كان مفاجئًا لي أن أسمع أن السوريين يحتلّون موقعًا متقدمًا بين أكثر شعوب العالم بحثًا عن العملات الرقمية عبر الإنترنت، إذ كانوا ضمن العشرة الأوائل من القائمة، أقول بحثًا لا امتلاكًا، لأن الامتلاك يحتاج إلى مالٍ يفتقده معظم السوريين. ويبدو أن ذلك البحث يتعلّق بروح المغامرة، وهو ما يمتلكه السوريون بكثافة، هذه الأيام، بعد أن تقطّعت بهم السبل وتوزعوا في بلاد العالم. ويتشابه مع السوريين الليبيون والفلسطينيون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون، في بحثهم عن العملات الرقمية عبر الإنترنت، وقد تصاعد مستوى البحث في السنوات الأخيرة، منذ انفجرت فقاعة العملات الرقمية بعد 2018، وكانت قد نشأت سنة 2009، عقب الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في خريف سنة 2008.

تعكس كثافة بحث السوريين عن العملات الرقمية عبر الإنترنت حالة الأحوال الكارثية التي يعيشونها، من فقدان الأمان والسكن وفرص العمل، فضلًا عن فقدان بعض أفراد العائلة أو تشتت شملها، من بعد اقتلاع ملايين السوريين من بيوتهم، عبر اعتداء عسكري بالأسلحة الثقيلة من قبل جيوش وميليشيات النظام وإيران وروسيا ومنظمات جهادية، على إثر المطالبة بالحرية وبالانتقال إلى نظام ديمقراطي يقررون به مستقبلهم بحريّة؛ حيث خلق هذا الوضع الكارثي -عند كثير من السوريين- استعدادًا للقيام بأيّ شيء، استعدادًا للقفز في البحر سعيًا للحصول على الأمان في ضفة أخرى، واستعدادًا لأن يكونوا عناصر في ميليشيات ومرتزقة لدى الأطراف المتحاربة، وأن يذهبوا للقتال في ليبيا واليمن وفي ناغورني كاراباخ وغيرها بحثًا عن الدخل، ففي مثل هذه الأوضاع الكارثية، يصبح البحث عن أي أمل في الوصول إلى مصادر متخيّلة للدخل، أمرًا منشودًا، ولو كان السبيل الإنترنت؛ فأن توظف مبلغًا صغيرًا ليصبح لديك مبلغًا أكبر، وربما ثروة، في غضون سنوات أو شهور، فهذا أمرٌ مغرٍ يستهوي كثيرًا ممن تقطعت بهم السبل، ولا سيّما مَن  ركب البحر مغامرًا بحياته كلها؛ ولذلك أصبح البحث عن النقود الرقمية في الإنترنت ولعًا وإدمانًا لدى كثير من الشباب وخاصة السوريين  وغير السوريين،  وما ذلك إلا لأنها تقدّم أملًا للحالمين بدخل مفقود يحتاج إليه فاقدو الأمل بحياة مستقرة، أو الحالمين بالثراء السريع، على أن هذا الحلم الذي تحقق للبعض منهم، أدى إلى خسائر لآخرين.

وبما أن العملات الرقمية ما زالت تملك فرصًا لإنتاج ثروة بدون جهد، فهي قابلة، ككل مقامرة، لخسارة كل شيء في النهاية، وتاريخ المقامرين يقدّم دروسًا وافرة، فمن يربح في النهاية ليس المقامرين، إنما صاحب دار القمار. أقصد بذلك أن هذه الفقاعة ستنفجر في النهاية، بحسب تقديرات كثير من الخبراء، كما انفجرت فقاعة الرهن العقاري في أميركا، وخلقت أزمة في الاقتصاد العالمي سنة 2008 تم حلّها على حساب عموم الناس لمصلحة طبقة كبار المقامرين (البنوك والشركات العقارية) أنفسهم الذين تسببوا في الأزمة، بالرغم من أنهم ضحّوا ببعضهم كبش فداء، مثل إفلاس بنك ليمان براذرز Lehman Brothers، وكما انفجرت فقاعة جامعي الأموال في سورية التي انتشرت في تسعينيات القرن العشرين، وانفجرت مطلع القرن الحادي والعشرين.

