ترجمة: أحمد عيشة

ملخص تنفيذي

في عام 2021، أصبح ما يقدّر بنحو 60 في المئة من سكّان سورية يعانون انعدام الأمن الغذائي. وابتداءً من كانون الأول/ ديسمبر، صرّحت الأمم المتحدة بأن 14 مليون شخص في سورية بحاجة ماسة إلى المساعدات الغذائية، بزيادة قدرها 27 في المئة، منذ كانون الأول/ ديسمبر 2020. ومن بين هؤلاء البالغ عددهم 14 مليونًا، هناك 12 مليونًا في “حاجة ماسة” إلى المعونات. منذ عام 2011، قدّم المجتمع الدولي 40 مليار دولار إلى سورية، منها 23 مليار دولار، على الأقل، من خلال برنامج المساعدات والمعونات متعدد الجوانب التابع للأمم المتحدة. في عام 2021، كانت أكبر ثلاث جهات مانحة هي الولايات المتحدة (45,5)، وألمانيا (25,5)، والمفوضية الأوروبية (8,2) في المئة. وخلال الفترة الممتدة من عام 2012 إلى عام 2022، تلقّى برنامج الغذاء العالمي (27,4) في المئة من إجمالي أموال المساعدات، وكان أكبرَ متلقّ منفرد من تمويل الأمم المتحدة لخطة الاستجابة الإنسانية لسورية. في عام 2021، أفاد برنامج الأغذية العالمي بتحويل (541,325) طنًا متريًا من المساعدات الغذائية، لدعم (6,864,565) من إجمالي المستفيدين.

تُسلَّم المساعدات الإنسانية إلى سورية بطرق عدة: نظام خاص يمرّ عبر البلدان المجاورة، من خلال المعبر الحدودي الذي يحدده قرار مجلس الأمن رقم (2585) في باب الهوى على الحدود مع تركيا، أو من خلال توفير المساعدات المباشرة عبر اتفاقيات مع الحكومة السورية وبرنامج الدعم المباشر للأمم المتحدة. وتُسلَّم بعض المساعدات إلى مناطق خارج سيطرة الحكومة السورية، عبر آلية تعرف باسم إيصال المساعدات “عبر خطوط التماس”. وتعتمد هذه الطريقة على سماح الحكومة السورية للأمم المتحدة أو لغيرها من مجموعات المساعدة الإنسانية بنقل المساعدات في قوافل عبر الخطوط الأمامية العسكرية إلى الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة.

في 10 تموز/ يوليو، سيصوّت مجلس الأمن على قرارٍ بخصوص تجديد آلية المساعدة الإنسانية عبر الحدود لسورية، وهي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها إيصال المساعدات وعدم تحويل مسارها عن طريق الحكومة السورية الفاسدة للاستفادة منها. يُحدّد هذا التقرير الطرق التي تسرق بها الحكومة السورية المساعدات الإنسانية التي تقدمها الأمم المتحدة، وتستفيد منها، ويقدّم توصيات حول كيفية تغيير هذه الديناميكية. يتدفق أكثر من نصف أموال المساعدات إلى سورية عبر الأمم المتحدة. ويجب أن يكون فهم كيفية تنفيذ البرامج وإنفاق الأموال وتقديم المساعدات وضمان المساءلة والشفافية للبرامج أولويةً قصوى للمانحين الحكوميين. وإضافة إلى ذلك، ثمة مسألة من المهمّ أن نفهمها: هل يُضعف برنامج المساعدة التابع للأمم المتحدة في سورية فعاليةَ العقوبات المصممة لمحاسبة الحكومة، بسبب ارتكابها الجرائم ضد الشعب السوري أم لا؟ يخلص هذا التقرير إلى أن تحويل مسار المساعدات منتشرٌ في جميع أنحاء الأجزاء التي تسيطر عليها الحكومة في سورية، ولكون الهلال الأحمر العربي السوري مصدرًا رئيسًا لمساعدات الأمم المتحدة، يظهر هذا التحويل الممنهج على وجه الخصوص.

التداعيات الرئيسة السياسية للمساعدات في سورية

  • لا يمكن تقديم المساعدة إلى سورية بأكملها، من خلال عمليات المعونة التابعة للأمم المتحدة المتمركزة في دمشق، فحسب. بل يجب أن تستمر المساعدات عبر الحدود التي طلبها مجلس الأمن عبر تركيا إلى محافظة إدلب، أو سيتعرض الملايين بسرعة لخطر فقدان إمكانية الحصول على المساعدات التي تحافظ على حياتهم.
  • قد يؤدي غياب آليات المساعدة عبر الحدود إلى شمال غرب سورية الخاضع لسيطرة المعارضة إلى نقص حاد في المساعدات، ومن ثم يُجبر مئات الآلاف من اللاجئين على النزوح إلى تركيا، وقد يؤدي هذا بدوره إلى تدفق اللاجئين إلى أوروبا.
  • سيؤدي غياب آليات المساعدة عبر الحدود إلى خلق مزيد من العقبات القانونية واللوجستية والسياسية أمام المنظمات الإنسانية الدولية غير الحكومية في سورية.
  • يخلق الفساد في برنامج مساعدات الأمم المتحدة أسئلة حول حياد الأمم المتحدة في حالات الصراع مثل سورية، حيث تقاتل جهة فاعلة معترف بها من الدولة الجهات الفاعلة غير الحكومية. وهنا يجعل التزامُ الأمم المتحدة الصارم بسيادة الدولة برامجَ المساعدة عرضةً للتلاعب وإساءة الاستخدام من قبل الجهات الحكومية الشريرة. ومن دون ضمان تقديم المساعدة عبر آلية شفافة ومحايدة، فإن الثقة في حيادية تقديم المساعدات الدولية سوف تتآكل، وتشكل سابقة خطيرة بالنسبة إلى أماكن الصراع الأخرى.

