المحتويات

في لبنان

1- مستوى البراعم

2- مستوى الكشافة والمرشدات

3- مستوى الأشبال والزهرات

خلاصة

المناهج التعليمية في سورية

 

 

«لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام».

إنه نداء اليونسكو وهو يلخص قيمة الثقافة والتربية في تخفيف حدّة التوتر بين الشعوب والأمم لبلوغ السلام العالمي.

ولكن ليست أي تربية وأي ثقافة، فهناك دومًا دول وجماعات تستثمر التربية بوصفها أداة لإكساب الطلاب أفكارًا مشحونة بالتعصب، تغذي عواطفهم بفوقية الأنا، في مقابل دونية الآخر واحتقاره، يحدث ذلك بالاستناد إلى: الدين، والطائفة، أو العرق أو الطبقة، تتحول تلك العواطف والأفكار في وقت ما إلى سلوك عنفي فعلي وظاهر.

فالتعليم يعمل وفق أهداف تصوغها القوى المهيمنة في المجتمع، ويُعبّر عنها من خلال معارف وعواطف ومهارات يكتسبها الطالب في سياق العملية التعليمية، وتسهم -إلى جانب عوامل أخرى- في تكوين شخصيته وتتجسد في سلوكه.

ترتبط المعارف والعواطف والمهارات بعلاقة تفاعلية معقدة، يتولد منها اتجاهات مُكتسبة – مُتعَلّمة، ويخبرنا علم النفس الاجتماعي بأن اتساق مجموعة من الاتجاهات وتشابكها في ما بينها يولّد منها قيمًا تكون بمنزلة موجّهات لسلوك الإنسان، ومحكّات لضبط ذاك السلوك وتقويمه، وتتحدد قوة فعلها في التوجيه والضبط والتقويم تبعًا لقوة الرابطة الناشئة بين مكوناتها: المعارف والعواطف والمهارات، ومن العوامل التي تؤثر في قوة تلك الرابطة/ العلاقة أو ضعفها: درجة تحديد الاتجاه، فالاتجاه المحدد بدرجة كبيرة، يتخذ موضعه على متصل عند أحد قطبين (عدو أو صديق، مؤمن أو كافر». وكذلك عندما يقع موضوع الاتجاه في قمة تفضيلات الفرد مُقارنًا بباقي الموضوعات، فالموضوعات ذات الطابع الديني أو الفكري أو السياسي عادة ما تكون الاتجاهات نحوها قوية. فضلًا عن دور الخبرة المباشرة، والمعايشة مع جماعات تحمل الاتجاه عينه، ما يؤدي إلى تمتين الاتجاه ويجري الإفصاح عنه سلوكًا ظاهرًا، الأمر الذي يحيلنا على أهمية الانتماء لجماعة دينية أو سياسية في ترسيخ الرابطة بين أعضائها من خلال وحدة العواطف والمعتقدات التي تجمعهم، وهنا نختلف اختلافًا جزئيًا مع ما أشار إليه بوبكر لياس Boubker LIESS  في معرض حديثه عن الإرهاب حينما كتب: «فالتطرف والعنف لا يرجع إلى شخصية إرهابية، إنما الشخصية الإرهابية تنتج من الانغماس في التطبيقات الإرهابية».([1]) فالثقافة المغلقة -المتعصبة لمجموعة بشرية ما- على سبيل المثال «وهذا نلاحظه في التجمعات السكانية المغلقة في أطراف عدد من المدن الأوروبية» تصاحبها عواطف واتجاهات قد تدفع بأفراد – أو بعض أفراد-  تلك المجموعة للانخراط في صفوف مجموعات تمارس العنف بحق الآخر المختلف عندما يُصوَّر بأنه مُهدد لوجود تلك المجموعة (الشيطان الأكبر)، وهنا نلمس دور التربية بصورها كلّها -نظامية وغير نظامية- بافتراض أنها تعد أهم ميادين تكوين العواطف والاتجاهات والقيم.