العملات الرقمية عملات زائفة!

ثمة حقيقة يجب تذكرها بداية، وهي أن النقود بحدّ ذاتها لا قيمة لها، ولا تنفع في شيء، إذ إن قيمتها ونفعها يأتيان مما يمكن فعله بها والحصول عليه مقابلها، كأن تشتري بها سلعًا وأدوات وآلات، أو تحصل بها على خدمات (كأن تدفع لطبيب أو تدفع لمحام أو تدفع للمدرسة أو تستأجر تكسي أو تدخل إلى السينما أو سوى ذلك).

ولكي ندرك حقيقة العملات الرقمية، لا بدّ من أن نتذكر وظائف النقود، وهي وظائف تبقى ما بقي المجتمع البشري، وما بقي الاقتصاد والإنتاج والتبادل، مهما تبدّلت أشكالها وأدواتها.

ظهرت النقود عبر التاريخ، وتبدّلت أشكالها وتغيّرت جهات صكّها، عملات معدنية ثم عملات ورقية، ولكن وظائفها بقيت هي ذاتها، وتوسعت وأصبحت أكثر تركيبًا، ووظائف النقود هي أنها وسيلة تبادل في الأسواق، ومقياس للقيم، أي للأسعار في الأسواق، فكل شيء يسعر بوحدات نقدية، وهي أداة ادخار قصير الأجل لفائض السيولة المؤقت، أو طويل الأجل لفائض السيولة الوفير، وهي أداة للمدفوعات الآجلة، أي أن تشتري اليوم وتسدد القيمة فيما بعد. وعلى ذلك؛ فإن النقود/ العملات أداة ضرورية للتبادل، ولقيام الاجتماع البشري. ومع ظهور البنوك والشيكات والحوالات المصرفية، بدأت العملات بالتحول إلى رقمية، فأصبح جزء كبير من الدفع يتم بشيكات أو حوالات مصرفية، بدلًا من العملة المعدنية أو الورقية، ثم تطورت أشكالها وتوسّع طابعها الرقمي، مع ظهور بطاقات الدفع الإلكترونية والخدمات البنكية الإلكترونية عبر الإنترنت، فلم يعد الدفع سوى عملية رقمية لتحريك المبالغ من حساب الى حساب، من دون استعمال أي نقد.

النقد والعملات شأن عام تصدر عن جهة عامة:

منذ انتظام المجتمع البشري، أصبحت النقود تصدر عن سلطة لها نوع من الشرعية، تسيطر على حيّز جغرافي وبشري محدد، ومع الانتقال من العملات المعدنية (معادن نادرة كالذهب والفضة خاصة) إلى استعمال العملات الورقية، أصبح تحديد كمية النقود، في أي اقتصاد وطني، يخضع لقواعد وحسابات، تقوم على قواعد وفرضيات محددة، فعندما صدرت الليرة السورية -مثلًا- سنة 1937، بعد انفصالها عن الليرة اللبنانية، حدد الخبراء السوريون آنذاك قيمة الليرة السورية وما تعادله من ذهب ، حيث كان الذهب ما يزال مقياسًا لقيم العملات ووسيلة لتغطيتها، وأصبح لها معادل من العملات الصعبة، وكان بإمكان أولئك الخبراء زيادة ما تعادله من ذهب أو إنقاصه، وهذا يؤثر في كمية النقود التي سيتم طبعها، ووحداتها الصغيرة والكبيرة، ولكنهم اعتمدوا قاعدة ومعيارًا محددين، وحددوا قيمتها وفئاتها ثم أصدروها. أما كمية النقود التي سيطبعونها بحسب الفئات، فتوقفت على حجم الاقتصاد السوري آنذاك، وعلى تقديراتهم لنموّه على مدى عشر سنوات، بحيث تكفي كمية النقود الصادرة لاحتياجات الاقتصاد الوطني ولتمويل عمليات التبادل السوق، فلا تُغرق الاقتصاد بكمية أكبر من احتياجاته من النقود، ولا تجعله يعطش فيعوق التبادل والنمو.

