مدخل

نقلت وكالة (سانا)، الوكالة الإعلامية الرسمية للنظام الأسدي، في 25 شباط/ فبراير، خبر اتصال رئيس النظام بشار الأسد بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وبالرغم من عدم أهمية تصريحات بشار الأسد على مستوى الاشتباكات الدولية السياسية، فإنه تحول إلى عنوان رئيسي في الإعلام الغربي، وهو ما أعاد التدليل مرة أخرى على صحة ما سمعه العالم عن الدكتاتور الذي يقتل شعبه.

من المفهوم أن كثيرًا من الحكومات والزعماء سيحسبون حسابات المصالح والخسائر، وعديد منهم يساند روسيا بشكل مباشر أو غير مباشر، لكن إعلان التأييد المطلق بهذا الشكل لم يكن موقفًا سياسيًا عاديًا، حتى بين أقرب حلفاء بوتين، باستثناء دكتاتور بيلاروسيا لوكاشينكو.

سيقول كثيرون إن السبب هو أن بشار الأسد بالمحصلة حليفٌ تابع لبوتين، ولولا اقتحام روسيا العسكري لسورية لسقط النظام الأسدي، ولذلك هو يتبع الأوامر أو يردّ “الجميل”. طبعًا، هذا الرأي أو التحليل له وجهاته وأحقيته، لكن هل هذا هو السبب فقط؟ بالواقع، المشتركات ما بين بشار الأسد وفلاديمير بوتين، كدكتاتوريين متشبثين بسلطانهما، تضيف كثيرًا من الأسباب التي تشرح موقف الأسد من الغزو الروسي لأوكرانيا.

خبر (سانا)

ما يلفت النظر في خبر سانا، وفي تغطية الإعلام الأسدي للحرب العدوانية على أوكرانيا، هو التزامهم بالمعايير التي فرضها الكرملين على الإعلام الروسي، وأشهرها عدم استخدام كلمة “حرب” في التغطية الإعلامية للحرب في أوكرانيا، بل استخدام عبارة “العملية العسكرية” أو “العملية الخاصة”. فضلًا عن الانحياز الواضح في نقل الأخبار من مصدر واحد هو المصدر الروسي.

قد يجادل البعض بأن هذه المصطلحات لن تغطي حقيقة أنها حرب. لكن التاريخ والواقع يقول إن التأثير الإعلامي لاستخدام كلمات مختلفة، وإن كانت تشير ضمنيًا إلى معنى واحد، وخاصة مع التكرار، يُوصل صورًا وأفكارًا مختلفة للمتلقين بعامتهم وخاصتهم. الحروب الحديثة بدأت بالإعلام وحرب المصطلحات، وقد رأيناها في سورية والشرق الأوسط، والآن نرى شراستها في الصراع الإعلامي المُشتّد حول أوكرانيا.

أوجه الشبه بين بوتين والأسد

التشابه بين الدكتاتوريين متعدد الأوجه، على الرغم من الاختلافات الكبيرة بين روسيا وسورية، ومن الظروف المحيطة بالبلدين. ويتجلى التشابه في بنية النظام الحاكم الذي يترأسانه، وفي السياسة الداخلية والخارجية، وأيضًا على المستوى الشخصي كحاكمين مطلقين يظنان أن بلديهما أصغر مما يستحقانه.

3.1 نظام حكم دكتاتوري بوليسي مغلق

بوتين والأسد أسسا، أو بالأصحّ، رسّخا نظامًا دكتاتوريًا شموليًا، كان موجودًا منذ عقود قبلهما. نظام قائم على حكم الفرد المطلق الذي لا يمكن لأحد أن يجادله أو يعترض عليه، ويستند إلى أدوات قمع ومراقبة بوليسية شديدة الصرامة والقوة والفتك، وإلى تحالف متين متداخل ما بين السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية والمالية وما بين السلطة البيروقراطية للدولة، وكل هذه السلطات تستمد حمايتها من تحالف وطيد مع السلطة العسكرية.

