تمهيد

تدهورت أوضاع جامعة دمشق، بعد أن أُخضعت للتسلط والاستبداد والبيروقراطية القاتلة، وابتعدت عن أهدافها في التعليم والتنوير وحمل مشعل التقدم والنهضة، وغاب دورها في ربط المجتمع بحركة التقدّم التي يعيشها العالم في مختلف الميادين. وليس الهدف من هذه الإضاءات شخصنة الحوادث وتصفية حسابات، بل أن تُسهم معرفة ما يحدث في تقويم الانحراف، وإصلاح ذات البين، عسى أن تتمكن الجامعة يومًا من أن تأخذ دورها، كصرح علمي معرفي تنويري، وتستعيد مكانتها العلمية الثقافية التربوية التي فقدتها، بفعل ما تعرضت له من عسف وعنف، وخروج على القواعد الناظمة لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي.

يصعب الإحاطة بكل ما أصاب الجامعة من خلل وضعف، فهذا يحتاج إلى دراسة شاملة وبحث معمق، وربّما يأتي الوقت المناسب لمثل هذه الدراسة. ولكني آمل أن تساعد هذه الإضاءات في تلمّس الحلول وفي التقدم نحو سواء السبيل، في المستقبل القريب.

عاصرت هذه الجامعة لمدة تتجاوز 40 سنة؛ طالبًا في كلية الآداب، منذ 1969 حتى 1973. ثم انتقلت إلى كلية التربية، منذ 1973 حتى 1975. وعُيّنت معيدًا فيها في قسم علم النفس، وأوفدت للدراسة في فرنسا، في تشرين الأول/ أكتوبر 1976. ثم عدت إليها في تموز/ يوليو 1988، ثم غادرتها مكرهًا في آذار/ مارس 1999، بضغوط من النواة التي تشكلت حول “ابن الرئيس” في تلك الفترة، وعدتُ إليها مجددًا في أيلول/ سبتمبر 2009، لأواجه بتصميم رأس تلك النواة (علي سعد العميد السابق ووزير التربية في الوزارة التي أخذت سورية نحو الكارثة)، على منع عودتي إلى الكلية الأم في دمشق. عُينت في كلية التربية الثانية في السويداء بعيدًا عن العاصمة. واضطررت مجددًا إلى المغادرة في نهاية آب/ أغسطس 2013، بعد تكرار التحقيقات الأمنية.

عبر هذه المرحلة التي تتزامن مع المرحلة الأسدية، عشت التغيرات التي عرفتها الجامعة، وشاهدت الوقائع والأحداث التي ألمت بها. وأتيحت لي الفرصة للدراسة والتدريس في بضع جامعات عربية وأجنبية. لا شيء يشبه الفساد الذي أصاب نظام الأسد، حيث سيطر منطق العسف والعنف، منذ تعيين سيئ السمعة، رفعت الأسد (العريف السابق في المخابرات) مسؤولًا عن التعليم العالي. فقدت الجامعة استقلاليتها وتنازلت عن التقاليد الأكاديمية، وتجاهلت المعايير العلمية، وأصبحت مغلوبة على أمرها. أدى تغييب الحريات إلى استفحال البيروقراطية وفقدان المبادرة وغياب الإبداع، فأصاب ذلك المؤسسات المختلفة بشلل عام، وأدى غياب القانون والقواعد الناظمة للعمل إلى تصاعد الفساد وانتشار الرشوة. وأصبح الخطأ والانحراف هو القاعدة، والتزام النظام والقانون هو الاستثناء.

التعيين في الجامعة وتعادل الشهادات

بعد عودتي إلى البلاد، من فرنسا بلد الإيفاد، في تموز/ يوليو 1988، وضعت نفسي تحت تصرف الجامعة نفسها التي رفضت التعيين بعد الحصول على دكتوراه الحلقة الثالثة في عام 1981، وطلبت دكتوراه الدولة (ألغي هذا النظام في فرنسا، وتم إقرار شهادة دكتوراه واحدة، أعلى من دكتوراه الحلقة الثالثة وأقل من دكتوراه الدولة)، كشرط للتعيين في عضوية هيئة التدريس، علمًا بأني تقدمت بتقرير يوضح ضرورة أن تقبل الجامعة بتلك الدكتوراه، في بعض الاختصاصات على الأقل، حيث لا طائل من قضاء مدة تزيد عن 6 سنوات في الدراسة في الخارج، لما لذلك من آثار مادية ونفسية، بحيث يصبح من الصعب عودة الموفد، بعد انقضاء وقت طويل في بلد الإيفاد.