بين ظهرانينا دول وكيانات ابتليت نظمها التعليمية بأيديولوجية هي أقرب ما تكون إلى النزعة الفاشية سواء كانت سياسية: قومية الهوى أم ماركسية، أم دينية- مذهبية، جميعها موجهة بسياسات مُعدّة لتحقيق غاية رئيسة هي تنشئة المتعلمين عقليًا وانفعاليًا ومهاريًا على نحوٍ يمكنها إعادة إنتاج تلك النظم، وتأمين استمرارها.

وبغض النظر عن المآلات التي وصلت إليها الدولة الإسلامية في كل من العراق وسورية حتى الآن، وما يمكن أن يؤول إليه وضعها في المناطق الأخرى التي أعلنت إماراتها فيها، فقد أثار نشر مناهجها التعليمية ردات أفعال متباينة تراوحت بين القلق العميق والترحيب القوي بين أوساط مختلفة، وانخرط الباحثون التربويون وغيرهم في قراءة هذه المناهج وتحليلها ([2]).

وقد سمح لنا تحليل المناهج التعليمية (للدولة): أهدافها ومضموناتها وأساليب تعليمها، بفهم العلاقة بين هذه الجوانب وارتباطاتها وتفاعلاتها، والتعرف إلى أهداف تربية أطفال رعاياها، ما يمكننا استخلاص نتائج تعمق فهمنا آلياتِ عمل الأيديولوجية في التعليم.

فـ (الدولة) استثمرت في مناهجها التعليمية وباقي أدبياتها التوجيهية رصيدًا كبيرًا من الأفكار والمعتقدات التاريخية والدينية والعلمية أيضًا، صُمِّمت بغية غرس منظومة اتجاهات وقيم لدى الطلاب تلائم عقيدتها الجهادية – التكفيرية، ومن ثم تحويلها إلى أفعال على أيدي (المجاهدين).

ففي مستوى المعارف تؤكد الأهداف التعليمية لمناهج (الدولة) تحقيق أهداف من مثل أن يشرح، وأن يوضّح، وأن يُعلل، وأن يُقارن، وهي أهداف تنتمي إلى مستويي الحفظ والفهم، وهما أدنى مستويات المجال المعرفي ([3])، ويجري تجنب المستويات العقلية الأعلى: التحليل والتركيب والتقويم، لذا يمكن وصفه بالتعليم التلقيني، وهذه الخصيصة سوف نجدها في النظم التعليمية التوتاليتارية جميعها.

في ما تولي مناهج (الدولة) اهتمامًا ملحوظًا للأهداف الوجدانية، وتسعى لبلوغها مستوى تكوين الاتجاهات والقيم لدى المتعلمين، ومن ثم تمثلها في شخصياتهم لتصل إلى منظومة قيمية ثابتة بمساعدة المعلمين من خلال توجيههم إلى تبني تلك الاتجاهات والقيم.

فعند تلقين الطلاب معلومات تتضمن حديثًا نبويًا بَشّر بعودة الخلافة، وبأن قيام الدولة في العراق والشام إنما هو تحقيق لهذه النبوءة، وأن ما تفعله (الدولة) اليوم إنما هو تسيير لأمور الأمة وقيادتها لتحقيق أمر قتال الكفار حتى يعبدوا الله وحده لا شريك له، ودفع الخطر عن المسلمين المهددين بإبعادهم عن جوهر دينهم؛ ينبني على هذه المعلومات مواقف واتجاهات إيجابية لدى الطلاب نحو دولتهم وأعمالها، في مقابل مواقف واتجاهات منفرة – سلبية تجاه المشركين والمرتدين والطواغيت.

