المحتويات

هل يقبل الإسلام بالديمقراطية؟

1ــ الإسلام دين للحياة

2ــ الإسلام دين عالمي

3ــ الإسلام دين التنوع والتعدد

4ــ النسبية

في مسألة الديمقراطية والإسلام

 

هل يقبل الإسلام بالديمقراطية؟

يدعو الإسلام إلى إنسانية شاملة، لكنه ليس مشروع دولة كونية، بل هو مشروع ديمقراطيات تتعدّد بتعدّد المجتمعات، وتشترك في فضاء الحرية، وتعمل على اختراق الحضارات للتكامل معها، وللتواصل والتعارف والتثاقف. تحكم ذلك المنهج مجموعة من المنطلقات:

 

1ــ الإسلام دين للحياة

فالإسلام ليس محض طقوس تعبدية، يمكن أن ترتبط بطقوس يؤدّيها كاهن، فيربط الفرد بالخالق أو الواهب أو المتحكم بالقدر، بل يمتاز بالاختيار الحر، والاحتكام إلى العقل حيث الشهادة بالتوحيد، لا يقبل فيها التقليد، إنما الاقتناع الحر. ويمكن تجميل الطقوس التعبدية أهدافًا للتماسك الجمعي، وللتعاضد البشري، إضافة إلى ربطه الدنيا بالآخرة، حتى يمكن أن يكون دينًا من أجل الحياة الأفضل، قال الله تعالى: {‏يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون}([1]) ‏.

والآية تتضمّن أمورًا عدّة ذكرها أبو علي الجرجاني فقال: ((والرسول داعٍ إلى الإيمان وإلى الجنة، فهو داعٍ إلى الحياة في الدنيا والآخرة‏.‏ والإنسان مضطر إلى نوعين من الحياة‏:‏ حياة بَدنِه التي بها يدرك النافع والضار، ويؤثر ما ينفعه على ما يضرّه‏.‏ ومتى نقصت فيه هذه الحياة ناله من الألم والضعف بحسب ذلك‏.‏ ولذلك كانت حياة المريض والمحزون وصاحب الهمّ والغمّ والخوف والفقر والذلّ دون حياة من هو معافى من ذلك‏.‏ والنوع الآخر هو حياة قلبه وروحه التي يميز بها بين الحق والباطل والغي والرشاد والهوى والضلال، فيختار الحق على ضدّه‏.‏ فتفيده هذه الحياة قوة التمييز بين النافع والضار في العلوم والإرادات والأعمال‏.‏ وتفيده قوة الإيمان والإرادة والحب للحق، وقوة البغض والكراهة للباطل‏.‏ فشعوره وتمييزه وحبه ونفرته بحسب نصيبه من هذه الحياة، كما أن البدن الحي يكون شعوره وإحساسه بالنافع والمؤلم أتم، ويكون ميله إلى النافع ونفرته عن المؤلم أعظم‏.‏ فهذا بحسب حياة البدن، وذاك بحسب حياة القلب‏.‏ فإذا بطلت حياته بطل تمييزه‏.‏

وإن كان له نوع تمييز لم يكن فيه قوة يؤثر بها النافع على الضار‏)). وحياة البدن تتطلب العناية بشؤون الدنيا من إعمار واقتصاد وإدارة العلاقات على الوجه الذي يضمن السلامة للجميع، فاقتضى أن تتطور الإدارة إلى ما نراه من دول تبني وتعمر، وتسوس العلاقات والمصالح بتطور الحاجات.

 

2ــ الإسلام دين عالمي

إن خطاب القرآن تضمن حديث التكريم للبشرية كلها من دون تشميل لدين، تكريمَ خلقٍ واختيار {ولقد كرمنا بني آدم}([2])،  وجاء التمييز فيما بعد لالتزام النهج الإلهي في التعارف والتواصل {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}([3])، وإن فاتحة الكتاب {الحمد لله رب العالمين}،  وختامه سورة باسم الناس {قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس}، لدليل أنه خطاب للناس يبشرهم ويتوقع منهم خيرًا ويدعوهم لممارسة مفهوم الحرية، الذي هو ميزة التكريم وسر الاستخلاف، وهو الأمانة التي حملها الإنسان، ولا تستطيع حملها بقية الكائنات .

