منذ تشكل الدول بمعناها الحداثي المؤسسي عقب الثورة الصناعية، وما رافقها من مفاهيم فكرية قطعية بين السائد واستشراف المستقبل، أدّت إلى انتقال الإنسان من حالة الدولة المجتمع إلى حالة المجتمع الدولة، صار البحث عن جذور التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكيفية علاجها وضبطها وصياغة معاييرها، أساسًا لإحداث التحولات الحقيقة والتغيير الجذري في بنية المجتمع التحتية والدولة معًا، بما يتماشى مع طموحات النظام الاجتماعي وتنميته المتوازنة (السياسات الاجتماعية) لضمان الاستقرار والعدالة الاجتماعية.

مفهوم السياسات الاجتماعية

شهد مفهوم السياسات الاجتماعية، كغيره من المفاهيم، تطورًا ملحوظًا في توسيع نطاقه من أداة لتنظيم المؤسسات الاقتصادية “مؤسسات السوق” والهياكل الاجتماعية، مثل قانون الفقراء (1601 و 1834 ) في المملكة المتحدة، أو القوانين المتعلقة بتقديم الخدمات والرفاهية في فرنسا، كأسس لـ “دولة الرفاه” التي أخذت طابعها المؤسسي في أعقاب الحرب العالمية الثانية في البلدان الصناعية، إلى مفهوم التنمية العامة للمجتمع؛ لينتقل من القوانين المعتمدة على النموّ الاقتصادي أولًا، ومن إطاره التقليدي (اسـتخدام القـوة السياسـية لرسـم وتنفيـذ عمليـات فـي النظـام الاقتصادي، لتحقيق نتائج لا يمكن أن يفي بها النظام الاقتصادي من تلقاء نفسه) الذي صاغه توماس همفري مارشال ([1])، إلى تحديد الحاجات الاجتماعية، ومقاومة النتائج السلبية للأداء الحرّ لقوى السوق والوقاية منها وعلاجها. وكذلك اتخاذ القرارات التي تتعلق بغايات وأهداف المجتمع، التي تربط مفهوم “السياسة” وتوزيع القوة “الثروة” والنفوذ، بمفهوم المجتمع وتضامنه لتحقيق المصالح والاحتياجات وضمان الاستقرار، من خلال اعتماد التخطيط لخلق “التوازن” ضمن مجتمع ما أو نظام معين، وإنشاء هياكل مؤسسية فاعلة (منظمات مدنية) تحقق مفهوم (المشاركة) في تخطيط وتنفيذ السياسة الاجتماعية.

وقد شكّل مفهوم السياسات الاجتماعية إطارًا أيديولوجيًا مؤسسًا للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، وفي سبيل تهيئة الظروف الضرورية لتمكين كلّ إنسان من التمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبحقوقه المدنية والسياسية، تم تبنيها في العهد الدولي الخاص، بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 كانون الأول/ ديسمبر 1966.

وتُعرّف السياسة الاجتماعية بأنها عموم الخدمات التي تقدّمها الدولة للمجتمع، وتمتد من التعليم والصحة والعمل كأساس في بناء الدول الحديثة، إلى التوزيع وإعادة التوزيع، والحماية الاجتماعية “الضمان الاجتماعي، المساعدة الاجتماعية”، وصولًا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والأمن الاجتماعي، وتقوم بجانبها العام حول جلب الشعب إلى مراكز صنع السياسات العامة، عن طريق توجيه حاجاتهم وأصواتهم عبر قطاعات تولّد الاستقرار والتماسك الاجتماعي، وليس عن طريق تقديم الرفاهية فقط ([2]). فالسياسات الاجتماعية تمثّل مفهومًا واسعًا من القضايا المتقاطعة بين البُنى الاجتماعية والسياسات الاقتصادية وهيكلية جهاز الدولة.