وكي تتجسد تلك الاتجاهات والقيم سلوكًا لدى المتعلمين يولي التعليم اهتمامًا كبيرًا لتنمية مهاراتهم بدءًا من مستوى تقليد المهارة، مرورًا بالتدرب عليها وصولًا إلى أدائها بدقة وسرعة، ثم تطويرها. ومن أهم المهارات التي يجري إكسابها للطلاب تنمية قدراتهم البدنية- الحركية: لياقتهم وقدراتهم على التحمل. فضلًا عن إكسابهم مهارات التعامل مع الأسلحة والذخائر، مع عناية خاصة بمهارات الحاسوب، (فالدولة) بحاجة إلى مبرمجين يجيدون تطوير المنظومة التسليحية، فضلًا عن المهارات الدينية المعتادة. يجري ذلك من خلال وسائل وأساليب متنوعة: النمذجة والتقليد، القصة والشعر والسرد والشرح، فضلًا عن استخدام الرموز الجهادية. وتؤدي مواقع الإنترنت الجهادية دورًا معززًا لما تقوم به المدارس ([4]).

 

في لبنان

أقام حزب الله منظومة تربوية تلبي حاجاته الدينية- السياسية بوصفه حركة إسلامية/ مذهبية – ذات نزعة جهادية، وتكوين توتاليتاري.

لقد كرّس الحزب مؤسساته التربوية النظامية (مدارس المهدي)، ومؤسساته التربوية غير النظامية (كشافة المهدي) لأغراض تعبوية – تربوية تعمل وفق منظومة قيمية حاكمة للنظام التربوي والتعليم الرسمي والعام في إيران يعمل بمقتضاها حزب الله ([5])، تُستمد تلك القيم من المصادر الآتية:

  1. تعاليم القرآن والنبي والزهراء والأئمة المعصومين، وبخاصة الإمام المهدي ومحورية الولاية في مختلف الساحات لتحقيق مجتمع العدل العالمي (المجتمع المهدوي).
  2. التعاليم الأساس للمهدوية والانتظار.
  3. الإرث النظري والعملي للإمام الخميني.
  4. عملية التربية والتعليم في الميادين كافة: عقائدية، عبادية، أخلاقية، اجتماعية، سياسية، بيولوجية.. إلخ تتطابق مع النظام المعياري الإسلامي، ومع ضرورة التزام الأقليات المعترف بها بالدستور الإيراني بهذه القيم.

يشرف على مؤسسات التعليم النظامي لحزب الله (المؤسّسةُ الإسلاميّةُ للتربيةِ والتعليم) التي تُعنى بحسب ما جاء على صفحتها:

1- بناءِ جيلٍ رساليٍّ متعلّمٍ واعٍ يلتزمُ القِيمَ الإسلاميّةَ الساميةَ.

2- تقديمِ أُنموذجٍ تربويٍّ تعليميٍّ إسلاميٍّ رائدٍ يجمعُ بينَ التربيةِ الإسلاميّةِ الأصيلةِ والتعليمِ العصريِّ المميّزِ.

3- إعدادِ إنسانٍ يتحلّى بالروح الإيمانيّةِ والجهاديّةِ والمواطنيّةِ الحقّةِ، والفعّاليّةِ والإنتاجيّةِ.

بدأت (المؤسّسة الإسلاميّة للتربية والتعليم) عملها في العام 1993 بافتتاح أربع مدارس يطلق عليها (مدارس المهدي)، ويبلغ عددها اليوم أربعة عشر مدرسة تتوزّع في مناطق متنوعة من لبنان، وتكوّن منظومة تربوية متكاملة تضم مراحل التعليم ما قبل الجامعي بدءًا من رياض الأطفال حتى نهاية المرحلة الثانوية.

تُعد المناهج وكلّ ما له ارتباط بالشأن التربويّ، وتصدر القصص المطبوعة، والوسائط المسموعة والمرئية مستفيدةّ من التكنولوجيا الحديثة ونتائجِ العلومِ ومن تجارب الأممِ وخِبْراتِها، ومعتمدةً على جهازٍ رساليٍّ ومتخصِّصٍ تربويًّا وتعليميًّا وإداريًّا، وبمشاركةٍ فاعلةٍ من الأهل ([6]).