ثمة معياران يحددان كمية النقود في أيّ اقتصاد وطني، هما التناسب طردًا مع حجم الاقتصاد الوطني، والتناسب عكسًا مع سرعة التداول، أي نشاط عمليات السوق، وهناك معايير قياس تقريبي لحجم السوق وسرعة التداول، وهذا يتوقف على طبيعة الاقتصاد، وعلى دور البنوك في التعاملات، مثلًا، في سورية، لم يكن الناس حتى 2010 يلجؤون إلى البنوك، فلا يسددون مشترياتهم وتبادلاتهم، بشيكات أو تحويلات مصرفية أو ببطاقات ائتمان، بل يسددون كل شيء نقدًا، بعملات مادية “بنكنوت”، وكان هذا حال المبادلات الفردية ومبادلات قطاع الأعمال الصغيرة والكبيرة على السواء، وهذا جعل الحاجة إلى كمية نقود أكبر تكون بين أيدي الناس. وكان هذا بسبب تخلّف النظام البنكي، وغياب نظام الدفع ببطاقات الائتمان، وبدافع التهرّب من الحكومة لكيلا تعرف الكثير عن تعاملاتهم.

إصدار النقود والعملات هو شأن عام من شؤون الدولة، وتفوّض الدول “البنك المركزي” بعملياتها وإدارة كمياتها في السوق، عبر أدوات السياسة المالية، مثل الفوائد وسياسات الإقراض والضمانات وقرارات إدارية لزيادة ضخ كميات من النقد في السوق أو سحبها من السوق، بحسب مؤشرات وعوامل كثيرة اقتصادية وتجارية واجتماعية وسياسية أيضًا، وتحمي كل دولة عملتها بشدّة من التزوير، وتلاحق من يفعل ذلك.

بعد هذا التقديم، لننظر في مسألة العملات الرقمية: إن كانت تملك مقوّمات أو شرعية مماثلة أم لا!

العملات الرقمية تخصخص النقد:

يوم الثلاثاء 6 تموز/ يوليو 2021، دخلتُ على موقع على الإنترنت يضع جدولًا بجميع العملات الرقمية، فوجدته يحتوي على 5877 عملة رقمية، ثم أعدت الدخول ثانية يوم 10 تموز/ يوليو 2021؛ فوجدت الجدول ذاته يحتوي 5927 عملة رقمية، أي بزيادة 50 عملة رقمية، خلال أربعة أيام، أصدرها مغامرون شباب، غالبًا، لا يُعرف من هم، رأسمالهم خبرة في البرمجيات وبضعة كومبيوترات في البداية، يبنون برنامجًا حاسوبيًا، ويحددون مولودهم الرقمي الجديد، ويطلقون عليه اسمًا، ويحددون قيمته بمبلغ تافه لإغراء المقامرين للبدء به، ويطلقونه في الفضاء السيبراني، محاولين أن يجربوا حظهم في سوق القمار الرقمي. وهنا أيضًا تنطبق القاعدة؛ فمن بين كل ألف محاولة استثمار، تنجح واحدة أو اثنتان، وقد يزيد العدد قليلًا، أو قد يحالف بعضهم نجاح محدود، بينما يفشل الباقون.