أخبرت الجامعة بتقرير مفصّل بأن البدء بدكتوراه الدولة سوف يستوجب التأخير ويأخذ سنوات طويلة (11 سنة)، ولكن لا حياة لمن تنادي؛ فالبيروقراطية السورية أصبحت مضرب المثل، استغرق الحصول على دكتوراه الدولة ست سنوات، إضافة إلى أربع سنوات سبقتها للحصول على دكتوراه الحلقة الثالثة، وسنة كانت مخصصة لتعلم اللغة الفرنسية.

 بدأت الجامعة تقبل شهادات، من الاتحاد السوفيتي ومن رومانيا، مثلًا، لا تعادلها (يونيسكو) كشهادة دكتوراه، ولا تؤهل حاملها للتعيين في عضوية هيئة التدريس، وهيّ أقل من مستوى دكتوراه الحلقة الثالثة الفرنسية. في تلك المرحلة، تمكن الموفدون (معظمهم من بعثات رفعت الأسد) العائدون من الجامعات الشرقية، من استصدار قرارات الاستثناء من القيادة القطرية لحزب البعث. وبعد سنوات، تم تعيينهم في مراكز قيادية وإدارية في الجامعة، فسيطروا على مختلف مفاصل الجامعة التي أصبحت تُدار من قبل أجهزة الظل (أجهزة المخابرات). هذا الوضع أحدث تحولًا خطيرًا في مسيرة الجامعة التي بدأت تجنح نحو العلاقات الفاسدة التي تقوم على المحسوبية وتتعارض مع الحياة الأكاديمية. بدأ المستوى العلمي بالتدهور، وتراكم هذا التدهور عبر السنين، بحيث لم تعد جامعة دمشق من الجامعات المصنّفة، عربيًا أو عالميًا، وصار ترتيبها يأتي في أسفل سلّم جامعات العالم.

محاضر بانتظار التعيين

بناء على طلب عميد كلية التربية، ونظرًا للحاجة الملحة لأعضاء هيئة التدريس، قمت بتدريس المحاضرات، من خارج الملاك، بانتظار أن أتمكن من إنجاز إجراءات التعيين. بعد التقدّم بالأوراق والوثائق المطلوبة، علمت بأنه يستحيل الحصول على أجور هذه المحاضرات إلا في نهاية العام الدراسي، في شهر أيلول/ سبتمبر، تلك الأجور التي لم تكن كافية لتغطية مصاريف النقل! إذ كانت أجرة الساعة 50 ليرة سورية (دولار ونصف)، في حين كانت كلفة التكسي، من جرمانا (حيث أسكن) إلى الكلية في المزة، تزيد على ذلك في العام الجامعي 1988-1989!

سبق أن عملت في وظيفة Maitre de conférences مدرّس محاضر في جامعة بيزانسون، على أساس دكتوراه الحلقة الثالثة التي تقبل بها جامعات فرنسا، بمرتب يعادل 80 ألف ليرة سورية شهريًا، في حين أصبح مرتبي في جامعة دمشق لا يزيد عن 5 آلاف!

في شهر أيلول/ سبتمبر، سألت المحاسب عن أجور محاضرات سنة كاملة! فأجاب: “دكتور، المعاملة جاهزة، ونحن ننتظر موافقة الأمن”! فقلت له: “وإذا لم يوافق!!”، فقال: “لا نستطيع أن نصرف قرشًا واحدًا”! يعني عملنا سنة يكون “بلوشة”! في الحقيقة لا يتمكن رئيس الجامعة أو وزير التعليم العالي من تكليف أحدهم بمحاضرة إلا بعد الحصول على موافقة أجهزة الأمن.