يعطى النشاط الصفي واللاصفي في مدارس المهدي اهتمامًا كبيرًا، من خلال الأندية المدرسية: هو نشاط موجه للتعبئة الدينية- المذهبية، يستثمر في ألوان النشاط جميعها؛ الفني واللغوي والعلمي والرياضي وغيرها، مُشرّب بالأفكار المذهبية-الجهادية، يرد بصور متنوعة: صلاة، أدعية، هتافات وشعارات، أناشيد، عرض صور الشهداء، أدعية وتلاوة.

يساعد في تحقيق هذا النشاط وفرة الإمكانات المادية لمدارس المهدي، فالمدرسة تمتد على مساحة واسعة من الأرض، تضم قاعات احتفالات، ملاعب مكشوفة، ملاعب مغلقة، مخبر علوم، مخبر كومبيوتر، قاعات نشاط حركي، قاعات نشاط فني، حديقة ألعاب أطفال، مشغل التكنولوجيا ومسارح وصالات رياضة ونشاط ومدرجات. وغالبًا ما يكون النشاط موجهًا توجيهًا صارمًا، بعيدًا عن العفوية، وغير ملب لحاجات الأطفال النمائية: النفسية والجسدية والمعرفية.

ويتولى التعليم غير النظامي جمعية كشافة المهدي وهي تنظيم يتبع لحزب الله، ويضم عشرات آلاف الأطفال والفتية والشباب ([7]).

تأسس تنظيم كشافة المهدي عام 2016 يمنح شهادات مصدقة من الكشافة الوطنية/ اللبنانية. هدفه استقطاب أبناء الطائفة الشيعية والعمل «على بلورة وعيهم وإعداد أجيال جديدة معبأة بالإيمان الإسلامي، الشيعي، الراديكالي الذي يرعى فكرة عودة المهدي بوصفه قيمة إيمانية مركزية في حزب الله».

تعد كشافة المهدي رافدًا بشريًا أساسيًا للجسم العسكري في حزب الله، فأغلب منتسبي الكشافة يلتحقون بـ (العمل الجهادي) بعد عمر 16 سنة. وتسمى أول دورة عسكرية ينخرطون فيها بـ (محو الأمية)، يتعرف خلالها المراهقون إلى مبادئ علم السلاح، وكيفية التصويب وإطلاق النار على أهداف ثابتة.

ثم تبدأ بعدها الدورات الصيفيّة المكثّفة فيتخرّج هؤلاء الشباب بعد عامين مقاتلين متمرسين في مختلف أنواع الأسلحة، ويصبحون مستعدين لخوض أعنف المعارك تلبية لفتوى المرشد الإيراني، وأوامر الأمين العام لحزب الله.

تمارس كشافة المهدي تعبئتها من خلال نشاط موجه ومتنوع نذكر منها: التدرب على الأعمال الكشفية المعروفة، إحياء المناسبات الدينية وبخاصة الشيعية، تبادل الوفود مع كل من العراق وإيران. إقامة دورات التأهيل الفني والإنشاد الديني، ونشاط الإنترنت، ونشاط بيئي، ونشاط في وسائل التواصل، ونشر ثقافة الحجاب، وحملات تعجيل الفرج، ومباريات في حفظ القرآن، وفي عاشوراء تنظيم المسيرات والمسرحيات العاشورائية. وإجراء مسابقات ومنح الأوسمة، وعقد ورش ودورات، فضلًا على إصدار عدد من المجلات: المهدي، وشباب، وتسنيم.

