مراجعة كتاب (سوسيولوجيا الجسد)

 

 

وحدة مراجعات الكتب           

مراجعة: طلال مصطفى

الكتاب: سوسيولوجيا الجسد

تأليف: دافيد لو بروتون

ترجمة: عياد أيلول/ إدريس المحمدي

الناشر: روافد للنشر والتوزيع

مكان النشر: القاهرة/ مصر

تاريخ النشر: 2014

 

 

المحتويات

الفصل الأول: الجسد والسوسيولوجيا؛ المراحل

  • 1- السوسيولوجيا الضمنية
  • 2- السوسيولوجيا المتقطعة

الفصل الثاني: بخصوص بعض الالتباسات

  • 1- التباسات المرجع “الجسد”
  • 2- وثائق تاريخية
  • 3- وثائق إثنولوجية
  • 4- الجسد عنصر من عناصر المتخيل الاجتماعي

الفصل الثالث: معطيات إبستمولوجية

  • 1- تعريف الجسد
  • 2- استقلال الخطاب السوسيولوجي
  • 3- الالتباسات التي يجب توضيحها
  • 4- سوسيولوجيا الجسد
    • – سوسيولوجيا المطابقة
    • – سوسيولوجيا الملاءمة
    • – سوسيولوجيا الجسد

الفصل الرابع : حقول الأبحاث؛ الثوابت الاجتماعية والثقافية المنطقية للجسد

  • تقنيات الجسد

الفصل الخامس: مجالات الأبحاث/ المتخيلات الاجتماعية للجسد

  • 1- نظريات الجسد
  • 2- مقاربات بيولوجية للجسد
  • 3- الاختلاف الجنسي
  • 4-الجسد سند للقيم
  • 5- الجسد الاستيهامي للتمييز العنصري
  • 6- الجسد المعوق

الفصل السادس: ميادين البحث/ الجسد في مرآة الاجتماعي

  • 1- المظاهر
  • 2- المراقبة السياسية للجسدانية
  • 3- الطبقات الاجتماعية والعلاقة بالجسد
  • 4- الحداثات
  • 5- المغامرة
  • 6- الجسد الزائد
  • 7- وضع سوسيولوجيا الجسد
    • – الورشات
    • – المهمة

خاتمة

 

يعد الجسد من الموضوعات الرئيسة في علم الاجتماع التي غيبت مدّة زمنيةً طويلة، فقد غاب عن علم الاجتماع الكلاسيكي، بمعنى أن هذا الفرع المعرفي نادرًا ما ركز بطريقة ثابتة على الجسد بوصفه مجالًا مستقلًا للبحث، وقد تنامى الاهتمام الأكاديمي السوسيولوجي بالجسد في السنوات الأخيرة، إذ برز علم اجتماع الجسد بوصفه مجالًا متميزًا للدراسة، وفي ضوء هذا استحدث “براين ترمز” مصطلح “المجتمع الجسدي” ليصف كيف أن الجسد في الأنظمة الاجتماعية الحديثة قد أصبح المجال الرئيس للنشاط السياسي والاجتماعي ([1]).

جاء الكتاب بمقدمة وستة فصول

تضمن الفصل الأول المراحل التي بحثتها العلوم الاجتماعية في مقاربتها للجسد، وتضمن الفصل الثاني الالتباس الحاصل لمفهوم الجسد في العلوم الأخرى “التاريخية، الأنثربولوجية، السيكولوجية.. “، أما الفصل الثالث، فقد تضمن المنهجية التحليلية المتبعة في السوسيولوجيا في بحثها عن الجسد. وناقش الفصل الرابع الدراسات المختلفة التي أجرتها العلوم الاجتماعية في ميدان الجسد “تقنيات الجسد، النشاط الإدراكي، الحركات، قواعد التصنيف، التعبير عن المشاعر، تقنيات المقابلة، الرسم على الجلد.. “، أما الفصل الخامس فقد ناقش المتخيلات الاجتماعية للجسد: “نظريات الجسد، المقاربات البيولوجية، التأويل الاجتماعي والثقافي للاختلاف الجنسي، القيم الفارقة المؤثرة في الجسدية، خيال التمييز العنصري، الجسد المعوق. وأخيرًا الفصل السادس، الذي تضمن الجسد في مرآة الاجتماعي “من تصرفات وعلاقات داخل المجتمع المعاصر، اللعب على المظاهر، التحكم السياسي بالجسدية، الشرائح الاجتماعية وعلاقتها بالجسد، العلاقات بالحداثة، استعمال القدرات البدنية، وأخيرًا تأمل حول وضعية الجسد”.