والناحية الأهم أن كلا النظامين قاما على تقليد مستمر منذ عقود لمنظومة الحكم الشيوعي السوفييتي البائد. الفرق أن نظام الأسد تعلّم من خارج المنظومة خلال فترة حكم البعث وحافظ الأسد لسورية، لكنّه كان تلميذًا مجتهدًا في النسخ من المنظومة الشيوعية السوفيتية، والتطبيق في سورية، مثل كثيرين من الجمهوريات العربية. في حين أن بوتين أتى من عمق رحم النظام الشيوعي السوفييتي، من المخابرات السوفيتية ذات الاسم المخيف والمرعب، داخليًا ودوليًا.

قد يُقال إن التشبيه هنا جائر، من حيث كون نظام البعث والأسد وسورية أتى من خلفية عسكرية بحتة، على حين أن بوتين، الشيوعي السابق، أتى من خلفية حزبية سياسية، وإن كان ضابطًا في المخابرات السوفيتية. هنا يمكن القول إن ذلك صحيح لحد ما، فالسلطة الأعلى في روسيا متمثلة ببوتين، ودائرته الضيقة لا تعتمد بنيويًا بسلطتها على الجيش أو ضباطه، فعلاقة المؤسسة العسكرية الروسية بالسلطة التنفيذية هي لحدّ بعيد أكثر استقلالية عن العلاقة المعقدة والمتداخلة بين المؤسسة العسكرية في نظام الأسد ومؤسسات الدولة الأخرى. لكن مع ذلك، يبقى للمؤسسة العسكرية دور أساسي في أيّ تغيير سياسي مستقبلي في روسيا، وأي رئيس غير بوتين يجب أن يحسب حساب رأي المؤسسة العسكرية وكبار ضباطها بالذات، لأن ولاء هذه المؤسسة للكرملين ورئيسه يلعب دورًا حاسمًا في السلطة الحقيقية التي سيستطيع الرئيس ممارستها. ولعل هذا ما يفسّر إلى حدّ بعيد سلسلة التغيرات البنيوية على الجيش الروسي، التي ارتبطت بأسماء وزراء الدفاع أو رؤوساء الأركان الذين توالوا على هذه المناصب في عهد بوتين، مثل “إصلاحات إيفانوف-كشفاشنين” و”إصلاحات سيرديكوف-ماكروف” و”إصلاحات شويغو-غيراسيموف” [1]، حيث كانت التغييرات مرتبطة بالشخص نفسه، مثلما أن الدولة الروسية مرتبطة بشخص بوتين نفسه.

مع ذلك، يبقى عمق العقلية الحاكمة في (روسيا – بوتين) و(سوريا – الأسد) عقلية تستمد كثيرًا من الرؤية العسكرية الاستبدادية، وتعتمد على العسكر والأمن بالمحصلة لصيانة هذه السلطة، وعلى صنع الأمجاد في مجالات لا تضمن قوة الدولة كدولة حديثة قابلة للتطور والاستمرار والاستقرار، وإهمال مجالات التطور الحقيقي الذي يلزم الدولة الحديثة مثل التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتقني والخدمي والعلمي. فليس المُحرَّم أن يكون الرئيس أو الزعيم السياسي قد خدم من قبلُ كعسكري، بل المُحرَّم أن يأتي بعقلية العسكرية الآمرة التي تقوم على مبدأ “نفذّ ولا تعترض”. فضلًا عن أن العمل في المخابرات السوفيتية أو الجيش السوري لن يزرع سوى عقلية القيصر الطاغية.

ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنه لا يمكننا اعتبار مرحلة التسعينيات، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية في روسيا، مرحلة من الديمقراطية. فعقد التسعينيات في روسيا الاتحادية وغالبية دول حلف وارسو السابق كان مرحلة فوضى عارمة لم يُعرف لها طعم ولا رائحة، فلا هي ديمقراطية ولا دكتاتورية، لا رأسمالية ولا شيوعية، بل حالة تخبط وسباق محموم لكسب أكبر قدر من المرابح المالية والسلطوية والسياسية. وهنا، يأتي دور بوتين كزعيم لروسيا وضع حدًّا للسباق الفوضوي الشره داخل روسيا، ليصبح سباقًا محكومًا من قبله ووفق المسارات التي يتركها لرجال نظامه من رجال مال أو سياسة أو أمن أو عسكر.