وفي صفحات منتدى مهدي الكشفي نجد محاور عدة: كشفية، وقيادية، ونشاط، ودين، وإعلام، كلها ذات مضمون ديني تُعرَض في قوالب متنوعة. نأخذ من محور النشاط مثالًا:

 

1- مستوى البراعم

 

 نشاط الوصية الأساس

أقاوم لأحمي وطني، قصّة: سرد قصة.

أرسم المقاومة بريشتي، تنفيذ نشاط فني.

 

2- مستوى الكشافة والمرشدات

العنوان الجهاد والمقاومة: 25 أيار/ مايو عيد المقاومة والتحرير وهذا النشاط له أغراضه:

– أن يحفظ المتدرب حديثًا حول الجهاد في سبيل الله.

– أن يذكر أبرز الحوادث في مرحلة انطلاقة المقاومة.

 

3- مستوى الأشبال والزهرات

عنوان النشاط: الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يساعدنا في غيبته.

الأغراض التي يحققها النشاط:

1- أن يتعرّف المتدرب إلى مواصفات دولة الإمام المهدي.

2- أن يستنتج أن الإمام المهدي يساعدنا في غيبته.

مواصفات الدولة الكريمة:

ذَكَرت الرّوايات مميِّزات دولة الإمام المهدي (عج) التي سوف يُقيمها بعد حرب 8 شهور مع أعدائه، ويسيطر على الكرة الأرضيّة بأكملها، فلنتعرَّف إلى صفات هذه الدّولة الموعودة:

  1. المساحة: كوكب الأرض.
  2. العاصمة: العراق (الكوفة بالتّحديد).

4- مستوى الجوالة والدليلات. نشاط: واجباتي في زمن الغيبة

المادة العلمية، من الواجبات:

  1. انتظار فرجه وظهوره عليه السلام.
  2. الدعاء لتعجيل ظهوره، وطلب الفتح والنصر له (عليه السلام) من الله تعالى.
  3. الاغتمام والبكاء لفراقه عليه السلام ولمظلوميته.
  4. التصدّق عنه عليه السلام بقصد سلامته.
  5. معرفته عليه السلام.
  6. طلب معرفته عليه السلام من الله عز وجل.
  7. إعداد السلاح للجهاد بين يديه.
  8. الثبات على الدين القويم، وعدم اتباع الدعوات الباطلة.
  9. الصبر ([8]).

 

 

خلاصة

يقترن مفهوم التربية في منظومة حزب الله بمفهوم التعبئة التي تشدد أبعادها على التعبئة الدينية- المذهبية، والتعبئة السياسية- العسكرية. وتحشد المعارف العلمية والنشاط الصفي واللاصفي لبلوغ تلك الأبعاد.

والتعبئة بهذا المفهوم لا تحتاج إلى إعمال المتعلمين عقولهم، وتشغيل وظائفها المعقدة من مثل التحليل والنقد والتركيب والتقويم. بل يكفي التركيز على حفظ المعلومات وفهمها، وإتقان المهارات المراد نقلها للمتعلمين مع تكثيف تكرارها وتنويع سبل الحصول عليها. وبالطبع يكون للمعلم – المربي دور بارز، فهو ناقل المعلومة، وهو القدوة في سلوكه للمتعلمين- المتدربين.

والمتأمل في حالة اتباع حزب الله يراهم جماعة لا تعرف الراحة أو اللهو، كبيرهم وصغيرهم، إنهم غارقون في التعبئة والجهاد الديني والسياسي والاجتماعي وغير ذلك، بإشراف كوادر قيادية مُعدة ومدربة، ومؤمنة برسالتها، منتظمة في هياكل شبه عسكرية.

