مقاربة الدكتور محمد شحرور أنموذجًا[1]

تمهيد:

أكتبُ هذه الورقة وأنا في قلق فكريّ، وسط عاصفة من أسئلة شائكة وقلقة؛ فبعد مطالعتي لبعض كتابات الدكتور المهندس محمد شحرور، وعرض بعض أفكاره على ما قرأته سابقًا؛ ازدادت عواصف الأسئلة في ذهني، وازددتُ معها شكًا وتفكّرًا ومراجعة لبعض المفاهيم التي تأسست في السياق المعرفي الإسلامي التراثي، وهذا يستلزم أن تكون هناك مدافعة عن كلّ تلك القناعات، ونفض الغبار عن تلك المفاهيم القرآنية، لتعود على وجه الخصوص لسابق تنزلها الأول؛ ويبقى ذلك مطمحًا مشروعًا، على أنه عمل شاق وجاد، خاصة بعد مضي كل هذه القرون من التراكمات التي حوّلتها وحوّرتها عن حقيقتها ونصاعتها. أكتبُ وأنا أحسّ بثقل وقوة ما أطالعه وبمرارة ما وصل الأمر إليه، من جهة، ومن جهة أخرى بجدية الموضوع ومسؤولية كل فرد من أمتنا، وأيضًا بقصور الفكر الإسلامي وبتقصير رجالاته، في عدم وضع مناهج ونظريات مستوعبة للتغيرات الإنسانية والمعرفية، وعدم مسايرتهم للتطورات المعرفية والعلمية والمنهجية.

إن القرآن الكريم، باعتباره كتابَ وجود ومعرفة موضوعية، يكاد يتساوى مع الكون في وجوده الموضوعي والعلمي. وتنزله الأول إنما كان بعدما استكملت الرسالات، وانتهى دور الأنبياء في التاريخ الإنساني، واكتملت الشريعة، وكمل معه استعداد العقل الإنساني لتلقيها، ليتحدث القرآن عن إكمال الدين وارتضائه للناس أجمعين/ للعالمين وتمام النعمة، والكون قد تمّت نواميسه وقوانينه منذ الأزل، وهو منظم بالشكل الذي لا يدع مجالًا لأي خلل أو عبثية أو اضطرابات، والقرآن كذلك في آياته ونظمه ومعارفه وشريعته، لأنه ممتد عبر الزمان والأمكنة إلى يوم الدين.

إن الفهم البشري للذكر الحكيم لا يعني الإحاطة بمعانيه ومعارفه الكلية أو أنه قد هيمن القانون والمنهج النسبي العقلي الإنساني على المطلق القرآني، لأن تعاليه مرتبط بالمطلق الإلهي المتعالي على التاريخي والزمكاني، وبالرغم من ذلك، هنالك فراغات ومجالات يمكن للإنساني أن يتحرك فيها، بفهمه وتأويله، ليساعد في أن يكون النصّ المنزل صالحًا لكل زمان ومكان، إنها علاقة الثابت بالمتحول التي يؤسس لها النص، باعتباره آخر نصّ منزل للعالمين، ليجعل الفسحة للعقل، ويرفع الإصر والغل عن الإنسان في الفهم والتطبيق، ولتتكامل جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، بتعبير المرحوم حاج حمد؛ أو لتتدافع جدلية الكون والإنسان، بتعبير الدكتور محمد شحرور، وليطفح واقع جديد من عطاء لا ينقطع، وهو نتاج ما يتم عن علاقة الوحي بالوجود الإنساني، عندما يحيل الإنسان قضاياه على الوحي، بعد أن تكون نوازل معقدة تحتاج إلى عمل فقهي عقلي متزن، يستحضر معه المسلم كل أدواته الإبداعية وقوته الإدراكية ليستنبط الحكم، ويستنطق النص ليجيب عن أسئلته المحدثة، ويسهم في حراك الواقع وبناء الأفكار وإنزالها لتكون رمادًا ينبجس منها العمران البشري.