أدى تطور مفهوم السياسات الاجتماعية وانقلاب مضمونه إلى تأصيله على مفهوم “حقوقي”، بدلًا من المفهوم “الرعائي”، إلى عدم اقتصاره على الدول المتقدمة فقط، فمسألة إعادة النظر بالسياسات الاجتماعية أو السعي لتطبيقها لقيت استجابة بمستويات مختلفة، لدى العديد من الدول النامية”كبلدان شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية” التي سعت لتطبيق السياسات الاجتماعية وتطوير الاستثمارات الاجتماعية “رأس المال الاجتماعي”، كأداة لبناء الدولة، أو لتحقيق التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي وبناء الأمن الاجتماعي الشامل، إلا أنه في الدول العربية لم تتخذ الأبعاد العملية نفسها، في النظر إليه ومحاولة تغيير ما هو سائد لتحقيق التقدّم.

أهمية السياسات الاجتماعية

منذ بداية القرن العشرين، وضعت الحاجة المُلحّة للحدّ من الفقر والاستبعاد، وتجنّب الانفجارات الاجتماعية وتفكك الروابط الاجتماعية، موضوعَ السياسة الاجتماعية كجزء من الوظيفة الأولية للدولة في الحكومات الحديثة المتأسسة على عقد اجتماعي بين المواطنين والدولة، واتفاقهم على الحقوق والواجبات لتعزيز المصالح المشتركة واتباع السياسات العامة التي تفيد الجميع، حيث يتم الاعتماد على السياسات الاجتماعية، للحدّ من احتمال تحيّز السياسات العامة أو تقصيرها بالمسؤولية تجاه المواطنين، ففي مجتمع منظّم ومتضامن، لا تقتصر عملية وضع السياسات الاجتماعية وتنفيذها على الحكومات، بل تكون بالتعاون مع جميع الجهات، للحدّ من المخاطر والوصول إلى توافق حول الصالح العام، كونه الوجه المكمّل لفكرة الدولة كشخصية معنوية عامة ومجردة وعقلانية، وهذا لا يستقيم إلا إذا حدّده إجماع المواطنين أو ممثليهم.

وتتحدد أهميّة السياسات الاجتماعية في الدول الحديثة ببناء ميثاق اجتماعي، يكمّل الديمقراطية السياسية مع الديمقراطية الاجتماعية، ويتم ترسيخه في المساحة التي يتقاطع فيها المجتمع المدني مع الدولة، لتجنب الوقوع بالأخطاء في رسم السياسات العامة في الدولة “الدساتير والقوانين التشريعية والأحكام القضائية”؛ فالدستور -بوصفه عقدًا بين الحاكم والمحكوم- يبيّن دور الحكومة وتطلعات المواطنين لتحقيق الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي بين أطياف المجتمع -التقارب الإنساني- الذي يقوم بدوره على مواجهة المشكلات الاجتماعية وردم الفجوة الاجتماعية، عبر الاهتمام بالفئات المهمّشة والضعيفة، وصولًا إلى صياغة البرامج والمشروعات الاجتماعية، وتحديد آليات العمل الاجتماعي واتجاهاته، والتخطيط الاقتصادي وتكافؤ الفرص، لتحقيق التوازن والعدالة السياسية والاجتماعية، والعدالة في توزيع الحقوق والأعباء والتضحيات بين المواطنين كافة.

هذه النقاط المتقاطعة معًا في بُنى الدول الحديثة حدّدت وظيفة السياسات الاجتماعية، وهي باختصار ([3]):

أولًا: التنمية السياسية: تشمل القضايا السياسية والدستورية؛ قضايا العدالة وسيادة القانون؛ قضايا الإرادة العامة، والمجتمع المدني. ففي الدول الحديثة، يقلّ التمايز بين الاجتماعي والسياسي، وتعتبر السياسة وظيفة للمجتمع ([4]).

ثانيًا: التنمية الاقتصادية: حقّ العمل والتحسّن المعيشي؛ الحدّ من الفقر والبطالة وعدم المساواة؛ التعليم والمعرفة والمهارات.