 

الفصل الأول: الجسد والسوسيولوجيا؛ المراحل

صنف الكاتب الدراسات التي برزت مع بروز العلوم الاجتماعية في القرن التاسع عشر في ثلاث طرائق لدراسة موضوع الجسد من منظور السوسيولوجيا:

1- السوسيولوجيا الضمنية

التي ركزت على الحالة الجسدية للإنسان، من خلال دراسة الفقر الجسدي القابل للمرض، الإدمان على الكحول، ممارسة الدعارة، عمالة الأطفال …إلخ. وقد وجد الكاتب دراسة كل من (فيلليرمي) حول “جدول الحالة البدنية والمعنوية للعمال في مشاغل القطن والصوف والحرير 1840″، ودراسة (بوري) في حق الطبقات الكادحة في إنكلترا 1840، وكذلك دراسة (أنجلز) “وضعية الطبقة الكادحة في إنكلترا 1845” وفي “رأس المال” لكارل ماركس إذ أعطى تحليلًا كلاسيكيًا للحالة الجسدية للإنسان في عمله ([2]).

وقد ركزت هذه الدراسات على تعرية الحالة المزرية للطبقات الكادحة في سياق الثورة الرأسمالية، وفي الوقت نفسه المطالبة بإصلاحات ثورية، ومن ثم يمكن القول إن الجسد أصبح ضمنيًا فعلًا ثقافيًا في هذه الدراسات، أي إن الجسد منتوج للوضعية الاجتماعية للإنسان. ولكن الباحثين في هذه الموضوعات ركزوا على السوسيولوجيا الاقتصادية والسياسية في هذه الدراسات وغُض النظر عن سوسيولوجيا الجسد المتضمنة فيها، وبخاصة كتابات كارل ماركس.

أما بالنسبة إلى إميل دوركهايم، فإن البعد الجسدي الإنساني رهين العضوانية، حتى لو كانت متأثرة بأوضاع الحياة، أي إن الجسد بقي موضوعًا ضمنيًا في أعماله. أما ماكس فيبر فلم يهتم كثيرًا بالجسد ([3]).

بالمقابل حقق فرويد (نظرية التحليل النفسي) قطيعة إبستمولوجية، أخرجت الجسدية الإنسانية من لغة الوضعيين في القرن التاسع عشر “بوصفها مادة منمذجة ومجسدة إلى حد ما للعلاقات الاجتماعية”، وأدخل الجانب العلائقي في ظل الجسدانية، إذ جعل منها بنية رمزية، لم تكن متبعة لدى السوسيولوجيين الذين كانوا مدهوشين بالتمثل العضواني للجسد ([4]).

 

2- السوسيولوجيا المتقطعة

استعرض الكاتب أهم الإسهامات السوسيولوجية للجسد، بدءًا من أعمال (ج. زيميل) من “الحواسية وتبادلات النظر سنة 1908” ومن ثم معالجة (روبرت هرتز) مسألة رفع اليد اليمنى “داخل المجتمعات الإنسانية” إذ كتب قائلًا “ليس هناك اعتراض على أن اليد اليسرى يمكن أن تتلقى تربية فنية وتقنية مثل نظيرتها اليمنى التي تحظى لحد الآن بالامتياز”([5]). أي يمكن الاستنتاج أن العوامل الفيزيولوجية ما هي إلا ثانوية مقارنة بالعوامل الثقافية التي كونتها التمثلات السلبية الدائمة أمام اليد اليسرى والإيجابية أمام اليد اليمنى، فالإيماءات الجسدية ما هي إلا رموز اجتماعية وثقافية متعارف عليها في مجتمع محدد بذاته”.

وفي السياق نفسه جاءت دراسة (مارسيل موس) حول “التعبير القسري للمشاعر” عام 1921 وتقنيات الجسد ([6]).

أما اهتمام مدرسة شيكاغو فقد كان حذرًا في الجسدية، إذ لم تعالج الدراسات الميدانية معظمها العلاقة الفيزيقية للفاعلين بالعالم بقدر ما أعطت إشارات.

ولم يتطرق (ج. ه. ميد) إلى الجسد إلا سطحيًا في كتابه (mind. Self and socie) 1934. إذ عالج طقوس التفاعل عند البشر، خصوصًا البعد الرمزي للوضعية الإنسانية.