د. محمد شحرور: قلق التنوير وآفاق التثوير

يطرح الدكتور محمد شحرور مسائل عدة في فهم النصّ المنزل، ومدخله إلى ذلك متعدد ومتنوع، ويمكن أن نحصر منهجه في أنه منهج لغوي ومعرفي إبستمولوجي، على اعتبار أن التأسيسات التي يعمل على تقديمها تجعل أغلب المفاهيم القرآنية والمصطلحات في مأزق المراجعة والقراءة، وهو غالبًا ما يقوم بالبحث عن أصلها اللغوي العربي، ويقارنه ببنائية ونسقية القرآن، وهو في الوقت نفسه يؤكد أن لغة القرآن هي لغة مركزية، وأن مفاهيمه مؤسسة ذاتيًا، ولا تحتاج إلى أن تُراجع من خارج سياقه ونسقه الداخلي.

فكثير من المفاهيم القرآنية -بحسب الدكتور محمد شحرور- التي عمل المفسرون الأوائل والمتأخرون على صياغة معارف وقواعد على أساسها، سرعان ما تبيّن، بعد قراءة متأنية لأغلب تلك المفاهيم، أن من الممكن زحزحة أغلب التفاصيل العلمية والعملية المرتبطة بها، ومن الممكن أيضًا أن تنقلب تعاريفها رأسًا على عقب؛ فمفهوم الإيمان ليس هو الإسلام، والصلاة ليست هي الصلة، والنبوّة غير الرسالة، والألوهية وما يرتبط بها ليست هي الربوبية وما يرتبط بها، والتحريم غير النهي، والتحليل غير الأمر، وكذلك حال مصطلحات متعلقة بالقرآن، كالبيان والذكر والتفصيل وأم الكتاب واللوح المحفوظ…

وأظن أن أغلب المراجعات التي تمّت، منذ أكثر من قرن إلى الآن، ركزت على القشور -مع الأسف- وعلى بعض الجزئيات التي لا يضرّ زوالها أو بقائها. وعمليات المراجعة التي تمت على مستوى تلك الجزئيات، باسم حركة التجديد أو التحديث أو النهضة، لم تفلح فيها تلك الحركات وغيرها التي انبثقت من الواقع الإسلامي بعدها، فلم يتغير شيء في الواقع الفكري أو الاجتماعي أو الديني والأخلاقي، حتى المراكز البحثية أو المؤسسات والجامعات والمراكز التي تبنت بعض تلك المشاريع، ونوهت بها ونشرتها على أساس أنها تسهم في التغيير عموديًا، بقي أثرها ضعيفًا، فانزوت مشاريعها إلى الرفوف، أو بقيت في أدمغة بعض مبشريها، ونسي الناس كل شيء، وبقي الواقع الإسلامي كما هو منذ بداية الانهيار والتدهور بعد القرون المئة الأربعة الأولى من بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

سِفْرُ “الكتاب والقران” مدخل إبستمولوجي لتجديد فهم الإرث الفكري الإسلامي

تُعدّ دراسة “الكتاب والقرآن” قفزة نوعية وجريئة بحق، بعد أعمال كل من الشهيد السوداني محمود محمد طه الذي عنونه بـ “الرسالة الثانية للإسلام“، ثم مؤلف “العالمية الإسلامية الثانية” للمرحوم حاج حمد أبو القاسم أيضًا، لأنهما تناولا في مشاريعهما مسألة جوهرية: كيف نعود بالإسلام إلى سابق عهده بعد تنزله الأول؟ حيث كان مصدر التوحيد والتزكية والعمران، بتعبير طه جابر العلواني، لأنه انطلق من جزيرة لا تؤمن إلا بتعدد الآلهة وبقوة السيف وشريعته، وبضرورة وأد البنات تحت سلطة المجتمع وتقاليده الأبوية الذكورية، في مقابل مجتمع آخر يؤمن إما بشريعة الغل والإصر -شريعة أهل الكتاب- أو مجتمع مثالي بعيد التحقق، يؤمن بالتساوي والتعاقد، وأن لكل مكانته في المجتمع ودوره بتكريم من الله واصطفاء منه، منذ عهد آدم وحواء.