استغرقت إجراءات التعيين أكثر من سنة ونصف، إجراءات شبه تعجيزية، أكثرها تعقيدًا تعادل الشهادة، بعد ترجمة أطروحة الدكتوراه إلى العربية، ووثيقة “التبرع بالدم” (تبرع إجباري) والموافقة الأمنية. كنت أشعر بالخيبة والإحباط، فلم أفعل شيئًا لتسريع هذه الإجراءات ودفعها قدمًا، بعد أن أدركت أن راتب دكتوراه الدولة المقطوع هو 3600 ل س! أي حوالي مئة دولار! راتب لا يكفي لدفع ايجار شقة في مناطق العشوائيات! لكني وافقت على أن أكون محاضرًا من خارج الملاك، كي أبقى على قيد الحياة العلمية، من خلال التواصل مع الطلاب والزملاء.

ابتعدوا، سيدخل السيد الرئيس

ذات يوم، اتصلت بي ذاتية الجامعة تطلب مني متابعة قرار التعيين، لكيلا يبقى سنوات متنقلًا في الأدراج! ذهبت إلى الذاتية التي كانت في البناء العريق القديم مقابل التكية السليمانية، ذي الأبواب العالية والبهو الفسيح، وعند نزول الدرج العريض، إذ بالباب العالي يفتح على عجل، فتحه شخص ينادي “ابعدوا.. ابعدوا يا شباب، السيد الرئيس جاي”! لم أكترث لأني أيقنت بأن من سيدخل هو أحد الرؤساء “الصغار”، ولو كان الرئيس الكبير لقطعت الطرقات وأقفلت جميع الأبواب. تابعت السير نحو البهو، حيث اقترب “سيادة الرئيس”، وشعرت بالصدمة عندما رأيت زياد شويكي، رئيس الجامعة! ناديتُ بأعلى صوتي الشخص الذي يريد من الجميع أن يبتعدوا، قلتُ له بصوت مرتفع ليخترق أذني الرئيس “الصغير”: “هل تريد منا أن ننبطح أرضًا ليمرّ السيد الرئيس؟ نحن أساتذة، ألا يحقّ لنا المرور بالقرب من السيّد رئيس الجامعة؟!”. يبين هذا السلوك العقلية السائدة وطبيعة عقلية العجرفة والاستعلاء، عند أهل السلطة وأتباعهم، في تقليد من هو على رأس “الهرم”، في مظاهر العظمة الفارغة، وقد تحوّل إلى حالة مرضية، حالة تضخم الأنا وازدراء الآخر (الشعب).

كان محافظ السويداء داوود دنحو، على سبيل المثال، يأمر بقطع الطريق لينتقل من مسكنه الذي لا يفصله عن مكتبه المقابل لدار الحكومة (السرايا)، سوى الشارع، وهي مسافة لا تزيد عن 50 مترًا، وينتقل بموكب تحيط به دراجات المرور من جميع الجوانب. لا يكترث بتعطيل حركة الناس (الشعب) ومنعهم من المرور وإلحاق الشلل في جزء كبير من المدينة، المهم إرضاء هذا النزوع المرضي نحو تقليد أولياء النعمة في مظاهر “العظمة” الفارغة، في وقتٍ لا يتردد زعماء الدول المتقدمة في التنقل -كمواطنيهم- في وسائل النقل العام.

ذكرتني هذه الحادثة برئيس الجامعة في عام 1975 المرحوم د محمد الفاضل، أحد الذين اغتالهم رفعت الأسد، كما يتردد، عندما استوقفناه في الطريق بالقرب من بناء الجامعة، ووقف معنا مدة زمنية طويلة، كنا معيدين وطلابًا حديثي التخرج، كان يصغي لنا ويسمع باهتمام وجهة نظرنا… وقتها لم يكن للرؤساء كل تلك الرهبة الفارغة أو كل تلك الهيبة المصطنعة….