العِبَر الرئيسة للتقرير:

  • يلعب الهلال الأحمر العربي السوري دورًا رئيسًا في تحويل مسار مساعدات الأمم المتحدة في سورية.
  •  تتدخل المخابرات السورية والأجهزة العسكرية في جميع مستويات عملية المساعدة، وتحويل مسار المساعدات إلى شبكاتها الخاصة.
  • تستخدم الحكومة السورية مساعدات الأمم المتحدة لدعم جنودها وقواتها الأمنية والميليشيات المتحالفة معها والداعمين السياسيين والتجاريين.
  • هناك قدرة أكبر على خلق الشفافية والمساءلة المتعلقة بالمساعدات عبر الحدود أكثر من المساعدات عبر خطوط التماس، بسبب سيطرة دمشق المطلقة على تحويل مسار المساعدات.
  • أدى غياب الرقابة والمساءلة عن تقديم المساعدات داخل سورية التي تسيطر عليها الحكومة إلى خلق اقتصاد صغير يقوم على تحويل مسار المساعدات وبيعها من أجل الربح على جميع المستويات، وقد خلقت طريقة المساعدة الحالية للأمم المتحدة فئةً من رجال الأعمال الذين يستفيدون من المساعدات الإنسانية في سورية.
  • في حين أن العقوبات على الحكومة السورية كانت مصممة لعزل الجهات الفاعلة السيئة عن الاقتصاد العالمي ومعاقبتهم على الفظائع التي ارتكبوها، فإن مساعدات الأمم المتحدة منحتهم شريان حياة اقتصاديًا وساعدتهم في دعم المجهود الحربي للحكومة.
  • يمكن للحكومة السورية وحلفائها تحويل مسار مساعدات الأمم المتحدة، بدعم من الحلفاء السياسيين ورجال الأعمال في لبنان.

التوصيات السياسية الرئيسة:

  • ينبغي على الحكومة الأميركية ومفوضية الاتحاد الأوروبي والدول المانحة الكبيرة في الاتحاد الأوروبي مراجعة سياساتها بالكامل مع الأمم المتحدة، وكيفية استخدام أموال المساعدات في سورية. وينبغي أن يشمل هذا تدقيقًا جنائيًا كاملًا يقوم به طرف خارجي، يشبه نوع التحقيق الذي يجريه مكتب المفتش العام للوكالة الأميركية للتنمية الدولية في مزاعم الهدر والاحتيال وسوء المعاملة والفساد. وينبغي على النظراء في الأمم المتحدة أن يفهموا أنهم في الواقع شركاء منفذون مسؤولون، قانونيًا وماليًا، ويخضعون للمساءلة أمام الجهات المانحة عن الأموال التي ينفقونها.
  • يجب على حكومة الولايات المتحدة، إلى جانب حكومات الاتحاد الأوروبي، فرض عقوبات على أعضاء مجلس الإدارة وموظفي صنع القرار في الهلال الأحمر العربي السوري، الذين يلعبون دورًا مباشرًا في التحويل الجماعي لمسار المساعدات الإنسانية.
  •  يجب على الدول المانحة أن تطالب الأمم المتحدة بمزيد من المساعدات، من خلال الآلية المتاحة عبر الحدود.
  • إذا لم تتمكن الدول المانحة من إجراء مراقبة مستقلة على برامج الأمم المتحدة داخل الدولة، لضمان عدم حدوث تحويل ممنهج للمساعدات، فيجب أن تكون هناك آلية لتقرير مسألة: هل ينبغي تعليق برنامج المساعدة، أو تخفيض تمويله، حتى يحدث الإصلاح المناسب.
  • تحتاج الحكومة الأميركية ومفوضية الاتحاد الأوروبي والدول المانحة الكبيرة في الاتحاد الأوروبي إلى إجراء تدقيق في عمليات الأمم المتحدة في لبنان، وخاصة المشتريات، لتحديد كيفية تحويل شبكة الحكومة السورية هناك للمساعدات وأموال المساعدات. وينبغي معاقبة أي جهة حكومية لبنانية مشاركة. كما يجب تحديد مدى صلاح لبنان، لأن يكون مركزًا لعمليات الأمم المتحدة الخاصة بمساعدة سورية.
  • إذا لم تستطع الأمم المتحدة القيام بإجراء تغييرات جوهرية على برنامج مساعداتها في سورية، أو إذا لم ترد القيام بها، فيجب على الحكومات المانحة تقليل التمويل، واستخدام برامج المساعدات الممولة بشكل مباشر بدلًا من ذلك.
  • إذا فشل التصويت في تموز/ يوليو على المساعدات عبر الحدود، وانهارت آلية التفويض للأمم المتحدة، فيجب على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمانحين الرئيسين السعي إلى عقد اتفاقيات متعددة الأطراف مع تركيا وحكومة إقليم كردستان والحكومة العراقية، لتسهيل آليات المساعدة المستقلة إلى شمال غرب وشمال شرق سورية، بدلًا من التطبيع مع الحكومة السورية. ويجب أن يحفز هذا الأمر المجتمعَ الدولي على الحد بشكل كبير من تمويل الأمم المتحدة في سورية، والتركيز على برامج المساعدات المستقلة لجميع الحكومات المانحة الدولية الرئيسة.

1. مقدمة

يقدّم هذا البحث لمحة مفصلة عن كيفية تقديم المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية، وما يحدث للمساعدات عند وصولها إلى البلاد، وكيف تُحوّل بطرق منهجية وتُسرَق. نظرًا لأن الأمم المتحدة هي واحدة من أكبر مقدمي المساعدات الإنسانية في سورية، فقد ركزت منظمة (الناس يطالبون بالتغيير PDC)، [منظمة غير حكومية، مقرها واشنطن] على فهم آلية توزيع المساعدات وعلى عمل أحد شركائها المنفذين الرئيسين، الهلال الأحمر العربي السوري. تشير التقديرات إلى أن الهلال الأحمر العربي السوري ينقل ما بين (60-80) في المئة من إجمالي المساعدات التي تصل إلى الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة.