فإذا كان محمود محمد طه، في كتابه “الرسالة الثانية“، قد طالب بالعودة لتطبيق آيات الأصول المكية التي جاء بها الإسلام ونسختها آية الفروع المدنية، بحكم الظرفية التاريخية؛ وعدم الاستعداد القرشي والإسلامي، وفرق بذلك بين الإسلام والإيمان، ورأى أن الإسلام أسبق وأخص وأعلى درجة من الإيمان؛ فإني أجدني اليوم أمام أطروحة جديدة للأستاذ شحرور، تكاد تقارب تلك الأطروحة خاصة في كتابه: “الإسلام والإيمان منظومة القيم“، لولا تفريقه بين مفهوم الإيمان الذي هو التزام شريعة الله وتطبيقها، وبين الإسلام الذي هو فطرة الناس كافة، مع اختلاف جوهري بين الباحثين، وهو إنكار الأخير للنسخ في آيات القران، وتفصيلات أخرى تخص تطور مفهوم الإيمان والإسلام تاريخيًا.

أما فيما يتعلق بالسُّنّة النبوية، فقد كانت لها مكانة سامية بعد أن توفي النبي، عليه وآله الصلاة والسلام، على الرغم من أنه منع الصحابة من كتابة أي شيء يخص الأحاديث النبوية، فكان الحديث بعد وفاته هو المهيمن على الثقافة العلمية والشعبية، حتى كان الناس يسافرون من أجل الحديث الواحد ليالي وشهورًا؛ ليتفردوا بروايته وكتابته، ثم قعدوا للحديث وصنفوا فيه، واستقل كمبحث علمي خاص، فبوبوه أبوابًا، وفرّعوا عنه علومًا أخرى، فكان الجرح والتعديل وعلم الدراية والرواية والسند والرجال.. بل أصبحت السنة النبوية أساسًا ملحقًا بمصادر التشريع الإسلامي، قبل أن تُصبح مهيمنة على القرآن ومفسرة له وقاضية عليه، بحسب ادعاء بعضهم، فاحتل الفرع -السُّنّة- مركزية الأصل الذي هو القرآن الكريم؛ فاختلطت الثقافة العربية والتقاليد القرشية والاجتهادات والأقضية النبوية، بحكم الظرفية والتنزيل، لتصبح أساسات في الإيمانية الإسلامية، ولينظر إليها على أن الآخذ بها آخذ بناصية الإسلام الصافي، وأن منكرها مبتدع خارج عن السنة والإسلام، فيفسق ويكفر على غير هدى، فاختلطت المفاهيم وتراكمت على الفهوم، على أنها يقينيات وحقيقة إسلامية ودينية نهائية، بعدما دونت المذاهب واكتملت الدورة الحضارية الإسلامية الأولى، فاستمر الوضع على ما هو عليه من فهوم السلف واجتهاداتهم، بل أصبحت مرجعيات يقاس صحة الفهم والعمل عليها، ومصدرًا من مصادر التشريع، وكلّ من خالف ذلك هو مبتدع ومتمسك ببدعة، فعاد الدين الذي كان مصدر ثورة على الواقع الآسن، ليكون أكبر مكرس للواقع الفعلي، فتسللت الإسرائيليات، واستقوت بالنصوص، وتضخمت الروايات الخرافية، فسرت روح التواكل في السلوكات الاجتماعية والعمرانية بعدها، عن طريق التفسير الإشاري الصوفي والتأويل الباطني للنصوص المؤسسة، واختلطت الأصول بالفروع، بعدما تدخلت السلطة الحاكمة لتحدث فصلًا بين دور ولي الأمر المتغلب والعلماء الذين فقدوا صفتي “أهل الحلّ والعقد”، فأمسى الإسلام الناصع منزويًا في نصوصه لا يصل إليه الناس إلا بالمشقة وبعد جهد مستفرغ، بالرغم من أنه أنزل ليرفع عنهم الإصر والأغلال والمشقة، وكرّس الفقهاء مناصب ومقامات أخرى للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- غير التي جاء بها وأطروه بعد نهيه عن ذلك، وأوجبوا الأخذ بما حددوه من سنن، واعتبروها في كل عمل أساسًا متينًا وشرطًا مهمًا، ليكون العمل مقبولًا، وأمست الصفات التاريخية للنبوة وحركات وسكنات شخص النبي وصحابته التي هي أساسًا تصرفاتٌ إنسانية أعمالًا تعبدية مختلطة بالأحكام والتشريعات المحكمة؛ فاختلط الذاتي والعرضي في الممارسة التاريخية للتجربة النبوية في أذهان الناس، بالرغم من أن القرآن حدد مقامي النبوة والرسالة، كما يقول الدكتور محمد شحرور، فلا يوجد مقام آخر إضافي لمحمد -صلى الله عليه وسلم- غيرهما، وعلى الناس أن يأخذوا من قوله تعالى واصفًا رسوله الكريم، بأن خلقه القرآن، وفي ذلك الأسوة الحسنة، لمن يريد أن يستنّ.