3.2 نظام اقتصادي هش وفاسد

لا ينتهي التشابه عند بنية النظام الحاكم، بل يزداد عند مقارنة سيطرة الفساد على أجهزة الدولة. فروسيا وسورية تزايدت معدلات الفساد فيهما وفق منظمة الشفافية العالمية [2]، حيث انتقل ترتيب سورية بين دول العالم من 76 إلى 131، كذلك انتقل ترتيب روسيا بين دول العالم من 128 إلى 154، ما بين 2005 و2010.

وفي روسيا وسورية، يُنسب إلى الأسد وبوتين النمو الاقتصادي الذي شهده البلدان منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي وصولًا إلى منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، فهل هذا صحيح؟

بمقارنة النمو الاقتصادي الذي حققته سورية وروسيا مع بقية دول العالم، تظهر حقيقة أن الاقتصاد العالمي شهد نموًّا كبيرًا نسبيًا منذ نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة. وخلال تلك المرحلة، دخلت دول عدة خانة ما يُصنّف “الدول الصاعدة الاقتصادية”. ذلك الصعود يعود إلى عوامل اقتصادية وسياسية كثيرة، يمكن اختصارها باختلاف طبيعة العلاقات الدولية بعد سقوط السوفييت في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وانطلاق ما سُمّيَ “النظام العالمي الجديد” المعتمد على اتفاقيات تحرير التجارة وحرية حركة الأموال؛ فتدفقت الأموال والاستثمارات على عدد من دول العالم، وحققت الشركات والدول مرابح كبيرة نسبيًّا، وبسرعات قياسية بالنسبة إلى تاريخ الشعوب.

ضمن هذا الحراك، كانت روسيا، بعد أن أصبح بوتين الرجل القوي حاكمًا لروسيا، مؤهلةً للاستفادة من تلك التغيرات، وكذلك سورية كانت أيضًا تملك بعض المؤهلات التي تدفعها إلى الاستفادة من حركة الصعود الاقتصادي. فما حصل كان بحاجة إلى حكم قوي مركزي في دول العالم الثالث ودول مثل روسيا.

وللتدليل على هذا الكلام، نستعرض بعض أهم مؤشرات النمو الاقتصادي لبعض الدول حول العالم، خلال الفترة ما بين 2000 و2010، باعتبار أننا لا نستطيع مقارنة سورية بعد العام 2011 بالدول الأخرى [3].

نما الناتج المحلي الإجمالي [4] GDP ما بين العامين 2000 و2010 بمعدل سنوي يقارب 5 بالمئة في سورية، وكذلك 5 بالمئة في روسيا؛ أي إنه كان أعلى من المعدل العالمي الذي كان 3 بالمئة. وفي الوقت نفسه، نجد أن معدل النمو في تلك المرحلة كان 4 بالمئة في تركيا وتونس وفي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عمومًا وفي البرازيل، و5 بالمئة في مصر وسلوفاكيا وأندونيسية وتايلاند. وبلغ 7 بالمئة في فيتنام والهند وبيلاروسيا وسنغافورة، ووصل إلى 11 بالمئة في الصين (الشكل 1).

الشكل 1

بقي مستوى حصّة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في روسيا أقلَّ قليلًا من المعدّل العالمي الوسطي، في العامين 2000 و2010. أما في سورية، فقد بقي أقلَّ بكثير من معدل حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط، وأقلّ من مصر. إذًا، فالبلدان أيضًا حققا نموًّا متناسبًا مع حركة النمو العالمي (الشكل 2).

الشكل 2

لعل مستوى استهلاك الفرد من الكهرباء يقدّم نظرة أخرى لمستوى الخدمات والحياة التي يعيش وفقها السكان. بالمقارنة، بقيت روسيا في مجال الدول متوسطة الاستهلاك للكهرباء (مع أنها بلد بارد جدًّا) مع بقية دول أوروبا الشرقية. وبقي استهلاك الفرد من الكهرباء في سورية أقل من معدله في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (الشكل 3).

الشكل 3

استفاد البلدان مثل غيرهما من تدفق الاستثمارات الأجنبية وحركة رؤوس الأموال عبر العالم في بداية الألفية. تدفقت الاستثمارات الأجنبية على روسيا، وتزايدت ما بين العامين 2000 و2010، لكنها بقيت أقل بكثير من الدول الغنية (أقل من سنغافورة)، ومعدل تزايد الاستثمارات بقي أقل من معدّل تزايدها في البرازيل مثلًا. أما في سورية فقد ارتفعت أيضًا هذه الاستثمارات، لكنها بقيت أقل من مصر مثلًا، وأقل من حيث الزيادة النسبية ما بين العامين 2000 و2010 من فيتنام (الشكل 4).