 

3ــ الإسلام دين التنوع والتعدد

وما يتطلبه ذلك من صيانة والتزام وقبول بالآخر، ويشرح ذلك من خلال منّة امتنّها على الناس يبين فيها نعمة التنوع {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين}([4]).

وحتى لو اختلفوا ولم يجتمعوا على دين، فهذا متروك شأنه لله يفصل فيه ولا يحق لبشر أن يقسر أحدًا على تغييره {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}([5])، فإنها تختصّ بيوم القيامة، لكنها تعني تركهم وامتدادهم على مر الزمان.

غير أن ضيق الخطاب الذي فصل في قواعد التعامل مع المختلفين، ومن الفصائل التي لا تحتمل الآخر فقد سار سيرًا معاكسًا لغاية النص القرآني الذي يبحث في الحرية الاعتقادية في أكثر من 500 آية تتحدث عن حرية الضمير والتنوع في النحل والمعتقدات، وهذا دعا لإدارة الظهر لهذه الآيات، استدعى شطبها عبر آليات تعمل على إبطال النصوص من مثل آلية النسخ، وذلك بسبب من عقلية الهيمنة والسيطرة التي استخدمت النص لأهدافها متذرعة بوحدة الدين وضرورة فناء المختلف أو إخضاعه.

 

4ــ النسبية

تقدير أن الله مطلق يعني نسبية البشرية، وهذا يقود إلى تدافع الأفكار، ما يوصل إلى الأفضل باستمرار، بنفي النفي حتى تتقدم البشرية، ولا تتوقف عند حد معين. وهذا يدعو إلى تواضع المسلم وعدم التعالي والانتفاخ، ويدعوه إلى قبول التعلم من الآخر، فالدورة الحضارية لا تقف على أمة من الأمم، وكما كنا أساتذة في تعليم البشرية معالم حضارية متقدمة، صار علينا أن نتعلم فنون الحياة واستعمالاتها في أزمة التراجع والانحطاط التي نحن عليها.

إن النسبيين يقررون أن كل شيء في إمكانه أن يخلق واقعه، وأن ينتج إدراكًا لذاته في ما لا يكون لغيره. وإذا كان الصراط المستقيم هو الحقيقة المطلقة، فإن طلب الهداية نحوه دليل صعود مستمر في اتجاهه، وتعبير عن نسبية إدراكه وتفاوت هذا الإدراك في السير نحوه. ولابد من إدراك أن الحقيقة لها وجوه عدة، وهي موجودة عند كل أمة من زاوية تكشف عن نسبية الرؤية وتعدد وجوهها.

في هذا الخضم الزاخر نجد في تعبيرات مثل الليبرالية، والعلمانية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، علاقات مركبة، وتواصلية، ومتداخلة، لها علاقة بحركية الاجتماع الإنساني، وتتلاقى أو تتصادم مع النظرة الدينية والولاءات الاعتقادية، بحسب الحامل لها، إن كان سكونيًّا أو ديناميكيًّا قابلًا للتفاعل مع الجديد المنبعث من الحاجات المستجدة للمجتمعات.

 

في مسألة الديمقراطية والإسلام

إن تأويل النص بما يقارب التطور في العدل والحرية والمساءلة وكرامة الإنسان عبر وسائل جديدة قدمتها شعوب غير مسلمة، كالعلمانية، والديمقراطية، وحقوق المرأة والأقليات، هو أفضل حالًا من تضييق النصّ ومنعه من المشاركة في مثل هذه الفاعليات التي أسهمت في تطور البنية الاجتماعية، وفي أساليب الحكم وتداول السلطات، والمشاركة في الحقوق، ومساواة المرأة في مسائل الإرث والولاية، وفي دور المجالس التشريعية وإدارة الدول، وقبول التعددية واختلاف الرأي، والتنافس على موقع القرار، وغير ذلك. وعلى قاعدة أن الأحكام تتغيّر بتغيّر النظام المعرفي الذي يجب أن يحكم رؤيتنا التجديدية، وحل المشكلات التي نعيشها وفق الأنظمة المعاصرة من غير تقييد ولا تجميد عند حدود ما رآه الأقدمون وفق تصوراتهم المعرفية؛ فهم اجتهدوا وفق معارفهم؛ وهذا زمان لمعارف مختلفة وأكثر تطورًا، والنص المفتوح عليها ينتظر قراءات جديدة.

