذه المجالس مشرفة من دون أن يكون لها صلاحيات إدارية محلية، وفي حين رفض مجلس مدينة إدلب تسليم الهيئة مديرياته الخدمية([27]) واتخذ قرار المواجهة مع الهيئة، ما عرضه للحل وتكليف بلدية إدلب (مكونة من 150 عامل) والمديريات الخدمية التابعة للإدارة المدنية للخدمات([28]) تسيير شؤون المدينة، انتزعت الهيئة  عددًا من المديريات الخدمية والمؤسسات والمشروعات الاستثمارية من عدد من المجالس كمعرة مصرين (الكهرباء، البريد، سوق الهال، سوق المواشي، محلات تابعة للمجلس، معمل النايلون، المياه، ممتلكات “الشيعة”، فرن عدد2)، والإبقاء على المجلس. كذلك تعمل الهيئة على إضعاف المجالس المحلية من خلال تأسيس مجالس موازية لها بمسميات “مجالس شورى، مجالس أعيان” وفرضها بداية وصية على المجالس المحلية كما حدث في مدينة بنش، على أن تقوم هذه المجالس الموازية بإعادة تأسيس المجالس وفقًا لحسابات وآليات متبعة من الإدارة المدنية للخدمات ([29]).

يتهدد هذا الصراع المجالس المحلية في دورها واستمرارها، إذ من شأنه أن يزعزع ثقة المجتمعات المحلية بالمجالس واستقلالها، وسيعرض تلك المجالس لخطر أمنية (القصف) بحجة تبعيتها لهذه الفصائل خصوصًا الهيئة، إضافة إلى خطر توقف الدعم الخارجي المقدم لهذه المجالس وهو ما يتهدد دورها الخدمي وحتى استمرارها، علاوةً على خطر تجاوز تلك المجالس في أي ترتيبات انتقالية تطال هذه المناطق بحجة تبعيتها للفصائل.

 

خاتمة

تتعرض المجالس المحلية في كل مرحلة تحول سياسي يشهدها الملف السوري إلى ضغوط تستهدف دورها واستمرارها، وفي حين استطاعت المجالس تجاوز الضغوط الخارجية والتكيف معها وفق صيغ عدة، تجد نفسها اليوم أمام ضغوط داخلية متنامية ناجمة عن تحولها إلى ساحة مركزية لصراع القوى المحلية في ما بينها على التحكم، ومن المتوقع أن يزداد الصراع على المجالس لا سيما مع دخول الأزمة السورية مرحلة التبريد من خلال تثبيت اتفاقات مناطق خفض التصعيد، إضافة إلى توسيع نطاق مشاركة القوى المحلية في عملية تأسيس المجالس في ظل الاعتماد المتزايد على الانتخابات المباشرة في عمليات التأسيس، علاوةً على تدخل الفصائل تدخلًا مكثفًا في المجالس ضمن مسعاها لإعادة تعريف دورها في المرحلة المقبلة وفق ما يضمن مصالحها ونفوذها.

وأمام ما تطرحه مساعي القوى المحلية للتحكم بالمجالس من خطر جدي يستهدف استقرار المجالس واستمرارها، يغدو من المهم العمل على إيجاد آليات لتنظيم عملية مشاركة القوى المحلية في صناعة القرار المحلي، إضافةً إلى تحييد الفصائل عن المجالس وحصرها بمجال الآمن المحلي، علاوةً على تنظيم عمليات الدعم الخارجية وفق منهج لا يستثير الصراعات المحلية.

 

 

([1]) خضر خضور، «كيف تُعيق المشاغل الأمنية الإقليمية الحوكمة في شمال شرق سورية»، مركز كارنيجي، في 23/3/2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/y9Ztu2

([2]) خالد يعقوب عويس، «تفكك البنية الاجتماعية في سورية وأثره على الحل السياسي»، جريدة الشرق الأوسط الدولية، في 30-7-2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/cVQRPD

([3]) خضر خضور، «الحروب المحليّة وفرص السلام اللامركزي في سورية»، مركز كارنيجي، في 28/03/2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/OJ6xry

([4]) خضر خضور، «الحروب المحليّة وفرص السلام اللامركزي في سورية».