الشكل 4

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن روسيا من أكبر المنتجين والمصدّرين للنفط والغاز الطبيعي في العالم، وأن ثروات سورية الطبيعية تُعدّ كبيرة مقارنة بحجم سورية، مساحة وسكانًا، مع النظر إلى حركة النمو الاقتصادي العالمي لما قبل الأزمة المالية العالمية 2008 – 2009، بالمقارنة مع تزايد معدل الفساد في البلدين؛ فإننا نستنتج أن حركة النمو الاقتصادي في البلدين لم تكن بفضل سياسات عبقرية لنظامي البلدين، أو تفوق في الإدارة والقيادة، بقدر ما كانت تماشيًا مع واقع فرض نفسه، تلاقى مع إدارةٍ يمكن تقييمها عند المقارنة بالدول الأخرى على أنها متوسطة الأداء، من حيث التحكم وضمان الاستقرار، وليس من حيث التنظيم والتطوير.

لكنّ النظامين الروسي والسوري استخدما الإعلام والبروباغندا الإعلامية لنشر أفكار مغلوطة، حول أن زعيمي البلدين حققا ما لم يتحقق في دول أخرى مشابهة من حيث الظروف الداخلية والخارجية، وبالغا في عبقرية وحكمة “القائدين”.

3.3 حلفاء وأصدقاء الأسد من اليمين الغربي المتطرف

هنا سنتكلم عن التحالفات السياسية والمصلحية التي تربط بوتين والأسد بشخصيات وجماعات متطرفة يمينية غربية.

السيناتور ريتشارد هايدن بلاك Richard H. Black من ولاية فرجينيا الأميركية، كان يوصف في الولايات المتحدة الأميركية بأنه أعلى مؤيدي روسيا وبوتين في أميركا صوتًا [5]. زار هايدن دمشق، في 17 نيسان/ أبريل 2016، والتقى بشار الأسد وسط ترحيب إعلامي كبير من قبل إعلام الأسد، وكان قد أرسل رسالة تأييد وتضامن للأسد في 2014. بلاك معروف عنه أن يميني متطرف مناهض لحقوق المرأة، ولحقوق العمال، ومعارض شديد لنظام الدعم الصحي، ومعارض لقوانين حماية البيئة التي حدت من استخراج النفط والغاز عبر تقنيات ملوثة للبيئة، وهو أيضًا من أشد أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعروف بعنصريته.

في 21 تموز/ يوليو 2013، نشرت جريدة Dimokratia اليومية اليونانية [6] مقابلة مع ستارفوس ليبوفيسيس Stavros Libovisis، وهو أحد أعضاء مجموعة مارفوس كلينوس Mavros Krinos اليونانية الفاشية المتشددة؛ قال فيها: “نحن نحارب مع إخوتنا بالسلاح (السوريين) … ضدّ العدو القديم”، وقد ادعى ليبوفيسيس أن مقاتلين يونانيين متطوعين شاركوا في معركة القصير، لم تؤكد مصادر مستقلة صحة هذا الادعاء، لكن يكفي بالنسبة إلينا معرفة إلى جانب من تقف الفاشية الأوروبية المعاصرة.

في نهاية 2014، وفي الشهر الرابع من عام 2016، زار سورية دعمًا لنظام الأسد وفود نيابية أوروبية تضم أساطين اليمين الأوروبي المتطرف، تحت اسم التحالف من أجل السلام والحرية، والتقوا برئيس مجلس شعب النظام محمد جهاد اللحام، ومفتي سورية أحمد بدر الدين حسون [7]. من بين الزائرين كان أحد زعماء الفاشية الجدد السياسي الإيطالي روبيرتو فيور Roberto Fiore، وهو رئيس الحزب اليميني المتطرف الإيطالي “القوة الجديدة Forza Nuova”، المتبني لفكرة الميليشيا، وكان فيور قد لجأ إلى بريطانيا سنوات عدة، على إثر تداعيات تفجير إرهابي في إيطاليا؛ ورافقه بالوفد أيضًا صديقه الشخصي السياسي البريطاني نيكولاس جون غريفين Nicholas John Griffin، المعروف بمواقفه العنصرية وقد تمّت محاكمته عليها مرتين، وهو الزعيم السابق للحزب الفاشي البريطاني “الحزب الوطني البريطاني BNP”؛ وضمّ الوفد رئيس حركة النازيين الجدد الألماني أودو فويت Udo Voigt، الذي وصف هتلر بأنه “رجل عظيم”، واتهم المستشارة ميركل بالخيانة، لأنها استقبلت اللاجئين، وهو الذي ترشح لرئاسة الحزب الديمقراطي الوطني الألماني اليميني المتطرف.