ثالثًا: التنمية الاجتماعية: الصحة والرعاية الصحية؛ الرعاية الاجتماعية: “تنظيم الخدمات الإنسانية على مستوى الجمعيات؛ تقديم الخدمات الفئوية: الإعالات العمرية”؛ التكامل المجتمعي: الطبيعة التعددية؛ تحقيق الانسجام والتعاون والمساواة في الاستفادة من موارد المجتمع، والاعتراف بالحقوق الخاصة بكل فرد في إطار سيادة القانون”؛ مركز المرأة وردم الفجوة بين الجنسين؛ مشكلة التهميش.

رابعًا: مشاكل البيئة: تتضمن دراسة المخاطر البيئية؛ استنفاد الموارد الطبيعية؛ الإضرار بالتربة والمياه؛ الأوضاع المناخية، وغيرها من العوامل ذات الأثر البعيد.

وقد كان أحد أهمّ الإنجازات التي رافقت مفهوم السياسات بعمومها، قائمًا على ما يُسمى تحليل السياسات، وتطوير العديد من الآليات “الأنشطة الفكرية”، فهي عملية تساؤل تنتمي إلى تخصصات متعددة، وتهدف إلى تكوين معلومات ذات صلة بالسياسات وتقييمها نقديًا ونقل محتواها، ويُصنّف تحليل السياسات على أنه فرع من فروع المعرفة التي تهدف إلى إيجاد حلول للمشكلات أو التخفيف من وطأتها، وتتضمن العوامل الاقتصادية والثقافية والتنظيمية ([5])، ويغطي اتجاه القضايا الإنسانية نحو التراكم، على مستوى الفرد والأسرة وتتبع المشكلات مثلًا: الفقر، الأمية، قِلّة الاستفادة من التعليم ورداءة نوعيته، سوء الأحوال الصحية والنظافة، عدم المساواة بين الجنسين، والحكم غير الديمقراطي، والمشكلات الاجتماعية والقدرات المؤسسية وديناميكيتها “نظم القيم والمعايير والمنظمات التي تقوم بوظائف المجتمع والوفاء بالاحتياجات الإنسانية”.

ويُعدّ تحليل السياسات جزءًا رئيسيًا من عملية صنع السياسات وكيفية عملها، والتخطيط لسنّ القوانين من أجل التصدي لكل مشكلة من المشكلات والظروف التي تقف وراء العناصر السلبية وعراقيل التغيير والوسائل الفعّالة للتدخل في هذه الأعراض. وتتضمن سلسلة من الأنشطة المعتمدة على بعضها البعض والمرتبة زمنيًا: وضع جدول الأعمال وصياغة السياسات، وتبنيها وتنفيذها وتقييمها وتكييفها وتوارثها، وإنهائها، ويُنتج المحللون تبعًا للظروف معلومات ذات صلة بمرحلة واحدة أو أكثر من مراحل صنع السياسات ([6]).

الدول العربية خلل السياسات

منذ تشكل الدول العربية، إبّان الحكم الاستعماري الغربي واستقلالها عنه، عملت معظم الأنظمة السياسية العربية المعاصرة للمزاوجة بين الجذور التاريخية والتطوّر الطبيعي لإرث الدولة السلطانية المُستبدّة القائمة على القهر والطاعة واستبداد الحاكم، واقتباس معايير الدولة الحديثة في الغرب، وأثّر ذلك في طبيعة بنيتها القانونية والدستورية والمؤسساتية، وبناء الدولة عامة ([7])؛ حيث تنص الدساتير العربية ،عدا الدستور اللبناني 1926، على أن الدين “الإسلامي” هو دين الدولة أو أحد أهم المصادر التشريعية فيها، وهذا يشمل الدول التي وُصفت بـ “العلمانية”، أو الحياد تجاه الأديان، لتعطي للمكون “الديني” استمراره وفاعليته السياسية والتعبوية، خاصة حينما يتعلق الأمر بمجتمعات تجتاز صعوبات تتعلق بهويتها أو انسجامها الداخلي ([8]).، وتعتمد في عملية صنع السياسات “عمومًا” على “ثقافة الأغلبية” التي شكّلت مجالًا خصبًا للمواقف والمشاعر التي تحكم السلوك السياسي، وحددت البُنى السياسية والعلاقات التي تسودها، ليظهر أثرها الكبير في:

أولًا: شرعنة الاتجاهات السائدة التقليدية نحو شؤون الدولة والسياسة والحكم “النظام السياسي”، وتصنيفاته، ومصدر شرعية هذه السلطة، التي ميّزها ماكس فيبر، بثلاثة أنواع فرعية (النمط الأبوي البطريركي، نمط علاقة الرئيس – الأتباع، النمط الاقطاعي التقليدي) ([9])، تعطي القائد أو الحاكم سلطة مطلقة مُستبدّة، ويدين له أعضاء المجتمع بالخضوع والولاء.

ثانيًا: اختلال العلاقة بين المجتمع والدولة، حيث إن غالبية الدول تعتمد على قوانين دينية للتنظيم الاجتماعي الأسري، وعلى البنى الدينية “رجال الدين” أو التقليدية “شيوخ العشائر”، في قيادة جماعاتهم الدينية، فاتحة المجال لفكر الجماعة الأولية وتجذيرها كمرجع يضاهي السلطة السياسية، وتغييب المعطيات الأساسية للدول الحديثة، كالمواطنة والمشاركة السياسية والمساواة القانونية بين أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات والتعبير عن الصالح العام، التي تمثل مرتكزات مغايرة لكلّ أنواع التنظيمات المجتمعية التي سبقتها “القبيلة، العشيرة، الطائفة، الإمبراطوريات الدينية”.

ويضاف إلى ذلك أن الدول العربية اتجهت منذ الاستقلال نحو الأخذ بالدور المركزي للمؤسسات السياسية وتأثيراتها المتشعبة في القانون والاقتصاد والأسرة والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وبقيت مسألة السياسة الاجتماعية متعلقة بما تختار الحكومة تطبيقه، وفي سعيها نحو التصنيع والنمو الاقتصادي، وسّعت نطاق الملكية العامة للمشاريع والمؤسسات وتأميم الموجود منها في عدد من الدول ([10]).

ومع غياب الحوامل للمجتمع المدني أو منظّماته، بقي خطّ المقومات التنموية التي تتشكّل على أساسها الدولة القوية والمتماسكة -اقتصاديًا واجتماعيًا- محكومًا ببُنى المجتمع، والسلطة السياسية ومصالحها، والأيديولوجيات المختلفة (قومية ودينية واشتراكية) المُتبناة من قبلها، باعتبار أن نهج التعامل مع “السياسة الاجتماعية” و”التنمية” الاجتماعية” داخل دوائر الأمم المتحدة بداية، هو مسؤولية وطنية، وأن كل بلدٍ يتخذ مساره الخاص في التنمية والتقدم، مع بعض الأهداف العامة التي تلتزم بها الحكومات الوطنية، كالقضاء على الفقر وتحقيق العمالة الكاملة، وتعزيز الاندماج الاجتماعي في مجتمعات مستقرة وآمنة وعادلة تحترم حقوق الإنسان ([11]). وإن مسألة السياسات العامة وتحديد الطابع الاجتماعي للمشكلات أو القضايا المتعلقة فيه، كما حدّدها جاك بودو (Jacques Baudot)، تعتمد على انتشار الآثار لا على حصرها، وضمن هذا المنحى، فإنّ مجالات المشاكل وأهداف التنمية والسياسات تصبح اجتماعية، عندما تؤثر في أعداد كبيرة من الناس، فالسياسات العامة لا تخطط على احتياجات فردية ([12]).