الأوراق المطلوبة للتعيين

التعيين الأول

الجامعة، كغيرها من مؤسسات الدولة، تعاني حالة من الترهل والجمود والبيروقراطية، أصابتها بما يشبه الشلل، كانت الأوراق المطلوبة في ملفّ التعيين شبه تعجيزية، قد يستغرق إكمالها ما يزيد على السنة. كانت وثيقة التبرع بالدم، من أكثر هذه الأوراق غرابة، ذهبت إلى بنك الدم، وقلتُ لهم إني “غير قادر على التبرع بالدم، لا نفسيًا ولا جسديًا”. مع غياب “الواسطة”، لم أتمكن من الحصول على إعفاء. فقلت لهم: “بصراحة، لا رغبةَ لي في هذا التبرع، لو كانت البلاد في حالة حرب، وهناك حاجة إلى إنقاذ حياة البشر، فسأكون في مقدمة المتبرعين، اتركوا لنا دماءنا، على الأقل، بعيدًا عن المتاجرة”. غادرتُ المكان رافضًا الإذعان لهذا “التبرع” الإلزامي، حتى لو رفضت الجامعة قبول الملف.

علم أخي، الضابط في شرطة المرور، بما حدث؛ فأتاني ذات يوم حاملًا لي وثيقة إعفاء من التبرع بالدم، من دون أن أطلب منه ذلك. كان يرافقني أحيانًا في المراجعات. كنتُ ألاحظ أن السيد (ف. ط) أمين الجامعة، يقف مرحبًا مبتسمًا، عندما ندخل كلانا إلى مكتبه. في إحدى المرات ذهبت إليه وحدي، فاستقبلني ببرود وردّ السلام بصوت خافت، فقلتُ له صراحة إن استقباله لا يكون حارًا إلا عندما يسمع وقع حذاء عسكري عند فتح الباب. يؤشر هذا السلوك ويعبّر عما يحدث في الجامعة، وفي البلد.

بعد استكمال الأوراق اللازمة، يجب ترجمة أطروحة الدكتوراه إلى العربية، وانتظار لجنة معادلة الشهادات لتتخذ قرارها، وهذه الإجراءات تستمر أشهرًا طويلة. يرتبط كل ذلك بالموافقة الأمنية فهي الورقة الملك، فعدم الموافقة الأمنية يلغي كل شيء. استغرقت هذه الإجراءات قرابة سنتين!

مقارنة مع إجراءات التعيين في كلية التربية الأساسية في الكويت

عندما ذهبت إلى كلية التربية الأساسية في الكويت، وصلت إلى المطار بعد الظهر في 4 آذار/ مارس 1999، دخلت إلى قاعات المحاضرات في صباح اليوم التالي. وطلبوا مني فقط أن أوقع تعهدًا يتضمن أن العقد المبرم بيني وبين الكلية ساري المفعول، من تاريخ يوم مباشرتي العمل، بشرط أن يتم التحقق من صحة الوثائق والشهادات المقدمة. بعد أشهر عدة، جاءني كتاب رسمي من وزارة التعليم العالي، يبين أنه تم إرسال الشهادات إلى مصادر الحصول عليها، وتم التحقق منها، وهي تؤهل صاحبها للتعيين. وهكذا لم أتوقف عن العمل، يومًا واحدًا، بانتظار مثل هذه الإجراءات.

 لماذا لا تفعل جامعة دمشق الشيء نفسه؟ وتختصر هذا الوقت الضائع على الجامعة وعلى الطلاب وعلى صاحب العلاقة. الكويت هذا البلد الناشئ حديثًا، وجد طريقه إلى الإدارة السليمة، وإلى المرونة التي توفر طاقات البشر وتمنع الهدر في الوقت والجهد، في حين أن سورية البلد العريق تعجز عن اجتراح الحلول لمشكلاتها، هذا في ميدان التعليم العالي، فما بالك في الميادين الأخرى؟!