وفي 2016، احتفل مؤيدو الأسد بفيديو لنائب نمساوي اسمه روبرت لوغار Robert Lugar، يدافع به عن النظام الأسدي [8]؛ كان لوغار قد تعرض لهجوم إعلامي شديد في النمسا، نتيجة وصفه اللاجئين القادمين إلى أوروبا بأنهم مخلوقات بدائية “إنسان النيدرتال”، وهو عضو في مجموعة يمينية متطرفة اسمها شتروناخ Team Stronach for Austria. وقد ضجّ الإعلام الألماني في 2019 احتجاجًا على زيارة حزب البديل الألماني AFD، الحزب اليميني المتطرف الأقرب للنازية، لنظام بشار الأسد وإعلان دعمه له [9].

3.4 حلفاء وأصدقاء بوتين من اليمين الغربي المتطرف

على الرغم من أن بوتين يدعي أنه شنّ حربه العدوانية على أوكرانيا بغرض إزاحة الحكومة الأوكرانية، لأنها كما يدعي من “النازية الجديدة”، وبغض النظر عن مدى صحة ادعائه، يظهر أن علاقات بوتين باليمين الغربي المتطرف قائمة ومتشابكة، وهو يقدم دعمًا كبيرًا لهذا التيار.

في 27 شباط/ فبراير عام 2020، نشر مركز غارينجي ورقة مطولة عن دعم بوتين للشعبويين أو اليمين المتطرف في إيطاليا والنمسا [10]. حيث قدم التقرير تحليلًا لأخطاء السياسة الغربية التي فتحت الأبواب لبوتين لدخول ساحة اللعبة السياسية الأوروبية الغربية من خلال اليمين المتطرف. ومما يزيد في مصداقية هذه الدراسة وغيرها، الفضيحة [11] التي أجبرت نائب المستشار النمساوي كريستيان شتراخة رئيس حزب الحرية النمساوي في وقتها، وهو حزب يميني متطرف، على الاستقالة من منصبه، بسبب علاقاته المشبوهة مع جهات روسية كبيرة، بعد فيديو كشف اتفاقية كان يعقدها مع ملياردير روسي مقرب من بوتين، يطالب بها شتراخة الطرف الروسي بدعمه إعلاميًا داخل النمسا، مقابل منح الشركة الروسية امتيازات استثمارية ضمن النمسا.

وفي 2016، نشرت مجلة (بيزنسإنسايدر) تقريرًا عن علاقة بوتين بالتيارات البيضاء القومية المتطرفة، وعن تسميته بقائد العالم الحرّ، كما عبّر عن ذلك ماثيو هايمباخ Matthew Heimbach، وهو من مشاهير ناشطي تيار الأميركيين البيض المعروف بعنصريته [12].

ولعلّ الدليل الأقوى على علاقة بوتين بالتيار الشعبوي الغربي أو التيار العنصري الأبيض، هو علاقته القوية والمتينة المعروفة بدونالد ترامب، الذي كان صعوده لرئاسة البيت الأبيض أقوى جرس إنذار على مدى قوة التيار اليميني المتطرف الشعبوي في الغرب. وفضلًا عن هذه العلاقات، ما يزال بوتين مستمرًا في تقديم دعم مفتوح للعديد من الأنظمة الحاكمة الدكتاتورية الفاسدة والعنيفة. ومن المعروف دعمه لنظام الأسد في سورية، الذي كان السبب الأهم في استمرار بقاء هذا النظام.

