لم يعد ترابط الملفات الأربعة، في العراق وسورية ولبنان واليمن، موضعَ خلاف؛ لكون إيران تشكّل فيها لاعبًا أساسيًا في إطار مشروعها التوسعي في المنطقة، بالاعتماد على ذراعها الضارب خارج الحدود “فيلق القدس” الذي قاده قاسم سليماني، واتبع إستراتيجية تشكيل وتدريب وتسليح ميليشيات تابعة له في كل دولةٍ باتت أداته في السيطرة والتوسع، وربما كان “حزب الله” اللبناني أكثرها تأثيرًا وقوة وولاءً، ميليشيات عابرة للحدود مسلحة بعقيدة طائفية، تزجّ بها إيران حيث تقتضي الساحة هذا الحضور الكثيف، وكانت سورية المثال الأبرز، حيث حضرت عشرات الميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية، وفي مقدمتها “حزب الله” اللبناني، بقيادة قاسم سليماني المباشرة، لقمع ثورة السوريين، وقد قتلت عشرات الألوف منهم، ودمّرت مدنهم وقراهم، حتى قبل التدخل الروسي؛ ذلك بأن إستراتيجية إيران قامت على محاولة السيطرة على المنطقة بأيدي أبنائها، وسوف تخوض حروبها بالوكالة خارج أراضيها، ما أمكنها ذلك.

منذ التدخل الروسي في سورية 30 أيلول/ سبتمبر 2015، بطلب من قاسم سليماني، بحسب ما صرّح حسن نصر الله في مقابلته الأخيرة مع قناة الميادين، اتضح أن قدرة إيران على التمدد وصلت إلى نهايتها، وبعد هزيمة مشروع (داعش) عام 2017، جاء القرار الأميركي الإسرائيلي، برضا روسيا، عقب لقاء الأطراف الثلاثة في القدس، في تموز/ يوليو 2019، الذي يقضي بمنع إيران من التموضع على الأراضي السورية، ثم جاء اغتيال قاسم سليماني، بقرار وتنفيذ أميركي بتاريخ 3 كانون الثاني/ يناير2020، ضربةً قاصمةً لها تداعياتها على مجمل المشروع الإيراني.

تراجع السطوة الإيرانية في المنطقة:

هناك عوامل عدة جعلت الساحات الأربع، في السنتين الأخيرتين، التي طالما تبجح المسؤولون الإيرانيون بأنها باتت في قبضة السيطرة الإيرانية، تعيش حالة من الاضطراب والتراجع في السطوة الإيرانية، ولعلّ أهمها الحراك الثوري للشعب العراقي الذي انطلق من محافظات الجنوب، ثم عقوبات الضغط الأقصى الأميركية على إيران وعلى “حزب الله” اللبناني، لكن الواضح أن الساحتين العراقية والسورية هما الساحتان الأكثر سخونة واضطرابًا في هذه المرحلة، لجهة تأثيرهما على مستقبل الهيمنة والنفوذ الإيرانيين، بسبب تعقيدات الوضع في كلتا الساحتين، والسبب الأهمّ هو الوجود الكثيف للميليشيات التابعة لإيران في كلا البلدين، وتغلغل الأصابع الإيرانية في مفاصل التحكم في كليهما. وبالنظر إلى هذا الترابط، يصبح من المنطقي القول إن كلّ تراجع للنفوذ الإيراني في إحدى الساحتين سينعكس إيجابًا في الساحة الأخرى.