([5]) للمزيد حول أثر خفض التصعيد في تحولات بنية علاقات القوة داخل المجتمعات المحلية مراجعة، عروة خليفة، «أعيان الحرب في سورية: التحولات في بنية علاقات القوة في مناطق خفض التصعيد»، معهد العالم للدراسات، في 11/09/2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/zPCuJ9

([6]) يعود الصراع على المجالس المحلية إلى بدايات تشكيلها، وذلك في مسعى من القوى المحلية لاحتكار الدعم الخارجي، إلا أن الصراع قد اكتسب أهمية مع تزايد القيمة السياسية للمجالس المحلية في ضوء الترتيبات الناشئة في اتفاقات خفض التصعيد، وما يمكن لها أن تؤديه من أدوار في المرحلة الانتقالية، حوار أجراه الباحث مع أحد قيادات المجالس المحلية في ريف حمص الشمالي، في 21/09/2017.

([7]) أيمن الدسوقي، «تحصين المجالس المحلية في اتفاقيات التهدئة»، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، في 02/08/2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/XEQMkV

([8]) أيمن جواد التيميمي، «المصالحات: حالة الصنمين شمال درعا»، في 27/04/2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/SqgNVK

ويؤكد الصحافي والباحث السوري منهل باريش هذه الملاحظة بقوله: “لم يصوت عدد من أعضاء عائلة باريش للمرشح (إبراهيم باريش) على الرغم من صلة القراية، وإنما صوتوا للمرشح المنافس مثنى المحمد في انتخابات المجلس المحلي لمدينة سراقب”. حوار أجراه الباحث مع منهل باريش، في 21/09/2017.

([9])  تولى الناشطون الثوريون المدنيون عملية تأسيس المجلس المحلي لسراقب وإدارته، مع وجود محاولات من الفصائل العسكرية للتدخل في المجلس، من حوار أجراه الباحث مع عقبة باريش على وسائل التواصل الاجتماعي، في 20/09/2017.

([10]) للمزيد عن عمليات تأسيس المجالس المحلية في إدلب مراجعة، «المجالس المحلية في ريف إدلب. نشأتها وآلية تشكيلها»، جريدة زيتون، في 30/12/2016، رابط إلكتروني

https://goo.gl/SRj8dy

([11]) Manhal Bareesh, saraqib’s Local Elections Show How Democracy Can Break Through in Syria, Chatham House, Date: August 2017, link: https://goo.gl/UkyybC

([12]) «سراقب، سجال بين مجلسيها المحلي والشورى وانتخابات مؤجلة حتى منتصف حزيران/ يونيو»، راديو ألوان، يوتيوب، رابط إلكتروني

https://goo.gl/dqYKLR

([13]) حوار أجراه الباحث مع الكاتب والصحافي السوري منهل باريش، في 21/09/2017.

([14]) حوار أجراه الباحث مع مثنى المحمد رئيس المجلس المحلي لمدينة سراقب وريفها على وسائل التواصل الاجتماعي، في 20/09/2017.

([15]) حوار أجراه الباحث مع الكاتب والصحافي السوري منهل باريش، في 21/09/2017.

([16])   Manhal Bareesh, saraqib’s Local Elections Show How Democracy Can Break Through in Syria, Chatham House

([17]) حوار أجراه الباحث مع ناشط محلي في مدينة سراقب، في 20/09/2017.

([18]) «هتش تعتقل رئيس المجلس المحلي لسراقب بعد رفضه لمبادرة إداراتها المدنية»، جريدة زيتون، في 17//9-2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/gQnUuv

([19]) بيان المجلس المحلي لسراقب حول المديريات التي ما زالت تتبع له إداريًا وماليًا، المجلس المحلي لمدينة سراقب وريفها، في 6/10/2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/JCX5Q6

([20]) قرار المجلس المحلي لسراقب بتوقف جباية المياه، المجلس المحلي لمدينة سراقب وريفها، في 27/09/2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/LqtUYV

([21]) حوار أجراه الباحث مع عقبة باريش على وسائل التواصل الاجتماعي، في 20/09/2017.