التعيين الثاني

بعد عملي في جامعات الكويت، قرابة عشر سنوات، رغبت في العودة إلى كليتي، كلية التربية في جامعة دمشق. وافق القسم العلمي وأبدى حاجته وترحيبه بعودتي، إلا أن “معالي” وزير التربية، في تلك الفترة (2009) الذي كان عميدًا سابقا للكلية، استمر في وضع كلية التربية في دمشق تحت وصايته، وكأنها مزرعة ورثها من والده، كان يعين عميدها، وأبقى كل ما يجري تحت رقابته، كانت عينه على الكلية، لم تشغله الوزارة عن ذلك. وهو يعدّني من خصومه القدامى، فوضع خطًا أحمر على عودتي، وقوبل طلبي بالرفض، في مخالفة صارخة لكل المعايير الأكاديمية؛ إذ إن القسم العلمي هو الذي يتخذ القرار وفق الحاجة العلمية، حاجة العمل التدريسي أو البحثي. اعتذر مني عميد الكلية في تلك الفترة، لرفض عودتي إلى الكلية، مبررًا أن الأمر خارج عن إرادته. ثم اقترحت عليّ الجامعة التعيين في كلية التربية الثانية في السويداء، بهدف التهميش والإبعاد عن العاصمة. ووافقت على هذا الاقتراح، وبدأت رحلة شبه مستحيلة استمرت 18 شهرًا للحصول على قرار التعيين..

أولاـ طلبت الجامعة أن أدفع مبلغ 300 ألف ليرة سورية قبل البدء بأي خطوة، حيث اتخذ مجلس الجامعة قرارًا بتغريم كل من يتأخر في العودة إلى الجامعة بعد الإعارة. أنا ذهبت من دون استئذان ودون إعارة، إلا انهم اعتبروا أن القرار يشملني، فمن يتأخر سنة يدفع 100 ألف، و200 ألف عند التأخير سنتين، و300 الف لمن يتأخر أكثر من 3 سنوات.

 حاولت مقابلة رئيس الجامعة، لمناقشة هذا الأمر المخزي. فهم يتشدقون ليل نهار، ويشكون هجرة الأدمغة والكفاءات، ويعملون ما بوسعهم لطردها، ووضع العراقيل في طريق كل من يحاول العودة إلى البلاد، لم أوفق في الحصول على موعد من “السيّد” رئيس الجامعة، لأبين له تعسف هذا الإجراء فهو غير لائق بجامعة محترمة كجامعة دمشق. طلبت مني سكرتيرته كتابة مذكرة حول الموضوع، ففعلت. وبعد حين سألت عن مصير هذه المذكرة، فقيل لي حُوّلت إلى الحفظ!

في هذه الأثناء، كان يتم تكليفي بالمحاضرات والأعباء التدريسية المختلفة من خارج الملاك، وكنت أقوم بعمل كامل، لكن بأجور أقل، ومن دون الأخذ في الحسبان الخدمة والقدم. بعد غياب قرابة عشر سنوات عن الكلية، وجدت كثيرًا من الكتب الجامعية الأساسية على حالها، لم يتغيّر منها سطر واحد، يعود معظمها إلى ربع قرن، تم تأليفها في ثمانينيات القرن العشرين، وما زالت على حالها بعد مضي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. بدأت مباشرة في تحديث كتابَين أساسيين، كنت قد أنجزتهما في أثناء عملي في جامعة الكويت، الأول في علم نفس النمو، والثاني في علم النفس التربوي، ليكونا في متناول الطلبة.

الخطوة الأولى السابقة لإجراءات التعيين كانت دفع مبلغ 300 ألف ليرة سورية لصندوق جامعة دمشق، ما يعادل 6 آلاف دولار أميركي، في ذلك الوقت، أو رواتب سنة في جامعة دمشق. هذا القرار يعبّر عن مستوى مجلس الجامعة الذي اتخذه، وهو مؤلف من عميدي الكليات، ومعظمهم تخرّج من روسيا ورومانيا شاوشيسكو، لا أمل لهم في الإعارة لا إلى الخليج ولا إلى غيره، فمعظم شهاداتهم غير معترف بها عالميًا. تمكّنوا من السيطرة على مفاصل الجامعة، وكانت قراراتها على شاكلتهم، تفتقر إلى بعد النظر، والأخذ في الحسبان المصلحة العليا للجامعة وحاجاتها للكفاءات والخبرات الحقيقية. تم إلغاء كل أشكال الانتخابات في الجامعة، وإلغاء التقاليد الديمقراطية التي كانت سائدة، حيث كان يتم انتخاب رؤساء الأقسام والوكلاء والعمداء وحتى رئيس الجامعة.