وإضافة إلى ذلك، تبنى بوتين كل سياسات دكتاتور بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، حاكم بيلاروسيا المطلق منذ العام 1994، والذي أقدم في ربيع العام 2021 على اختطاف طائرة نقل ركاب مدنية تابعة لشركة (ريان إير) الإيرلندية ومتوجهة إلى ليتوانيا، بهدف اعتقال صحفي معارض للوكاشينكو. ومع اتساع الإدانات لتلك القرصنة الجوية، استقبل بوتين لوكاشينكو استقبالًا حافلًا على يخته الخاص، وتبنّى موقفه والدفاع عنه.

كذلك، دعم بوتين بقوة رئيس أوكرانيا المخلوع فيكتور يانكوفيتش، وهو المعروف بفساده الكبير وسجله الجنائي قبل أن يدخل عالم السياسة. وبعد هروبه من أوكرانيا حيث اتُّهم بالخيانة، منحه بوتين اللجوء السياسي في روسيا، فضلًا عن دعم بوتين للنظام الإيراني المعروف بدكتاتوريته وفساده والحكم البوليسي الذي يستخدمه ضدّ الشعب الإيراني، وعن ترويج الفكر الديني الطائفي والمتطرف، ودعم الميليشيات التي ترفع تلك الشعارات.

3.5 ادعاء الحرب على الإرهاب

بوتين والأسد ادعيا أنهما يحاربان الإرهاب الإسلامي، وبخاصة (داعش) في سورية. ودلائل الأحداث والقتال في سورية، منذ اندلاع الثورة عام 2011، تُثبت أن نظام الأسد نادرًا ما قاتل (داعش)، بل إنه استخدمها مرات عدة. وكذلك كان دور الجيش الروسي الذي أرسله بوتين إلى سورية عام 2015.

في 2016، أصدرت مجموعة الأزمات الدولية، ومقرها في بروكسل في بلجيكا، دراسة مفصلة بعنوان “تصدير الجهاديين القوقاز إلى سورية”، حيث رصدت حركة مقاتلين جهاديين إسلاميين خرجوا من روسيا الاتحادية والتحقوا بتنظيم (داعش) في سورية، تحت أعين المخابرات الروسية.

أما نظام الأسد، فمعروفة علاقاته بالميليشيات التي تتخذ من النداء الطائفي الشيعي الإمامي، مثل حزب الله وغيره من ميليشيات ممولة من قبل إيران؛ ولعبت هذه الميليشيات أيضًا دورًا محوريًا في تثبيت ركائز نظام الأسد في سورية. فضلًا عن علاقاته التي باتت معروفة مع الميليشيات التي تحمل شعار الجهاد الإسلامي السني في سورية، مثل داعش والنصرة.

وهنا، لا بدّ من التذكير بدور نظام الأسد ومخابراته في دعم الجهاديين الإسلاميين الذين توجهوا للعراق بعد الغزو الأميركي عام 2003، بحجة “الجهاد ضدّ الأميركيين”. وقد اعتمدت تلك السياسة على فتوى أصدرها الشيخ أحمد كفتارو، مفتي سورية وقتها والمقرب من بشار الأسد، تحث على الجهاد في العراق [13]؛ حيث قامت المخابرات السورية باستقبال كثير من المجاهدين السوريين وغير السوريين، ومنحتهم التسهيلات اللازمة لدخول العراق وقتال الأميركيين، وهؤلاء المجاهدون كانوا مساهمين أساسيين في إنشاء الدولة الإسلامية في العراق [14] التي أصبحت لاحقًا “داعش”.

3.6 حجم بوتين والأسد

كما هي حال أيّ دكتاتور بسلطات مطلقة، ينتاب الشخصان جنون السلطة وشعور عميق بأن ما يحكمانه من أرض وشعب هو أقلّ مما يستحقانه. ومشهورة عبارة أحد أعضاء ما يسمى “مجلس الشعب السوري” خالد العلي عام 2011، حيث خاطب بشار الأسد قائلًا: إن “سورية صغيرة عليك يا سيادة الرئيس”.  ونرى الآن كيف يرى بوتين أن روسيا الاتحادية أقلّ مما يستحق، وهو يشن حربًا عدوانية على أوكرانيا، بعد تأكيده رسميًّا أن أوكرانيا جزء من روسيا وليست دولة مستقلة [15].