إن الديمقراطية تضمن السلام الأهلي، وتحل مشكلة المشروعية، والاجتماع الشعبي للنظام السياسي، وهي تضمن ممارسة السياسة أسلوبًا متحضّرًا في إدارة شؤون الناس، وحل مشكلاتهم وتناقضاتهم، وإنشاء نظام سياسي يُبنى على الحوار، والتفاهم السياسي، وتداول السلطة، ونبذ العنف بصوره جميعها، والاحتكام إلى نتيجة الانتخابات النزيهة والشفافة. وهذا يتطلب ثقافة ديمقراطية في مواجهة تقليد الفوضى والتطرف الديني.

والإسلام يمتلك شريعة تمثل ثروة قانونية شاملة لمكونات الحياة، ومن ثمة يمكن أن ينبثق منه نظام ديمقراطي أو ينسجم مع الديمقراطية، يمكن أن يحل محل الأنظمة الحاكمة ويتجاوزها باستيعاب الآخر، وفق ما جاء في دستور المدينة الذي أكد على المواطنة وعلى المساواة([6]).

إن أنظمة نشأت باسم الإسلام فرضت رؤية أصحابها، وعمل علماء السلطة وفقهاؤها على ربطه بمصالح السياسيين، خلافاً لروح الإسلام ودعوته، وبعيداً عن تطبيق الرسول في بداية الدعوة التي بُنيت عليها حكومة المدينة المنورة؛ فالصحيفة التي جعلها الرسول بينه وبين سكان يثرب بانتماءاتهم المختلفة، كانت أوّل دستور أعلن أن الدولة تقوم على مبدأ المصالح المشتركة بين الناس، ولا تعتمد مرجعية المشايخ والكهان، وقد احتوت على مبدأ دستوري يدور حول حقوق المواطنة ويؤكدها، وحول حقوق الإنسان، وحرية التديّن، وبُنيت على معيار الكفاءة لا الولاء.

والصحيفة التي تأسّست عليها دولة المدينة كانت إعلانًا ((دستوريًّا)) يتفق مع التوجه العلماني الأصيل للإسلام: (هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش، وأهل يثرب، ومن اتّبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، وإن من اتبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم).

لقد كانت الصحيفة دستورًا ((ملزمًا)) لأهل المدينة، من المسلمين وأربع عشرة قبيلة وثنية ويهودية (بقي بنو أوس اللات في الحلف ولم تغير اسمها إلا بعد معركة أحد حين أعلنت الإسلام فأسماها الرسول ((أوس الله)). أكّدت الصحيفة نقطتين رئيستين تجمعهما العبارة الشهيرة اليوم ((الدين لله والوطن للجميع)). وقد جعلت الفئات المختلفة دينياً كلها وحدة وطنية سياسية متعايشة، حيث الجميع أمة واحدة من دون الناس، يجمعهم وطن واحد هو يثرب، يتساوون في الحقوق أمام الحكومة بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية، ويتضامنون في الدفاع عنه إذا تعرض لأي اعتداء خارجي. بهذه الروح (روح الصحيفة) يمكن التقارب مع الرؤية العلمانية التي تُبنى على فصل الدين عن الدولة، حيث الدولة ضرورة، ومنشأ ضرورتها النظام والأمن والإعمار، لأن عدمها جور مطلق على حدّ قول الإمام علي: ((لابد للناس من أمير بَرٍّ أو فاجر))، بل قيل في مأثورات العرب ((سلطان غشوم خير من فتنةٍ تدوم)).

