كشفت بعض الدراسات المتعلقة بمحصّلة العملية التربوية عند خريجي المرحلة الثانوية، عن نزعة لفظية ميكانيكية في تفكير هؤلاء الطلبة، وعن عجزهم عن الوعي العلمي لحقائق الأشياء، في ظلّ تربيةٍ تقوم على الحفظ والتلقين وعلى أساليبَ تجاوزها الزمن، ومدرسة لا تزال بعيدة عن تقنيات العصر وبعيدة عن مشكلات المجتمع ومنفصلة عن الواقع، تفتقر إلى الوسائل والأدوات التي تمكنها من النهوض بدورها في ترسيخ التفكير العقلاني القائم على الملاحظة والتجريب، وإشاعة التفكير النقدي. وينعكس هذا القصور على محصلة العملية التربوية وعلى مخرجاتها؛ فهي لا تلبّي أهداف التنمية، ولا تتيح للفرد تحقيق ذاته والكشف عن قدراته والارتقاء بمهاراته، بما يمكّنه من أن يكون فعالًا ومنتجًا، بحيث يتمكن من تحقيق تطلعاته الشخصية والاجتماعية، في عالم يسير بخطى حثيثة نحو مجتمع المعرفة.

إن العقلانية والحرية هما طريق الخروج من الهزيمة والسقوط. لقد مكنت التربية العقلانية العرب من أن يكونوا في العصور الوسطى أمّة مبدعة[1]، ساهمت في تطور الحضارة الإنسانية بمساهمات خلاقة. إن الحرية والأمن هما شرطا الإبداع العلمي، فالإبداع لا ينمو في ظل الخوف والاستبداد والإهانة. وثمة شرطان (الحرية والأمن) غائبان في معظم المجتمعات العربية.

أصبحت قوة المعرفة الآن العنصر التكويني لكلّ عناصر القوة الأخرى: السلاح والمال؛ فالمعرفة، خصوصًا في ميدان المعلومات والاتصالات، هي الجوهر الحقيقي لعناصر القوة في المجتمع، وهي المفتاح إلى وعي تحولات القوة الحاصلة الآن في العالم؛ إذ تحتدم المعركة للسيطرة على المعرفة وعلى المعلومات ووسائل الاتصال. وعلى التربية أن تدرك هذه المسألة، فالقوة بمضمونها المعرفي لم تعد ملكية وراثية لجهة معينة، وإنما هي ميدان مفتوح لكل من يعقد عزمه على أن يبني نفسه على قوة المعرفة. فالمعرفة هي غاية التربية، وهي التي أسبغت على المجتمع المعاصر صفته المتمثلة في مجتمع المعرفة[2].

طموح المجتمع وآمال الأمة في الازدهار والتقدّم ومشاركة الأمم الأخرى في بناء الحضارة الإنسانية، على أسس المنافع المتبادلة وتعزيز السلام، تبدأ من التربية؛ لأن المشروع التربوي هو الحامل لكل هذه الآمال، ويمكن أن يجسد هذه الأهداف ويحوّلها إلى إنجازات ملموسة، عبر مساهمة التربية في بناء جيل من الأفذاذ، يحقق نقلة نوعية نحو عالم مختلف، يمكّن الفرد من تحقيق ذاته وتنمية قدراته إلى أبعد حد ممكن، ومن تحقيق سعادته وحريته وكرامته في مجتمع قوي متماسك، يسوده الخير والعدل والازدهار والحرية.

يختصر الهاتف المحمول الفرق الشاسع بين الاقتصاد المعرفي والاقتصاد الريعي؛ فكلّ جهاز من هذه الأجهزة لا تتعدى تكلفته دولارًا واحدًا من الموارد الطبيعية (اقتصاد ريعي)، ولكنّه يباع بألف دولار؛ الفرق بين القيمتين (999 دولارًا) هو قيمة المعرفة التي ينتجها العقل البشري (اقتصاد معرفي) ولا تنتجها الطبيعة.

 إن الرهان على ريوع الثروات الطبيعية لا ينتج عنه سوى إيهام الوعي الجمعي، وهو أصلًا وعي زائف في منظومات الاستبداد بإمكانية بقاء هذه المنظومات وتجديد فرص تطورها. وهو في الوقت ذاته يؤدي إلى تدمير الذات الاقتصادية، بإفراغها من مضامينها الوطنية وتحطيم قواها المنتجة، وبخاصة قواها البشرية الذكية والموهوبة والمبدعة القادرة دومًا على فعل التغيير المطلوب في بنية المجتمع واقتصاده ونظامه السياسي[3]. ليس من قبيل الصدفة أن تطلق أجهزة نظام الاستبداد الأسدي الإشاعات عن وجود ثروات هائلة، تارة من السيليكون وأخرى من الغاز، لدغدغة أحلام الناس وإيهامهم بأن الضائقة الاقتصادية التي يعيشونها مسألة مؤقتة، فالوفرة قادمة! ويستمر السوريون في حصاد الأوهام والخيبات والانتقال من فقر إلى فقر، ومن فقر إلى جوع وعتمة، منذ نصف قرن.إن على التربية تحرير العقل البشري وترسيخ التفكير العقلاني الناقد الذي يمكن أن ينتج اقتصادًا قويًا، وفق معايير علمية راسخة.