4 أوجه الاختلاف بين بوتين والأسد

يكمن الاختلاف الأساسي بين الشخصيتين في حجم الدولة التي يسيطران عليها سيطرة مطلقة، فروسيا أكبر بكثير من سورية، وأقوى عسكريًّا واقتصاديًّا، وأطماع بوتين أوسع مما لدى الأسد بسبب حجم ما يملكه بين يديه. ومن الناحية الشخصية، لا بدّ من الإقرار أن بوتين أظهر ذكاء ومكرًا أشد وأوسع بكثير من الأسد. فضلًا عن تمتعه بشخصية ذات كاريزما عالية، وإتقان لدور الزعيم السياسي الشعبوي القادر على خداع الجماهير وتحريك عواطفها. فهو زعيم صنع سلطانه بيده فعلًا، ولم يصعد بناءً على دعم خارجي أو عائلي.

لكن بشار الأسد وجد نفسه فجأة وريثًا لأبيه الطاغية حافظ الأسد، فكان صعوده وراثة وليس صعودًا بذل من أجله الجهد والوقت، وقد خدمته الصدفة التي هيأت الظروف الإقليمية والدولية والمحلية السورية لاستمراره في حكم سورية. وعلى المستوى الشخصي كزعيم، لا يمكن الادعاء بأنه سياسي بارع أو مجيد للخطاب السياسي، سواء الدبلوماسي أو الشعبي، ولا يتمتع حتى بكاريزما أبيه ومكره، لكن الظروف والصدف خدمته، وجعلت بقاءه بالسلطة مصلحة إستراتيجية لنظام إيران وروسيا والصين أيضًا.

5 خاتمة

تلاقي مصالح الزعماء السياسيين، بغض النظر عن سياساتهم وقربها أو بعدها عن الديمقراطية والقيم الأخلاقية والقانونية، يُجبرهم على العمل معًا، مهما كان الاختلاف قائمًا فيما بينهم. لكن بحالة بوتين والأسد، وفوق كل المصالح الكبرى المشتركة بين النظامين، فإن أوجه التشابه بينهما تزيد من متانة العلاقة وقوتها، وتعزز أيضًا من ترابط المصالح بينهما. ولعل تأييد الأسد المطلق لحرب بوتين على أوكرانيا هي آخر الأدلة على أن الأسد قرّر ربط مصيره بمصير بوتين. ففي حال خسارة بوتين لتلك الحرب خسارة كاملة، بمعنى انسحابه من كامل أوكرانيا وجزيرة القرم، ومع كل هذه الضجة الإعلامية والسياسية وتغيرات مواقف وسياسات دول العالم، فإن الخسارة الكاملة ستؤدي إلى أن يخسر بوتين سلطته في روسيا نفسها. وروسيا كما هي حال سورية تخضع لنظامٍ لم يسمح لمؤسسات الدولة أن تكون جاهزة لملء فراغ غياب الزعيم، وبذلك فإن خسارة بوتين ستشكل الضربة القاضية على الأسد ونظامه، ودخول روسيا بأزمة لا يمكن التنبؤ بمخرجاتها.

ومع ذلك فإن احتمال خسارة بوتين في أوكرانيا خسارة كاملة ما زال بعيدًا عن التداول؛ لسببين أساسيين: أولهما أن السياسة الأميركية والغربية لا تسعى لحصر بوتين في الزاوية بخسارة شاملة، مع أنها لن تتسامح مع نتائج هذه الحرب، وذلك مرتبط بالسبب الثاني، وهو أن بوتين يسيطر على الصواريخ النووية الروسية، فلا الغرب ولا العالم يريد التصعيد نحو مواجهة نووية قد تقضي على الحياة على الكرة الأرضية كلّها. كما أن العالم كله ليس من مصلحته دخول روسيا بأزمة كبرى، إن خسر بوتين خسارة كاملة، فلا يمكن لأحد التحكم في ما قد يؤدي له ذلك في روسيا وعلى مستوى العالم.