وعلينا أن نلاحظ أن رؤيتهم وجود أمير فاجر أو غشوم يتعارض مع الأمان الاجتماعي الذي هو من وظيفة الدولة، وهو الذي ينشده الإسلام لحامليه، لكنهم قالوا ذلك وفق وعي اجتماعي لا وفق فقه إسلامي. والوعي الاجتماعي يتغير تبعًا لتغير وعي الأفراد أدوارَهم، ومواقعهم، وحقوقهم، وواجباتهم، حيث تتغير المفاهيم والوظائف. وبذلك يتغير شكل الدولة أداءً وأدواراً ومصدر شرعية وآليات تطبيق. هذا التغير مصدر عدم تنميط الدولة لأنّها إسلامية أو ليبرالية أو اشتراكية على الإطلاق.

إن تنميط الدولة يصادر حقّ المشاركين فيها من التعبير عن انتماءاتهم أو رؤاهم أو معتقداتهم، ويلغي التنوع الذي هو من سمة الإنسان، ومصدر حيوية العالم. (ومن ثمّ، فإنّ تنميط الدولة باسم الإسلام ليس مقصودًا، إنما المراد النظام، واسم المصدر المأخوذ منه) والعلمانية ليست خيارًا أيديولوجيًّا، بل واقعًا تاريخيًّا وموضوعيًّا، وهي حركة منفتحة أبدًا على التحول والصيرورة بلا نهائيات ولا غائيات، وتؤدّي إلى الاستقلال النسبي للمجتمع الديني والمساواة الكاملة للمواطنين أمام القانون، وتعمل على حياد الدولة الإيجابي تجاه أبنائها جميعهم، وتسعى لرؤية تحمل ملامح جوهرية لإنسانية الانسان، تعبّر عن طموحه إلى السيطرة على المعوقات التي تقف في طريق تقدمه وسعادته.

وإن الاعتراف بالتعدد والتنوع البشري سمة أساسية في الإسلام لا تُبنى دولة من دونه، ولا تنهض إلا على أساس الاعتراف به وبوجوده، وقد لحظ الإسلام مدى التنوع البشري، ودعا إلى احترامه وجعله مصدر حيوية للعالم: ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا))([7]). ومفهوم التعارف غاية في ذاته، وهو نابع من التنوع: “ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة” سورة المائدة.

في هذا المنظور، يمكن أن نرى أن تطور النهضة الإنسانية قاد إلى ثقافة، تستمد مرجعيتها من العالم المحيط، وضرورات التعايش معه وفيه. وقد أرست هذه الضرورات مفاهيم جديدة، وأدت إلى تحديث المجتمع، وقد قاد هذا التحديث إلى الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية، وهو ما أدّى إلى إعادة تنظيم المجتمع، على أسس الحرية والمساواة والعدالة والعقلانية والحقوق المدنية. وهي عملية لا تتوقف عند جيل معين، بل تمتدّ إلى المستقبل الذي لا يتوقف، وتجعل الإنسان من دون النظر إلى عرقه وجنسه أو دينه أو لونه نقطة ارتكاز في المجتمع، وتقدم له الضمانات القانونية اللازمة لممارسته تلك الحقوق ولاستقلاليته.

ويمكن تحديد سمات الديمقراطية العامة باستقراء تجارب الديمقراطية في العالم وتطورها التاريخي، وما أصبح يعدّ مبادئ مشتركة للديمقراطية من مثل: تداول الحكم بطريقة سلمية، وعملية انتخابية دورية سواء كانت برلمانية أم رئاسية أو كليهما معًا، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء ومجموع الحريات العامة اللازمة لتكون عملية مثل هذه ذات معنى، وأهمية حرية التعبير عن الرأي وحرية الاجتماع، ومجموعة القوانين التي تمنع تعسف السلطة، وتأكيد المواطنة المتساوية هي العلاقة بين الفرد والدولة، ومشاركة المرأة ومساواتها في العمل والمنصب والحقوق، ونفي التمييز بجميع أنواعه.