إن المجتمع الإسلامي يعيش كغيره من المجتمعات الإنسانية مرحلة مهمة ودقيقة، باعتبار التغيرات التي تطرأ يوميًا، فيستحدث للناس ما لم يعرفوه من مشكلات ومستجدات في مختلف الميادين العلمية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، وهذا يفرض عليه، باعتباره مجتمع رسالة خاتمة، وأن أمته أمة شهود حضاري، أن يكون في مقدمة الركب الحضاري ليدافع مع الناس، من أجل الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وبناء قيم الفضيلة والعدل وقيم الجمال والكرامة، فلا يعذر هذا المجتمع أو ذاك بعجزه، لأن المشاركة الإنسانية في بناء القيم وصياغة مشترك إنساني لخدمة الأجيال القادمة، بله خدمة السلم والتعايش العالميين، لا بد أن تكون كل أمة قد قدّمت مساهمتها ونظرتها وحلولها ومقترحاتها وتصوراتها ومواقفها عن كل متغير محدث في الحياة بشكل إيجابي وبنّاء.

إن عودة المجتمع والفكر الإسلاميَين لمناقشة الأحداث الماضية من التاريخ الإسلامي، من دون وعي أو من دون أن تكون نظرتهم إليه نظرة موضوعية وغير متحيزة بحكم الانتماءات العقيدة أو المذهبية أو الجغرافية، لن تزيد الأمة جمعاء إلا تفرقة وتشتتًا، فتبقى في مؤخرة الركب الحضاري، لا تقدم ولا تؤخر للأمم الأخرى ولا لنفسها نفعًا، وهذا يتنافى مع مفهوم الخيرية التي وصف اللهُ بها الأمة في آيات الذكر الحكيم.

ومع الأسف، منذ أكثر من قرن بعد حركة جمال الدين الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده ومحمد إقبال، ما تزال الأمة تناقش وتبحث في المواضيع نفسها، وأكثرها مواضيع تاريخية، ولا تهم الفرد المسلم المعاصر في أي شيء، لأن أغلبها إما فتاوى مرتبطة بالتاريخ الماضي، أو عقائد وفرق أكثرها أصبح في خبر كان، ليضمه أرشيف التاريخ إليه، أو أحكام وتفاسير قرآنية اختلفت الأمة في فهمها، فبقيت كما هي عليه منذ العهد الأول، فلم تتقدم حركة التجديد بل بقيت حبيسة المقالات والمقولات والردود، ولم تستوعب الحركات التي تبنت مشاريع التغير غير القشور، فبقيت عليها مقتاتة، وبعضها الآخر الذي تبنى الفكرة الإسلامية نادى بالشعارات من دون أن تكون له منهجية يطبق بها، وينزل أفكاره على أرضية الواقع الفعلي، فمثلًا أخذت تلك الحركات شعار تحرير المرأة، ولم تحقق فيه غير النزر القليل، ولا تزال تناقش شرعية خروج المرأة من بيت زوجها من دون إذن بعلها، أو عملها خارج البيت لوقت متأخر أو بدون حجاب، وحتى إرضاع الكبير مخافة وقوع الاختلاء في ساعة العمل، بل حاصر بعضها الفكر النسوي التحرري في أن يكون له موقع أو رأي في كثير من القضايا التي تتعلق بالمرأة وحقوقها، وبقي الفكر والفقه الإسلامي بنزعة ذكورية في تناولهما لقضايا المرأة، متحيزين في إعطاء الحقوق وسحبها عن طريق الفتاوى، وبقيت كثير من القضايا الأخرى حبيسة النوادي والصالونات أو المجالس الفقهية التراثية، كقضية التعدد في الزواج وأحقية المرأة في الاستقلال المالي، وحريتها في الاختيار والفكر والإبداع، فبقي موقعها الاجتماعي غير المساوي لأخيها الرجل كما هو بالرغم من كل النداءات والاتفاقات الدولية.