خلال العقد الماضي، ناقشت تقارير ومقالات عديدة المستوى المرتفع لتحويل المساعدات في الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة. وأثار هذا الأمر سؤالين رئيسين: الأول هل تحويل مسار المساعدات داخل الأراضي التي يسيطر عليها النظام كبيرٌ إلى درجةٍ يصعب فيها التحقق من نسبة وصول المساعدات إلى المستفيدين المستهدفين حقًا؟ والثاني هل تمكنت الأمم المتحدة من الحفاظ على برنامج مساعدات محايد، لتبيّن للمانحين الدوليين الرئيسين أن المساعدات لا تُحوَّل بطرق تفيد الكيانات والأفراد المرتبطين بالنظام الخاضعين حاليًا لعقوبات دولية و/ أو قيد التحقيق بسبب ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية؟ وتثير هذه الأسئلة سؤالًا ثالثًا: إذا توقفت آلية المساعدة عبر الحدود الحالية التي وافق عليها مجلس الأمن والتي توفر المساعدة للمناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة في سورية؛ فما هي احتمالات وصول المساعدات إلى هذه المناطق، إذا كانت المساعدات عبر خطوط التماس ستأتي من دمشق هي الخيار الوحيد؟

يجب أن تشكل هذه الأسئلة الثلاثة الأساس الذي من خلاله يقرر المجتمع الدولي، من ضمن ذلك كبار المانحين، كيفية المضي قدمًا في تصويت مجلس الأمن.

2. السياسة والحرب وتحول الهلال الأحمر العربي السوري الجذري

بالنظر إلى تركيز هذا التقرير على الهلال الأحمر العربي السوري، من المهمّ أن نرى كيف تغيرت عمليات منظمة الإغاثة هذه. يُظهر تاريخ الهلال الأحمر العربي السوري، قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية في عام 2011 وبعدها، التحول الجذري في كيفية عمله، ويظهر كيف استغلت الحكومة السورية مهمة الهلال الأحمر العربي السوري لخدمة هدفها الخاص في السعي للبقاء على قيد الحياة طوال العقد الماضي من الصراع.

تأسس الهلال الأحمر العربي السوري عام 1942، واعترفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف (اللجنة الدولية للصليب الأحمر) به في عام 1946. ووفقًا لموقعه الرسمي على الإنترنت، فإن الهلال الأحمر العربي السوري هو “منظمة إنسانية للمنفعة العامة مستقلة… وتتمتع باستقلال مالي وإداري”. كما يذكر الموقع أن “الهلال الأحمر العربي السوري ملتزم باتفاقيات جنيف والمبادئ الأساسية السبعة للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر”.

موظف كبير سابق في الهلال الأحمر العربي السوري، قال إنه بين عام 2003 والثورة السورية في عام 2011، كان الهلال الأحمر العربي السوري مسؤولًا عن إدارة عددٍ من برامج مساعدة اللاجئين الرئيسية التي نشأت عقب الغزو الأميركي للعراق. وارتفع عدد المتطوعين الذين انضموا إلى الهلال الأحمر العربي السوري خلال هذه الفترة، فأضفى ذلك مصداقية على الهلال الأحمر العربي السوري، على الصعيدين المحلي والدولي. أكد الموظفون السابقون في الهلال الأحمر العربي السوري أنه من عام 2003 إلى عام 2011، نتيجة لكون الإدارة العليا للهلال الأحمر العربي السوري لا تزال مرتبطة بجهاز المخابرات والجيش السوري، تمكنت المنظمات غير الحكومية الدولية الغربية الأخرى من العمل من خارج دمشق، والتنسيق مع الهلال الأحمر العربي السوري بأقلّ قدر من التدخل.

وفقًا لثلاثة متطوعين سابقين في الإسعافات الأولية في الهلال الأحمر العربي السوري، في عام 2011، صودرت بطاقات الهوية الخاصة بموظفي الهلال الأحمر العربي السوري، لجعل عمليات عبور أي موظف نقاط التفتيش، في أثناء القيام بمهمات الإغاثة، عملية صعبة. وأدى ذلك إلى زوال الثقة بين فرق الاستجابة للطوارئ في الهلال الأحمر العربي السوري وإدارته العليا. قال موظف سابق في المقرّ الرئيس للهلال الأحمر العربي السوري: إن هناك ضابط أمن يأتي كلّ صباح إلى مقرّ الهلال الأحمر العربي السوري، لمقابلة المدير العام والحصول على تقرير يومي. ويذكر موظف سابق آخر أن إدارة الهلال الأحمر العربي السوري استجوبته، بشأن رأيه السياسي في الانتفاضة السورية، وأنه اضطر بسبب ذلك إلى مغادرة سورية، بعد تلقيه تهديدات من موظفين تابعين للهلال الأحمر العربي السوري موالين للنظام.

وأضاف موظف كبير سابق آخر في الهلال الأحمر العربي السوري أنّ إدارة الهلال الأحمر العربي السوري طلبت تقارير من بعض المتطوعين في جميع أنحاء البلاد، بخصوص التوجه السياسي للموظفين والمتطوعين. ويتذكر أحد قادة فريق الهلال الأحمر العربي السوري السابقين ذلك الضغط الهائل الذي دفع بعض قادة الفريق والمتطوعين والموظفين إلى المغادرة. في بعض المحافظات، وخاصة في ريف دمشق، بدأ عدد قليل من المتطوعين في الترويج لفكرة “الانشقاق” عن الهلال الأحمر العربي السوري، وتأسيس منظمة جديدة تابعة للثورة، لكن ذلك لم يكن، إذ كان من الصعب تنفيذ هذه الفكرة، لأسباب لوجستية عديدة تتعلق باللوائح الدولية للجنة الدولية للصليب الأحمر.

