ترجمة علي كمخ

في بدايات تموز/ يوليو عام 2020، أعلنت الولايات المتحدة من جانب واحد تغيير سياستها المتعلقة بحظر الأسلحة المفروض منذ سنوات على قبرص بشطريه؛ الجنوبي المتمثل بالإدارة اليونانية لجنوب قبرص، والشمالي المتمثل بجمهورية شمال قبرص التركية [باعتبار أن تركيا لا تعترف بالجزء الجنوبي كدولة في الوقت الذي تعترف فيه بالشطر الشمالي للجزيرة كجمهورية مستقلة]، وسمحت ببيع الأسلحة للشطر الجنوبي، وأفادت أنها ستقوم بإخضاع جيش الحرس الوطني القبرصي لتدريبات عسكرية، بغية رفع كفاءته القتالية بذريعة تحقيق الأمن والاستقرار في شرق البحر الأبيض المتوسط.  

ومع استمرار الجائحة التي تمثل في الوقت الحاضر إحدى أكبر المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العالم، بهذه الوتيرة، وقد تتحوّل إلى مشكلة أمنية دولية كبيرة؛ فإن “مشكلة شرق المتوسط” تصدّرت المشهد العالمي كثاني مشكلة دولية، بعد هذا النوع الجديد من وباء كورونا (كوفيد-19) الذي يشغل العالم الآن. وفي هذا السياق، ازداد اهتمام الولايات المتحدة التي أصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم، مع انهيار الكتلة الشرقية وانحلال النظام الثنائي القطب، بهذه المنطقة بازدياد أهميتها الاقتصادية إلى جانب الأهمية الإستراتيجية والسياسية، بعد اكتشاف احتياطيات كبيرة من النفط في غرب جزيرة قبرص، وغنى الجزيرة بالغاز الطبيعي في القسم الشرقي منها. وبدأت بتنفيذ استراتيجيات جديدة لا نعلم شيئًا عن كثير من عناصرها حتى الآن. لكن أكثر الأمثلة وضوحًا على ذلك كان إنهاؤها لحظر الأسلحة المفروض على الإدارة اليونانية في جنوب قبرص، وإخضاع جيشها لبرنامج التدريبات العسكرية.

بداية، دعونا نشرح الأهمية الحيوية لشرق المتوسط ​​من خلال العلاقات الدولية، بإعطاء أمثلة عن الأحداث التاريخية. ففي الوقت الذي استخدم فيه “الفحم” كمصدر رئيسي للطاقة في العالم لما يقرب من مئتي عام، منذ خمسينيات القرن الثامن عشر مع بداية الثورة الصناعية حتى المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية في ستينيات القرن العشرين، فإن أكثر مصادر الطاقة استخدامًا في العالم اليوم هما النفط والغاز الطبيعي. حيث إن الحربين العالميتين الأولى والثانية اندلعتا في أوروبا من أجل السيطرة والحصول على موارد الفحم والحديد، لتمتدا بعد ذلك إلى جميع أنحاء العالم. ومن أجل منع وقوع الحرب مرة أخرى (Never again war) في أوروبا الغربية الحرة، أُنشئت عام 1950 (الجمعية الأوروبية للفحم والصلب) وهي أول منظمة دولية عابرة للحدود أو بالأحرى تتخطى حدود الدول الوطنية في العالم. بعد إنشاء الرابطة الأوروبية للفحم الصلب، لم تنشب في قارة أوروبا، التي عانت ويلات حروب المئة عام، وحرب الثلاثين عامًا، وحرب السنوات السبع، والحربين العالميتين الأولى والثانية المدمرة، أيُّ حرب مرة أخرى. ولكن الحروب بدأت تنشب، منذ ستينيات القرن الماضي، من أجل تأمين السيطرة على حقول النفط، الذي يعد أكثر إنتاجية للطاقة من ناحية الكفاءة الاقتصادية، وأقل تلويثًا للبيئة مقارنة بالفحم. لذا فإن حروب الطاقة حول العالم لم تعد تنشأ من السيطرة على مصادر الفحم، بل من أجل وضع اليد على احتياطيات النفط والغاز. حيث إن 75% من احتياطيات الطاقة (النفط والغاز الطبيعي) المعروفة في العالم اليوم (باستثناء المصادر المكتشفة في شرق البحر الأبيض المتوسط، ​​في السنوات السبع الأخيرة) موجودة في منطقة الشرق الأوسط. ولهذا السبب، تتواصل الحروب والصراعات والانقلابات والعمليات الإرهابية والمذابح والنزاعات العرقية والدينية والطائفية والهجرة في الشرق الأوسط، بشكل دائم.