فأولًا: على الساحة السورية، حيث خاضت الميليشيات التابعة لإيران وبعض وحدات الحرس الثوري الإيراني أقسى المعارك، بقيادة قاسم سليماني المباشرة وبعض كبار جنرالاته، في أكثر من جبهة، على مدى سنوات الصراع، دفاعًا عن نظام الأسد الذي ظهر، منذ الأشهر الأولى للثورة، عجزُه عن استيعابها، وقد قامت هذه الميليشيات بعمليات قتل وتهجير للسوريين، ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، واشتغلت إيران على التغيير الديموغرافي، وتسريع حركة التشييع في سورية، لكن الأخطر كان هو تشكيلها ميليشيات محلية تتبعها، على غرار ما فعلت بالعراق، وقد قُدّر عدد أفرادها بأكثر من خمسة عشرة ألفًا، تنتشر بشكل أساسي في جنوب سورية وفي المنطقة الشرقية، ولا يخفى تغلغل إيران في الجيش وفي بعض الأجهزة الأمنية وكذلك في بعض مفاصل الحكم، حيث استحوذت على كثير من المنافع الاقتصادية، وعلى الرغم من أن حدة المعارك قد خفتت على الأراضي السورية، فإن إيران ما زالت تبقي على القسط الأكبر من الميليشيات التي جلبتها بغية الحفاظ على نفوذها.

وعلى الرغم من الوعود الروسية بتحجيم الوجود الإيراني في سورية، فإنها عمليًا لم تُنفّذ إلا القليل على هذا الصعيد، ليس لأنها لا ترغب في ذلك، بخاصة أن إيران تقاسمها النفوذ والسيطرة على النظام السوري، وهو ما لا تريده بالقطع، إنما لأنها لم تحصل حتى الآن على المقابل من الطرف الأميركي ومن إسرائيل على الأرجح، وعليه فهي تكتفي بغض الطرف المتفق عليه عن الغارات الإسرائيلية، حيث نفّذت إسرائيل مئات الغارات الجوية مستهدفة مقار ومستودعات أسلحة تلك الميليشيات على كامل الجغرافيا السورية، وأوقعت فيها خسائر بشرية ومادية لا يستهان بها، لكن إيران ما زالت تتحمل من دون أن ترد، وذلك من ضمن رهانها على حدوث تغيير في شروط العلاقة مع الولايات المتحدة في عهد الإدارة الجديدة.

وثانيًا: على الصعيد العراقي، حيث إن توتر الأوضاع هناك على أشده، ويحتدم الصراع بين قوى الدولة وقوى اللادولة التي تمثلها الميليشيات، وقد سرّع وتيرة الصراع حِراكُ أكتوبر الثوري، وكذلك تصاعد المواجهة الأميركية الإيرانية، منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، ثم زادها دفعًا اغتيال سليماني، وليس أدلّ على ذلك مما عاشته بغداد من توتر وحرج، ليلة 25 كانون الأول/ ديسمبر 2020، إذ انتشرت عناصر مسلحة تابعة لميليشيا “عصائب أهل الحق” التي يقودها قيس الخزعلي، وعناصر لميليشيات أخرى متضامنة معها، وانتشرت مقاطع فيديو تُظهر هذه المجموعات وهي تهدد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، مطالبة إياه بالإفراج عن عضو العصائب الذي اعتقلته القوى الأمنية العراقية بتهمة إطلاق الصواريخ على المنطقة الخضراء، يوم 22 كانون الأول/ ديسمبر، وأصابت إحداها السفارة الأميركية بأضرار مادية.

رفض رئيس الوزراء العراقي الخضوع لهذا الابتزاز والتطاول على الدولة، وأمر بنشر قوة مكافحة الإرهاب في محيط العاصمة، ثم نزل وتجول في شوارع بغداد، برفقة عدد من القادة الأمنيين والعسكريين، وفي نهاية المطاف؛ انسحبت العناصر المسلحة من العاصمة، بناءً على رواية غير مؤكدة تقول إن “الانسحاب جاء بناءً على وساطات داخلية، وربّما أوامر إيرانية”.