وبالرغم من كلّ الطروحات الفكرية والفقهية التي تُعدّ ثورية، في مجال التعاطي مع قضايا المرأة في السياق المعرفي الإسلامي المعاصر، والتي تهتمّ بمسألة الزنا والزواج وغطاء الرأس أو الحجاب والطلاق والعورة والإرث.. وهي مسائل كانت محلّ نقاش كثيرين، على اختلاف مشاربهم ومناهجهم، من تاريخانية ومعرفية ومادية.. (منهم: جمال البنا، محمد شحرور، محمود محمد طه، أبو القاسم حاج حمد، نوال السعداوي، عبد الحميد أبا سليمان، الجابري، حسن حنفي، نصر حامد أبو زيد، محمد أركون.. وغيرهم كثير)، وبعض الأفكار تبنتها التنظيمات النسوية التحررية وبعض الفئات المجتمعية ذات التوجه الأخلاقي الليبرالي؛ فإن تلك الأفكار لم تغير على المستوى الاجتماعي الأفقي شيئًا، لأنها بقيت حبيسة إما عند أفراد أو في نقاش أكاديمي، من دون أن تصل إلى الطبقات الشعبية الواسعة، وهذا يجعل المعرفة غير معممة ومنغلقة على فئة معينة.

وأظن أن بعض الآراء التي جاء بها الدكتور محمد شحرور، في مسألة الإرث، عندما عدّ أنه قانون احتياطي يعمل في حال عدم وجود الوصية، ولا وصية لوارث، وفي مفهوم الولد في آيات الإرث وعلاقته بالحجب والدوافع السياسية، ومسألة الوصية أنها المفضلة عند الله، وأنه لا توجد نسبة محددة أو حصص محددة يتوجب للموصي الالتزام بها، وفي مسألة تعدد الزوجات ومفهوم الصداق.. عليها ملاحظات، لا يسمح المقام ولا الإيجاز المطلوب سلفًا بإيرادها.