وعلى الرغم من أن بعض الدول العربية لديها احتياطات تصديرية كبيرة من النفط والغاز وغيره، لم تقدم أي نموذج اقتصادي متماسك، للوصول إلى الأهداف المطلوبة وتجنّب الأخطاء في استراتيجية التنمية، وفي النظم السياسية لتحقيق مفهوم العدالة الشامل، الذي لا يقتصر على عدالة الأجور فقط إنما يشمل مؤشرات العدالة الاجتماعية الأخرى المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية لكل الموطنين. بل على العكس، تعمّدت تلك الدول اتباع سياسات تحُدّ من التنمية المجتمعية أو مناقشة القضايا الحيوية التي تخص المجتمع، مثل: رسم الخطط ووضع البرامج والمشروعات الاجتماعية، توضيح مجالات العمل الاجتماعي واتجاهاته، رفع الممارسات الاجتماعية لتصبح تعبيرًا عن إرادة مشتركة تشمل كل فئات المجتمع ومجالاته بلا تمييز. فمعظم الأنظمة كانت متسلّطة وفاسدة، وانفردت بالساحة السياسية انفرادًا تامًا، وعملت لإخضاع المؤسسات الاجتماعية الوسيطة التي تلعب دور التمثيل الشعبي، عبر احتوائها أو تهميشها من أجل خدمة مصالح الدولة/ السلطة، لتمنع قيام المجتمع المدني أو احتمالات التأسيس لدول مدنية حداثية. ما جعل مشروع دول ما بعد الاستقلال مخيبًا للآمال في معظم هذه الدول، على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

الأمر الذي ازداد تراكمًا مع المدّ العولمي؛ حيث صارت غالبية الدول العربية أمام اتباع أحد الخطين: نهج السوق والمنافسة في السوق العالمية، كعامل حاسم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، أو نهج الحقوق الإنسانية والاجتماعية الذي يشكل جزءًا أساسيًا من العقد الاجتماعي، وسيؤدي في نهاية الأمر إلى إزالة السلطات المُتحكّمة في المجتمع، وعلى رأسها الأنظمة الحاكمة، ليؤدي عجزها العام عن اتباع أحد المنهجين إلى مراكمة عجزها عن تأمين الخدمات الاجتماعية بالكمية الكافية والنوعية الجيدة، فضلًا عن تحقيق نتائج في عملية التوزيع، فهذه لا تتوقف فقط على المؤسسات وأدوات السياسة العامة، بقدر ما تتوقف على الموارد المُتاحة. ولا يمكن اختيار المزيج الأمثل من المؤسسات والأدوات بمعزل عن الهدف، سواء أكان تحقيق المساواة في الدخل، أم في النتائج الاجتماعية، أم في الفرص الاجتماعية والاقتصادية ([13]).

السياسات الاجتماعية وأثر الأيديولوجية المجتمعية

أخذ مفهوم “السياسات الاجتماعية” يشقّ طريقه إلى الدول العربية، عقب خيبات التنمية والأزمات الاقتصادية المختلفة، ولكن ترسيخه قام على اعتباره “مجموعة القرارات الصادرة من السلطات المختصة في المجتمع لتحقيق أهدافه الاجتماعية العامة”، كما وضح ذلك أحمد زكي بدوي، في معجم المصطلحات ([14])، من دون أن يشير التعريف إلى كيفية التنفيذ في المجتمع، أو أهمية مشاركة المواطنين في صياغة القرارات وأهدافها. وبالعموم، اتجه الإطار القانوني والإجرائي المتبع عربيًا نحو اعتبار الأجهزة الحكومية المختصة ذات دور رئيس في رسم وتخطيط وتنفيذ السياسة الاجتماعية، التي تُوضع بالاعتماد على “أيديولوجية المجتمع”، لتنتج قصورًا في التخطيط لمسألة السياسة الاجتماعية والتنمية. ففي مجتمعات لم تخض التحولات التي عرفها الغرب، أو تستبدل الجماعات والكيانات المغلقة، للوصول إلى عقد اجتماعي يوحّد فئات المجتمع داخل البلد الواحد، يصبح الحديث عن أيديولوجية المجتمع أو الثقافة المجتمعية السائدة مُنصبًّا على الأفكار والتراث والتقاليد والمعتقدات التي تمثل جملة مواثيق اجتماعية رافضة لأولوية الإنسان ودعم استقلاله وإرادته وحريته، بل تحدد سلوك الأفراد والتنظيمات المجتمعية بما يتنافى مع عملية التنمية وترسيخ ثقافة المجتمع.