المدرسة وتربية المواطن

على التربية أن تحسم أمرها في إعادة النظر في هذا النموذج السلطاني لنظام الحكم الذي أثر في جميع جوانب الحياة وترك أثرًا عميقًا في التربية، ولا بدّ من إعادة تربية الفرد على قيم العدل والمساواة، وتطبيق القانون على الجميع من دون أي استثناء، وبخاصة على المسؤولين في السلطة وفي الدولة، لأنهم يجب أن يكونوا قدوة حسنة لغيرهم من المواطنين، في احترام دستور بلدهم وقوانينه، وفي التحلي بقيم الإيثار وخدمة الآخر ورفض الأنانية. ففي كثير من المجتمعات الديمقراطية يستقيل الموظف الكبير أو الوزير أو يُطرد، عندما يتجاوز القانون، أو عندما يسمح لنفسه ببعض الامتيازات غير المشروعة.

تُعدّ المدرسة المختبر الحقيقي لإعداد الطفل للحياة، ليصبح مواطنًا فاعلًا خيّرًا معطاءً، فالمدرسة هي المكان المناسب، ليس فقط لتعلم المهارات الأساسية واكتساب الخبرات وتنمية التفكير العقلاني، بل ليتدرب الطفل أيضًا على ممارسة دوره كمواطن، له كثير من الحقوق يجب ألا يسمح أن تنتهك، ويترتب عليه كثيرًا من الواجبات نحو وطنه ومجتمعه، ويتمثل قوانين بلاده ودستورها، ويطبقها بعفوية وتلقائية دون شعور بالإكراه. يجب أن تنمّي المدرسة ضميره الوطني واحترام أنظمة بلاده وقوانينها.

 على المدرسة أن تضع موضع التطبيق جميع المبادئ والقيم والمثل التي تعلّمها لأبنائها؛ فقيم المساواة والحق والعدل يجب تطبيقها بدقة داخل المدرسة. ولكي تحافظ المدرسة على مصداقيتها، لا بدّ من الربط بين المبادئ والقيم وتطبيقاتها في الحياة المدرسية اليومية، ولا يمكن أن تنجح المدرسة في دورها إذا لم تنجز هذه المهمة الخطيرة: تربية المواطن الذي يبني مجتمعًا حديثًا مزدهرًا نابضًا بالحياة ممسكًا بناصية العلم والفكر والتقدم.

 يستوجب إنجاز هذه المهمة أن يدرك الطفل أنه يعيش في وطنٍ يحكم علاقاته عقدٌ اجتماعي بين الحاكم والمحكوم، وكما يترتب عليه كثير من الواجبات، له كثير من الحقوق وعليه أن يدافع عنها، وله كرامة إنسانية يرفض أن تنتهك مهما كان الثمن. ويجب على المدرسة أن تحقق هذه النقلة الكبرى: “العبور بأجيالنا، من ثقافة الرعاية والأعطيات والمكرمات، إلى ثقافة المواطنة والحقوق والواجبات، المدرسة هي المختبر الحقيقي لبناء دولة القانون.

تتحمل المدرسة مسؤولية عبور الأجيال، من خواء الشعارات وفراغها من أي مضمون والتي تردد بطريقة ببغاوية، إلى فضاء الحرية حرية التفكير وحرية التعبير، وتقليص المسافة بين الكلمة والفعل، وإخضاع كل شيء للمحاكمة العقلية، وتنمية التفكير الناقد والتدرب على الحوار وإبداء الرأي من دون خوف أو وجل، والتدرب على تطبيق الديمقراطية داخل غرفة الصف.

البحث العلمي

 يحتاج البحث العلمي والتدريس الجامعي إلى بحث خاص؛ فالتعليم الجامعي ليس أفضل حالًا من سابقه؛ إذ أصبحت الجامعات السورية في عهد الأسدين الأسوأ، عربيًا وعالميًا. في تصنيف ويبوميتريكس الإسباني لعام 2021، حيث لا توجد أي من جامعات “الأسد” ضمن أول 100 جامعة عربية (وكان الترتيب: جامعة قطر7، جامعة قابوس 16، جامعة النجاح الفلسطينية 19، جامعة الخرطوم 33، وجامعة بيروت العربية 96).