تفكيك الميليشيات.. الممكنات والتحديات:

بغض النظر عن صحة أو عدم صحة رواية الضغط الإيراني، لوقف تصعيد الميليشيات ضد الكاظمي، ثمة سؤالٌ يطرح نفسه بقوة، يدور حول أسباب تصرّف الكاظمي على هذا النحو، وقد جاءته الفرصة ولم يكمل خطوته بتصفية الميليشيات التي تزرع الفوضى والانفلات الأمني في العراق! أو على الأقل العمل على تصنيفها، قانونيًا، بأنها منظمات إرهابية خارجة عن القانون، وتهدد وحدة وأمن العراق؟

في سياق البحث عن جواب لهذا السؤال، وغيره من الأسئلة، لا بدّ من إلقاء نظرة على اللوحة العراقية، ومحاولة تقصي الصراعات ما بين القوى العراقية وتلك الصراعات من الخارج، في ضوء التوتر الأميركي الإيراني، والتحولات وتغيرات القوى والسيطرة في المشهد العراقي، حيث بات هناك خمسة عناوين لقوى تتفاعل داخل تلك اللوحة، وهي:

1 – ميليشيات “الحشد الشعبي”، فالحشد الذي يشمل ثمانين فصيلًا لم يعُد بعد مقتل سليماني والمهندس، كما كان قبله، فهو أولًا أصبح في الإطار العام حشدَين: حشد ولائي يجاهر بتبعيته لطهران، وحشد العتبات، وهي أربعة فصائل تتبع مرجعية السيستاني الدينية في النجف، وقد خرجت من الحشد، ووضعت نفسها تحت تصرف القائد العام، حيث بات الخلاف في التوجهات بينها وبين الفصائل الولائية واضحًا، فالعداء لتنظيم (داعش) الذي كان يوحدهما لم يعد قائمًا، والعنصر الأهم هو الموقف من ثورة العراقيين ومطالبها، فحشد المرجعية يتبنى إلى حدٍ كبير مطالب المتظاهرين، في حين أن فصائل الولائي قتلت حتى الآن أكثر من ستمئة متظاهر، فضلًا عن الإصابات والخطف والتصفيات، وأصابع الاتهام في هذه النقطة تتجه أكثر ما تتجه إلى ميليشيا “بدر” التي يقودها هادي العامري، والأمر الثاني أن الميليشيات الولائية لم تعد على تلك الدرجة من الولاء والتبعية لطهران، كما كانت، لكنها لم تقطع معها تمامًا، فطهران، بحكم أزمتها الاقتصادية المتمادية بفعل العقوبات الأميركية الشديدة، لم تعد قادرة على تقديم الدعم المالي لهذه الميليشيات، كما كانت سابقًا، لكنها ما زالت تمدّها بالسلاح، وأصبح لهذه الميليشيات أجنداتها الخاصة وأحيانًا المحلية، ومصادر تمويلها الذاتية من عائدات الحواجز والتهريب وفديات الخطف والتهريب والسطو على بيوت وأرزاق العراقيين وسرقتها.

إن عدم انضباط بعض الميليشيات الولائية بتوجهات طهران، وقصفها أحيانًا لأهداف أميركية دون أوامر، جعل منها عبئًا على طهران في هذه المرحلة، وهذا يعود في جزءٍ منه إلى افتقاد قائد “فيلق القدس” الجديد إسماعيل قاآني لكاريزما سليماني وخبرته في الملفّين العراقي والسوري، حتى إن علي الياسري (قائد سرايا الخراساني) غمز من طرف قاآني، ووصفه بأنه “لا يملك الخبرة الكافية في العراق”، كما تسربت معلومات عن اتفاق بين قاآني والكاظمي على ضبط فوضى الفصائل، وتفكيك بعض فصائل الحشد، وتوزيع عناصرها على بقية الميليشيات، وذلك خلال اجتماعهما في بغداد، في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 ، ويعتقد بأن اعتقال علي الياسري ونائبه حامد الزائري وأربعين عنصرًا مقربًا منهما، وإغلاق ثلاثة مقار للخراساني، وثلاثة مقار أخرى للجماعة الإسلامية في منطقتي الكرادة والجادرية في بغداد، هي من ضمن هذا الاتفاق، الأمر الذي أشاد به مقتدى الصدر داعيًا إلى “إخلاء الكرادة والجادرية من تجار الجهاد”.