نحن هنا لا نأتي بجديد خارج الإسلام، بل هو من صلب سماحة الإسلام. إننا نحتاج -فحسب-إلى تجديد فكري ديني، وفتح الأفق أمام الديمقراطية، ونبذ الوصاية على الشعب. وهذا يدفع كل مستلهم للحرية إلى أن يسهم بدوره في استبعاد الأحكام الفقهية التي تضع العقبات في طريق تطور الإنسان، بإيقافه على حدود المدينة المنورة والصحراء العربية مكانًا، وعلى وجود الصحابة زمانًا، وكأن الدنيا توقفت عندهم. ومن ثمّ، فإن المنهج التشريعي يفترض به أن يحقق التطور في المجتمعات الإسلامية، ويزيل عنها المشكلات الفقهية التي تتخبط فيها، ويفترض باعتماد هذا المنهج على ما جاء في الهدي السماوي، والكتاب الحكيم وضع قانون مدني عصري يتلاءم ومعطيات الواقع، وأوضاع كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية وحاجاته، ويرفع غبن القوانين في الأحوال الشخصية والتجارية وغيرها.

إننا نعوّل على إعادة النظر في معنى النص الديني، وعلاقته بالناس، وعلى تطوير الثقافة، والتكيف مع العالم، وإعادة الصلة بالمكتسبات التي صنعتها الشعوب، وما حققته من نهضة تُبنى على تأمين كرامة الانسان وحريته، ما يعني أن إقامة دولة إسلامية من أجل تطبيق الشريعة، بالمعنى المطروح من حركات الإسلام السياسي غير قابل للتطبيق في زماننا. وهو مفهوم متجاوَز وتاريخيّ يلغي عالمية الإسلام، ويعني أيضًا أن بند الإسلام دين الدولة لا حاجة له في الدساتير، إنما يمكن اعتماد المرجعية الأخلاقية للدولة والمجتمع.

والدولة المدنية المنشودة، ذات المرجعية الأخلاقية، لا بد أن تكون فيها حقوق الملحد -كما المؤمن- مصونة، فكلمة الله العليا هي الحرية للناس جميعهم، بغض النظر عن معتقداتهم، وأهم مبدأ يجب تطبيقه هو احترام حرية الآخر المختلف معك بالمعتقد، والحفاظ على حقوق الإنسان وكرامته، هو الهدف النبيل الذي يستحق التضحية، وإلا أصبحنا ندور في حلقة مفرغة. فقد ضحّت الشعوب بالغالي والرخيص لتعيش حريتها لا لتستبدل بطاغية طاغيةً آخر، ونجاح أي توجه ديمقراطي يتطلب التأكيد على مفهوم المواطنة الذي يعمل على ضبط التدافع الاجتماعي، وتمتين قواعد الوحدة المجتمعية، وضمان الخصوصية والتكافؤ في الحقوق والواجبات، وتأكيد الحريات الشخصية للأفراد، وعدم التمييز بين الأعراق والأجناس، وهذا يتطلب التأكيد على:

أـــ بناء الدولة على عقد اجتماعي يضمن حدود العلاقة بين السلطة والمواطنين.

ب ــــ التنافس يبنى على البرامج وليس على الهويات والانتماءات.

ج ــــ قبول مبدأ تداول السلطة والمشاركة في الترشيح، والانتخاب والتقدم للمناصب من دون قيد إلا قيد المواطنة.

د ــــ لا تمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الدين أو القومية أو العرق أو الجنس.

هـ ـــــ احترام الثقافات وضمان حرية المعتقد والاختيار لكل فرد، وإلغاء أشكال العنصرية ومفهوم أهل الذمة، بوصفه مفهومًا تاريخيًّا غير مرتبط بأصل الدين.

و ــــ المساواة بين الذكور والإناث في العمل والكسب والمسؤولية والقوامة والإرث.

زـــــ المعارضة تعبير عن احترام الرأي الآخر، وضرورة لتطبيق الديمقراطية وتأكيد التعددية، وهي بنية أساس تضمن حقوقها الدولة والدستور، عبر حرية التعبير والتعددية الحزبية، وتنوّع الآراء واحترامها.

ح ــــ المرجعية الأخلاقية تقوم على قيم إنسانية فطرية أكّدتها الوصايا في سورة الأنعام (151- 152- 153) ونحن نؤكد عليها لتبقى فوق الدستور، والعالم كلّه اليوم يؤكد على هذه الوصايا، ويعمل بها إلا من بعض تزيّد نحن نرفضه.