أصبح التعيين في العمادة يتم لأسباب سياسية، وبإملاءات من أجهزة الأمن، ولا تؤخذ الكفاءة العلمية ولا حتى الأقدمية بالحسبان. وكان لخريجي البلدان الشرقية عقدة غيرة وحسد وشعور بالنقص، أمام حملة الشهادات الغربية، ولذلك قاموا باتخاذ هذا القرار الذي ينمّ عن مستوى وضيع في التفكير وفي المحاكمة، وقصور نظر واستهتار بالمستوى العلمي للجامعة. قرار ابتزاز زملاء لهم، يرغبون في العودة إلى جامعتهم والعمل في بلدهم.

بعد هذه الخطوة، بدأت الطلبات التعجيزية، ومنها تأشير جميع القرارات السابقة من الجهاز المركزي للرقابة والتفتيش! قرارات تعود لأكثر من 20 سنة، يجب أن يطلب ذلك من الجامعة، أو من وزارة التعليم العالي، لا من صاحب العلاقة. وعلى إدارة الجامعة إيجادها وإرسالها، فأنا لا أحتفظ بهذه القرارات بعد تنقلي في دول عديدة. وهكذا علق الملف في الجهاز المركزي، ولم أوفق في إقناعهم بتسريع الوضع الذي استمر 8 أشهر. في نهاية المطاف، دخلت مكتب المدير، وخرجتُ عن طوري وقلت: “بربك، لماذا كل هذا التدقيق والتمحيص في قرارات موظف لا يتجاوز راتبه 10 آلاف ليرة، هل كان عندي موازنة مليونية تحتاج إلى كل هذا العناء؟ أم أن القضية قضية تعجيز لدفع الجزية؟”. غادرتُ محبطًا، وقد فقدت الأمل في تحريك الملف.

علم أحد الأصدقاء بالأمر، وكان موظفًا بارزًا في المالية، فاتصل بي وأبدى استعداده للمساعدة. واتصل بأحد معارفه، السيد صالح العلي (من أهل البيت)، كان بمنتهى اللطف والكياسة، وطلب مني أن التقي به في الوقت الذي يناسبني لنذهب معًا إلى الجهاز المركزي، قائلًا: “أنا اتصلت بهم، ووعدوني بالإسراع، سنذهب معًا ولن نخرج إلا والمعاملة جاهزة”! حددنا موعدًا وذهبنا معًا، ودخلنا مباشرة إلى غرفة المدير، بعد السلامات الحارة والاستقبال الاستثنائي؛ قال صالح للمدير: “سننتقل لنرى الموظف المسؤول عن الملف”، فأجابه المدير: “لا داعي لذلك، سيأتي هو لمقابلتكما”، ورنّ الجرس لاستدعائه، فدخل صاغرًا، هذه المرة، خاطبه المدير طالبًا منه إنجاز الموضوع خلال ساعتين. وهكذا انتهت رحلة الرقابة والتفتيش التي استغرقت 8 أشهر، بعد تدخل صالح هذا الشاب النبيل، الذي لم يسعفني الزمن في تكريمه وشكره، لأنه يستحق ذلك.

الموافقة الأمنية

اكتمل الملف، بعد رحلة قاسية استغرقت أكثر من سنة، بقي أهم الأوراق، وهي الورقة الملك، أي الموافقة الأمنية. انتظرت من دون جدوى، سألت بعض الأصدقاء المطّلعين على قضايا مشابهة، فقالوا لي: إنها فرصتهم (أجهزة الأمن)، يؤخرون الموافقة، لكي تذهب وتعلن فروض الطاعة والتعاون، أو تنقد سيادة العقيد بـ 100 إلى 200 ألف (2000 إلى 4000 دولار)، أجبتهم هنا لا مجال للمساومة، لن أقدّم فروض الطاعة، ولن أدفع فلسًا واحدًا، لا هذا ولا ذاك.