2 – الحراك الثوري في الجنوب العراقي المستمر منذ أكثر من عام، بانتظار تحقيق الأهداف التي خرج من أجلها، وفي مقدمتها فكّ الارتباط بإيران، وتحسين الأوضاع المعيشية، ومواجهة فساد النخبة الحاكمة وأحزابها، وهو حراك ثوري عجزت قوى البطش عن إخماده وبات حقيقة لن تستطيع الأحزاب تجاهلها، على الرغم من أن وتيرته خفت بسبب كورونا، وأيضًا في سبيل إتاحة الفرصة أمام الكاظمي لترتيب ما يمكن ترتيبه من أوضاع العراق، والإعداد لانتخابات عامة باتت قريبة، يعتقد أن الشعب العراقي سيقول فيها كلمته حول هذه النخبة السياسية التي خطفت العراق ونهبته ورهنته راضية للنفوذ الإيراني.

3 – الطرف الإيراني: يبدو الطرف الإيراني، وكأنه يمرّ بأضعف حالاته في هذه المرحلة، منذ انطلاقة مشروعه التوسعي في المنطقة بُعيد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، فقد أنهكته العقوبات الاقتصادية الأميركية (عقوبات الضغط الأقصى) بعد انسحاب الرئيس الأميركي من الاتفاق النووي الذي وقع في العام 2015، وأضعفت قدرة إيران على تمويل أذرعها، إضافة إلى أن أذرعها الميليشياوية المنتشرة في سورية تتعرض لضربات مؤلمة ومتواترة من الطيران الإسرائيلي على مدى العامين الماضيين، وقد انكشف وضعها الأمني، حيث تعرضت لكثير من التفجيرات مجهولة المصدر، كان أخطرها تفجير نطنز كرسالة تحذيرية، لكن الأكثر إيلامًا كان اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زادة في الآونة الأخيرة، وربما يكون الأهم من كل ذلك خشيتها من خسارة الحاضنة الشيعية في العراق، حيث أطلق متظاهرو العراق من ضمن تلك الحاضنة شرارة الانقلاب على الهيمنة الإيرانية، وهناك طبعًا الوضع الداخلي المتوتر، ثم جاء اغتيال سليماني كضربة قاصمة للإستراتيجية الإيرانية التوسعية.

لقد مرّت طهران العام الجاري بحذر شديد، فهي لم تكن لتعط ترامب الفرصة لضربها، ذلك أن كل تهديدات مسؤوليها -على مختلف مواقعهم- بالانتقام لسليماني، لا تعدو أن تكون رسائل للداخل الإيراني، وتوزيعًا في الأدوار على عادة الساسة الإيرانيين، ما بين الدعوات للتهدئة والاستعداد للتفاوض، وما بين التشدد ورفع مستوى الاشتراطات التي تكذبها قنوات الرسائل الخلفية، عبر الوسيط العُماني أو السويسري، وكل ما يصدر من أذرع إيران في المنطقة، ضمن ما يسمى “حلف المقاومة”، هو للتذكير بقدرة إيران على الإيذاء في المحيط، وتحسين شروط إيران في التفاوض المعقود عليه الأمل، بعد أن يتسلم الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن.

لا شك في أن إيران لا تسعى لمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وهي ليست قادرةً عليها، لكن إذا جرت الأمور عن غير قصد باتجاه مواجهة من مستوًى ما، فإن التوجه الإيراني سيكون نحو أن يجعل من العراق ساحته، أو أي ساحة أخرى من ضمن الساحات الأربعة التي تتحكم فيها إيران.

4 – الولايات المتحدة الأميركية: منذ أن ألغى الرئيس ترامب الاتفاق النووي تنفيذًا لوعوده الانتخابية، تصاعد التوتر في العلاقة الأميركية الإيرانية، وتراجعت عما كانت عليه في عهد أوباما، فقد فرض ترامب عقوبات واسعة وقاسية ومتصاعدة، أنهكت الاقتصاد الإيراني ومنعت بقية دول العالم من التعامل معها، ثم جاء التفاهم الأميركي الإسرائيلي، برضا روسي، عام 2018 على منع إيران من التموضع الإيراني في سورية، حيث تتصاعد وتيرة الغارات الجوية الإسرائيلية على مواقع الميليشيات الإيرانية ومستودعاتها ومراكز تصنيع الصواريخ الخاصة بها، وكانت الضربة الأكثر إيلامًا اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وهو من كان يقود مشروع التوسع الإيراني في المنطقة، ولا يبدو أن إيران قادرة على تعبئة الفراغ الذي خلفه مقتل سليماني، بحكم خبراته وكاريزميته وارتباط المشروع به تخطيطًا وبناءً وإدارةً.