وللجهاد عندهم عناوين متنوعة: مقاومة المحتل الصهيوني، حماية المراقد الدينية، قتال الجهاديين التكفيريين، نصرة المظلومين.. إلخ. ساحات جهادهم تمتد من لبنان إلى سورية واليمن والعراق، وأي مكان يٌطلب إليهم الجهاد فيه. ينتظرون وصول المهدي، يجتهدون كي لا يطول الانتظار، يمهدون بجهادهم ولادة الدولة المهدية بإزالة عقبات ولادتها مهما كانت تكلفة إزالتها. كبيرهم وصغيرهم غارق في عواطف الشعور بالذنب، والتعبير عنه بالاغتمام والبكاء والندب والتذكير بالمظلومية، والتوعد للآخر.

 

المناهج التعليمية في سورية

وفي الجهة الأخرى تُؤدي المناهج التعليمية في سورية وظيفتها من خلال ما تقدمه للطلاب من أفكار ومفهومات وقيم هي خليط من أيديولوجية حزبية مُنحازة، ومفهومات (مدنية) مشروطة بتلك الأيديولوجية، غايتها تنشئة الطلاب وإعدادهم سياسيًا وعسكريًا ([9]) بوصفهم أدوات لتكريس استمرار النظام المسيطر.

فكتب التربية الاجتماعية والتربية الوطنية في المناهج السابقة والمعدلة على السواء تروج لأفكار مثل: الحزب ودوره في معارك الاستقلال عام 1946 وعدّه محرر العمال والفلاحين من الإقطاع والرأسمالية، وتحشو عقول الطلاب بمعلومات عن مؤتمرات الحزب، وتُطنب في الحديث عن (الحركة) التي قادها حافظ الأسد وعدّها منطلق العمل الوطني التحرري، ونقطة البدء لنهضة سورية اجتماعيًا واقتصاديًا، وأن الأب القائد جعل سورية قلعة يهابها الجميع، وهو شخصية تاريخية إلى جانب صلاح الدين الأيوبي وزنوبيا ملكة تدمر، وأقواله إضافة إلى أقوال وارثه (بشار) فضلًا عن صورهما تملأ صفحات تلك الكتب.

من جهة أخرى تقدم المناهج رؤية الحزب حول مفهومات وموضوعات تتصل بالتربية المدنية منها: الديمقراطية والانتخابات، والتعددية السياسية والاستقرار السياسي، وحرية التعبير، وتكافؤ الفرص، والمساواة أمام القانون، وحرية وسائل الإعلام. وخطر إرهاب الدولة بوصفه عملًا عنفيًا تقوم به الحكومة بقصد قمع الحريات المشروعة لشعبها، ومثاله إرهاب إسرائيل. وتتناول اتفاقات جنيف لعام 1949 بوصفها مرتكزات للقانون الدولي الإنساني. يجري ذلك كله داخل بيئة مدرسية يمكن وصفها بـ «المدرسة الثكنة العسكرية: فالمدارس الرسمية جميعها ذات أسوار مرتفعة، وبوابات حديدية سوداء، وجدران بلون التراب. ما أدى إلى تعميم الانغلاق الفكري الثقافي والسياسي، والدوغمائية، والولاء والطاعة، والتزلف للسلطة» ([10]).

مضى على اندلاع الثورة السورية سبع سنوات، وبلغت المأساة التي فجرها النظام في وجه أغلبية أبناء المجتمع ذروتها، تأكلت معها مقدرات المجتمع البشرية والمادية والبيئية وتقترب أسسه من حافة الانهيار.

لا بد للحرب أن تنتهي وأن يستجاب للحكمة السورية التي أطلقها بعل – الإله السوري -متوجهًا إلى الإلهة عناة- إلهة الحب والحرب – «بأن أقيمي في الأرض وئامًا وابذري في التراب محبة واسكبي السلام في جوف الأرض وليهطل الحب مخترقًا جوف الحقول».

ولا بد أن يعود النازحون واللاجئون- أو بعضهم– إلى بلداتهم وقراهم ومدنهم. وأن يتمكن السوريون من إعادة بناء حياتهم السياسية عبر دستور مدني وانتخابات ديمقراطية.