أماكن المستجيبين للمقابلة مع منظمة (الشعب يطالب بالتغيير)

أجرت منظمة (الشعب يطالب بالتغيير) أكثر من 100 مقابلة. المستجيبون هم من منظمات المجتمع المدني المحلية والمنظمات غير الحكومية، ومن التجار ورجال الأعمال المحليين، ومن موظفي الأمم المتحدة، ومن الجنود السوريين، ومن آخرين غيرهم. وتوزعت النسب على الشكل التالي:

السويداءحمصدرعااللاذقيةحلبحماةريف دمشقطرطوسدمشقالركبان
16%14%12%11%11%11%11%8%4%1%

منذ عام 2011، وصف موظفو الهلال الأحمر العربي السوري الهلالَ الأحمر بأنه “فرع أمني” أكثر من كونه منظمة إغاثة. بحلول عام 2016، نجحت الحكومة السورية والأجهزة الأمنية في تحويل الهلال الأحمر العربي السوري إلى كيان موالٍ فقط لبشار الأسد (الرئيس الفخري للمنظمة) وللحرس الثوري الإيراني. وقال من قابلتهم منظمة (الشعب يطالب بالتغيير) إن كثيرًا من موظفي الهلال الأحمر العربي السوري الذين حاولوا الحفاظ على الحياد الطبي والإنساني في الميدان تعرّضوا لاحقًا للاستهداف المتعمد والاعتقال والقتل على أيدي قوات الأمن الحكومية. من الموثق جيدًا أن نظام الأسد كان طوال مدة الصراع السوري يقوم أعمال عنف دمرت أي قدرة للأفراد أو المنظمات على التنفيذ الفعال للمساعدات الطبية والإنسانية بطريقة محايدة، ومن ضمن ذلك فرق الهلال الأحمر العربي السوري المنتشرة في جميع أنحاء البلاد. بالنسبة إلى المغتربين الذين ما زالوا يعملون مع الهلال الأحمر العربي السوري، من خلال اللجنة الدولية للصليب الأحمر والاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر، فقد أخبِروا أنهم إذا لم يمتثلوا لتعليمات الحكومة، فستُلغى تأشيراتهم، وسيُرحَّلون.

3. المنهجية

استخدمت منظمة (الشعب يطالب بالتغيير PDC) مقاربة ذات منهجيات مختلطة لجمع البيانات، وبناء واستخدام عدد من الأدوات التي تستهدف مجموعات متنوعة تشارك في عملية توزيع المساعدات. أجرت المنظمة (الشعب يطالب بالتغيير PDC) مقابلات واسعة واستطلاعات حول مواضيع عدة:

أ. منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية المحلية العاملة في توزيع المساعدات الإنسانية والبرمجة

ب. التجار المحليون وأصحاب الأعمال الذين يشتركون في بيع المساعدات الإنسانية

ج. الموظفون الحاليون والسابقون في الهلال الأحمر العربي السوري

د. موظفون من وكالات الأمم المتحدة المختلفة العاملة في مناطق سيطرة النظام في سورية

ه. جنود من الحكومة السورية والجيش على دراية بتوزيع المساعدات و/ أو عملية تحويل مسارها

و. المهربون المشاركون في توزيع المساعدات و/ أو عملية تحويل مسارها

مواقع الأدلة المصوّر ة لتحويل المساعدات المقدمة لـمنظمة (الشعب يطالب بالتغيير)

دمشقحلبدرعااللاذقيةحمصالسويداءحماة
19%16%16%15%12%11%11%

 في المجموع، شارك في استبانة منظمة (الشعب يطالب بالتغيير PDC) 47 موظفًا من منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية المحلية، و42 تاجرًا ورجل أعمال محليًا، وسبعة من كبار ومتوسطي موظفي الهلال الأحمر العربي السوري، وخمسة موظفين حاليين وسابقين في سورية (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ويونيسف، وبرنامج الغذاء العالمي)، وجنديان/ عسكريان من القوات الحكومية السورية، ومهرب واحد.

امتدت مجموعة المشاركين في دراسة المنظمة إلى تسع محافظات (من أصل 14)، هي: حلب ودمشق ودرعا وحماة وحمص واللاذقية، وريف دمشق وطرطوس والسويداء. وإضافة إلى ذلك، أجرت المنظمة مقابلات في منطقة الركبان/ التنف في محافظة حمص.

وجمعَت الفرق الميدانية والمصادر التابعة للمنظمة أدلّةً، وثقتها بالفيديو والصور بمساحة تخزين نحو (6) غيغابايت، توضح نطاق بيع المساعدات الإنسانية وحجمها في معظم المناطق التي تسيطر عليها الحكومة في سورية. وقد جُمعت الأدلة الموثقة بالفيديو والصور في المحافظات التالية: حلب، ودمشق، ودرعا، وحماة، وحمص، واللاذقية، وريف دمشق، والسويداء.

ونظرًا للطبيعة الحساسة لهذا البحث، فقد أخفِيت هوية جميع الأسماء والمعلومات التعريفية لكل مستجيب في هذا التقرير.

4. النتائج الرئيسة

تقدّم النتائج الرئيسة للتقرير نظرة عامة واضحة على الحقائق اليومية لإعادة توزيع/ تحويل مسار المساعدات على أرض الواقع:

1. أكد 85 في المئة من منظمات المجتمع المدني/ المنظمات غير الحكومية أن الأجهزة الأمنية السورية تتدخل في عملية توزيع المساعدات الإنسانية وتوفيرها. وقال أحد العاملين في الهلال الأحمر العربي السوري، في مقابلة معنا: “نحن ننسق مع جميع الفروع الأمنية، وخاصة فروع المخابرات السياسية والعسكرية، وكذلك مع رؤساء نقاط التفتيش في المنطقة، ولديهم نفوذ يمكّنهم من الحصول على كل ما يريدون منا، ولا يمكننا أن نقول لا”. وقال أحد كبار موظفي الهلال الأحمر العربي السوري: “المخابرات [في سورية] تمتلك نظام المساعدات الإنسانية، ولا داعي لأن يسرقوا منها”.

2. يجمع كبار الموظفين في الهلال الأحمر العربي السوري على أن نسبة انزياح تحويل مسار المساعدات تراوح بين (40-60) في المئة. في بعض الحالات، تم تحويل حوالي (80-90) في المئة من جميع المساعدات النقدية. الجهات الفاعلة الرئيسة المشاركة في تحويل مسار المساعدات هي أجهزة المخابرات، وجيش الحكومة السورية، ورجال الأعمال، والنخب السياسية المقربة من عائلة الأسد، وكبار موظفي الهلال الأحمر العربي السوري الذين يسرقون ويبيعون المساعدات، والمنظمات غير الحكومية المحلية ومنظمات المجتمع المدني التي تتلقى المساعدات وتقوم بدورها بالسرقة وبيع المساعدات.