أما أول محاولة كلاسيكية للسوسيولوجيا التاريخية فكانت في كتاب “حضارة الأخلاق” عام 1939 للكاتب (نوبرت الياس) في ألمانيا، إذ أشار إلى جنيالوجيا المظاهر الخارجية للجسد، مذكرًا بالخصائص الاجتماعية والثقافية لعدد من الممارسات والمسارات الأكثر اعتيادية وحميمية للحياة اليومية.

وفي عام 1941 أصدر (دافيد أفرون) بحث “الحركية، الجنس، والثقافة”، إذ بحث الايماءات الجسدية في أثناء التفاعل. وهناك الدراسات الأنثربولوجية (مالينوفسكي، مارغريت ميد، ليفي شتراوس … إلخ) التي وصفت الطقوس والمتخيلات الاجتماعية في الاهتمام بالجسدية.

 

الفصل الثاني: بخصوص بعض الالتباسات

1- التباسات المرجع “الجسد”

يؤكد الكاتب ضرورة توضيح الالتباس الذي يذكر الجسد بوصفه شيئًا، تربطه علاقات ضمنية وافتراضية بالفاعل، إذ يكون الإنسان بها دائمًا جسدًا، ويؤكد عدم وجود الجسد منفردًا، فنحن نرى ونشاهد رجالًا ونساء، ولا نرى أجسادًا فحسب. ومن ثم ضرورة توضيح المتخيلات الاجتماعية التي تشير إليها وتحركها ليس فقط من باب دلالاتها الإيحائية (بمعنى لا يمكن رؤية الجسد إلا في السياق الاجتماعي والاجتماعي وحتى السياسي).

 

2- وثائق تاريخية

من خلال البحوث التي عدّت الإنسان محض جسم، أي لم تفرق بين الإنسان وجسده، والأمثلة على ذلك أدوية الطب الشعبي التي ما زالت موجودة في المجتمعات كافة وحتى وقتنا الحالي، وبخاصة التقليدية وبعض الرموز الفيزيولوجية للمرأة في علاقاتها مع محيطها البيئي، إذ في أثناء عادتها الشهرية تمتنع عن العمل في الأراضي الزراعية ذات المنتجات الغذائية (الخضار والفواكه)، وهي إن فعلت سيكون المنتوج منخفض الجودة أو فاسدًا، خصوصًا لدى العائلات المتمسكة بالسلوك الديني بما فيها الاسلامي، وهذا السلوك ممارس في الريف السوري معظمه حتى الآن.

3- وثائق إثنولوجية

وقد بينت عدم فصل الجسد عن الإنسان في بعض المجتمعات، ومن أهمها دراسة (م. لينهارت) على شعب “الكناك”، حيث لا وجود لأي لفظ خاص يسعف الباحث لتسمية الأعضاء أو الجسد نفسه. فالكلمات التي تعبر عن الجسد معظمها مستعارة من عالم النبات، وهنا لا وجود لأي قطيعة بين جسم الطبيعة وجسم الإنسان.

 

4- الجسد عنصر من عناصر المتخيل الاجتماعي

وتعني التعريف بمكونات جسد الفرد، بوصفها معطيات ثقافية متغايرة من مجتمع إلى آخر، ففي المجتمعات الطائفية التقليدية، تكون وضعية الشخص منضوية تمامًا في الجماعة، إذ لا قيمة لشخصيته “غياب مطلق لتفرده”، أما في المجتمعات المعاصرة فالأفراد الفاعلون منعزلون عن بعضهم، ومستقلون إلى حد ما في قيمهم ومواقفهم عن المجتمع وعلى الصعد كافة.

 

الفصل الثالث: معطيات إبستمولوجية

1- تعريف الجسد

يشترط الكاتب على الباحث السوسيولوجي أو الأنثروبولوجي التخلص من النزعة التي تجعل الجسد ملحقًا بالشخص أو ملكًا له، ويجب احتفاظ الذاكرة بالخاصية المبنية على ما يسمى الحقيقة الموضوعية للجسد وبعدد من الدلالات التي تغذيه. فالجسد موجود في حالته الطبيعية، ويتمدد داخل نسيج المعاني ولو في تمرده عندما تنقطع موقتًا شفافية العلاقة الفيزيقية للفاعل بمحيطه (في حالة الألم والمرض) ([7]).