كانت القوتان العظميان، إبان الحرب الباردة، تريدان فرض السيطرة على الشرق الأوسط، لتكريس هيمنتها على موارد الطاقة. وبإعلان الرئيس الأميركي د. أيزنهاور، في 5 كانون الثاني/ يناير عام 1957، مبادئه الشهيرة التي عُرفت باسمه “مبادئ أيزنهاور”، والتي كانت تتضمن استراتيجية لتقديم مساعدات عسكرية واقتصادية لدول الشرق الأوسط، وبمصادقة الكونغرس الأميركي على هذه الإستراتيجية، في آذار/ مارس من العام نفسه؛ حققت الولايات المتحدة الأميركية تفوقًا كبيرًا على الاتحاد السوفيتي في المنطقة. لكن الغرض الأساسي من هذه المساعدة التي سيتم تقديمها في نطاق مبادئ أيزنهاور كان الوقوف في وجه المد الشيوعي والنفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط. وتمكنت الولايات المتحدة من إضعاف الموقف السوفيتي عبر التحالفات السرية والعلنية التي أقامتها مع إسرائيل خاصة، ومع العائلات الحاكمة في الملكيات والإمارات المطلقة في دول عربية، كالمملكة العربية السعودية والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والأردن ومصر وليبيا والمغرب، ومن ملء الفراغ السياسي الذي أحدثه ترك كل من إنكلترا وفرنسا للمنطقة في أعقاب أزمة السويس عام 1956، بعد أن كانتا قد تسوّدتا المنطقة عبر تقاسم أراض الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط، إبان الحرب العالمية الأولى، بموجب اتفاقية سايكس- بيكو عام 1916. وعلى الرغم من انخفاض نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط نسبيًا، بسبب المواجهات والحروب غير النظامية والهجمات الإرهابية التي نفذت ضدها، والتي تسببت في تكبدها خسائر عسكرية جسيمة، ومئات المليارات من الدولارات من الخسائر الاقتصادية؛ فإنها ما زالت تواصل هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط، منذ ذلك التاريخ حتى الآن.

وتجاه هذا التفوق الأميركي في المنطقة، استطاع الاتحاد السوفيتي تحقيق “توازن القوة” في الشرق الأوسط، بعد دخوله في تحالفات استراتيجية مع الدول العربية التي اعتمدت الأنظمة الاشتراكية، بتخلصها من سلطة الملكيات المطلقة ذات التبعية الغربية. فبداية تم تأسيس أول دولة على قدر من العلمانية والديمقراطية في الشرق الأوسط (على عكس باقي دول الشرق الأوسط الاستبدادية الشمولية الخاضعة للوصاية الفرنسية والمؤتمرة بأمر الغرب) في سورية، وذلك بعد طرد عبد الله الابن الأكبر للشريف حسين (أمير مكة الذي طعن العثمانيين) من الشام عام 1920 على يد الفرنسيين، بعد مدة وجيزة من توليته ملكًا على سورية من قبل الإنكليز. ومع احتلال ألمانيا النازية لفرنسا في الحرب العالمية الثانية، وضعف الهيمنة الفرنسية على بلدان شمال إفريقيا (المغرب العربي) وعلى سورية ولبنان في بلاد الشام (المشرق) تحت رداء الوصاية والانتداب؛ فقدت فرنسا بعد الحرب كل مستعمراتها تقريبًا، وخاصة منطقة الهند الصينية في جنوب شرقي أسيا. وفي هذه المرحلة، حصلت سورية على استقلالها وسيادتها الكاملة كأول دولة علمانية وديمقراطية إلى حد ما، في الشرق الأوسط عام 1946.

وبحصول المستعمرات التابعة لإسبانيا والبرتغال وهولندا وبلجيكا وفرنسا وإنجلترا، في إفريقيا والشرق الأوسط وأسيا والباسيفيكي، على استقلالها، تباعًا، بين عامي 1950-1960، لتغدو دولًا ذات سيادة وأعضاء في الأمم المتحدة، وانتظامها في الساحة الدولية ضد الدول الاستعمارية القديمة (الغرب) وتأسيسها لـ “حركة عدم الانحياز”؛ سرعان ما بدأت الأفكار الاشتراكية المناهضة للغرب في هذه البلدان حديثة الاستقلال والفقيرة وغير المؤهلة اقتصاديًا والمتخلفة اجتماعيًا وسياسيًا، بالتنامي والاستقرار. فتمأسست الأنظمة الجديدة الشرق أوسطية التي استوحت الأيديولوجية الاشتراكية في البلدان العربية في بنى أحزاب البعث، واستولت على السلطة في هذه الدول. فكانت وظيفة البعث (التي تعني القيامة بالمعنى الحرفي للكلمة) في سورية، هي دمج العناصر الدينية والطائفية المختلفة تحت مظلة القومية العربية والاشتراكية، ومن ثمّ صهرها في بوتقة مدنية علمانية. لذلك، وقفت سورية في ظل نظام البعث، منذ أواسط القرن الماضي، إلى جانب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، ضد الولايات المتحدة التي حلت محل القوى الغربية فرنسا وبريطانيا في الشرق الأوسط، وباتت منذ ما يقارب سبعين عامًا من أكبر حلفاء روسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفيتي بعد سقوطه. دخل الاتحاد السوفيتي في صراع على “القوة” و “الهيمنة” في الشرق الأوسط مع الولايات المتحدة، من خلال التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي مع الدول التي تدار من قبل أحزاب البعث والأنظمة الاشتراكية، بعد التخلص من الملكيات المطلقة (إضافة إلى سورية) في بلدان الشرق الأوسط. هذه البلدان هي مصر، بقيادة الجنرال جمال عبد الناصر المناهض للغرب، الموالي للبعث وقد وصل إلى السلطة بعد الإطاحة بالملك فاروق عام 1952؛ والعراق الذي تولى فيها الحكم نظام البعث بمجيئه إلى السلطة عام 1958، بعد الإطاحة بالملك فيصل ابن الشريف حسين؛ والجزائر التي تولى السلطة فيها نظام اشتراكي بعد استقلالها عن فرنسا في أعقاب ثورة مجيدة فقدت فيها مليون إنسان من أبنائها؛ وليبيا بقيادة العقيد معمر القذافي الذي أطاح بالملك إدريس الموالي للغرب في عام 1969 ونهض ببلاده بإنشاء نظام اشتراكي بديل عن النظام الإسلامي القائم؛ ومنظمة التحرير الفلسطينية ذات التوجه الاشتراكي، بقيادة ياسر عرفات الذي أطلق المقاومة المسلحة ضد إسرائيل لتحرير أرضه المحتلة؛ واليمن الجنوبي (جمهورية اليمن الديمقراطية) الذي تولى السلطة فيها حزب اشتراكي ينازع اليمن الشمالي الذي تحكمه سلطة فردية موالية للغرب.

