كان لتفشّي فيروس كورونا، العام الماضي، عواقب سلبية بعيدة المدى على الاقتصاد العالمي، أهمّها تراجع التجارة العالمية بشكل عام. لكن في حالة إيران تسبب عدم وجود آلية ناجعة لإدارة الأزمات، بسبب تفشي فيروس كورونا وسياسة الضغط الأميركية القصوى ضد إيران، في انهيار المؤشرات الاقتصادية، وأدى ذلك إلى انخفاض حاد في التجارة الخارجية الإيرانية، في العامين الماضيين على الأقل.

في خضّم ذلك، تسببت العلاقات المتوترة مع العالم والحروب بالوكالة التي تقودها إيران في المنطقة، من خلال ميليشياتها العميلة، في تعطيل مؤشرات التجارة الخارجية الإيرانية، ليس مع الدول التي تمتلك معها إيران حدودًا برية وبحرية واسعة، أو تلك التي تتمتع فيها بعمق استراتيجي فحسب، بل توسعت دوائر الميزان التجاري السلبي لإيران لتشمل جميع شركائها الرئيسيين.

الدائرة الأولى: حصة إيران المتواضعة من حجم واردات الدول المجاورة

على الرغم من أنّ إيران تمتلك حدودًا برية وبحرية واسعة مع 15 دولة في المنطقة، وتقع في مسار الممرات الدولية، نظرًا لموقعها الجغرافي، فإن هذا الموضوع لم يمهّد الطريق لتوسيع التجارة الخارجية للبلاد. على العكس من ذلك، شكّلت صادرات إيران إلى دول المنطقة ما يزيد قليلًا عن 2 % من إجمالي وارداتها، وهي حصة متواضعة وشبه معدومة. بلغة الأرقام، من بين 1129 مليار دولار (حجم واردات 15 دولة مجاورة لإيران في عام 2019)، لم تتعدّ حصة إيران 24 مليار دولار من البضائع إلى هذه البلدان، وهو ما يمثل عمليًا 2.2 % فقط من اقتصاد وارداتها.

وفي الوقت الذي كان دور إيران في تلبية احتياجات السوق الأفغانية أكثر بروزًا من الدول الأخرى، حيث استوردت أفغانستان في عام 2019 ما قيمته 2.261 مليار دولار من السلع، من إيران، وهو ما يعادل 33 % من إجمالي وارداتها، لم تحتل البضائع الإيرانية سوى نسبة (2.5، 1.7%) من اقتصاد الواردات التركية والإماراتية على الترتيب، بالرغم من تربّع هذين البلدين الأخيرين في المراتب المتقدمة للدول المستهدفة بالصادرات الإيرانية[1].

صحيح أن تركيا تُعدّ أحد أكبر الشركاء التجاريين الأساسيين لإيران، لكن بيانات مركز الإحصاء التركي تظهر أن وارداتها من إيران بلغت 1.2 مليار دولار، العام الماضي، وهو أقل من نصف معدل عام 2019، وأقل من خمس معدل عام 2018. وفي الوقت ذاته، بلغت صادرات تركيا إلى إيران تقريبًا ضعفي وارداتها من إيران، مما يضع الأخيرة في كفة الميزان التجاري الخاسر بين البلدين[2]. وفي خضم ذلك، احتلت المملكة العربية السعودية المراتب المتأخرة للدول المستهدفة بالصادرات الإيرانية التي لم تزد عن مئة ألف دولار، خلال العاميين الماضيين.

وفي المنحى نفسه، لم يقف السقوط الحر لمؤشرات التجارة الخارجية الإيرانية مع دول الجوار عند هذا الحد؛ إذ تشير الإحصائيات التي نشرتها هيئة الدراسات الاقتصادية في غرفة تجارة طهران في عام 2020، إلى أنه من بين 20 دولة مجاورة لإيران شهدت 14 دولة انخفاضًا ملحوظًا في وارداتها من إيران. وفي الوقت نفسه، سلكت واردات 13 دولة أخرى إلى إيران منحنًى نازلًا[3].