ولكي تتوضح آثار أيديولوجية المجتمع أو ثقافته، يمكن تتبع العديد من الظواهر السياسية – الاجتماعية، ومنها:

أولًا: اعتماد النمط التقليدي للسلطة القائم على الثقافة المجتمعية والاعتقاد بقدسية الأعراف والتقاليد والعادات المتوارثة، بمكوناتها الغيبية “المخيال الاجتماعي”، خصوصًا حين يتعلق الأمر بفكرة المؤامرة والوحدة والنظر إلى الرئيس باعتباره زعيمًا سياسيًا وقراراته محطّ إجماع، التي تمنع ترسخ الضوابط القانونية المؤسسية التي تؤطر السياسة الحديثة وآثارها الواسعة في دعم السياسات الشمولية.

ثانيًا: غياب المواطنة والولاء للأمة بدلًا من الدولة، واستمرار فكر “الجماعة” بدلًا من فكر المجتمع المدني، وتحميل المجتمع المدني ومنظماته عبء جمعيات المجتمع الأهلي التي تكرّس “الانغلاق الجمعياتي على فئة معينة، عدم الاعتراف بالمساواة أو بإعادة الاعتبار للفرد ومن ثمة للإنسانية كقيمة أخلاقية، عدم سيادة المستوى الواحد داخل المجتمع المدني”.

ثالثًا: تغيّب التشاركية الاجتماعية الواسعة واستمرار التمييز بين الفئات المجتمعية على أساس طائفي أو عرقي، واللامساواة وإقصاء النساء، فالتقاليد والفكر الديني وقوننته الشرعية أوّل رادع للنساء عن تحقيق مطالبهن، وغياب العدالة في حدود المجتمع.

أما في الجانب الاقتصادي، فقد كان للنموّ السكاني وازدياده الكبير وتعلّقه بالثقافة السائدة حول ضرورة الإنجاب والتكاثر، وآثارها في عدم كفاية أنظمة العمل على تلبية احتياجات المواطنين، أثرٌ واضح في ارتفاع عدد الفقراء وازدياد البطالة، وتدنّي الاستفادة من خدمات التعليم والصحة، والتهميش وانعدام المساواة. ولذلك؛ غاب الهدف الأساسي من عملية التنمية المجتمعية “تغيير المجتمع بواسطة المجتمع ومن أجل المجتمع”. هذه العملية الشاملة والمعقدة تتطلب مشاركة الجميع لتحسين الكفاءة، وتعزيز التكامل بين السياسات في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ([15]).

هذه الظواهر وغيرها من مشكلات وقضايا تعانيها الدول العربية مجتمعة ازدادت تراكمًا وتأزيمًا، مع التطور الاجتماعي والفكري في أزمنة العولمة، وعدم القدرة على مواكبة المتغيرات العالمية، من خلال اعتمادها منهجيات متطورة في تحليل سياسات الدولة من أمور الحكم إلى تسيير أمور الشعوب، والتوفيق بين التوجهات الإنسانية المختلفة والتفاعلات بين أفراد المجتمع الواحد، ومعرفة كيفية تنظيمهم باتجاه الصالح العام، التي لا يمكن إدارتها عبر دعم الدول أو تسييرها ومسايرتها لدين معين أو لبُنى طائفية دينية، لضمان استمرارها. فكفاءة الدولة ومشروعيتها في نظر الناس تتوقفان على قدرتها على تنمية القاعدة المادية الإنتاجية للمجتمع، والتوزيع العادل لعائد التنمية، وإشباع الحاجات الأساسية لأغلبية أفراد المجتمع؛ والتي أصبحت، في النصف الاخير من القرن العشرين، تمثل الحدّ الأدنى من الحقوق المشروعة، وإحدى القضايا الحساسة في علاقة المجتمع بالدولة ([16]).