إذن؛ لا تصدر العملات الرقمية عن جهة محددة معروفة تملك حق إصدارها، وتخضع للمساءلة، بل هي نشاط مغامرين غير منضبط. اليوم، لدينا آلاف من العملات الرقمية، يزداد عددها وقيمتها كلّ يوم، ولا نعرف من يصدرها، إذ ليس لهم عنوان، وهي تفتقر إلى أركان الوجود القابل للمسائلة. وأبسط شروط هذا الوجود، لممارسة أي دور تجاري أو مالي في السوق، أن يكون للجهة سجلّ وترخيص من جهة رسمية معترف بها، وأن يكون لديها عنوان ولها موجودات مثل مكتب وحساب في البنك، وموجودات مادية أو معنوية لها قيم سوقية، وكلّ هذا يجعلها قابلة للمساءلة عمّا تفعله، وتتحمل نتائجه الموجبة والسالبة.

أما في العملات الرقمية، فلا يوجد من تحاسبه، وإن استطاع أحدهم الوصول إلى كلمة سرّ حسابك، فسيسرق ما تملكه منها، بعد أن سددت قيمتها من مدخراتك، ولن يكون بإمكانك أن تقاضي أحدًا، ولن تقبل منك أي محكمة أي دعوى، فكل العمليات تُسجّل ضد مجهول.

لا تخضع كميات العملات الرقمية لاحتياجات السوق وتسبب التضخم:

ذكرنا من قبل أن ثمة قواعد ومعايير تضبط كميات النقود في الأسواق، وأن أي زيادة غير محسوبة في المعروض النقدي تؤدي إلى تضخم وارتفاع في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للنقد الوطني. مثلًا من المعروف لكل السوريين أن زيادة ضخّ النقود في السوق السورية، في ثمانينيات القرن العشرين، بأكبر من حجم السوق السورية واحتياجها، آنذاك، أدى إلى تدهور سعر صرف الليرة السورية، من 3.9 ليرة لكل دولار أميركي سنة 1979، إلى قرابة 50 ليرة سورية للدولار الأميركي الواحد سنة 1987، وتسبب هذا في ارتفاع كبير للأسعار، ومن ثم في إفقار قطاعات واسعة من السوريين، وتدهور الفئات الوسطى السورية، وكان هذا بسبب ضعف كفاءة إدارة البلاد والاقتصاد من قبل عسكر لا خبرة لديهم بالإدارة العامة ومتطلباتها، سيطروا على السلطة بانقلاب عسكري في آذار 1963، وفشل التنمية مذاك التاريخ، وكانت سورية قد تلقت صدمة أخرى خلال سنوات الوحدة السورية المصرية شباط 1958 – أيلول 1961، لم تكن قد تعافت منها حين قيام انقلاب آذار المذكور، فأصبحت سورية تعتمد على مساعدات دول الخليج، هذه المساعدات التي توقفت بعد وقوف حافظ أسد مع إيران، في حربها على العراق الشقيق الذي يحكمه أيضًا حزب البعث، فكانت النتيجة أزمة اقتصادية خانقة خرجت منها سورية نسبيًا، بسبب عدد من العوامل، منها دخول حافظ أسد في التحالف العسكري الدولي تحت القيادة الأميركية لإخراج صدام حسين من الكويت، وكان قد دخلها سنة 1990،  وحصول الأسد على مساعدات مكافأة له، ثم زيادة إنتاج النفط خلال النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، بعد دخول شركات أجنبية كبرى. ولكن كانت سنوات الأزمة قد طحنت فئات سورية واسعة وأدت إلى تدهور الفئات الوسطى لتنضم إلى الفئات الفقيرة.

استقرّ سعر صرف الليرة مقابل الدولار، في تسعينيات القرن العشرين، عند سعر صرف يدور حول 45 ليرة سورية للدولار، وذلك عندما ضُبِطَتْ كمية النقود في السوق. وقبل آذار/ مارس 2011، كان سعر صرف الليرة السورية، مقابل الدولار الأميركي، بحدود 47 ليرة سورية، ولكن بعد 2011، بسبب الضخ الكبير للنقود في السوق بأكبر من حجم الاقتصاد السوري الذي تقلّص، أصبح سعر صرف الدولار اليوم نحو 3200 ليرة سورية، ونتج عن ذلك إفقار شديد لأكثر من 80% من السوريين. وتستخدم عبارة شهيرة للتعبير عن هذه الحالة بالقول “نقودٌ كثيرة تطارد سلعًا وخدمات قليلة”.