 

2- استقلال الخطاب السوسيولوجي

يرفض الخطاب السوسيولوجي عزل الجسد بالطريقة السوريالية التي يتبعها الأطباء الذين يجعلون الجسد جزءًا من الشخص، محاولين احتكاره على الصعيد الكوني، مع اختراقه من أنواع أخرى من الطب الشعبي، الذي يعتمد على التقاليد الشعبية المتغيرة بتغير الثقافات في المجتمعات البشرية كافة.

وفي هذا السياق يتوجه السوسيولوجيون إلى عدم الخجل أمام الطب الذي يزعم امتلاك الحقيقة حول الجسد، أو أمام البيولوجيا التي تفسر السلوك البشري بالموروث الجيني للبشر، إذ يجب إخضاع الاجتماعي للموروث الجيني، حيث هناك عدد من السلوكات الاجتماعية التي تفسر بالجينات المتوارثة أكثر مما تفسر بالتنشئة الاجتماعية وغيرها.

 

3- الالتباسات التي يجب توضيحها

يحدد الكاتب التباسان يؤثران في السوسيولوجيا في بحثها حول الجسد:

  • المتغيرات الثقافية واختلافها من مجتمع إلى آخر، وفي الوقت نفسه تشابهها في عدد من المجتمعات البشرية.
  • خطر الفكر الثنائي الملازم لاستعمال “الجسد” من دون حذر، الذي يتضمن الفاعل بدلًا من أن يمتزج به.

أي يجب الحذر من الاقتراح أن سوسيولوجيا الجسد ما هي إلا تلك الوضعيات الفيزيقية للفاعل في علاقته بالعالم.

 

4- سوسيولوجيا الجسد

يحدد الكاتب ثلاثة اتجاهات للبحث:

– سوسيولوجيا المطابقة

ويقصد به التخلي عن الطرائق المؤدية عادة إلى فهم ما هو اجتماعي (مؤسسات، طبقات، جماعات) والتشبث بالجسد، لا من أجل تذويبه أو تجزئته، بل من أجل توضيح التصاميم الأكثر تميزًا لعرض الجسد.

– سوسيولوجيا الملاءمة

ويقصد بها التقاء السوسيولوجيا عرضًا في طريقها ببعض السمات المتعلقة بالجسدية، من دون أن تكون هذه السمات حاسمة في البناء الشمولي للبحث. مثال ذلك الانتباه إلى علاقة الإنسان البدنية بالآلة في سوسيولوجيا العمل.

– سوسيولوجيا الجسد

ويقصد بها السوسيولوجيا الواعية للالتباسات التي تهددها.

يمكن لسوسيولوجيا الجسد الاستفادة من مقاربات عدد من العلوم (التحليل النفسي، الظاهراتية، الإثنولوجيا، التاريخ والاقتصاد) وأن يلتقي بها غالبًا في طريقه، وأن يستعمل معطياتها.

 

الفصل الرابع: حقول الأبحاث؛ الثوابت الاجتماعية والثقافية المنطقية للجسد

وقد جرى توضيحها من خلال مجموعة من الميادين:

تقنيات الجسد

يتعلق الأمر بكيفيات الفعل، مقاطع متعاقبة للسلوك، تزامنيات عضلية متواصلة للوصول إلى غاية معينة وباستحضار ذكرياته الشخصية، ومثال على ذلك التذكير بمتغيرات السباحة من جيل إلى آخر في أي مجتمع، وخصوصًا من ثقافة إلى أخرى، وكذلك الأمر بالنسبة إلى نشاط المشي، الجري، طرائق الصيد …إلخ. ويقترح الكاتب تصنيفًا لتقنيات الجسد بحسب زاويا النظر المختلفة، بحسب كل من الجنس، السن، المردودية، وأشكال انتقال التقنيات.