بالعموم، إن الأزمات لا تأتي كحزم منفصلة يمكن تصنيفها بين مشكلات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، إنما هي عملية معقدة بين كل التصنيفات، ويمكن تلمّس عمقها في العديد من القضايا التي تفجّرت عقب ثورات الربيع الممتدة من تونس إلى مصر وصولًا إلى ليبيا وسورية، ومطالبات الناس بالعدالة والكرامة، كمواضيع أساسية في السياسات الاجتماعية.

خاتمة:

النهج العام في السياسات الحكومية غير الفعّالة، واندماج السلطة/ الدولة، نتيجة تضخّم جهازها الأمني والقيام بابتلاع المجتمع وضبطه في إطار استمرارها، يفترض تغليب ثقافة المجتمع وأيديولوجيته، وتغييب العلاقة بين الفعل والوجود المشترك أي الانتظام الاجتماعي، فهذا الانتظام قابل للتطور المعرفي، حيث يُستبدَل بانتظام سياسيّ ومدنيّ يُلغي عملية التخادم بين أيديولوجية السلطات “السياسية والاجتماعية”، فالوصول إلى متغيرات وتحقيق المطالب للشعوب لا يُبنى على فكرة قصور المجتمع وعجزه عن الانتقال من البُنى التقليدية إلى تدابير الحداثة، والتكافل لصالح قيم الحياة.


[1] – الدكتور يوسف إلياس أستاذ القانون الاجتماعي. الإطار القانوني للسياسات الاجتماعية في دول مجلس التعاون. https://bit.ly/3xwGQpI

[2] – إزابيل أورتيز. مستشار أقاليمي أول. إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية “الأمم المتحدة”. https://bit.ly/3zMYJ5m

[3] – نحو سياسيات اجتماعية متكاملة، إطار وتحليل مقارن https://bit.ly/3gITrAA

[4] – حنّة أرندت. الوضع البشري. ترجمة: هادية العرقي، دار الجداول، مؤسسة مؤمنون بلا حدود. ص: 60

[5] – وليم ن. دن. تحليل السياسات العامة. ترجمة: أ. رشا بنت عمران السدحان، مكتبة الملك فهد الوطنية (2016) ص: 45

[6] – المصدر السابق: ص 109.

[7] – حسنين توفيق إبراهيم. النظم السياسية العربية: الاتجاهات الحديثة في دراستها. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005 ص: 44.

[8] – ناصف نصار. منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الأمر، (دار أمواج للطباعة للنشر والتوزيع، ط 1 بيروت 1995) ص: 146- 147.

[9] – تشارلز تيللي. الديمقراطيـة. ترجمة: محمد فاضل طباخ، (المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2010) ص: 13

[10] – نحو سياسيات اجتماعية متكاملة، إطار وتحليل مقارن. https://bit.ly/3gITrAA

[11] – إزابيل أورتيز. مستشار أقاليمي أول. إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية “الأمم المتحدة”. https://bit.ly/3zMYJ5m

[12] – جاك بودو. “المنتدى الدولي للتنمية الاجتماعية”، (2003) الأمم المتحدة/ إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية. ص: 2-3

[13] – السياسات الاجتماعية المتكاملة الاسكوا التقرير الخامس.

https://www.unescwa.org › node

[14] – أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، (مكتبة لبنان، ط2 1986) ص: 387.

[15] – نحو سياسيات اجتماعية متكاملة، إطار وتحليل مقارن

https://www.unescwa.org › node

[16] – المجتمع الدولة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية. ط 1 (تشرين الأول/ أكتوبر 1988) ص: 60