ترجمة أحمد عيشة

تسللت القياسات الحيوية إلى المساعدات الإنسانية، لكن أنظمة تلك القياسات قد تضر بالنساء اللواتي هن في أمس الحاجة إلى المساعدة

ربما تسللت القياسات الحيوية إلى العديد من أركان حياتنا، من دون إدراكنا لأبعاد ذلك، حيث إن انتشار القياسات الحيوية (استخدام الخصائص الفيزيائية لتحديد الهوية والتحقق منها) يسهّل وصولنا إلى العالم وتعاملنا معه. سواء كانت بصمات الأصابع، أو مسح قزحية العين، أو التعرف إلى الوجه، فإن القياسات الحيوية ترسم التعريف وتحدد الهوية، وتُسهّل إضافة عمليات المعرف إلى التفاعلات التي كانت مفقودة من قبل. لقد أصبح استخدام القياسات الحيوية ممارسة معيارية في صناعة المساعدات الإنسانية.

باعتماد أنظمة التسجيل الحيوية، زادت كفاءة وكالات الإغاثة اللاجئين بإعداد هوية رسمية، ومنع الاحتيال، وتحسنت نزاهة عملية مساعدة اللاجئين. وعلى الرغم من هذه الفوائد، فإن القياسات الحيوية تهدد أيضًا أمن اللاجئين، وخاصة النساء، عبر ثلاث طرق: من خلال زيادة خطر المطابقات الزائفة، وزيادة احتمالات التمييز، والتهديد بالاستغلال. الخطوة الأولى في تصحيح هذه المشكلات هي التعرّف إليها وتحديدها.

نجحت القياسات الحيوية في توفير هوية عالمية للاجئين، حيث فقد العديد منهم وثائق الهوية في أثناء رحلتهم، أو أتلفت، أو لم يكن لديهم أيًا منها على الإطلاق. ما يقرب من مليار شخص على مستوى العالم يفتقرون إلى الهوية، إضافة إلى أنها لا تُمثَل النساء بشكل متناسب. ومن المعلوم أن توفير الوثائق يؤدي إلى زيادة الوصول إلى خدمات المساعدة والتوظيف والتمكين الشخصي.

من خلال بصمات الأصابع ومسح قزحية العين، تقوم العديد من وكالات الإغاثة الآن بتسجيل اللاجئين عند قدومهم إلى المخيمات، ويسمح ذلك لهم بتأكيد معلوماتهم من دون الحاجة إلى وثائق مسبقة. يمكن لمثل هذا النظام أن يساعد في منع الاحتيال في الحصول على المنافع، سواء احتيال الاستلام المزدوج للمساعدة أو احتيال المنظمين الذين يأخذون المساعدة من السكان المحتاجين، وبالتالي توفر أنظمة القياسات الحيوية إشرافًا مهمًا في صناعة مساعدة اللاجئين.

ومع ذلك، فإن تاريخ القياسات الحيوية وتنفيذها يثير بعض المخاوف. كان استخدامها عادة أمرًا ضروريًا للدول المانحة بدلًا من وكالات المعونة نفسها. وقد أوضحت ذلك الباحثة كاتيا جاكوبسن، في كتابها (سياسات التكنولوجيا البشرية/ The Politics of Human Technology)، حيث إن كبار المانحين، مثل الولايات المتحدة، يجعلون تمويلهم يعتمد على تطبيق القياسات الحيوية في عملية تسجيل اللاجئين. ومع ذلك، فإن مصالح هؤلاء المانحين مدفوعة بالأمن عوضًا من المساعدة، ولا تزال إدارة البيانات الحيوية للاجئين غامضة: ما هي الدول التي تمتلك البيانات: أهي التي تستضيف اللاجئين أم التي تقدم الأموال؟ من المسؤول عن حماية البيانات؟ ما هي الشركات التي توفر أنظمة القياسات الحيوية لوكالات المساعدة، وما مستوى سيطرتها على البيانات؟

وثمة ما هو أبعد من هذه الأسئلة، هناك خطر المطابقات الخاطئة. حيث تسجل تكنولوجيا القياسات الحيوية أحيانًا بيانات اللاجئ بشكل غير صحيح، وهذا الأمر موجود بالفعل في النظام. وفقًا لـ جاكوبسن، جرى الاختبار السابق لأنظمة القياسات الحيوية على نطاق ضيق، حيث تمّ على “بضع مئات من المدخلات في قاعدة البيانات”، بدقة نسبية. ومع ذلك، فمن غير الواضح كيف تعمل جيدًا عندما تضمّ قواعد البيانات ملايين الأفراد المسجلين. يتضاعف هذا القلق إذا كانت تقنية القياسات الحيوية نفسها ذات نوعية رديئة، أو إذا كان نوع المعلومات التي تطلبها الدول المانحة يؤكد المخاوف الأمنية، بدلًا من التوزيع الدقيق للمساعدات الإنسانية.

على الرغم من أن المطابقة الخاطئة قد تضر بجميع اللاجئين، فإن النساء على وجه الخصوص قد يحملن معاناة أكبر، حيث إنهن غالبًا ما يكنّ مهمشات بالفعل في مجتمعاتهم، ويواجهن مشكلات في تأمين المساعدة. إذا تمت مطابقتهن بشكل خاطئ، فقد يواجهن مزيدًا من العقبات لتأمين التحويلات النقدية، وامتلاك العقارات، والوصول إلى فرص العمل بطريقة كريمة. أظهر اختبار للوجوه الأميركية، أجراه المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا، أن النساء كنَّ أقل عرضة للتعرف إليهن من خلال أنظمة التعرف على الوجه، مقارنة بالرجال. وينطبق هذا بشكل مضاعف على النساء ذوات البشرة الملونة، ويتضح ذلك من الاختبار نفسه، حيث ظهرت “أعلى النتائج الإيجابية الزائفة، لدى الهنود الأميركيين، مع معدلات مرتفعة بين السكان الأميركيين من أصل أفريقي وآسيوي”.