الدائرة الثانية: عمق استراتيجي خالٍ من المكاسب الاقتصادية

لم تجدِ شعارات “بركات العقوبات”، أو “الاقتصاد المقاوم” التي ترفعها إيران، كذريعة لمد نفوذها الاقتصادي في البلدان التي تتدخل فيها بشكل سافر معتبرةً إياها عمقها الاستراتيجي، في تحويل النفوذ العسكري والسياسي والثقافي إلى مكاسب اقتصادية. ولعل سورية هي المثال الأبرز، وليس الأوحد بطبيعة الحال، على هذا الفشل العضوي الذي يعود لطبيعة النظام الإيراني الحاكم الذي أصبح ماهرًا في بناء قدرات عسكرية غير تقليدية، من خلال تشكيل الميليشيات الطائفية وتسليحها، دون القدرة على تسخير هذا النفوذ للحصول على مكاسب اقتصادية في المقابل.

هذا الأمر لا يظهر فقط في مؤشرات التعاون الاقتصادي المنهارة بين إيران وسورية، حيث كانت حصة إيران المتواضعة من السوق السورية أقل من 3 %، بل تؤكده أيضًا إحصائيات التجارة الخارجية الإيرانية، التي تفصح عن حقيقة صادمة، تتمثل في أن العراق لا يؤمن سوى 18% فقط من وارداته من إيران، صاحبة النفوذ العسكري والسياسي الواسع في هذا البلد[4].

الدائرة الثالثة: الميزان التجاري السلبي لإيران مع جميع الشركاء الرئيسيين

تظهر إحصاءات الشركاء التجاريين الرئيسيين لإيران أن الميزان التجاري الإيراني، مع جميع هذه البلدان، كان سالبًا لأول مرة في عام 2020، بمعنى آخر: كانت صادرات إيران أقل من وارداتها من هذه الدول.

الاتحاد الأوروبي

في الوقت الذي تناقصت صادرات إيران إلى 27 عضوًا في الاتحاد الأوروبي بشكل حاد، إلى 712 مليون يورو في عام 2020، بعد أن كانت هذه الصادرات أكثر من 10.5 مليار يورو في عام 2017، وصلت واردات إيران من هذه الدول إلى 3.75 مليار يورو، وهو ما يعادل خمسة أضعاف صادراتها.

من ناحية أخرى، بعد أن كانت دول الاتحاد الأوروبي من المشترين الرئيسيين للنفط الإيراني، حيث اشترى الاتحاد الأوروبي ما قيمته 9 مليارات دولار و 10 مليارات دولار من النفط من إيران، في عامي 2017 و2018 على الترتيب (ما يعادل 15 % من إجمالي عائدات النفط الإيرانية)، أوقفت أوروبا استيراد النفط من إيران منذ عام 2019[5].

الصين

شهدت مؤشرات التبادل التجاري بين إيران والصين انخفاضًا غير مسبوق، حيث وصلت معدلات التجارة الرسمية بين إيران والصين، مع احتساب قيمة النفط الرسمي المصدر، إلى 16 مليار دولار، وفي أفضل أحوالها إلى 20 مليار دولار، وذلك مع احتساب إجمالي النفط المهرّب باستخدام التكتيكات الإيرانية للتحايل النفطي، وهو أدنى معدل للتبادل التجاري بين البلدين خلال السنوات 16 الماضية.

صحيح أن الصين كانت وما زالت أكبر مشتر للنفط الإيراني، قبل فرض العقوبات الأميركية وبعدها، لكنها قلصت مشترياتها من النفط الإيراني إلى النصف بعد العقوبات، ومعظم هذه الشحنات النفطية كان يتم استيرادها بشكل غير رسمي تحت اسم دول أخرى، كالإمارات وعمان والعراق وماليزيا. وبعد أن كانت إيران تصدر ما قيمته 21.1 مليار دولار إلى الصين، وتستورد في المقابل ما قيمته 14 مليار دولار في عام 2018؛ انخفض حجم التجارة الثنائية بين البلدين بنسبة 43 %، مقارنة بالعام الماضي[6].

روسيا

بالرغم من أن إحصاءات الجمارك الروسية تُظهر أن وارداتها من إيران في عام 2020 زادت بنحو 36 في المئة، مقارنة بعام 2019، لتبلغ 795 مليون دولار، فقد بلغت الصادرات الروسية إلى إيران، بالرغم من انخفاضها بنسبة 9 في المئة العام الماضي، ضعف وارداتها من إيران تقريبًا[7].