حرب “القوة” و”الهيمنة”، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي اللتين كانتا الدولتين العظميين في منطقة الشرق الأوسط، إبّان الحرب الباردة، مهّدت لنشوب أربعة حروب عربية-إسرائيلية، في أعوام 1948، 1967، 1956 و1973، بسبب التنافس الذي خلقته هاتان القوتان العظميان، عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، بين حلفائهما العلنيين والسريين من دول المنطقة. وتسببت هذه الحروب في حدوث أزمتين نفطيتين كبيرتين في عامي 1973 و1979، وقد أثر ذلك تأثيرًا سلبيًا كبيرًا في جميع اقتصادات العالم.

هذا التنافس بين القوتين العظميين في المنطقة، إبان الحرب الباردة، ما زال يتواصل حتى يومنا هذا، مغيرًا طبيعته بعد الحرب الباردة بشكل أعنف وأشد. فالاتحاد السوفيتي انهار، لكن وريثته روسيا الاتحادية تتبع اليوم السياسة السوفيتية عينها في الشرق الأوسط. وتواصل سياسة التدخل العسكري في سورية وليبيا واليمن وقبرص ودول أوروبا الشرقية والقوقاز كجورجيا وأذربيجان، ودول شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا ومولدافيا، بالنهج العدواني ذاته الذي سلكه الاتحاد السوفيتي، بتدخلها عسكريًا في كل من المجر وتشيكوسلوفاكيا وأفغانستان وبولندا، في نطاق “مبدأ بريجنيف”. وإزاء هذه السياسة العدوانية لروسيا الاتحادية وريثة السوفييت، بدأت الولايات المتحدة الأميركية بالقيام بهجمات مضادة، من خلال زيادة وجودها العسكري واتخاذ حلفاء جدد لها في المنطقة.

في بدايات عام 1979، أطيح شاه إيران رضا بهلوي، شرطي أميركا وإنكلترة في المنطقة، وجاء إلى السلطة آية الله الخميني الذي كان يسمي أميركا “الشيطان الأكبر”، وقام بتأميم النفط الإيراني (ثالث أكبر احتياطي في العالم) الذي كانت تشغله الولايات المتحدة وبريطانيا، وبطرد الشركات الغربية من إيران. وهذا ما فسح المجال استراتيجيًا للاتحاد السوفيتي بالنزول إلى الخليج العربي من جهة، وشكل ضربة اقتصادية من ناحية خروج منابع النفط والغاز المحدودة في العالم عن سيطرة الولايات المتحدة الأميركية، من جهة ثانية. أما في نهاية عام 1979، فقد قام الاتحاد السوفيتي هذه المرة بغزو أفغانستان، موجهًا صفعة قوية للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، بوصوله إلى المحيط الهندي.

وبمقابل ذلك، ساهمت الولايات المتحدة، عبر تقديم رشًا اقتصادية وسياسية كبيرة لمصر، في توقيع معاهدة سلام في عام 1978، بين مصر أكبر حلفاء الاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط، وبين إسرائيل في المنتجع الرئاسي الواقع في بلدة كامب ديفيد، وقعها كل من الرئيس المصري الاشتراكي أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن. وحصلت مصر من الولايات المتحدة على محطة نووية، وعلى مبلغ بقيمة 5 مليارات دولار في ذلك الوقت، واسترجعت شبه جزيرة سيناء، وبإنهائها حالة الحرب مع إسرائيل، عبر توقيعها على هذه المعاهدة، تكون مصر قد خانت باقي الدول العربية، كونها أول بلد عربي يعترف رسميًا بإسرائيل. فكانت هذه المعاهدة هزيمة استراتيجية كبيرة للاتحاد السوفيتي، وأدى النجاح المربح والمفيد جدًا الذي حققه أنور السادات لبلده، إلى وصمه بالخيانة من قبل باقي الدول العربية التي اتبعت معه سياسات العزل والإقصاء في العالمين العربي والإسلامي، بقطع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع مصر. بعد ذلك بعامين؛ تم اغتيال أنور السادات من قبل بعض جنوده خلال عرض عسكري، وحل مكانه نائبه حسني مبارك المناصر تمامًا للولايات المتحدة، فحققت مصر مكاسب اقتصادية كبيرة، وحررت شبه جزيرة سيناء المهمة جدًا من الاحتلال الإسرائيلي، واكتسبت أهمية سياسية واستراتيجية كبيرة في العالم الغربي. وتمكنت الولايات المتحدة الأميركية من تأمين أمن الحدود الجنوبية لإسرائيل، والسيطرة على قناة السويس، وأصبحت، بإبعاد الاتحاد السوفيتي عن البحر الأحمر ومن السويس، الحاكم الوحيد في المنطقة. واضطر الاتحاد السوفيتي الذي غزا أفغانستان عام 1979، في أثناء الحرب الأهلية التي دامت عشر سنوات، إلى الانسحاب في شباط/ فبراير عام 1989، بعد الهزيمة التي تلقاها على يد المجاهدين المدعومين من الولايات المتحدة، وانتهت العملية بسقوط جدار برلين، في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، وبانهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية.