وبقي أن نقول إن العقل الفقهي السلفي، كما يسميه المستشار عبد الجواد ياسين، والعقل التراثي كما يسميه أحميدة النيفر والجابري، قد نسي أن القرآن جاء لينسخ أحكام بني إسرائيل وتصوراتهم عن المرأة والحياة والعبادة، وضرب مثلًا بمريم العذراء عليها السلام، التي ولدت وذُكرت في التنزيل لتكون آية للناس ومصدر هداية لنساء العالمين ورجالها أفرادًا ومجتمعات، وما كان تركيز الذكر الحكيم على قصة العذراء عبثًا، ونحن نعرف أن المجتمع الذكوري العربي، والقرشي على وجه الخصوص، يعدّ المرأة جنسًا ومتاعًا يُمتلك ويُباع ويشترى، ويعدّها أحقر مخلوقة تورّث مع المتاع، ويستمتع بجسدها، بل كان يدفنها حية مخافة العار والسبي أحيانًا كثيرة، فأنزل سبحانه سورة كاملة باسمهن، وجعل في سور أخرى تشريعات تخصهن وتتحدث عنهن، كما ذكر الله تعالى الوالدين في القرآن، وهما الأب والأم، وذكر معهما الزوجة والزوج والأخت والعمة حتى أحكام النسوة اللواتي لا يرجون نكاحًا. كل ذلك كان تذكيرًا بدور المرأة وتكريمًا لها، وركزت الأحاديث الشريفة على الأمّ، ليتم تكريمها ولتصان مكانتها وتعزز، وأوصى الرسول الأكرم بالنساء خيرًا في آخر حجة له، بل حُببت له الصلاة والنساء في حديث آخر، وضرب الله مثلًا بامرأة فرعون في إيمانها، وببلقيس في حكمتها ورصانتها وحكمها، وببنتي شعيب بحيائهما، وبأم موسى بقوة وصفاء إيمانها وإيجابيتها، وبنساء النبي محمد صلى الله عليه بأنهن أمهات المؤمنين، وبنساء المؤمنين، وأن لهن مثل الذي على إخوانهن من الرجال في المعروف، ولم يفضل الله بعضهم على بعض، إلا في سعي كل واحد منهم للخيرات، وفي سبيل مجتمع قوي مومن وبناء.

وفي ما يخص المسألة الاخيرة (الإرهاب أو العنف الديني)، فقد كان لهذا الموضوع أثر كبير على المسلمين، لأن نظرة الغير قد تغيرت نحوهم، بعد الأحداث الدموية العالمية التي شارك أو ساهم بعض المتطرفين الإسلاميين فيها، ضد مجتمعات إسلامية وغربية على سواء، وقد فتح ذلك البابَ أمام قراءة جديدة للشرعية والمشروعية التي تجعل بعض المسلمين يتطرفون في قراءتهم لآيات من القرآن، تخص تعاملهم مع الآخر المخالف عقديًا أو دينيًا، وكيف تنامى الفكر الاستئصالي عبر قرون في المنظومة الثقافية والاجتماعية والسلوكية الإسلامية، ليكون له هذه القوة والتأثير لدرجة أنه أصبح ظاهرة مكشوفة ومحزنة. وقد قدّم الدكتور محمد شحرور، في كتابه “تجفيف منابع الإرهاب”، تصورًا واضحًا وممتعًا للكيفية التي تطورت بها المفاهيم الإسلامية، لتشهد هذا التحريف والانحراف عبر قرون؛ لتصلنا اليوم وواقعنا قد شهد على أن تلك المفاهيم قد انتقلت من مستوى المفهوم إلى مستوى الممارسة والسلوك الأخلاقي ذي الشرعية الدينية، وأصبح الناس لا يفرقون بين الشهادة والشهيد، والقتل والقتال والجهاد، وتداخلت المفاهيم لتصبح في وعي المسلم المعاصر كلها متشابهة ومتداخلة بل مترادفة، وقد جعل ذلك بعض السلوكات المتشبعة بها عنفية -بامتياز- في تعاملاتها مع الذات؛ أي في استشهادها وحبها للشهادة أو مع الغير في الجهاد والقتل، وأصبح الدين الذي هو منهاج تشريعي راسم للسلوك الإنساني مصدرَ عنف وقتل وتدمير وإرهاب ورعب للجميع، فبعدما أنزل الدين للناس، ليتم التعمير والاستخلاف والشهود الحضاري، ونبّه في آياته ونصوصه إلى أول عنف في التاريخ البشري عنف ابني آدم، ودعا بناء على ذلك للأخذ بالآيات التي تدعو للحكمة والبناء والسلم والصفح أو حتى السماحة واللاإكراه، جاء أناس لينسخوا كل تلك الآيات بآية السيف، لتتحدث وحدها بدل أكثر من 120 آية سلام ودعوة وصفح وحكمة، فتغير السلوك الاجتماعي الإسلامي رأسًا على عقب، بعدما تغير ميزان العقل والشرع والمنطق.