أما (جوردن هيوس) فاقترح خمس مستويات للتحليل منها:

  • علاقة الوضعيات بالآلات، وبمختلف الأدوات المستعملة في الحياة اليومية أو المهنية.
  • علاقة الوضعيات بمعطيات الوسط البشري: ما هو إيكولوجي وثقافي واجتماعي.
  • مظاهرهم النفسية والطب عقلية.
  • المستوى السوسيوتاريخي لهذه الوضعيات عبر المساحات الجغرافية في أثناء اللقاءات الثقافية التي تشكل بدورها حقلًا شاسعا للدراسة.
  • المظاهر الإثنية التي تميز هذه الوضعيات:
  • الإيمائية: ويقصد بها استعمال الجسد في أثناء لقاء الفاعلين (طقوس التحية أو الوداع…. إلخ).
  • الإتيكيت الجسدي: يجري تعلمه كثيرًا عبر التربية غير النظامية من المحيط الاجتماعي وبشكل بسيط من التربية النظامية من المؤسسات الاجتماعية المختصة، وهكذا يبقى البعد الجسدي للتفاعل والمتجذر رمزيا، وخصوصًا ضمن المجموعة الاجتماعية المحيطة بالفاعل ([8]).
  • التعبير عن المشاعر: بيّن (مارسيل موس) في دراسته المعنونة ” التعبير القسري عن المشاعر”([9])، أن العواطف لا تنتمي إلى سيكولوجيا فردية ولا إلى فيزيولوجيا غير مبالية، وحالما تظهر المشاعر من خلال الجسد، وتبرز من خلال السلوكات تصبح انبثاقات اجتماعية تفرض نفسها بمحتواها وبشكلها على أعضاء مجموعة تنتمي إلى وضعية معنوية. ومثال ذلك فذرف الدموع مرتبط بالألم، الفرح، التحية…إلخ.
  • الإدراكات الحسية: أشار (جورج زيميل) في عمله “محاولة في سوسيولوجيا الحواس” إلى أهمية الوساطة الحسية في التفاعلات الاجتماعية، قائلًا: “هناك فارق كبير بين أن نتبادل الأحاسيس، إذ لا يكتفى إطلاقًا بأن يكون محض قاعدة وشرطًا مشتركًا للعلاقات الاجتماعية، لأن كل حاسة تمنح بحسب خاصيتها الفريدة معلومات نوعية من أجل بناء الحياة الاجتماعية، وأن فروقات انطباعاتها كلها تقابلها خصوصيات وعلاقات اجتماعية”.

 

الفصل الخامس: مجالات الأبحاث/ المتخيلات الاجتماعية للجسد

يمكن تطبيق سوسيولوجيا الجسد من خلال تأصيل إبستبيولوجي آخر يهتم أكثر بالتمثلات والقيم المرتبطة بالجسدية، التي تجعله خزانًا لا ينضب للمتخيل الاجتماعي.

 

1- نظريات الجسد

يمكن تحديد علاقة الجسد بالفاعل الذي يحتويه (علاقات جسد/ عقل، عقل جسدية …إلخ) وأيضًا إبراز الأجزاء التي تكونه، ووظائفها المتبادلة، أي الفيزيولوجيا الرمزية التي تنظمها، وتحاول تسمية مكوناتها وعلاقاتها بالمحيط الاجتماعي الثقافي أو الكوني ([10]).

 

2- مقاربات بيولوجية للجسد

حاول عالم الحشرات (إ. ويلسون) في كتابه “السوسيولوجيا: الخلاصات الجديدة” ([11])سنة 1975 بناء الأسس البيولوجية للسلوكات الاجتماعية كلها.

 

3- الاختلاف الجنسي

بيّنت الدراسات أن الخصائص البدنية والفكرية والمهمات الموكولة إلى الجنس خاضعة لاختيارات ثقافية واجتماعية، وليس لميول طبيعية تحدد مصير المرأة والرجل بيولوجيًا، ولهذا فوضع المرأة والرجل مبني اجتماعيًا، وليس جسديًا، وهذا ما تؤكده “سيمون دي بوفوار”: “لا تولد نساء، بل يصبحن كذلك، وكذلك بالنسبة إلى الرجل”([12]). أي إن الثقافة الاجتماعية هي التي تحدد السلوكات الخاصة بالمرأة من الخاصة بالرجل.

 

4-الجسد سند للقيم

من خلال عدّ الوجه من بين مناطق جسم الإنسان كلها الأكثر تكثيفًا للقيم العالية، حيث يتبلور الإحساس بالهوية، وعبره ينشأ التعرف إلى الآخر وتترسخ مزايا الإغراء وتمييز الجنس …إلخ، ومن ثم فإن أي تشوه في الوجه يكدر حياة الإنسان، وأحيانًا يحرمه هويته، ويجعله يعيش مأساة، لكن بالمقابل فإن جرحًا قد يصيب مثلًا الساعد أو البطن أو الرجل فلا يؤثر في الإحساس بالهوية، “الوجه والعضو التناسلي هو المكان الأكثر أهمية والأكثر ارتباطًا بالأنا، والشخصية تتزعزع عندما يصاب أي واحد منهما”.