3. من المهمّ التمييز بين الإدارة العليا للهلال الأحمر العربي السوري (خاصة أعضاء مجلس الإدارة) ومتطوعي الهلال الأحمر العربي السوري، الذين دفعوا ثمنًا باهظًا للقيام بواجبهم الإنساني. فبعضهم اعتقلوا قبل أعوام واختفوا في سجون النظام. وقتِل آخرون على أيدي قوات النظام في أثناء أدائهم لواجبهم. المعلومات الاستخباراتية جزءٌ لا يتجزّأ من الهيئة الإدارية للهلال الأحمر العربي السوري، وقد أجرى الاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر، وفقًا لموظف سابق في الهلال الأحمر العربي السوري، مناقشات جادة حول تجميد عضوية الهلال الأحمر العربي السوري، وناقشت اللجنة الدولية وقف الشراكات مع الهلال الأحمر العربي السوري.

4. تحويل مسار المساعدات أمرٌ راسخ في جميع مستويات عملية التوزيع. من النقطة التي تقوم فيها الأمم المتحدة بشراء مساعدتها في لبنان، إلى وصولها إلى المستفيد المستهدَف المحتمل، إلى كل طبقة من طبقات البيروقراطية؛ الخدمات اللوجستية وموزعي المساعدات من الدرجة الأولى والثانية والثالثة الذين يشاركون في النهاية في التحويل المتعمد لجزء من المساعدة. عندما أجرت منظمة (الشعب يطالب بالتغيير PDC) مقابلات مع التجار ورجال الأعمال، حول هوية الذين اشتروا المساعدات من أجل إعادة بيعها في السوق، كان من الواضح أنه يمكن شراء المساعدة على جميع المستويات. أنتجت الأزمة السورية على مدى العقد الماضي فئة من المستفيدين في سورية والدول المجاورة الذين يعتاشون من المساعدات الإنسانية. قال أحد كبار موظفي الهلال الأحمر العربي السوري: “نقدّم حصصًا غذائية للجنود الذين يرافقوننا أثناء نقل المساعدات، وللجنود عند نقاط التفتيش التي نمرّ بها، وكذلك يأتي أفراد الأمن الذين يعملون في مفارز الأمن إلى مراكز الهلال الأحمر [للتسجيل واستلام المساعدة]، وبصراحة، لا يمكننا رفض منحهم ما يطلبونه، لأنهم في النهاية سيأخذونه بالقوة، وسينتقمون منّا [إذا لم نمتثل لطلباتهم]. إنهم يأخذون كل ما يريدون: الخيام وحصص الطعام وأدوات المطبخ والبطانيات. وأيّ شيء يريدونه”.

ممن يشتري التجار/ رجال الأعمال المساعدات المحولة في سورية؟

المستفيدون من المعونة (المستلمون الأصليون للمعونة)الحكومة السوري والجيش والمخابراتتجار محليون آخرونمنظمات المجتمع المدني
52%17%17%14%

5. تعدّ أجهزة المخابرات والجيش أكبر المستفيدين من تحويل مسار المساعدات. تتمتع الاستخبارات بأكبر قدر من النفوذ على نظام المساعدة، وتتحكّم مع نخبة رجال الأعمال في تحديد مكان منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية المحلية، وفي كيفية عملها، وفي عمليات بيع المساعدات في السوق السوداء. ونتيجة لذلك، ذكر بعض المستجيبين أن هناك تعليمات للجنود العاملين في الجيش توجب عليهم التسجيل بصفة “مستفيدين” رسميين لدى الهلال الأحمر العربي السوري، للحصول على المساعدات التي ترفد رواتبهم المنخفضة. وهناك حالات أخرى، حيث تخدم مراكز توزيع المساعدات الجيش فقط، كما هو مشهود في محافظة اللاذقية. وأشار قائد فريق الهلال الأحمر العربي السوري إلى أن “الإدارة في الهلال الأحمر تتبع السلطات الأمنية، وتعمل تحت إشرافها، وتشعر أن الهلال الأحمر نفسه هو فرع أمني. تذهب المساعدات إلى عائلات جنود النظام القتلى أولًا، ثم إلى عائلات جنود النظام المصابين، وأخيرًا للمدنيين. نحن ننسّق مع الفروع الأمنية، ومع الضباط على اختلاف رتبهم بين النقيب والعقيد”. وقال موظف آخر: “في بعض مراكز الهلال الأحمر العربي السوري في محافظة اللاذقية، لا يحصل المدنيون على أي فوائد على الإطلاق”.

6. أنشأت الحكومة السورية نظام المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجات الجيش والميليشيات والأجهزة الأمنية، من الغذاء إلى الخيام والملابس. وأفاد قائد في مجتمع المنظمات غير الحكومية أنه في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية، “تلقينا أوامر مرات عدة بإرسال الطعام والخيام والملابس وغيرها من الإمدادات إلى جنود الجيش السوري في الخطوط الأمامية. يمكنني أن أخبرك أن هناك معارك تُموَّل من نظام المساعدات الإنسانية التابع للأمم المتحدة في سورية”.

7. تستخدم الحكومة السورية شركات المراقبة والتقييم، لتبرير تحويل مسار مساعداتها. تقوم تلك الشركات بإعداد تقارير غير دقيقة وكاذبة لإخفاء ما تفعله بالمساعدة حقًا. قال موظف سابق في منظمة غير حكومية دولية في سورية: “لقد أجبرني فرع فلسطين على الإشراف على قوائم المستفيدين المزيفين وتقييمات الاحتياجات التي تم إنشاؤها لتبرير المساعدة المسروقة من قبل الحكومة. هددوني باعتقال عائلتي، إذا لم أتقيد بما قيل لي”. وقال موظف كبير آخر في منظمة غير حكومية دولية: “شركات المراقبة والتقييم في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية مملوكة لبشار الأسد وزوجته أسماء الأسد. تلتقي أسماء مع شركائها في مكتبها بالقصر الرئاسي، للاتفاق على العقود وتوزيع الأرباح”. لا يمكن لمنظمة (الشعب يطالب بالتغيير PDC) التحقّق من ذلك بشكل مستقل؛ ومع ذلك، تكررت هذه القصة في مقابلة أخرى مع موظف سابق في الأمم المتحدة.