جعلت هزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان الولايات المتحدة حاكمًا مطلقًا للحدود الشرقية لمنطقة الشرق الأوسط. فبعد سنوات عديدة من ذلك، حققت الولايات المتحدة انتصارًا كبيرًا آخر على روسيا الاتحادية التي ورثت عرش الاتحاد السوفيتي المنهار، من خلال إطاحة الرئيس العراقي الاشتراكي صدام حسين الموالي لروسيا، وإعدامه ورفاقه، وإبعاد مسؤولي حزب البعث كافة عن السلطة، والزج بهم في السجون. وتمكنت، من خلال استبدال نظام البعث بإدارة إقليمية كردية تتبعها في شمال العراق، وبإدارة عربية سنية تتلقى التعليمات منها في وسط العراق على أطراف بغداد، وبإدارة عربية شيعية تتبع سياسات أكثر قربًا للولايات المتحدة منها إلى إيران في الجنوب، على الرغم من كونها شيعية، من وضع يدها على جميع موارد النفط والغاز الطبيعي العراقية، ومنحت أعمالها التشغيلية لشركات النفط الأميركية. وبذلك، تكون الولايات المتحدة قد حققت تفوقًا اقتصاديًا واستراتيجيًا هائلًا، ضد الاتحاد السوفيتي في المنطقة. وبالطريقة ذاتها أطيح الزعيم الليبي العقيد القذافي الموالي لروسيا، في حرب أهلية قادتها الولايات المتحدة، حيث قُتل تحت التعذيب، وجيء بدلًا منه -كما هي الحال في العراق- بإدارة ثلاثية تحت إشراف الولايات المتحدة. وكانت خصخصة موارد النفط والغاز الطبيعي الغنية في ليبيا، التي كانت تديرها الدولة، وإهداؤها للشركات الغربية، نصرًا آخر للولايات المتحدة ضد روسيا في الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط.

في غضون السنوات الثماني الماضية، حدث تطوران آخران كان لهما عواقب أكثر أهمية، من جميع هذه الأحداث التي ذكرناها آنفًا، على منطقة الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط. هذان الحدثان الأخيران جعلا منطقة الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط ​​أهمّ وأخطر منطقة في العالم، وربما المشكلة الأكبر في العالم بعد النوع الجديد من فيروس كورونا كوفيد- 19. ووفقًا للخبراء الاستراتيجيين وخبراء العلاقات الدولية وضباط الاستخبارات والأركان العسكرية، فإن “الحرب العالمية الثالثة”، إذا اندلعت، لن تقوم هذه المرة في قارة أوروبا، بل في منطقة الشرق الأوسط، ولن تكون من أجل السيطرة على مصادر الفحم والحديد، وإنما من أجل السيطرة على النفط والغاز الطبيعي. وهذان التطوران الدوليان المهمان مرتبطان بوجود تركيا وبقائها بشكل مباشر. وعليه؛ إن لم تضع تركيا استراتيجياتها الاستباقية اللازمة موضع التنفيذ، فمن الممكن أن تتعرض سيادتها، ووحدة وسلامة ترابها وأراضيها، وتطورها وتنميتها الاقتصادية، والمكاسب التي حققتها من معاهدة لوزان، للخطر.

أولى هذه التطورات هي، الحرب الأهلية التي اندلعت قبل تسع سنوات، في جارتنا وإحدى ولايات الدولة العثمانية السابقة: سورية، التي نملك أطول حدودنا البرية معها. وأما الثانية فهي، مسألة الامتلاك والسيطرة على حقول النفط والغاز الطبيعي المكتشفة قبل ست سنوات في السواحل الشرقية لجزيرة قبرص، وكذلك الحقول الغنية جدًا والمكتشفة في قاع البحر في الغرب من الجزيرة، التي من المحتمل أن تغطي احتياجات أوروبا من النفط لثلاثين سنة قادمة، حيث إن شركات الطاقة الأوروبية والإسرائيلية باتت مستعدة للتنقيب والتشغيل فيها. لذلك، إذا لم نتبع سياسة استخدام قوة عسكرية فعالة ومدمرة للعدو، مصحوبة بدبلوماسية نشطة واستراتيجية حرب نفسية ناجحة؛ فإن ذلك سيؤثر بشكل مباشر على مصالحنا ومنافعنا الوطنية والقومية، وعلى استقلالنا الاقتصادي.