وفي ما يخصّ البحث العلمي، الوضع كارثي، حيث لا يخصص للبحث في العالم العربي، كما في سورية، سوى 0,03% من الدخل القومي، بينما تصل هذه النسبة في إسرائيل إلى 4,7%. تخصّص إسرائيل موازنة سنوية 12 مليار دولار للبحث العلمي، وتشكّل التقنيات الحديثة، كنتيجة لهذا التطور البحثي، 40% من الصادرات الإسرائيلية. في حين لا يتجاوز ما تخصصه الدول العربية مجتمعة للبحث العلمي 2 مليار دولار.

في هذه الأوضاع المزرية للدراسة الجامعية وللبحث العلمي، كيف يمكن امتلاك قوة المعرفة التي أصبحت المعيار الأساسي في تقدم الأمم؟ إن قوة المعرفة هي محصلة للذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي والذكاء الجمعي[4]، وهي ترتبط بطبيعة تنشئة الفرد وتربيته. إننا نعيش في ظل تنامي البرمجيات التعليمية-الترفيهية والتعلم الذاتي والتعلم المستمر، وفي ظل “داروينية” مجتمع المعرفة، حيث البقاء “للأعقل” وللأكثر إبداعًا.

خاتمة

أصبح بناء النظام التربوي الحداثي ضرورةً ملحّةً لترسيخ القيم الديمقراطية، وحرية التعبير واحترام حقوق الإنسان وكرامته. وعلى التربية ترميم ما خلّفه الاستبداد المزمن من آثار سلبية مدمّرة للقيم الإنسانية النبيلة: قيم الحق والخير والعدل والجمال.

يتناقض الاستبداد تمامًا مع مبادئ التربية الحديثة التي تستند إلى الحرية وتنمية التفكير العقلاني الناقد، وامتلاك قوة المعرفة. وتُعنى التربية بترسيخ ثقافة الحوار والمواطنة ودولة القانون وقيم المحبة والتسامح والسلام ونبذ العنف، وهذا يحدث عبر سياق طويل في تنشئة الفرد وتربيته على الإيمان بالقيم الديمقراطية ووضعها موضع التطبيق في حياته اليومية.

في المرحلة الانتقالية.. مرحلة التحول الديمقراطي، نحتاج إلى التفكير بطريقة جديدة، لكي نتمكن من امتلاك قوة المعرفة ومواجهة مشكلاتنا الكبرى.. مشكلات التربية والتنمية وتوفير فرص العمل والحياة الحرة الكريمة لأجيالنا، ومن بناء المؤسسات التي تتخذ قراراتها استنادًا إلى البحوث والدراسات. وعلى التربية أن تعيد النظر بكل ما يتصل بالعمل التربوي، وبناء النموذج القائم على التفاعل والحوار واحترام شخصية الطفل بعيدًا عن التسلطية. ولا ضمانات لمستقبل يليق بتضحيات السوريين، من دون مناهج تربوية وتعليمية، تساهم في بناء فرد حرّ يتحلى بتفكير حر، ويكون فاعلًا في مجتمعه ومساهمًا في بناء مستقبل بلاده.

على التربية في سورية أن تضع خطة عاجلة للتربية “التعويضية”، لترميم الأضرار الخطيرة التي أصابت ملايين الأطفال بسبب الحرب. وإن انجاز التغيرات العميقة يستوجب إصلاحًا تربويًا عميقًا، يستجيب للأهداف الكبرى التي يطمح المجتمع إلى تحقيقها. ويستوجب تحقيق الازدهار وتلبية حاجات المجتمع، وإعداد جيل يمتلك الإمكانات القادرة على تحقيق النهضة والتقدم، وتوظيف الكفاءات والإبداعات في خدمة ذلك، والعمل الجدي على وقف تهجير الكفاءات المبدعة رفيعة المستوى.

يجب أن تقطع التربية الحديثة مع التفكير الخرافي، مع مراعاة احترام المعتقدات والتقاليد وعدم المسّ بما يؤذي مشاعر التلميذ أو أولياء الأمور. تتفاعل التربية مع ما يحيط بها، تتأثر بالثقافة وبالوضع الاقتصادي والسياسي وتؤثر فيها، وتتفاعل مع كل ما يدور حولها.

المراجع

رضا محمد جواد. 2005، العرب والتربية والعالم، الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية، الكويت.

علي، نبيل. 2009، العقل العربي ومجتمع المعرفة، عالم المعرفة (369)، الكويت.مهيب صالحة، 2020، http://tamuz-net.net/?p=20070


[1] (رضا محمد جواد، 2005، ص: 17) العرب والتربية والعالم، الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية، الكويت.

[2] نبيل على، 2009، العقل العربي ومجتمع المعرفة، عالم المعرفة (369)

[3] (صالحة 2020). [3]  مهيب صالحة، 2020، http://tamuz-net.net/?p=20070

[4] نبيل على، 2009، العقل العربي ومجتمع المعرفة، عالم المعرفة (369)