8. قدّم الموظفون الحاليون والسابقون في الأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري إلى منظمة (الشعب يطالب بالتغيير PDC) كثيرًا من الأمثلة على محاولات الحكومة السورية المتعمدة لملء مكتب الأمم المتحدة في سورية بالموظفين المتعاطفين مع النظام ونظام تحويل المساعدات الموجّه. ألغت الحكومة التأشيرة وتصاريح العمل لموظفي الأمم المتحدة المغتربين غير المتعاونين. واستبدِل هؤلاء العمال منذ ذلك الحين بوافدين وافقت عليهم الحكومة السورية ودول أكثر صداقة وودًا للنظام السوري. لاحظ موظف سابق في الأمم المتحدة أن “… الحصول على مقابلة عمل مع الأمم المتحدة واجتياز اختباراتها لا يعني أن المرء سينجح في الحصول على الوظيفة؛ إذ لا تستطيع الأمم المتحدة في سورية أن تقرّر من الذي سيعمل، فالحكومة السورية هي التي تقرر في النهاية من سيعمل”.

9. تضطر كثير من وكالات الأمم المتحدة في سورية إلى توظيف أبناء وبنات كبار ضباط المخابرات. أوضح موظف محلي حالي في الأمم المتحدة أن هناك فئة من الموظفين في الأمم المتحدة في سورية يمثلون امتدادًا للحكومة السورية واستخباراتها. وأكد أحد موظفي الهلال الأحمر العربي السوري هذه الآلية، موضحًا أن بعض وكالات الأمم المتحدة في سورية تحولت -بحكم الأمر الواقع- إلى مكاتب حكومية، حيث يمكن للحكومة تنفيذ سياساتها من خلال أبناء وبنات كبار ضباط المخابرات والجيش.

5. الآثار المترتبة على المساعدة الدولية في سورية

من الضروري أن تستمر المساعدات الإنسانية في الوصول إلى جميع السوريين، لكنّ مستوى تحويل مسار المساعدات في الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة، وخاصة تلك التي توفرها الأمم المتحدة، يثير التساؤل حول مدى ضرورة النظر في إيجاد طريقة بديلة. كما أوضح أحد موظفي الأمم المتحدة، “ليس الأمر أن نظام المساعدة التابع للأمم المتحدة في سورية يفسد لأسباب من الخارج، بل أن من يُفسده هو النظام الذي أفرغته الحكومة السورية من مضمونه بالكامل، من الألف إلى الياء، منذ بداية الصراع، حتى إن الترتيب الطبيعي للأشياء من خلال هذا البرنامج هو بطبيعته فاسد على جميع المستويات”.

وقال موظف آخر سابق في منظمة غير حكومية دولية: “أسماء وبشار الأسد حوّلا المساعدات الإنسانية في سورية إلى صناعة مربحة. استخدمت أسماء الأسد معرفتها وخبرتها في إدارة منظمة (الأمانة السورية للتنمية) لبناء نظام مساعدات إنسانية فاسد بشكل ممنهج في سورية”. لهذا السبب، يجب على جميع المانحين الدوليين الرئيسين لبرنامج الأمم المتحدة في سورية النظر في مقدار المساعدات المجانية التي تصل إلى المستفيدين المستهدفين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية. لا بدّ من حدوث قدر معين من الانزياح في تحويل مسار المساعدات في ساحة الصراع، لكن انزياح تحويل مسار المساعدات في سورية يمكن أن يصل إلى درجة (60) في المئة، على الرغم من أن الأرقام الدقيقة لا تزال غير معروفة.

يجب تقديم المساعدة من خلال آلية محايدة وعادلة وشفافة، مع الحد الأدنى من التدخل السياسي والعسكري. ومن دون هذه الضمانة، ستتآكل الثقة في حيادية آليات المساعدة الدولية. وهذا سيشكل سابقة خطيرة لأماكن الصراع الأخرى؛ إذ قد تُعدّ الأطراف التي يُنظر إليها تقليديًا على أنها محايدة -ومن ثم قادرة على الوصول إلى جميع مناطق فضاء الصراع- أطرافًا حزبيّة، وهو ما يؤدي إلى تطبيع مفهوم “الحرب الشاملة” في أجزاء كبيرة من العالم، حيث توجد صراعات مستمرة.

تُظهر الأدلة المادية والصور الفوتوغرافية والمقابلات التي جمعتها منظمة (الشعب يطالب بالتغيير PDC) أن كمية المساعدات الإنسانية التي يتم تحويل مسارها هي كمية كبيرة بما يكفي للسماح بازدهار أسواق إعادة البيع في كل محافظة خاضعة لسيطرة النظام، مع وجود سوق واحدة على الأقل في معظم المدن والبلدات الكبرى. بالنظر إلى الطبيعة المعقدة للصراع السوري، فإن أي تغييرات في آليات المساعدات الإنسانية الحالية الموضوعة لسورية تتطلب دراسة متأنية وإجماعًا دوليًا واسع النطاق، لضمان وصول المساعدات إلى من هم في أمس الحاجة إليها، بدلًا من الحكومة السورية أو المتّهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والخاضعين لعقوبات دولية موجهة/ هادفة.

6. طرائق المساعدة عبر خطوط التماس والحدود

الهدف من قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2585) هو المساعدة في إنشاء نقطة وصول إضافية لتقديم المساعدات الإنسانية إلى شمال غرب سورية والحفاظ عليها، حيث يعتمد أكثر من ثلاثة ملايين سوري على هذه المساعدات لتلبية احتياجاتهم الأساسية. ومن دون شريان الحياة هذا العابر للحدود، سينتقل الوضع في شمال غرب سورية من أزمة إنسانية مزمنة مستقرة، إلى أزمة فورية وحادة مع أزمة لاجئين أخرى كارثية محتملة. ولذلك، من الأهمية بمكان أن تظلّ الآلية الحالية عبر الحدود في شمال غرب سورية على حالها، في المستقبل المنظور.