أوضحت ليندسي كينغستون Lindsey Kingston، في كتاب لها صدر عام 2018، بعنوان (شريان الحياة الرقمي/ Digital Lifeline)، أن النساء -ولا سيما الأمهات العازبات- قد يعملن كربات للأسر ومقدمات للرعاية الأساسية، وهي واجبات قد تمنعهن من المطالبة بالمساعدة شخصيًا. وترى أن من المرجح أن تتعرض النساء لإصابات (مثل حروق الطهي) يمكن أن تعطل التعرف على بصمات الأصابع المطلوبة لتلقي المساعدة.

مشكلة أخرى هي استخدام البيانات. مع تبني المزيد من وكالات المساعدات الإنسانية التكنولوجيا الحيوية، بدأت تظهر عبارة “دكتاتورية غياب البدائل”، وهي عبارة صاغتها شوشانا زوبوف، في كتابها لعام 2018 (عصر رأسمالية المراقبة/ The Age of Surveillance Capitalism). لا يُستشار اللاجئون في استخدام بياناتهم الشخصية. ومن الصعب القول إن اللاجئين أعطوا موافقة حقيقية عند تسليمهم البيانات الحيوية، لكونهم لا يملكون خيارات أخرى. هذا ينطبق بشكل خاص على النساء اللواتي قد يواجهن أعرافًا تمنعهن من التحدث علانية. في الواقع، لا تزال أنظمة التسجيل الحيوية تمييزية، حتى عندما تتحدث النساء ضد استخدامها، كما هو الحال في حالة النساء المسلمات المحجبات في بنغلاديش. حيث ذكرت النساء والفتيات أنهن لم يُستشرن بشأن أنظمة تحديد الهوية الحوية، وقلن إنهن شعرن بعدم الاحترام وبالانتهاك، عندما تم تعديل غطاء الرأس أثناء عملية التسجيل.

إن استغلال البيانات التي جُمعت هو مصدر قلق آخر. وعلى الرغم من عدم حدوث انتهاكات كبيرة لبيانات أنظمة إدارة القياسات الحيوية، فإن التهديد لا يزال قائمًا، كما أن الكشف عن معلومات القياسات الحيوية الحساسة سيكون كارثيًا على اللاجئين. أولًا، على عكس رموز رقم التعريف الشخصي (PIN) وكلمات المرور، لا يمكن تغيير المعرفات المادية الشخصية. في حالة سرقة البيانات، ستظل بصمات الأصابع ومسح قزحية العين مكشوفة. وبالنظر إلى أن كثيرًا من برامج القياسات الحيوية يمكن الوصول إليها من قبل حكومات الولايات، فلا يُعرف من الذي يتحكم في المعلومات الحيوية للاجئين وفي الوصول إليها.

وتوضح مقالة حديثة للكاتب دايف نايجزبير Dave Nyczepir قرار وزارة الأمن الداخلي الأميركية، بنقل ذاكرة التخزين المؤقت للبيانات الحيوية، من المواطنين الأميركيين والمواطنين الأجانب، إلى شبكة خدمات الأمازون الحكومية (Amazon Web Services GovCloud). ونظرًا لأن المفوضية ترسل معلومات اللاجئين إلى وزارة الأمن الداخلي، فهذا يعني أن بيانات اللاجئين ستكون على الشبكة أيضًا. بالنسبة إلى النساء اللواتي يهربن من الاضطهاد أو العنف القائم على النوع الاجتماعي، فإن انتهاك هذه المعلومات يمكن أن يكون قاتلًا.

باختصار: على الرغم من أن القياسات الحيوية قد حسّنت فعالية تسجيل اللاجئين وتحديد هويتهم، لا تزال هناك العديد من الأخطار، خاصة بالنسبة إلى النساء اللاجئات. إن التعرف على هذه المشكلات سيكون بداية جيدة لتحسين الأنظمة المعنية.

تنص اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 بخصوص وضع اللاجئين على أن على الدول تقديم وثائق هوية لجميع اللاجئين داخل أراضيها، وتقوم على أساس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لضمان حقوق اللاجئين. ومع ذلك، فإن التهديدات التي تتعرض لها حقوق الإنسان للاجئين تختلف اليوم عما كانت عليه قبل 70 عامًا تقريبًا. قد يحتاج الأمر إلى ظهور تقنيات جديدة لتحديث حقوق اللاجئين المنصوص عليها في الاتفاقية، على وجه الخصوص، لضمان أمن اللاجئين وخصوصيتهم، سواء في شخصهم أو في هوياتهم الرقمية. يمكن أن تكون مثل هذه الإصلاحات نقطة انطلاق جيدة لوكالات الإغاثة، للتصدي بمسؤولية لمخاطر المطابقة الخاطئة، والخوارزميات التمييزية، وخرق البيانات نفسها وانتهاكها.

اسم المقال الأصليBig Brother Turns Its Eye on Refugees
الكاتبألكسندرا بولك، ALEXANDRA POLK
مكان النشر وتاريخهفورين بوليسي، FP، 2 أيلول/ سبتمبر 2020
رابط المقالhttps://bit.ly/2Z8ovka
عدد الكلمات1108
ترجمةقسم الترجمة/ أحمد عيشة