ويخطئ من يظن أن الطريق ممهّد إلى الديمقراطية، ولا بد للديمقراطية من ديمقراطيين يعلمون ما يفعلون وما هم عنها بغائبين. فالنخب التي تحدثت في المواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني لم تبنِ هذه الأفكار على مضامين عملية، فبقيت في علب مستوردة من دون إسقاط على الواقع، لأنها تهمل تكوينات المجتمع وبناه الأساسية، حيث المواطنة الحقّة تعترف بمكونات المجتمع المتدين وغير المتدين، والديمقراطية تراعي المشاركة لا التبعية.

والمجتمع المدني يحتاج إلى دولة قوية ليكون قويًّا في مواجهة التغوّل، ويكون معبّرًا عن المواطنية، وليس محض تجمعات في مؤسسات إنسانية خدمية. ومفهوم فصل الدين عن الدولة هو رؤية إسلامية لأن الإسلام دين ودنيا، ومن ثمّ، فالبنية الإسلامية هي من صلب المواطنة لأنها تمثل الناس أغلبهم، إن لم تستوعَب في العملية السياسية، فهذا يعني دعوة إلى تهميش الأكثرية وهذا غير منصف.

وقبل أن نكثر النقد وندخل في جدلية المعنى علينا أن نفكر بالمحاولة، ومواجهة صور التدين الخطأ، والممارسة السياسية الخطأ. فالإسلام السياسي فشل لأنه ارتكب إثم العيش في الماضي ولم يواكب العصر وحاجاته، فتحوّل إلى حركات التطرف والتشدد والتكفير، من غير أن يسهم في البناء والتعمير.

وفي الإسلام يمكن أن تنشأ أحزاب عدة بتوجهات مختلفة، لأنه لم يكن ثمة حزب واحد جامعٌ حاجات المسلمين، ولن يلبّي حزب حاجاتهم المتنوعة. ونشأة أحزاب بهوية دينية ليس معناه فرض الأيديولوجيا الدينية لأن المبادئ الديمقراطية ستحكم العملية، وليس معناه الديمقراطية الشكلية التي هي تكرار المقولات من دون مضامين.

النظام الديمقراطي لا يعني حكم الأغلبية السكانية، إنما الأغلبية البرامجية التي تلتزم المبادئ الديمقراطية، فالأغلبيات الديمقراطية لا علاقة لها بالهويات ولا بألوان الناس ومذاهبهم، إنما علاقتها بصراع الأفكار والأحزاب ومصالح الأطراف، والحلول الوسط، والائتلافات بين القوى، والتوافقات المتغيرة بتغير المعادلات في المجتمع.

بمثل هذه التأكيدات يمكن للمسلمين أن يشاركوا في تنظيم أنفسهم، ويسهموا في بناء بلادهم بصفتهم مواطنين، يتساوون مع الآخر، ويعترفون به. ويبقى التأكيد أن الطريق إلى الديمقراطية ليست مفروشة بالورود، وعلينا أن نقتلع الشوك بأيدينا ونحن نشمر ونجتهد إليها.

([1]) الأنفال‏:‏ 24‏‏

([2])  الإسراء: 70

 ([3]) الحجرات: 13

([4])  البقرة: 251

([5]) الحج: 17

([6]) يمكن مراجعة كتاب الديمقراطية في الإسلام لعباس محمود العقاد، الذي يقرر فيه أن الشريعة الإسلامية كانت أولى الشرائع السباقة إلى تقرير الديمقراطية الإنسانية؛ وهي الديمقراطية التي يكتسبها الإنسان كحق له يخوله أن يكون فاعلًا في اختيار حاكميه، وليست حيلة من حيل الحُكم فحسب، لاتقاء شرّ، أو حسم فتنة. فهو يتناول مختلف مفردات تلك الديمقراطية، شاملةً مجالات: الاقتصاد، والاجتماع، والأخلاق، والتشريع، والسياسات الداخلية والخارجية، ويَخلُص في النهاية إلى أن للإسلام ديمقراطيته الخاصة التي تتفرد بمبادئ وغايات تمنح مطبِّقيها رؤية أوسع وأكثر شمولًا، تخرج بهم من الصِيغِ المحلية الضيِقة، إلى الصِيغة الإنسانية، بل العالمية.