بالنظر إلى نتائج هذا التقرير، فإن وجود آلية مساعدات إنسانية عبر خطوط التماس فقط سيجعل الوضع أسوأ. تدير الحكومة السورية حاليًا مساعدات إنسانية من المفترض أن تذهب إلى مخيم الركبان/ منطقة التنف. بلغ عدد سكان المخيم (70,000) نازح داخلي في ذروته، ولكنه انخفض الآن إلى (10,000)، مع عدم وجود دعم كاف، ومع إشراف دوليّ ضئيل على مدى الأعوام السبعة الماضية. وفقًا لنشطاء المجتمع المدني في الركبان، لم تُقدَّم الأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري مساعدات إنسانية من منذ ما يقرب من عامين.

في الأصل، كان من المفترض أن تصل المساعدات الإنسانية على أساس ثابت، وفقًا لاتفاقية بين الأمم المتحدة والحكومة السورية. ومع ذلك، استخدمت الحكومة السورية المساعدات الإنسانية للتفاوض مع النازحين داخليًا، لمغادرة ما يسمى منطقة “55 كم”، حيث كان للجيش الأميركي وجود منذ عام 2016 كجزء من حملة مكافحة (داعش). أنشأ النظام، بالتنسيق مع الهلال الأحمر العربي السوري والأمم المتحدة، موقعًا للنازحين للخروج من الركبان وتلقي المساعدات يسمى (الواحة). ومع ذلك، يقول النظام إنه لا يمكنهم تلقي المساعدة، إلا إذا وافقوا على الخضوع لتحقيق أمني والعودة إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام، أي إنه يضع شروطًا على تلقي النازحين للمساعدات الإنسانية. قد تستغرق هذه العملية شهورًا في بعض الحالات، ويُنقَل كثير من النازحين داخليًا إلى مدينة حمص، لإعادة توطينهم في ملاجئ تديرها الحكومة.

وبحسب ما ورد، شارك الهلال الأحمر العربي السوري في تقديم ضعفَي المساعدة اللازمة للنازحين في (الواحة)، لتقديمها لأفراد جيش النظام وغيرهم من التابعين للنظام بالقرب من منطقة (55) كم. بينما توقف الهلال الأحمر العربي السوري والأمم المتحدة عن إرسال قوافل إلى الركبان في منتصف عام 2019، يستمر الفساد في المساعدات من خلال سماسرة الهلال الأحمر العربي السوري ونقاط التفتيش التابعة للجيش وفرع المخابرات العسكرية في البادية. وقال موظف حالي في الهلال الأحمر العربي السوري: “كان الهلال الأحمر العربي السوري يجلب كميات كبيرة من المساعدات إلى جيش [الحكومة السورية]، الذي يقوم لاحقًا بنقل المساعدات عبر الشاحنات إلى المهربين الذين يأخذون بعد ذلك المساعدات إلى مخيم الركبان ويبيعونها للنازحين. ثم توزَّع الأموال بين فرع المخابرات العسكرية في البادية وسماسرة الهلال الأحمر العربي السوري وقائد لواء الجيش حول منطقة (55) كم. هذا الأسلوب لتحويل مسار المساعدات وبيعها والابتزاز العام هو ممارسات شائعة في المناطق التي تسيطر عليها [حكومة سورية]”. وقد أكد هذه القصة تاجر في مخيم الركبان للنازحين.

وبناء على ذلك؛ فإن استخدام المساعدات عبر خطوط التماس كوسيلة وحيدة لتقديم مساعدات إنسانية واسعة النطاق للمناطق الخارجة عن سيطرة النظام هو في الأساس أمرٌ غير عملي. إذا فشل مجلس الأمن في تجديد آلية المساعدة الحالية عبر الحدود في تموز/ يوليو، فيجب على الحكومات المانحة تقليص التمويل لجهود المساعدة التي تبذلها الأمم المتحدة في سورية، والتحول إلى الاتفاقيات متعددة الأطراف مع الدول المجاورة لضمان توصيل المساعدات على نطاق واسع من دون انقطاع.

نازحة سورية تستلم علبة غذاء من منظمة خيرية محلية قبل تناول وجبة الإفطار في شهر رمضان، في نيسان/ أبريل 2022. مخيم للنازحين في ضواحي بلدة الدانا شمال محافظة إدلب (عارف وتد/ وكالة الصحافة الفرنسية عبر صور جيتي)

7. إجراءات عملية

1. النفوذ الأكبر الذي تملكه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هو نتيجة المقدار الكبير من المساعدات الإنسانية والإنمائية المقدمة مباشرة، من خلال برامج المساعدة المستقلة ومن خلال تمويل برنامج الأمم المتحدة للمساعدة في سورية. إن الطريقة التي تدخل بها المساعدات الإنسانية إلى سورية الخاضعة لسيطرة الحكومة تضمن استمرار تحويل مسار المساعدات بشكل مقصود حتى لا تتلقى تلك المساعدة أعداد كبيرة من السكان السوريين المحتاجين إليها. إن آليات الشفافية والمساءلة التي تطلبها معظم الدول المانحة من شركائها المنفذين غير موجودة، أو لا يمكنها تقديم محاسبة ذات مغزى من خلال نظام مساعدات الأمم المتحدة في سورية بتركيبته الحالية.

يتمثل أحد التدابير العملية بالنسبة إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأن تعقد اتفاقيتين ثلاثيتين -واحدة مع تركيا والأخرى مع العراق- لإنشاء آلية مساعدات عابرة للحدود معكوسة، حيث ستنطلق برامج المساعدات الإنسانية التي تديرها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والتي تعمل في الأراضي الخاضعة لسيطرة النظام عبر شمال غرب وشمال شرق سورية، قبل الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. في ظل هذه الظروف، ستتقلص قدرة دمشق على الاستفادة من نظام المساعدة الدولي والتلاعب به، حيث ستدخل المساعدات إلى الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة من ثلاث نقاط، وليس من نقطة واحدة فقط.

من الأهمية بمكان أن يحدد المموّلون الرئيسون للمساعدات الإنسانية في سورية شروط المشاركة لكيفية دخول تلك المساعدات إلى البلاد والظروف التي يتم بموجبها التوزيع. الحكومة السورية ليست قوية اقتصاديًا بما يكفي لمنع المساعدات من دخول الأراضي الخاضعة لسيطرتها بوسائل أخرى. وإضافة إلى ذلك، لا تحتاج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى الاعتماد على الأمم المتحدة فقط لتقديم المساعدة الإنسانية لهذه المنطقة من سورية، عندما يكون لديهما القدرة على تقديم المساعدة بشكل مباشر.