عندئذٍ، لابد من البحث عن أنموذج تنموي يلبي حاجات السوريين، ويُمكّنهم من العمل والعيش الكريم المتحرر من الفقر والمرض، والضامن لحقوقهم من دون تمييز.

ولا بد من البحث عن فلسفة تربوية قادرة على تنشئة الإنسان السوري وتكوينه بعيدًا عن روح التعصب والحقد، مؤمنًا بل راغبًا في قيم التسامح والعيش المشترك، وحكم القانون، والعدالة والديمقراطية ومستعدًا لممارستها.

فالنُهُج التنموية التي اتبعها النظام السوري في السنوات التي سبقت وأعقبت اندلاع الاحتجاجات الشعبية، قادت إلى مزيد من الأزمات والانهيارات على الصعد كافة: الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، إلى حدّ حدوث الاستعصاء بين بنية الحُكم والعلاقات الاقتصادية – الاجتماعية التي أنتجتها من جهة، وقوى المجتمع الحية وتطلعاتها من جهة أخرى، الأمر الذي أضرّ بجميع منظومات المجتمع ومؤسساته: الاقتصادية- الاجتماعية والثقافية والسكانية والصحية والتعليمية والبيئية، فضلًا عن السياسية، فكانت انتفاضة آذار/ مارس 2011 تعبيرًا عن إرادة حل الاستعصاء/ التناقض ووعدًا بانفتاح آفاق جديدة لأبناء المجتمع.

وهو ما يطرح التنمية المستدامة ضرورة لإعمار سورية، وتبدو التربية على التنمية المستدامة أمرًا حيويًا، وخيارًا ضروريًا من أجل إعادة بناء ما تخرّب من رأس مال بشري واجتماعي واقتصادي، وبخاصة عندما يجري توجيهها وفق منهج الحقوق، تربية تحولية تُمكّن المتعلمين ابتداءً من مستوى ما قبل المدرسة وحتى نهاية التعليم العالي ليكونوا –أفرادًا وجماعات- قادرين على المشاركة الفاعلة في تخطيط عملية التنمية المستدامة وإدارتها بجوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والبيئية، توفر التقدم والعدالة والإنصاف والحقوق للأجيال الحاضرة والآتية، من خلال إكسابهم المعارف والقيم والاتجاهات والمهارات اللازمة.

 

([1]) Bouber, Liess., (2006): Le terrorisme définition histoire. Idéologie et passage à l’acte. Alger: Chihab éditions.

([2]) راجع: يعقوب أولديروت، «داخل صف الخلافة: الكتب الدراسية والأدب التوجيهي وطرق التلقين الخاصة بتنظيم الدولة الإسلامية»، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، (15 تموز/ يوليو 2016).

http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/inside-the-caliphates-classroom?lang=ar

و: ريمون المعلولي، «الأيديولوجية والتعليم في دولة الخليفة البغدادي».

http://www.washingtoninstitute.org/ar/fikraforum/view/ideology-and-education-in-baghdadis-caliphate

([3]) بحسب تصنيف بلوم للمجال المعرفي: ترتيب المستويات من البسيط إلى المعقد: الحفظ والفهم، التحليل والتركيب والتقويم.

([4]) انظر مثلًا http://www.mltaka.net/forums

([5]) انظر وثيقة التحول البنيوي للتعليم النظامي في إيران صدرت في عام 2010.

([6]) انظر: http://www.almahdischools.edu.lb

([7]) انظر https://www.youtube.com/user/almahdiscouts

([8]) http://montadamahdi.net/essaydetails.php?eid=6085&cid=26

([9]) كان التدريب العسكري مادة في مناهج التعليم لطلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية حتى عام 2004 وما زالت معتمدة في المرحلة الجامعية.

([10])  انظر مقالة: The Ideology of Authority: 50 Years of Education in Syria D r. Ra ymon Al- Maaloli The Washington Institute. Fikra Forum April 28, 2016