الولايات المتحدة ليس في خططها شنّ حرب على إيران، إلا إذا دُفعت إلى ذلك، حسبما تقتضيه إستراتيجيتها، أو إذا استطاعت إيران إيقاع أذى كبير بها لا يمكنها السكوت عنه، لكنها ستحاول متابعة الضغوط الاقتصادية وربما السياسية، بغية إجبارها على إعادة التفاوض حول الملف النووي والملف الصاروخي، وسياستها التي تزعزع الاستقرار في المنطقة، وكل التحليلات التي تذهب إلى أن ترامب سوف يضرب إيران، في الأيام المتبقية له في البيت الأبيض، بغية تكبيل أيدي الإدارة القادمة تجاه إيران، تجانب الصواب والمنطق، فليس في العرف السياسي الأميركي أن يُقْدم الرئيس الراحل على توريط الرئيس القادم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ترامب الذي ترك انطباعًا، بأنه الرئيس الذي يصعب التنبؤ بما سوف يقوم به، يبقى في المحصلة جزءًا من إدارة واسعة، لا تُخضع مصلحة الولايات المتحدة لرؤية شخص، أيًا يكن، على أهمية الصلاحيات التي يملكها الرئيس، ما دام على رأس عمله، وكل الحشود العسكرية الأميركية في الخليج، وآخرها إرسال الغواصة النووية (يو إس إس جورجيا)، وما يقال عن غواصة إسرائيلية أيضًا، واستعراض القوة التي نفذته أخيرًا قاذفتا بي 52، تدلل أن هذه الحشود هي رسائل ردع لإيران ليس إلا، ما دامت إيران لم تتجاوز الحد الذي يمكن لأميركا أن تتحمله، وهي لن تتجاوزه.

5 – رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي: هو ضابط أمن محترف، لا ينتمي إلى أي حزب، جاءت به ثورة أكتوبر 2019، بعد أن أسقطت حكومة عبد المهدي، كما أسقطت خيارات لبدائل طرحتها القوى المتحكمة في المشهد العراقي وإيران، وقد حظي بقبول المرجعية الدينية لمهمة أساسية هي إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، وضبط فوضى السلاح، وملاحقة قتلة المتظاهرين، وإذا كانت إيران قد قبلت بتوزيره على مضض، فربّما كانت غايتها إفشاله من خلال إظهار عجزه عن إنجاز المهمات التي تصدى لها، لكن بالمقابل من غير المعروف المدى الذي تدعمه فيه الولايات المتحدة، وإذا كان لهذه القراءة نصيبٌ من الواقعية، يكون الرجل في وضع من الصعوبة لا يحسد عليه، لأن خصومه الداخليين أو الخارجيين ليسوا بالسهولة التي يمكن المداورة معها، خاصة أنه يحاول تحييد العراق عن الاستقطاب الأميركي الإيراني، وألا يكون العراق ساحة لتصفية الحسابات بين الطرفين. هذا الوضع يجعل الرجل مضطرًا إلى إجراء الحسابات الدقيقة في كل موقف وقبل كل كلمة، وقد لوحظ أنه يحاول الانفتاح على البيئتين العربية والإقليمية، حيث سرّع مسيرة التطبيع وفتح المعابر مع السعودية، وسعى لتعزيز علاقات العراق بمصر والأردن وتركيا، وذلك لتعزيز موقفه الداخلي، محاولًا عدم استفزاز إيران قدر الإمكان، بدليل إرساله المستشار أبو جهاد الهاشمي (المحسوب على إيران) كمبعوث من قبله لشرح مواقفه الأخيرة، وإبلاغ طهران بنفاد صبر بغداد تجاه تصرفات الميليشيات التي أطلقت الصواريخ على السفارة الأميركية.