 

5- الجسد الاستيهامي للتمييز العنصري

كما يعد الجسد موطنًا للقيم، أيضًا يعدّ كذلك موطنًا للاستيهامات والارتباطات المشكوك فيها، التي يجب استيعاب ثوابتها الاجتماعية المنطقية من أجل فهمها، فالتمييز العنصري يرتكز ضمن ما يرتكز على علاقة استيهامية بالجسد، فهو يتجذر داخل الخلفيات العاطفية التي تغذي الحياة الاجتماعية وتنمي مشروعاتها ودينامياتها، وتحفز تسامحها أو شراستها، ويبقى التمييز العنصري مثالًا للشكل التسويغي المتوافر اجتماعيًا ليلتقي بالميولات والانفعالات المختلفة، والأسباب الأكثر غموضًا لمنحها طريق الانحراف.

 

6- الجسد المعوق

تعد العلاقة الاجتماعية التي تنشأ مع الإنسان الذي يعاني إعاقة ما، أداة غنية لتحليل الطريقة التي تعيش بها مجموعة بشرية علاقتها بالجسد والاختلاف، ففي المجتمعات الغربية نلاحظ تناقضًا كبيرًا يميز هذه العلاقات، خصوصًا بالنسبة إلى الإنسان الذي يعاني الإعاقة، فالمعوق عضو كامل في المجموعة، ما يعني أن شرفه وقيمته محفوظين على الرغم من بنيته البدنية أو أوضاعه الحواسية، غير أنه في الوقت نفسه يحس بأنه منبوذ ويعيش على الهامش فهو مستبعد من الحياة الاجتماعية بسبب مشكلاته في التنقل “النظرات الملحة، نظرات فضولية، إزعاج، حزن أو نظرات شفقة وجحد”، وكأن كل إنسان ذي إعاقة يكون عرضة لتعليق المارة كلهم([13]).

 

الفصل السادس: ميادين البحث/ الجسد في مرآة الاجتماعي

1- المظاهر

يتعلق المظهر الجسدي برؤية الفاعل نفسه في ما يتعلق بكيفية الوجود والحضور والتمثل، ونوع اللباس، الشعر وتزيين الوجه العناية بالجسد …إلخ، أي إن الأمر يهم نمطًا يوميًا للظهور الاجتماعي بحسب المناسبات، وذلك بطريقة التمظهر وأسلوب الحضور.

 

2- المراقبة السياسية للجسدانية

يعد إقرار (نوربرت) سنة 1967 شرعية منع الحمل، وترخيص (ني) الإجهاض داخل المجتمع الفرنسي، مؤشرات سياسية ترمز إلى تغيير الواقع في العقليات والعادات، وقد جاء هذا التغير إثر ثورة الشباب 1968 لتحرير الممارسة الجنسية والثورة النسائية اليسارية.

وتعد أعمال (جان ماري بروهم) خير مثال على البعد السياسي في سوسيولوجيا الجسد، فقد كانت تبتغي توضيح أن كل سيادة لا بد أن تفرض نفسها بالعنف والإكراه الجسدي، بمعنى أن كل نظام سياسي يوازيه نظام جسدي، ما أدى بالتحليل إلى مرافعة ضد النظام السياسي النابع من الرأسمالية التي تفرض سيطرتها المعنوية والمادية على الاستعمالات الاجتماعية للجسد، وتنشئ التشيؤ([14]). أما كتاب (م. فوكو) “المراقبة والعقاب” فيعد قطيعة مع المنظور الماركسي الذي جعل جهاز الدولة الهيئة العليا لسلطة الطبقة، إذ أحدث فوكو قطيعة إبستيمولوجية وسياسية في الوقت نفسه. لاحظ (فوكو) أن المجتمعات الغربية أدخلت أفرادها في شبكة ضيقة من العلاقات التي تراقب تحركاتهم، وتشتغل وكأنها مجتمعات تنظيمية ومؤدية، وبعيدًا من أن نجد مركز إشعاعها في أكبر قوة لجهاز ما أو لمؤسسة ما كما هو بالنسبة إلى الدولة، فإن الانتظام وحسن السيرة يسم نوعًا جديدًا من العلاقات، إذ أصبحت هذه الشبكات نمطًا لممارسة السلطة اخترقت أنواع المؤسسات المختلفة، وذلك بتوجهها لتتمركز في ظل نسق من الإخضاع والنجاعة.