بعد مرور أشهر عدة، جاء أصدقائي من الكويت في عطلة الصيف، ومن بينهم صديق حميم (أيضًا من أهل البيت من الجبال الساحلية) وسألني: لماذا تأخرت عودتك إلى الجامعة؟ فشرحت له ما حدث، أجابني قائلًا: “بسيطة، سأبحث عن عقيد وأرسل لك رقمه”، اتصل به وهو يتدبر الأمر، وهذا ما حدث. اتصلت بالعقيد علي الذي رحب بمودة وأعلن سروره بخدمة صديقه، وأحضر مدير مكتبه طالبًا إليه الاستفسار عن الموافقة الأمنية، وطلب مني الاتصال في اليوم التالي لمعرفة الجواب. وعند اتصالي في اليوم التالي، قال لي إن موافقتي الأمنية ضائعة! أجبته: “يا سيادة العقيد، هل يُعقل أن يضيّع الأمن السوري ملفًا أمنيًا لأستاذ في الجامعة”؟ قال: “لا، والله كذابين، لكننا مضطرون إلى أن نصدقهم، اذهب إلى الجامعة، وليُرسلوا طلبًا جديدًا مع التأكيد على الطلب السابق، ثم بلغني بالرقم والتاريخ”.

ذهبت في اليوم التالي إلى الجامعة، لتجديد طلب الموافقة الأمنية، وأبلغت العقيد علي هاتفيًّا برقم وتاريخ الطلب. وبعد 15 يومًا، وصلت الموافقة الأمنية إلى الجامعة. حينئذ، أصبح بإمكان الجامعة إصدار قرار التعيين. وبعد صدوره يمكنني أن أباشر عملي بعد انقضاء 18 شهرًا.

تبين هذه الواقعة إلى أي مستوى أصبح الفساد ينخر المؤسسات العامة التي تحوّلت إلى قطاعات ملكية شخصية يتحكم فيها أصحاب النفوذ. ضاعت كل أشكال الحقوق ووضع القانون جانبًا، فالمزاجية والعلاقات الشخصية والمحسوبية هي السائدة. ضاعت 4 سنوات من حياتي الأكاديمية، في إجراءات التعيينين الأول والثاني في جامعة دمشق، في حين أنا ابن الجامعة، كنت طالبًا فيها ومعيدًا ثم مدرسًا.

عُينت في كلية التربية في الكويت من دون انتظار إجراءات التعيين، وعادت بي الذاكرة إلى إجراءات تعييني في فرنسا مدرسًا في عام 1984، اتصلت بي سكرتاريا الكلية لتطلب صورة عن بطاقة الإقامة وصورة عن شهادة دكتوراه الحلقة الثالثة، قائلة: “ضعها في مغلف، وابعثها لي بالبريد الداخلي”. لم يستدعي الأمر أكثر من ذلك، وصدر بعد أيام قرار تعييني من وزارة التعليم العالي في باريس، في الحالتين، لم أنتظر يومًا واحدًا.

لماذا لا يحدث هذا الهدر في الجهد والوقت إلا في الجامعات السورية؟ لماذا كل هذا الاستهتار بالخبرات والمؤهلات العلمية وإدخالها في متاهات عبثية؟ لماذا توقف العقل السوري عن اجتراح الحلول لمشكلاتنا اليومية؟ هل هو غياب الحريات؟ أم فقد الشعور بالمسؤولية نحو بلد يحتضر؟

إنّ انتهاك القوانين والنظم وتجاوز المعايير العلمية والأكاديمية أصبح تطبيقًا يوميًا، حيث انتهت الجامعة إلى الانخراط في الفساد الذي أصاب مختلف جوانب الحياة السورية. وإن التوقف عند تفاصيل الحياة اليومية، والدخول إلى عمق المعاناة التي أصابت كلّ من يحرص على انتشال الجامعة من هذا الدرك، قد يساعدان في إعادة الجامعة إلى سيرتها الأولى، حيث كانت في طليعة الجامعات العربية، من حيث المستوى العلمي والسمعة الأكاديمية. وإن استقلالية الجامعة تبدأ برفع الحذاء الأمني عن صدرها، لتعود منارة حقيقية للعلم والتنوير، ومركزًا حضاريًا يؤدي دورًا رائدًا في مجتمع الحرية حرية التعبير وحرية التفكير، وحينئذ سيكون بإمكان الجامعة أن تضع البلاد على طريق بناء مجتمع المعرفة، في ظل أوضاع عالمية لا بقاء فيها إلا للأقوى، فكريًا وعلميًا وتقنيًا.