وتنطبق المعادلة ذاتها على مستوى الأسواق العالمية، وخاصة في عصر العولمة وانفتاح العالم وأسواقه على بعضها بعضًا، فعندما يتم ضخ ما يعادل 1.5 تريليون دولار اليوم من النقود الرقمية (كما يتردد اليوم، ولا أحد يملك أرقامًا دقيقة) لتضاف إلى المعروض النقدي العالمي، من دون أن يكون الاقتصاد العالمي محتاجًا هذه الزيادة، فإنها ستسبب التضخم الذي سيصيب الجميع، وسيصيب الفئات ذات الدخل المحدود، بالدرجة الأولى.

مخاطر العملات الرقمية:

  • – أخطر ما في العملات الرقمية أنها “تخصخص النقد”  Currency Privatization، وهي وظيفة عامة، يجب أن تكون محصورة بيد سلطة مجتمعية شرعية، وذلك عندما تحولها إلى يد القطاع الخاص لتخضع لمنطق الربح. إن دور النقد في الاقتصاد يشبه دور الدم في الجسم، فحين يُصاب الدم بمرض ما أو يتعرض لخلل، سيتأثر الجسم كلّه بذلك، وقد يصيبه العطب. ولذلك، هناك وظائف عامة لا يمكن أن توكل إدارتها إلى القطاع الخاص، ومن المخاطر الكبيرة إخضاعها لمنطق الربح في المجتمعات الحديثة، ومن تلك الوظائف الجيش والشرطة والأمن والقضاء وغيرها، ويجب أن تظل محصورةً بيد السلطة الشرعية القائمة.
  • – بالمقابل، تنقل العملات الرقمية الحالية المسؤولية من سلطة لها نوع من الشرعية معروفة وقابلة للمساءلة، ولو بحدود، إلى جهة غامضة مجهولة ليست قابلة لأي مساءلة، وهذا جزء من تحطيم السلطة المركزية، ونقلها إلى أيدي قطاع الأعمال، وقد نما هذا التوجه في ثمانينيات القرن العشرين، وتحديدًا بعد فوز تاتشر برئاسة وزراء بريطانيًا 1979، ثم فوز الممثل الأميركي الجمهوري رونالد ريغن برئاسة الولايات المتحدة 1980، وسيطرة المحافظون الجدد  New Conservatives ، بسياستهم الليبرالية المنحازة كليًا إلى جهة رأس المال ضدّ مصالح قوة العمل، سيطرتهم على السياسة الاقتصادية والمالية والتجارية، وقد طرحوا شعارهم الرئيس وهو “الدولة النحيلة”، وروجوا لتحويل جزء كبير من الوظائف العامة للدولة إلى القطاع الخاص، وانطلقت في ثمانينيات القرن العشرين موجة واسعة من خصخصة القطاع العام الاقتصادي والخدمي وتحويله من يد الدولة إلى أيدي القطاع الخاص في أكبر موجة فساد عالمية في التاريخ الحديث، بل جرى الترويج لخصخصة حتى القطاع الإداري. وقد شهدت خصخصة الشأن العام موجة جديدة مع تطوّر مجالات الإنترنت وتوسع شبكاتها وأدوارها في إدارة مختلف مؤسسات العالم، ونموّ دور وسائل التواصل الاجتماعي التي تدير العالم اليوم، وكلّها مملوكة لأفراد أثرياء جدًا لا يزيد عددهم على بضعة آلاف على مستوى العالم، يتحكمون في مصالح مليارات البشر، من دون أن يكون أحد قادرًا على محاسبتهم.