بالعودة إلى السؤال الأساس وخطوة الكاظمي غير المكتملة، نجد هناك نقاطًا عدة:

  • أ – إذا كانت قراءة الكاظمي للمشهد تقرّ بتراجع النفوذ الإيراني، كنتيجة للضغوط التي تتعرض لها في أكثر من ساحة، وصعوباتها الاقتصادية والتوتر الداخلي؛ فإن إستراتيجية الضغط والمحاصرة التدريجية للفصائل المحسوبة على طهران، تكون أجدى من استعجال مواجهة معها غير مضمونة النتائج، في مرحلة انتقالية يمرّ بها الوضع الأميركي، ويصبح الرهان على ضعف الفصائل، بمساعدة ضغط الشارع وإضعاف تبعيتها لإيران، رهانًا معقولًا.
  • ب – إذا كانت المعطيات الداخلية لديه تشير إلى أن الأحزاب التي أدارت العراق منذ العام 2003، ستُهزم أو ستخسر من رصيدها إلى حدٍ كبير في الانتخابات القادمة، التي ستجري بتاريخ 7 تموز/ يوليو القادم؛ فإن تأخير المواجهة مع الفصائل يصبح خيارًا أكثر نفعًا ومعقولية، حيث لوحظ أن هذه الأحزاب أيضًا لا تدفع باتجاه المواجهة، كي لا تدفع ثمن مواقفها هذه في تلك الانتخابات، ومن جهة أخرى، يلاحظ سعي التيار الصدري واستعداداته لملء الفراغ الذي ستخلفه النتائج على رصيد تلك الأحزاب، إذا لم تخيب ظنه ساحات التظاهر، وهذا مرجّح، لأن مواقفه تجاه التظاهرات لم تكن أقلّ سوءًا من القوى الأخرى، عندما فشل في تجيير التظاهرات لخدمة مصالحه.
  • ج – وإذا كان -بحكم موقعه الأمني السابق- على دراية دقيقة بالخلل الذي يعانيه الجيش العراقي والقوى الأمنية العراقية، وسيطرة إيران وأذرعها العسكرية أو الأمنية من العراقيين على مفاصل السيطرة والتحكم داخل المؤسستين؛ فإن العمل على ترتيب الأوضاع داخلهما، وعزل العناصر التابعة لإيران، يكتسب أهمية تفوق الدعوات للمواجهة واتهامه بالتردد أو الجبن، أو تلك التي تتهمه بأنه ليس في وارد القطع مع طهران، ولا يعدو أن يكون نسخة جديدة تلائم مستجدات الوضع الإيراني.

وبالمجمل؛ إذا كانت هذه القراءة تنطوي على قدر معقول من الواقعية، فإن نصف خطوةٍ ثابتةٍ على أرض صلبة، باتجاه الهدف، أفضل وأكثر جدوى من خطوة في الفراغ، مهما كانت طويلة، ولا يخفى على أحدٍ حجمُ التغلغل الإيراني في العراق، وأن تخليصه من براثن السيطرة الإيرانية يحتاج إلى إستراتيجية دقيقة ذات نفس بطيء، وإلى تعاون عربي وإقليمي فاعل، وإلى انفجار الوضع الداخلي في إيران؛ حيث إن إيران تعُدّ العراق، بحكم ثرواته وتركيبته الاجتماعية، درّةَ ما تحصلت عليه من نفوذ في المنطقة، ولن تفرّط فيه، سواء في تفاوضها أم في مواجهتها مع الطرف الأميركي وإسرائيل، على الرغم من أهمية وجودها في سورية، لحماية طريق حلمها بالوصول إلى المتوسط، وبالنتيجة نجد أن أي حديث عن مواجهة وشيكة، بين إيران والولايات المتحدة، ليس واردًا في المدى المنظور.