وبالنظر إلى التطورات في سورية؛ يلاحظ أن بشار الأسد الذي ورث السلطة (كما هو الحال في البلدان التي تحكمها السلالات الملكية) من والده الدكتاتور، هو من أصول عربية علوية (نصيرية). وعلى الرغم من أن العلويين يشكلون 12% فقط من عدد السكان، فإنهم استولوا على الجيش في سورية منذ الستينيات. وتمكنوا مع الانقلاب العسكري الذي قاموا به منذ عام 1970 من الاستيلاء على مقام الرئاسة، وعلى الأغلبية البرلمانية والحكومية، عبر انتخابات زائفة وبيروقراطية، ومن السيطرة على الأغلبية السنية التي تشكل 75% من السكان، وقمعها لأكثر من خمسين عامًا. فكان هناك العديد من القوى التي ساهمت في بقاء هذا الهيكل السياسي المريض والظالم على قيد الحياة، ما تسبب في نشوب حرب أهلية في سورية. هذه الحرب فرضت على تركيا كفالة نحو خمسة ملايين مهاجر غير قانوني، وتخصيص عشرات المليارات من الدولارات لهم، والتعامل مع العديد من المشكلات الداخلية، كالأمن والنظام العام والأمراض والأوبئة والصراعات الثقافية والسرقات والاعتداءات، ودخولها في صراعات مع روسيا وصلت إلى شفير المواجهة العسكرية، كإسقاط الطائرات الحربية والنزاع المسلح على الأرض الذي أدى إلى وقوع خسائر عسكرية في كلا الجانبين، وتسببت في مشكلات دولية كادت تؤدي إلى جر تركيا إلى حرب مع روسيا وإيران. إن سورية التي كانت قبل مئة عام إحدى إيالاتنا العادية باتت اليوم أهمّ حلفاء روسيا الاتحادية التي تُعد استمرارًا للقوة العظمى السابقة لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية في الشرق الأوسط، كما أوضحنا بالتفصيل أعلاه.

فأكبر قاعدة بحرية لروسيا موجودة في ميناء طرطوس في سورية؛ حيث تمكنت روسيا بفضل هذه القاعدة البحرية من السيطرة على منطقة الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط بأكمله، ​​وأصبح لها كلمة في ما يخص موارد الطاقة كالنفط والغاز الطبيعي فيها. وينبغي لنا ألا ننسى أن 90% من اقتصاد روسيا الاتحادية، القوة النووية العظمى والبلد الذي يمتلك أكبر بقعة جغرافية في العالم، يعتمد على صادرات النفط والغاز الطبيعي. ولأن الانخفاض في أسعار هذين المصدرين من الطاقة يضع الاقتصاد الروسي في حالة انهيار من وقت لآخر، فإن من المستبعد خروج روسيا وتخليها عن سورية وعن الشرق الأوسط. وبصرف النظر عن ميناء طرطوس البحري، أنشأت روسيا قبل ثلاث سنوات قاعدة جوية في سورية، من أجل تقديم المساندة للعبد المأمور بشار الأسد. وإضافة إلى ذلك، بينما كان مجلس الأمن الدولي على وشك تقرير التدخل العسكري في سورية لأن نظام الأسد ارتكب المجازر والمذابح بحق مواطنيه، وتسبب في فرار تسعة ملايين سوري ليعيشوا كلاجئين في دول أخرى في ظروف سيئة، تدخلت روسيا في مجلس الأمن الدولي مستخدمة حق النقض “فيتو”، لتحول دون تنفيذ هذا القرار. وبهذا الشكل؛ تمكنت حكومة الأسد “القانونية” ولكنها “غير الشرعية” من البقاء في السلطة حتى هذا اليوم. وكان الدكتاتور الأسد، بسبب توجهه العلماني ضد الأغلبية السنية الأكثر محافظة، يلقى، إضافة إلى طائفته التي تشكل 12%، تأييد الطوائف والمجموعات العرقية السورية الأخرى كالعرب المسيحيين الأرثوذوكس، والعرب المسيحيين الكاثوليك (المارون)، والسريان الكاثوليك والارثوذوكس (قديم)، والجماعات الأرمنية (أرمن كيليكيا)، الذين يشكل مجموعهم نحو 13% من عدد السكان. أما خارجيًا، فكان يحظى بتأييد العرب العلويين (النصيريين) وهم فرع من شيعة سورية في الشرق الأوسط، وشيعة لبنان وحركة (أمل) التي يمسك زعيمها بزمام مجلس النواب في لبنان دستوريًا، والدروز، وشيعة العراق الذين يمسكون بكربلاء (المكان المقدس للشيعة) في أيديهم، ويشكلون 65% من عدد سكان العراق، وكذلك شيعة البحرين واليمن، إضافة إلى إيران التي تريد إقامة الهلال الشيعي، وذلك بدعم روسيا للأسباب الموضحة أعلاه. وتحافظ روسيا وإيران على نظام الأسد الدكتاتوري النصيري في السلطة، من خلال توفير الدعم العسكري والسلاح والمساعدات الاقتصادية والتدريب العسكري والاستخبارات والدعم اللوجستي والسياسي له، وتواصلان إزعاج إسرائيل والولايات المتحدة أو حتى تهديدهما في الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط، وانضمت الصين أيضًا في السنوات الأخيرة إلى التحالف الإيراني الروسي بشأن سورية، وبدأت بتقديم الدعم السياسي والاقتصادي لنظام الأسد غير الشرعي، حتى إنها صوتت سلبًا على قرار مجلس الأمن الدولي مستخدمة حق الفيتو مع روسيا.