  • – لكونها عملة مشفّرة، و إن عمليات التحويل تتم في “سلسلة الكتل”  Block Chain برقم تسلسلي خاص لا يتضمن اسم المرسل أو المتلقي أو أي بيانات أخرى خاصة بهما، لذلك هي أداة التداول المفضّلة لدى النشاطات الإجرامية، مثل المنظمات الجهادية وتجّار المخدرات وعصابات السرقة المنظمة وشبكات تجارة السلاح وشبكات الدعارة وبيع الأعضاء، وأصحاب الأموال الفاسدة والنشاطات التي تريد أن تبقى خارج أي رقابة، وقد أدى توجه هذه النشاطات الجرمية لاستخدام العملات الرقمية إلى زيادة متدرجة في أسعار عدد قليل منها، وخاصة العملة المسماة “بِتكوين” Bitcoins منذ 2018، الذي زادت قيمته عشرات آلاف المرات. غير أن توجه لاعبين كبار إلى ميدان العملات الرقمية هو ما أدى إلى انفجار قيمتها عام 2018 وما بعد، وخاصة البتكوينز.
  • – يسوّق أنصار العملات الرقمية فكرة أنها تعيد عمليات التبادل إلى أصلها، حين كانت النقود المعدنية ثم الورقية تستعمل فيزيائيًا وتدفع مباشرة، من  المشتري إلى  البائع، من دون المرور بطرف ثالث وسيط، وأن قيام البنوك قد جعلها وسيطًا في هذه العملية، وأصبحت عمليات الدفع والقبض ممركزة ومعلوماتها مقيدة لدى البنوك. أما العملات الرقمية فتعيد الحكاية إلى أصلها، إذ إن الدافع يسدد القيمة مباشرة إلى حساب من يستلم الدفعة، ويكون ذلك في عملية مشفرة لا يعرف أحد عنها شيئًا دون المرور بأي طرف ثالث. غير أن هذه الحجة تسقط عندما نتذكر أن هذه الدفعة تمر عبر الإنترنت، ويتم الاحتفاظ بها في جهاز سيرفر في مكان ما يسيطر عليه مالكون أفراد أو شركة، لا فرق، أي ثمة طرف ثالث يعرف كل شيء عن الدفعة وعن الحساب، وليست العملية تسديدًا مباشرًا.
  • – ومن مخاطر انتشار العملات الرقمية، خارج إطار عصابات الجريمة المنظمة، أنها تنقل الثروة من أيدي منتجين حصلوا على أموالهم من خلال نشاطهم المنتج، إلى أيدي مقامرين؛ فمن يشترون العملات الرقمية يدفعون مقابلها الدولار واليورو حصرًا، (مثلًا لا تُقبل العملة السورية، بالرغم من أن عليها صورة حافظ الأسد أو ابنه بشار)، ويودع بائعوها ما قبضوه من دولارات ويوروات في مصارف تقليدية. مثًلا، عندما طُرحت البتكوينز في شباط/ فبراير 2009، وحُددت كميتها بـ 21 مليون وحدة بتكوينز، حددوا قيمة البتكوينز الواحد بواحد بالألف (0.001) من الدولار، بينما وصلت قيمته، في نيسان/ أبريل 2021، إلى 64 ألف دولار، قبل أن تتدهور القيمة وتصبح اليوم نحو 33 ألف دولار، وقد دفع منتجون آخرون هذه القيم أو جزءًا منها، من أموال جنوها بنشاطاتهم المنتجة المشروعة، بينما من نال كل تلك القيم مقابل البتكوينز لم يُنتج أيّ سلعة ولم يقدم أي خدمة، وبالتالي فهذا ربح مقامر لا يملك أي مشروعية. وتُتداول حكاية عن أن أوّل عملية شراء، بواسطة بتكوين، كانت مقابل قطعتي “بيتزا”، حينما قام مبرمج يدعى (لازلو هانيتش) بنشر نقاش، على منتدى بتكوين، يطلب فيه شراء قطعتي بيتزا كبيرتي الحجم مقابل 10,000 بتكوين، في 18 أيار/ مايو 2010، وبعد 11 عامًا على تلك الصفقة، تجاوزت قيمة الـ 10,000 بتكوين التي تم دفعها مقابل قطعتي البيتزا $318.000.000. وبالتالي؛ حصل مالك الـ 10000 بتكوينز على ثروة هائلة، وأصبح بإمكانه أن يبادلها، وأن يشتري بها بيتًا ومزرعة وسيارات ويخت وطائرة، وأن يحصل على خدمات وأشياء أخرى كثيرة، وهي منتجات وسلع وخدمات أنتجها أشخاص آخرون، ربّما يبلغ عددهم الآلاف، بذلوا كثيرًا من الجهد البشري العضلي والذهني خلال زمن إنتاجها الطويل، في حين حصل عليها هو من دون أن ينتج أي سلعة أو يقدّم أي خدمة للمجتمع. وهذا يفنّد كل مزاعم العدالة التي يبررون بها انتشار بتكوينز. ولا شك في أن قلائل هم من حققوا أرباحًا كبيرة مثل هذه، وربما حالف الحظ أوائل من استثمروا بها، ولكنها بعد انتشارها وارتفاع أثمانها بدأت بالتأرجح، وباتت كأي استثمار مغامر/ مقامر قابل للربح حينًا وللخسارة أحيانًا.
  • – على المستوى الفردي، يكمن الخطر في قابلية الفقاعة للانفجار، إذ تتوقف قيمة العملات الرقمية على قبول الناس بها، فإذا توقّف هذا القبول، فإن قيمتها ستهبط إلى الصفر. وتنفجر فقاعة العملات الرقمية، وستضطر الحكومات عندئذ إلى حظر التعامل بها، وسيخسر الجميع كلّ ما يملكونه دفعة واحدة، بصورة أسوأ من أزمة الفورة العقارية سنة 2008. وتكمن قابلية الانفجار في كون العملات الرقمية نشاطًا منفلتًا عبر الفضاء السيبراني، فكل من أراد المغامرة والمقامرة يمكنه أن يُصدر عملة رقمية ويسعى لترويجها، ولدينا اليوم قرابة 6000 آلاف عملة رقمية، قد يعيش عدد قليل منها، وسيموت الباقي، وقد تلقى جميعها المصير ذاته، أو قد تجد فيها السلطات شكلًا يمتلك بعض المزايا، فتؤممه وتضبط عملية تداوله وتربطه بها، ليصبح عملة رسمية صادرة عن سلطة شرعية. وهذه مسألة أخرى.