([22]) حوار أجراه الباحث مع الكاتب والصحافي السوري منهل باريش، في 21/09/2017.

([23]) حوار أجراه الباحث مع مثنى المحمد رئيس المجلس المحلي لمدينة سراقب وريفها على وسائل التواصل الاجتماعي، في 20/09/2017.

([24]) الإدارة المحلية في هيئة إدارة الخدمات تقوم بتشكيل المجلس المحلي لقرية داديخ، هيئة إدارة الخدمات، في 02/03/2016، رابط إلكتروني

https://goo.gl/1vuQCq

كذلك شرح المهندس عمار لبيب رئيس هيئه إدارة الخدمات” في حديث أجراه الباحث معه هيكلية الهيئة وعملها وعلاقاتها مع المجالس المحلية: تألفت هيئة إدارة الخدمات عقب تحرير مدينة إدلب بوصفها جهازًا خدميًا مؤلفًا من مديريات عدّة أهمها: الإدارة المحلية، الأحوال المدنية، المنظمات والإغاثة، التربية والتعليم، الأشغال العامة، الرقابة والتفتيش، الأملاك العامة، شؤون المهجرين، الزراعة والثروة الحيوانية.. إلخ، وترتبط الهيئة بالمجالس المحلية عن طريق الإدارة المحلية المكلفة تنظيم شؤون المجالس والإشراف على تأسيسها، أما عن علاقاتها مع حركة أحرار الشام، فأشار أبو الزهراء إلى حل الحركة لمكتبها الخدمي وتفويض العمل الخدمي لهيئة إدارة الخدمات، حديث أجراه الباحث مع المهندس عمار لبيب على وسائل التواصل الاجتماعي، في 04/10/2017.

([25]) بطاقة شكر من المجلس المحلي في احسم لهيئة إدارة الخدمات لتقديمها الدعم في شبكة الكهرباء، هيئة إدارة الخدمات – مكتب جبل الزاوية‏، في 30/04/2016، رابط إلكتروني

https://goo.gl/gtXQv1

([26]) أيمن الدسوقي، «الحكم المحلي لهيئة “تحرير الشام” ومنظورها للمجالس المحلية»، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، في 23/07/2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/PNQPFw

([27]) «تحرير الشام تنهي “مجلس مدينة إدلب” المنتخب شعبيًا وتسلم “الإدارة العامة للخدمات” التابعة لها كامل إداراته في مدينة إدلب»، وكالة شام الإخبارية، في 28/08/2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/p8Gx3Z

([28]) برنامج تشغيل الإمبيرات في إدلب وأريحا، قرار صادر عن المؤسسة العامة للكهرباء التابعة للإدارة المدنية للخدمات، موقع مدينة إدلب على الفيس بوك، في 1/10/2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/3rvbey

تعرفة المياه في إدلب، موقع مدينة إدلب على الفيس بوك، في 26/09/2017، رابط إلكتروني

https://goo.gl/634MER

([29]) آلية تشكيل المجالس المحلية المتبعة من الإدارة المدنية للخدمات: يُعلَن بداية عن فتح باب التطوع لعضوية المجلس البلدي، ومن ثم تقدم الطلبات لمديرية الإدارة المحلية التابعة للإدارة المدنية للخدمات التي تعمل بدورها على تدوين القائمة وإرسالها للإدارة المدنية للخدمات لاختيار 6 أشخاص هم: رئيس المجلس، نائب الرئيس، مدير مكتب الإغاثة، مدير المكتب المالي، مدير المكتب الخدمي، أمين السر، الذين يتقاضون رواتب من الإدارة المدنية للخدمات، في حين يشغل باقي الأعضاء عضوية المجلس المحلي الذي يتولى مهمة الإشراف على قطاعات التعليم والصحة ولكن ضمن توجيهات الإدارة المدنية للخدمات. حديث أجراه الباحث مع ناشط محلي من مدينة إدلب، في 20/09/2017.