خسارة بوتين للحرب أصبحت محسومة، وسيرضى بما يقدّمه الغرب له في شرق أوكرانيا، لكن الحصار الاقتصادي وانقطاع الثقة بين روسيا وبين أوروبا سيُفقِد روسيا أهم وأكبر شركائها التجاريين، والذين لا يمكن حتى للصين تعويضهم؛ وبذلك فلن تعود روسيا إلى المستوى الذي كانت عليه قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا، لا على المستوى الاقتصادي ولا السياسي ولا العسكري. لذلك فإن قرار بشار الأسد القفز بكل بيضه في سفينة بوتين سيُؤدي أيضًا إلى دخوله في نفقٍ أشدّ ظلمة من الانعزالية والضعف، لكن ذلك سيؤدي إلى مزيد من التعنّت والتسلط والعنف من قبله، لأن الغرب بعد هدوء الأزمة في أوكرانيا سيزداد تردده في مواجهة أخرى مع بوتين في سورية، وإنْ كان بوتين الخاسر في أوكرانيا.

قد يتمنّى البعض القول إن خسارة بوتين للحرب مع تراجع قوته الدولية سيؤدي إلى انهيار نظام الأسد تلقائيًا، لكن هذا الأمر مستبعد، مع الأسف. فما يبدو الآن أنّ العالم يدخل في عملية استقطاب على المستوى الدولي بين معسكرات النظم الدكتاتورية واليمينية المتطرفة وبين الغرب، حتى الغربُ نفسه لم يتخلّص من احتمال صعود اليمين المتطرف إلى السلطة، وستكون التوازنات الدولية حساسة جدًّا، وخارجة عن التحكّم.


[1] “فهم ديناميكيات القيادة العليا في الجيش الروسي” – مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، Center for Strategic and International Studies (CSIS) ، 20/07/2021، شوهد في 20/12/2022

https://bit.ly/3L6gZfl

[2] قاعدة بيانات منظمة الشفافية الدولية Transparency International، شوهد في 02/02/2022

https://bit.ly/398c7bC

[3] قاعدة بيانات البنك الدولي، شوهد في 02/02/2022

[4] مقاسًا بالأسعار الثابتة للدولار 2015

[5] „One of the loudest Republican supporters of Russia and Assad announces his retirement“, CASEY MICHE, ThinkProgress ,02/01/2019، شوهد في 04/02/2022

https://bit.ly/3OpaJ4t

[6] „ Syria: Greek Nationalist Socialists fighting with Assad’s regime far more dangerous than Golden Dawn“, anagiotis Liakos, 27/11/2013, شوهد في 23/01/2022

https://bit.ly/3xZ2k27

[7] „Mufti Hassoun meets European and Greek delegations“, SANA, 24/04/2016, شوهد في 25/02/2022

https://bit.ly/3xQ9Sno

[8] “فيديو: تصريح ناري لعضو مجلس النواب النمساوي روبرت لوغار Robert Lugar حول حقيقة ما يجري في سورية”، شوهد في 12/01/2022

https://bit.ly/3v0iB4D

[9] „AfD- Delegation trifft erneut Assad-Regime-harsche Kritik“, Morgenpost, 19/11/2019, شوهد في 03/02/2022

https://bit.ly/3vyXHsz

[10] “With Friends Like These: The Kremlin’s Far-Right and Populist Connections in Italy and Austria“, CARNEGIE, ANDREW S. WEISS, 27/02/2020, ، شوهد في 12/12/2021

https://bit.ly/3Os4Bs3

[11] Austrian ex-far-right leader Strache guilty of corruption – 22/08/2021

https://bbc.in/37x0sCA

[12] ‘A model for civilization’: Putin’s Russia has emerged as ‘a beacon for nationalists’ and the American alt-right – 10/12/2016

https://bit.ly/3OrjevV

[13] “مفتي سوريا يدعو لتنفيذ عمليات استشهادية ضد الغزاة”، الجزيرة، 27/03/2003، شوهد في 15/12/2021

https://bit.ly/3vw7qzT

[14] „Syrians told to prepare for fight with U.S. / Iraq war is just the beginning, leaders say“, Juliette Terzieff, 31/03/2003,  شوهد في 15/08/2020

https://bit.ly/390rHG5

[15] “القيصرية الروسية هل تعود للتمدد؟ طبول الحرب على حدود أوكرانيا”، علاء الخطيب، موقع بيت السلام، 16/01/2022، شوهد في 02/01/2022

https://bit.ly/3OrS6wL