الهند

وفقًا لإحصاءات وزارة الاقتصاد الهندية، تراجعت صادرات إيران إلى الهند 50 مرة، خلال السنوات الثلاث الماضية. وبعد أن كانت الهند ثاني أكبر مشتر للنفط لإيران في عام 2017، توقفت عن شراء النفط من إيران بعد العقوبات الأميركية، وتراجعت صادرات إيران إلى هذا البلد. وفي المقابل، زادت الهند (وكذلك اليابان وكوريا الجنوبية) وارداتها النفطية من دول أخرى، خاصة دول الخليج العربي، بقطعها مشتريات النفط الإيراني.

في خضم ذلك، أدى تعليق المعاملات النفطية مع الهند، وانخفاض احتياطي عملة الروبية في إيران بشكل حاد، إلى تراجع إجمالي صادرات الهند إلى طهران في عام 2020، بنسبة 42 في المئة عن العام السابق، إلى 2.2 مليار دولار، وهو أدنى معدل في خلال العقد الماضي[8]. ومع ذلك، يشكل هذا الرقم أضعاف إجمالي ما تصدره إيران إلى الهند في المقابل، وهذا يبقي إيران في الميزان التجاري الخاسر أيضًا.

أفريقيا

بالرغم من أن القارة الأفريقية تعرف باسم قارة الفرص، حيث تصدر حوالي 500 مليار دولار سنويًا، وتستورد أكثر من 500 مليار دولار، لم يبلغ نصيب إيران من حجم التجارة الأفريقية البالغ تريليون دولار سوى 478 مليون دولار في عام 2020، وهو ما يشكل انخفاضًا بنسبة 25 % مقارنة بعام 2019[9].

خاتمة

ما سبق يقودنا إلى مجموعة من الاستنتاجات:

  • – بشكل عام شهدت التجارة الخارجية الإيرانية، خلال العام الماضي، سقوطًا تسارعيًا حرًا في الصادرات الإيرانية بنسب أكبر من وارداتها من الدول المختلفة.
  • – شهدت معدلات التبادل التجاري الخارجي لإيران، ومن ضمنه الواردات والصادرات، انخفاضًا ملحوظًا مع أغلب دول الجوار (13 دولة على الأقل)، مما يفرض، إلى جانب العزلة السياسية التي تعيشها طهران، دائرة العزلة الاقتصادية، التي تتجلى ملامحها في عدم حاجة أغلب دول المنطقة إلى السوق الإيرانية.
  • – في المقابل، إن نظرة على معدلات التبادل التجاري الخارجي الإيراني مع دول المنطقة، خاصة مع تركيا والإمارات، والفرق الشاسع بين صادرات إيران ووارداتها من هذه الدول، يظهر أن حاجة إيران إلى أسواق المنطقة أكبر بكثير من حاجة المنطقة إلى السوق الإيرانية.
  • – بالرغم من تحسن سوق الصادرات النفطية الإيرانية في نهاية العام الماضي وبداية العام الجديد، فإن هذا التحسن يعتبر تحسنًا طفيفًا، لا يعالج العجز الحاد للميزانية الجديدة في ظل استمرار جنوح أغلب المشترين الآسيويين الرئيسيين عن شراء النفط الإيراني، بسبب العقوبات الأميركية.
  • – لم يكن سقوط مؤشرات التبادل التجاري لإيران حكرًا على دول المنطقة ودول العمق الاستراتيجي الإيراني، بل توسعت دوائر الميزان التجاري السلبي الخاسر لإيران، لتشمل جميع شركائها الرئيسيين حول العالم.

[1]– الحصة الصغيرة جدًا لصادرات إيران في حجم واردات 15 دولة في المنطقة – https://bit.ly/3dshbWT

[2]– الميزان التجاري السلبي لإيران مع جميع الشركاء الرئيسيين – https://bit.ly/3cJCWC5

[3]– صعود وهبوط تجارة إيران مع 20 دولة – https://bit.ly/3dor47S

[4]– كيف فشلت طهران في تحويل انتصاراتها العسكرية خلال الثورة السورية إلى مكاسب اقتصادية – https://bit.ly/3fDIose

[5]– المرجع رقم 2

[6]– تراجع التجارة بين إيران والصين إلى أدنى مستوى في 16 عامًا – https://bit.ly/2PW6Kmn

[7]– المرجع رقم 2

[8]– توقف التجار الهنود عن التصدير إلى إيران – https://bit.ly/3uo9CqT

[9]– 25٪ انخفاض في تجارة إيران مع إفريقيا – https://bit.ly/3wuQadV