وقد ذكر الدكتور محمد شحرور ملاحظة متميزة، اعتمد في استخلاصها على القياس، فبعد أن صاغ الفقهاء والأصوليون قاعدة أن الأحكام تتغير بتغير الأزمان والأحوال، فقد استدرك عليهم بقوله إن الأحكام تتغير أيضًا بتغير النظام المعرفي، وطبعًا شهد النظام المعرفي الإنساني المعاصر انقلابات وتحولات عميقة، بعد ثورات عدة في مجال العلوم الإنسانية والعلوم الدقيقة، طبية كانت أو فيزيائية أو ميكانيكية، ومكّن ذلك العلم والعلماء من الانفتاح على آفاق علمية واسعة، وانكشفت أمور كانت بالأمس القريب مجال غموض وحيرة للعلماء والعامة، والسؤال الذي نطرحه مع الأستاذ شحرور: هل استفاد العقل الفقهي والإسلامي اليوم عمومًا من التحولات المعرفية والعلمية المعاصرة، في صياغة نظرية معرفية إسلامية قرآنية متجددة، يسهمون بها في تغيير عالمهم ومحيطهم العالمي، وتوجيههما نحو مستقبل إنساني مشترك أفضل؟

عود على بدء:

يُعدّ تجديد الفكر الإسلامي اليوم من أهمّ المطالب، والحاجة إليه آنية، ولم يعد من الكفايات، بل أمسى فرضًا على كلّ من آتاه الله بسطة في العلم وقدرة في البحث والتفقه والتدبر؛ لأن الأمة الإسلامية إذا لم تتفاعل مع محيطها الخارجي وتستجب لمتطلباتها الداخلية وتجدد منهاج تفكيرها وعملها ورؤيتها للواقع المعاش؛ فستبقى تحت وهم “الخيرية”، وتستنجد كلّ مرة بالسلف الصالح ليدركها في قضاياها ونوازلها، من دون أن تكون لها القدرة على قول (لا) للماضي ولسطوته على العقل، فيبقى مستبدًا مشهرًا شرعيته في اللجوء إليه والاستمداد منه كل حين، من دون أي تمحيص أو وعي يمكن به تمييز السقيم من الصحيح، ولا الفاسد من الصالح.

إن حركة التجديد المعاصرة لا يجب أن تسقط في تلك التجزيئيات والتفريعات، أو في فكر التقريب والمقارنة الذي سقط فيه الأوائل، لتجد الأمة نفسها كلّ مرة، ولو بعد حين، واهمة في تكرارها لأحاديث التجديد مع كل قرن، وهي لا تجدد شيئًا، إنما تقتات على بقايا التراث وتشتغل ببحث القشور، وأن الوهن في ذاتها بلغ كل مبلغ؛ لأن العقول الواقية للخيرية وللتجديد لم تترك لها فرصةً للانطلاق نحو أفق أوسع ، وهو أفق العالمية، ومن ثم الانعتاق من كل الخرافات والأوهام الفكرية والمعرفية والمنهجية التي هي مبسوطة في كل بقعة من أرضها، وفي كل جزء من جسدها، تذكرها بأنها أمة لا تزال تعيش عصر التدهور والانحطاط، لم تستكمل بعدُ دورتها في الوفاة، أو كما يسمّيها البعض “الدورة الخلدونية”، قبل أن يكون لها حلم الانبعاث أو التجدد كطائر العنقاء من رماده، بل يجب أن تكون رسالة التجديد واضحة لا رجعة فيها، جدية ومبنية على أسس واعية، تتنبه إلى سقطات الماضي، وتستوعب أسئلة الحاضر، وتستشرف المستقبل البعيد لتهيمن على أغلب صعوباته.


1- محمد شحرور (11 نيسان/ أبريل 1938- 21 كانون الثاني/ ديسمبر 2019)؛ مهندس وباحث ومفكر سوري، وأحد أساتذة الهندسة المدنية في جامعة دمشق، ومؤلف ومنظر لما أُطلِق عليه “القراءة المعاصرة للقرآن”. من أهم مؤلفاته: الكتاب والقران، الدولة والمجتمع، الإسلام والإيمان منظومة القيم، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي فقه المرأة.. وغيرها.