2. الفرصة الأخرى لخلق مزيد من المساءلة والشفافية لبرنامج مساعدات الأمم المتحدة في سورية هي أن تتوقف الأمم المتحدة عن تلقي معاملة تفضيلية من مانحي المساعدات الدولية، بخصوص أنواع آليات المساءلة والرقابة التي يجب أن تلتزم بها (كل منظمة غير حكومية، وتشمل المنظمات الدولية، تعمل مع تمويل المانحين هذا مجبرة على الامتثال لتدابير المساءلة والرقابة هذه). إن كانت الأمم المتحدة تتلقى أموالًا من مؤسسات حكومية أميركية، فإن الأمم المتحدة هي شريك منفذ ويجب معاملتها على هذا النحو، وهذا يعني أن جميع معايير المراقبة الصارمة والتقييم والمراقبة من طرف ثالث التي تنطبق على الشركاء المنفذين الآخرين في سورية يجب أن تنطبق على الأمم المتحدة، ويجب أن تتحمل الأمم المتحدة المسؤولية عن أي إهدار أو احتيال أو إساءة استخدام للأموال تحت مراقبة برنامجها. ويجب أن تكون هناك مراقبة قوية ومستمرة من طرف ثالث للمساعدات الإنسانية التي تقدّمها الأمم المتحدة على الأرض، وإذا لم تتم مراقبة هذه البرامج من قبل طرف ثالث من دون تدخل، فيجب إجراء مناقشة حول جدوى الاستمرار في تمويل هذا البرنامج.

3. يُشترى جزء كبير من مساعدات الأمم المتحدة التي تدخل الأراضي الخاضعة لسيطرة النظام، من لبنان. ويشتهر هذا البلد بكونه مرتعًا للحكومة السورية حيث يحوي عددًا من الشركات الوهمية ورجال الأعمال الذين يعملون على غسل الأموال وتوفير الإمدادات للنظام بطريقة تتجنب العقوبات الدولية. حصل بعض هؤلاء الأفراد الخاضعين للعقوبات على الجنسية اللبنانية، من أجل السماح لهم بدعم تحويل النظام للمساعدات. إن شراء الأمم المتحدة للمساعدات لسورية من لبنان يخلق فرصة فورية للإهدار والاحتيال وسوء الاستخدام داخل نظام المساعدة الإنسانية. للمساعدة في الحدّ من مثل هذه الانتهاكات، يمكن للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن يربطا استمرار تمويلهما لمساعدة الأمم المتحدة لسورية بشراء الأمم المتحدة (75) في المئة من إجمالي المساعدات الخاصة بسورية، من خارج لبنان.

للحماية من الفساد وتحويل المساعدات من الأمم المتحدة، تداعيات داخل حدود سورية وخارجها. إن اتخاذ خطوات لتحسين الأمن والشفافية في آليات المساعدة سيساعد في ضمان حصول السكان الذين هم في أمس الحاجة إلى المساعدة -في جميع أنحاء سورية- على ما يحتاجون إليه، من دون الحاجة إلى شرائه من شخص يستفيد من تحويل مسار المساعدات أو عدم حصوله عليها على الإطلاق. وإضافة إلى ذلك، فإن الشفافية في إيصال المساعدات الخالية بعيدًا عن التدخل الحكومي أو العسكري في سورية ستشكل سابقة جيدة للصراعات المستقبلية في مناطق أخرى. إذا كان يُنظر إلى الأمم المتحدة على أنها مصدر مساعدات غير جدير بالثقة، فقد تواجه نزاهة المنظمة تحديات، وتترك الباب مفتوحًا أمام رفض المساعدات في الأزمات الإنسانية الأخرى. إذا صوّت مجلس الأمن ضد تجديد آلية المساعدة الحالية عبر الحدود في باب الهوى، فيجب على الحكومات المانحة تقليص التمويل لجهود مساعدات الأمم المتحدة في سورية، والسعي إلى إبرام اتفاقيات متعددة الأطراف للدول المجاورة لضمان إيصال مساعدات واسعة النطاق من دون انقطاع إلى جميع المناطق المحتاجة.

*- الآراء الواردة في هذا التقرير لا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز وعن مواقفه من القضايا المطروحة

اسم المادة الأصليA Crisis of Conscience: Aid Diversion in Syria and the Impact on the International Aid System
الكاتب*نضال بيطاري وساشا سيمينوف، Nidal Betare and Sasha Ghosh-Siminoff
مكان النشر وتاريخهمعهد نيو لاينز، Newlines Institute، 1 تموز/ يوليو 2022
الرابطhttps://bit.ly/3OSdNG7
عدد الكلمات5300
ترجمةوحدة الترجمة/ أحمد عيشة

نضال بيطاري: كاتب سوري-فلسطيني. حاصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع السياسي، وهو عضو منتدب لـ People Demand Change (PDC). عمل سابقًا في الهلال الأحمر العربي السوري والصليب الأحمر الدنماركي. كما عمل كباحث مستقل مع NPR وMcClatchy في سورية ولبنان.

ساشا غوش سيمينوف: المدير التنفيذي والمؤسس المشارك لمنظمة (الشعب يطالب بالتغيير People Demand Change Inc)، وهي شركة مساعدات وتنمية مسؤولة اجتماعيًا تدعم المجتمع المدني وتقدم مساعدات طويلة الأجل وحلولًا تنموية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كان المدير التنفيذي لفريق الطوارئ السوري، وصحفيًا في مجلة الكونغرس الفصلية. كان السيد غوش سيمينوف يعيش في سورية عندما اندلعت الثورة السورية عام 2011ـ وقد عايش المجتمع السوري قبل اندلاع الثورة وبعده.

السيد غوش سيمينوف حاصل على درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة إكستر بالمملكة المتحدة. وقام بعمل ميداني في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية. وقدّم خبراته في سورية والعراق إلى عديد من المؤسسات والحكومات الدولية، من ضمن ذلك الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وألمانيا والعديد من مراكز الأبحاث.