أكثر من احتمال أمام العملات الرقمية:

تسلا Tesla، وماستر كارد Master Card، وفيزا Visa، وبي بال Pay Pal، وأوبر Uber، وبعض شركات الاستثمار وصناديق التحوط، مثل بلاك روك BlackRock، وغولدمان ساكس Goldman Sachs، وهي صناديق مضاربة، وقد تلحق بهم شركات التكنولوجيا مثل (آبل) وغيرها من لاعبين كبار، يدخلون ساحة التعامل بالعملات الرقمية، طمعًا بتحقيق مكاسب كبيرة سهلة، وهذا ما يزيد من رواجها، ويجعل مؤسسات قوية تدافع عنها، وتسخّر مؤسسات كبيرة للترويج لها، كمراكز دعاية وإعلان، مثل (فيسبوك) التي بدأت تشارك في مهرجان العملات الرقمية هذا، مستغلة تأثيرها الكبير على متابعيها حيث لديها أكثر من ملياري مشترك، وقد أطلقت عملتها الرقمية “ليبرا”، ونظامًا مصرفيًا اسمه “كاليبرا”.

إن دخول اللاعبين الكبار على بزنس العملات الرقمية، وبدء قبولهم واستعمالهم لها في عملياتهم، قد جرى بعد أن حققت هذه العملات انتشارًا واسعًا، وانخرط في عملياتها ملايين البشر، وأصبحت عمليات كثيرة تؤدى بها وتُنجز، وقد جعلها ذلك مصدرًا كبيرًا للربح، ولكن هؤلاء لا يدخلون هذا البزنس في العتمة ومن دون معرفة وتخطيط، ولا شك في أنهم عرفوا عن العملة التي يتعاملون بها، مثل بتكوينز، كلّ شيء عنها وعن الجهة المسؤولة عنها: أين تقيم وكيف تعمل وما هي برمجياتها وأدواتها، وغير ذلك من تفاصيل؟ بحيث لا يمكن خداعهم بسهولة، أي إنهم دخلوا ليصبحوا لاعبين فاعلين، لا ليكونوا ملعوبًا بهم (كحال المستثمرين الأفراد الصغار)، وغايتهم أن يحوّلوا تلك العملات إلى أداة مهمة بأيديهم، تقدّم لهم مزايا وخدمات إضافية يحتاجون إليها لتجاوز عوائق في وسائل الدفع التقليدية الخاضعة لرقابة مؤسسات قابلة للمسائلة، بل إنهم يسعون ليكونوا مصدري العملات الرقمية، كما فعلت (فيسبوك)، وبذلك تصبح العملات الرقمية منتجًا خاصًا، كأي منتج أو سلعة أو خدمة أخرى، ويتوقف قبولها على الثقة بمن يصدرها وبسمعته وشهرته وأعماله كضمانة، ومن ثم يحل هؤلاء محل الحكومة من جهة، ويحولون النقد من أداة وطنية الى بزنس خاص. ويقدم اللاعبون الكبار الضمانة للمتعاملين والثقة بعملاتهم الرقمية باستعدادهم كل حين لاستبدال عملتها الرقمية بعملات رسمية (يورو ودولار) بحسب السعر الرائج. وهذا بحد ذاته يضمن الانتشار. ولا شك في أن دخول لاعبين كبار يرفع التكهنات بتحولها إلى عملات رسمية معترف بها.

أيًا كان مصير العملات الرقمية، فهي مجال آخر من المجالات التي يقتحمها القطاع الخاص الكبير، ليحل فيها محل الدولة، وعلى الرغم من أن العملات الرقمية ما زالت لا تلعب سوى دور محدود في عمليات التبادل العالمية، فإنها فتحت الطريق لاقتحام مجال كان محصورًا بالسلطات الشرعية، وقد يكون بداية لتطورٍ تتضافر فيه جهود شركات خاصة عملاقة، تملك قدرات كبيرة وتسيطر على قطاعات عريضة هي أقرب إلى أن تكون قطاعات عامة، مثل البنوك والإنترنت وشركات الموبايل وشركات التواصل الاجتماعي ومؤسسات الإعلام، وكلها تحت سيطرة شركات خاصة عملاقة.  

ثمة مؤشرات على تحرّك البنوك المركزية باتجاه العملات الرقمية، وطرح فكرة إصدار عملات رقمية حكومية، وهناك تطور يسير باتجاه حصر إصداراتها بالسلطات الشرعية، ومنع أي جهة خاصة من إصدارها وتجريم من يُقدم على ذلك. وقد يكون الدخول الرسمي، لبعض البنوك المركزية إلى أسواق العملات الرقمية، بقصد ضبطها ووضع قواعد لها قد تختلف قليلًا عن قواعد النقود التقليدية، ولكن المؤكد أنها ستعلن عدم شرعية أيّ عملة رقمية أخرى، صدرت أو تصدر عن أي جهة خاصة غير حكومية.

ولكن حتى في حال حدوث مثل هذا التطور، وضبط التعامل بهذه العملات من قبل السلطات الشرعية، فيعتقد أنها ستبقى أداة تداول مشفرة سرية، يتعامل بها ذوو النشاطات الإجرامية فيما بينهم، بعد أن راكموا تجربة من التعامل بوسائط دفع بعيدة عن أعين السلطات الحكومية، وستبقى تُغري الآخرين بالدخول إلى هذه الساحة، وقد نشهد حربًا بين هذه العصابات التي امتلكت أداة جديدة في حربها ضد السلطات الرسمية.