وفي ليبيا أيضًا، وهي إحدى دول الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط، حدثت تطورات تهدد المصالح الأميركية في الآونة الأخيرة؛ إذ سبّب اتفاق اللواء الانقلابي حفتر (المدعوم من قبل الولايات المتحدة سابقًا) مع روسيا، من أجل الحصول على الدعم من شركة المرتزقة العسكريين الروس (فاغنر)، وعلى ثماني طائرات مقاتلة حديثة، وانكماش حكومة الوفاق الوطني الشرعية بقيادة السراج التي تعترف بها الأمم المتحدة (لم تكن الولايات المتحدة الأميركية تساندها علنيًا في البداية، ولكنها غيّرت سياستها بعد الدعم التركي والإيطالي) في طرابلس، واستيلاء الشركة العسكرية الروسية الخاصة على الميناء الذي تشحن عبره معظم صادرات النفط الليبية إلى أوروبا بواسطة الناقلات، سبب إزعاجًا كبيرًا للولايات المتحدة التي شعرت بوجود تهديد جدي لمصالحها، دفعها إلى تطوير استراتيجيات مضادة لكسر النفوذ الروسي في شرق البحر الأبيض المتوسط.

إن تطورات شرق البحر المتوسط هذه دفعت ​​الولايات المتحدة إلى تطبيق استراتيجيات عسكرية جديدة، من أجل تحويل “ميزان القوى” الذي انقلب ضدها لجهة روسيا؛ إذ إن الاستراتيجية الأكثر فاعلية في السياسة ​​الجديدة للولايات المتحدة الأميركية في شرق المتوسط هي القضاء على النفوذ الروسي في قبرص التي تعد حاملة طائرات ثابتة في شرق البحر الأبيض المتوسط، وكان الرئيس مكاريوس (مؤسس قبرص) متعاطفًا مع روسيا، وزعيمًا لكتلة عدم الانحياز ورئيسًا للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية وبطريركها، وكان حزب أكيل الشيوعي، منذ أن نالت قبرص استقلالها عن بريطانيا عام 1960، أقوى الأحزاب القبرصية لمدة 60 عامًا، وكان يخرج فائزًا من كل انتخابات يخوضها. وأخيرًا، كان يتم تبييض 30 مليار دولار من أموال الأوليغارشية الروسية في الإدارة اليونانية لجنوب قبرص. لذلك رُسمت استراتيجية جديدة من أجل إخراج جنوب قبرص من المحور الروسي، ووضعه في مسار الولايات المتحدة الأميركية. وفي هذا السياق، أقدمت الولايات المتحدة، في بداية تموز/ يوليو عام 2020، على رفع حظر بيع السلاح المفروض على الإدارة اليونانية لجنوب قبرص منذ سنوات طويلة، وأخضعت جيش الحرس الوطني اليوناني في برنامج التدريب العسكري للجيش الأميركي. وعلى الرغم من أن سياسة الولايات المتحدة هذه كانت خطوة موجهة ضد روسيا لا ضدنا، فإنها عُدّت في السياسة الداخلية التركية موقفًا عدائيًا تجاه تركيا؛ ذلك بأن الغاية الرئيسية للولايات المتحدة هنا هي إخراج الإدارة اليونانية لجنوب قبرص، الذي يعد جزءًا من التحالف الروسي اليوناني الصربي اليوناني الأرثوذكسي، من تأثير روسيا، لمنعها من أن تصبح قوة عظمى مرة ثانية، من خلال السيطرة على مدينة ليماسول، أكبر المدن الساحلية في قبرص (الواقعة تحت السيطرة الاقتصادية اليونانية) التي تمتاز بأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية الكبيرة في شرق المتوسط، وإخراجها من سيطرة الروس، ومن خلال التحكم أيضًا في احتياطيات النفط والغاز المستخرج من قبل الشركة الأميركية يهودية الأصل (نوبل) للطاقة في شرق قبرص، وكذلك التي سيتم استخراجها مستقبلًا في غرب قبرص، وتحديد أسعار وكميات انتاج النفط والغاز الطبيعي، الذي يعد السلاح الوحيد لروسيا.

ولكن يبدو، مع العلاقات غير الطيبة أصلًا مع الاتحاد الأوروبي، أن الإستراتيجية الأميركية هذه ستُلحق بتركيا ضررًا أكثر مما تلحقه بروسيا. إذ قال الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي بوريل، في أثناء زيارة له قام بها إلى أنقرة في الأسبوع الثاني من تموز/ يوليو 2020: “إن تركيا أصبحت أهم مشكلة يواجهها الاتحاد الأوروبي”. وفي اجتماع لمجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، عقد في الـ 10 من تموز/ يوليو 2020، توصل الاتحاد الأوروبي -بضغط من فرنسا وإصرار منها- إلى قرار بشأن تقييم الخيارات المتعلقة بفرض عقوبات على تركيا، بسبب مخاوفه الكبيرة من نشاطات تركيا في شرق المتوسط. ومن المعلوم أن لفرنسا أطماعًا سياسية تتمثل في إبعاد​ تركيا عن كونها دولة متوسطية، وحصرها ضمن حدود معاهدة سيفر الموقعة في آب/ أغسطس عام 1920، في ضاحية سيفر القريبة من العاصمة الفرنسية باريس. ففرنسا التي عملت على تقديم الدعم العسكري والسياسي لحزب العمال الكردستاني PKK بشكل سافر ثلاثين عامًا، وتعمل على تحريض اليونان وجنوب قبرص ودعمهما سياسيًا وعسكريًا ضد تركيا باستمرار، وعلى دعم نظام بشار الأسد غير الشرعي في مواجهة تركيا، وعلى نقل خطاب الإبادة الجماعية الأرمنية المزعومة إلى المحافل الدولية، وعلى تشجيع وتحريض منظمة أصالة الإرهابية ودعمها، لوجستيًا واستخباراتيًا، لاغتيال دبلوماسيينا في فرنسا، وتحريض أرمينيا مع روسيا في منتصف تموز/ يوليو 2020 لشن هجوم عسكري على أذربيجان، أدى إلى استشهاد عدد غير قليل من الجنرالات والضباط والجنود والمدنيين الآذريين، ما انفكت تمارس الضغوط على الاتحاد الأوروبي و(الناتو) التي هي من الأعضاء المؤسسين فيهما، من أجل اتخاذ قرارات ضد تركيا. وقد تمكنت تركيا العضو في الناتو من الحد من المناورات الفرنسية داخل الحلف بنجاح، ولكن بسبب عدم عضويتها في الاتحاد الأوروبي، فإن جبهة الشر التي شكلتها فرنسا واليونان والإدارة اليونانية لجنوب قبرص داخل الاتحاد الأوروبي، انطلاقًا من المشاعر العدائية ضد تركيا، تستصدر قرارات في الاتحاد تتناقض مع مصالحنا القومية والوطنية على الدوام.

فإلى جانب القرارات التي يتخذها الاتحاد الأوروبي ضد تركيا، بناءً على المواقف العدائية لكل من فرنسا والإدارة اليونانية لجنوب قبرص واليونان، نجد أن استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة في شرق البحر الأبيض المتوسط تستهدف روسيا، لكنها تستهدف تركيا أيضًا وإن كان ذلك بطريقة غير مباشرة، ومن هنا؛ يجب على تركيا ​​تطوير استراتيجيات مضادة، وإلا؛ فإنها ستبقى بسبب هذه الاستراتيجية الأميركية خارج المعادلة، وستُقصى من البحر المتوسط ​​وبحر إيجة، ومن الغاز الطبيعي، وتُستبعد تمامًا من مصادر النفط، وستتعرض سيادة جمهورية شمال قبرص التركية للخطر. الأمر الذي يهدد مستقبلًا أمن كامل منطقة الأناضول، وحينئذ؛ تبقى تركيا وجهًا لوجه مع صراع وجود ضد القوى الأجنبية، التي بدأت تفرك يديها لفرض معاهدة سيفر، وستشرق الشمس على خونة الداخل المتعاونين مع هذه القوى.

ولذلك؛ علينا إجراء تغييرات حاسمة وجذرية في السياسة الخارجية التركية، من أجل إنهاء ومنع هذا الوضع الخطير الذي يتجه نحو التدهور باستمرار. ويجب على حكومتنا إجراء هذه التغييرات الجذرية والنموذجية في سياستها الخارجية، من أجل وجودنا وبقائنا، وسلامة ووحدة تراب وطننا، ومن أجل سيادتنا واستقلالنا الاقتصادي والسياسي، مهما كان الثمن.

التغييرات المثالية الواجب إجراؤها في السياسة الخارجية التركية:

  1. عقد اتفاقيات تعاون عسكري واقتصادي، مع كلّ من إسرائيل ومصر، كما كان الوضع عليه في السابق، حيث تعطلت علاقاتنا الدبلوماسية على مدى السنوات السبع والثماني الماضية، وتطبيع العلاقات معهما على المستويات كافة. وكما هو معروف، فإن مصر تعد واحدة من أقدم الحضارات في العالم بتاريخها المتجذر الذي يعود إلى 6000 عام. لذلك فإن التقارب التاريخي والثقافي مهم جدًا بين تركيا ومصر، بسبب امتلاكها مفاتيح بوابة البحر الأحمر والمحيط الهندي، من خلال قناة السويس التي تتمتع بموقع جيو- استراتيجي ممتاز في شرق البحر المتوسط، ولكونها البلد الأكثر سكانًا في العالم العربي والشرق الأوسط وشرق المتوسط، ولكونها تمتلك عسكريًا أقوى الجيوش المجهزة في الشرق الأوسط عدة وعتادًا وتعدادًا، فضلًا على أنها حُكمت تاريخيًا -إضافة إلى الفاطميين- من قبل إدارات تركية كالمماليك والعثمانيين. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد كانت الجمهورية التركية هي الدولة الإسلامية الأولى والوحيدة التي تعترف في عام 1948 بوجود إسرائيل، كدولة مستقلة للشعب اليهودي. أقامت إسرائيل في السنوات الماضية علاقات دبلوماسية وسياسية طيبة مع تركيا، إضافة إلى التعاون العسكري المشترك في مجال إنتاج الطائرات الحربية والدبابات وإصلاحها، وتوريد قطع الغيار والسلاح والمعدات العسكرية. كما قدمت إسرائيل، إضافة إلى ذلك، معلومات استخباراتية ولوجستية مهمة جدًا لتركيا، في أثناء عملية اعتقال زعيم تنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي وقاتل الأطفال والرضّع عبد الله أوجلان (آبو)، في أفريقيا وتسليمه إلى تركيا. ولكن يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن اليهود يحتفظون برأس المال العالمي الذي يستطيعون به تنمية وتطوير أي دولة أو أي شركة يريدونها، ويملكون من القوة الاقتصادية والمالية ما يستطيعون به تدمير البلدان والحكومات والمنظمات غير الحكومية والشركات التي لا يرغبون فيها ومحوها في جميع أنحاء العالم. ولديهم القدرة على التأثير المباشر، وتوجيه الحكومات والبرلمانات والرأي العام وشركات الإعلام والمؤسسات المالية، كالتأمين والمصارف، في العديد من البلدان الأوروبية، وفي مقدمتها إنكلترا وفرنسا. ولا يوجد أحد تقريبًا لا يعرف أن الدولة العميقة في الولايات المتحدة هي تحت سيطرة اليهود، الذين يملكون كبرى شركات النفط والإعلام والشركات المصرفية في العالم. هذا إضافة إلى أن عائلتي روكفلر وروتشيلد، اللتين كتب منظرو المؤامرة حولهما مئات الكتب بدعوى إدارتهما للعالم، هم من أصول يهودية أيضًا. وأخيرًا، إن الشركة التي تقوم بتشغيل حقول النفط الغنية في شرق المتوسط الذي يحمل أهمية حيوية كبرى بالنسبة إلى تركيا، ومن المتوقع أن تغطي احتياجات أميركا من النفط لـ 30 عامًا مقبلة، هي شركة (نوبل) للطاقة اليهودية أيضًا. لذلك؛ إذا استطاعت تركيا توقيع معاهدات تتعلق بترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة مع مصر وإسرائيل في شرق المتوسط، على غرار المعاهدة التي وقعتها مع ليبيا؛ فإنها تكون قد أفسدت على فرنسا واليونان وجنوب قبرص خططها وسياساتها، في ما يخص إبعادنا عن شرق المتوسط وإخراجنا من قبرص، ومنعنا من الحصول على حقوقنا من النفط والغاز الطبيعي، الذي سيغدو الاقتصاد التركي -بفضل استخدام وبيع عائداته- من أقوى وأغنى الاقتصادات في منطقة البلقان والقوقاز، وآسيا الوسطى والشرق الأوسط.
  2. إنشاء اتحاد كونفدرالي بين جمهورية تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية. وإقامة نموذج للتعاون بينهما، تمامًا كما فعلت الولايات المتحدة عام 1776، عندما دعت 13 مستعمرة بريطانية سابقة للتعاون فيما بينها في المسائل الخارجية والأمنية وجمع قواها لتشكيل كيان كونفدرالي، مع احتفاظ كل منها باستقلالها الداخلي. حيث هزمت بفضل ذلك بريطانيا وطردتها من القارة الأميركية إلى الأبد. فالدول الداخلة في الاتحاد الكونفدرالي لا تفقد “سيادتها” التي تعدّ أهم عنصر من عناصر قيام الدول. فهي مستقلة في قضايا الاقتصاد، والمالية، والنظام العام، والمواطنة، والملكية، والتجارة، والحقوق المدنية وما شابهها. ولكنها تتحد في تنفيذ السياسة الخارجية وسياسة الدفاع المشترك ضد التهديدات الخارجية. وبإقامة نموذج تعاون كهذا، بين تركيا وبين جمهورية شمال قبرص التركية (غير المعترف بها من قبل المجتمع الدولي، بالرغم من تمتعها بالسيادة الكاملة)، ستصبح كل الحقوق البحرية لجمهورية شمال قبرص التركية كالرصيف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة والمياه الإقليمية في شرق المتوسط، حقوقًا بحرية لتركيا أيضًا. وسيصبح شرق البحر المتوسط بحيرة تركية. ولأن خط معلومات الطيران سيخضع للسيطرة التركية، فإن ذلك سيضمن أمن جمهورية شمال قبرص التركية وأمن مقاطعاتنا، كمرسين وأنطاليا وموغلا من جهة، وسيسهم بشكل كبير في اقتصادنا من جهة ثانية.
  3. إذا حدث هذا التغيير، على المحورين المهمين المذكورين أعلاه، فسوف يتم تسجيل حقوق تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​على الصعيد الدولي، وستخرج عن كونها موضوع جدل ونقاش، وستسقط كل الخطط الغادرة من أعدائنا الداخليين والخارجيين الذين يرغبون في فرض معاهدة سيفر على تركيا، في الماء. وستكون تركيا أحد أكبر شركاء حقول الهيدروكربون الغنية في شرق البحر الأبيض المتوسط.
اسم المادة الأصليABD’nin yeni Akdeniz politikası ve Türkiye’nin seçenekleri
الكاتبد. أوغور أوزغوكر- Uğur Özgöker
المصدر وتاريخ النشرمركز الدراسات الاستراتيجية التركية الآسيوية – tasam  20 تموز 2020
رابط المادةhttps://bit.ly/3a1aRDo
المترجمقسم الترجمة- علي كمخ
عدد الكلمات3808- 4379