 

3- الطبقات الاجتماعية والعلاقة بالجسد

يقول (بيير بورديو) عن الجسد في مقال بعنوان: “الاستعمالات الاجتماعية للجسد” هو: تشيئ لذوق الطبقة من دون أدنى شك”([15])  فالعمال يعطون للقوة الجسدية أهمية أكثر من أصحاب المهن العقلية، إذ يعطي الأخيرون قيمة للطاقة والجمال أكثر”، من السهل أن نبين أن الطبقات الاجتماعية على اختلافها لا تتوافق حول ممارسة الرياضة، وسواء أكانت الاستفادة الخاصة حتمًا جسدية، فإنه يصعب القول إنها حقيقية أو خيالية، ما دامت الحقيقة متوقعة خارجيًا بالنسبة إلى الجسد مثل الرشاقة والأناقة أو تنمية الجهاز العضلي، وأولها تأثيرات في الجسد الداخلي مثل السلامة الصحية أو التوازن النفسي”([16]).

 

4- الحداثات

منذ نهاية الستينيات تقدمت الرؤية الثنائية للإنسان التي تجزئه إلى جسد وروح، مقترحة التأثير في الجسد من أجل تعديل الروح. “إن اللاشعور هو إحدى النقاط التي تشكل عقبة أمام هذه النرجسية الجديدة، فالأنا كان دائمًا يكسر تأثير صيرورة الجهل والكبت” وكما لاحظ ذلك على سبيل المثال (ج. فيجاغيلو) لم تعد ثنائية الحداثة تعارض الروح بالجسد، ولو أنها ما تزال وبكل لطافة تعارض الإنسان بجسده عن طريق تعدد الوجدان، وإذا افترضنا أن الجسد ينفصل عن الإنسان ويصبح شيئًا يمكن صوغه وتعديله وتنقيحه بحسب الذوق اليومي.

 

5- المغامرة

حلل (ب. يوني) ما يسمى ثقافة التحمل والصبر المتطلبة الإارهاق البدني (المارثون، المنافسات الطويلة والتنزه مشيًا على الأقدام في السهل والجبل …إلخ)، إذ وضع الكاتب هذه الممارسات في علاقة تماثلية مع الأزمة الاقتصادية والأيديولوجية الكبيرة التي تميز الغرب ([17]).

تأخذ المخاطرات أهمية سوسيولوجية عندما تفقد الحدود التي وضعها نسق المعاني والقيم التي يبني الحقل الاجتماعي شرعيتها، ويصل البحث الاستكشافي عن المهارات، المنجزات، السرعة القصوى، الآنية، المجابهة والمزايدة في المخاطرة منتهاها من خلال استعمال الموارد البدنية.

 

6- الجسد الزائد

هناك متخيل آخر للجسد أكثر انتشارًا، يرى هشاشة البدن: وعدم قدرته على التحمل والنقص الذي يعتريه في الاستيعاب الحواسي للعالم والشيخوخة التدريجية لوظائف أعضائه، وعدم إمكان اشتغال مهاراته والموت دائم التهديد، هذا المتخيل التحقيري كله للجسد المتهم بالخطيئة الأصلية يدل على عدم التحكم في العالم ويدفع الفاعل إلى الإحساس بالحقد عليه لعدم قدرته على أن يصبح موضوعًا، أو شيئًا خالصًا للإبداع التقني العلمي، وليس من الضروري أن يكون هذا المتخيل جليًا حتى وإن كان أحيانًا كذلك، ما دام يعدّ على الأقل ذلك الحافز الإدراكي الذي ينشّط عددًا من الدراسات العلمية والتقنية، وعددًا من الممارسات التي يتوخى من ورائها استبدال الشكوك الناجمة عن ما هو عضوي بإجراءات تقنية، وبوسائل تدبير من المفروض أن تجعل شيئًا مرنًا وقويًا في انتظار التخلي عن اللجوء إليه. لقد أصبحت الرؤية الطبية التي تعزل الجسد، وتضع الإنسان في وضعية فرضية ثانوية من دون شك، لا أهمية لها تواجه اليوم بمقاومة اجتماعية ومساءلة أخلاقية جرى تعميمها:  استئصال الأعضاء أو زرعها، انفجار مفهوم القرابة الرمزية لمصلحة السيادة الطبية، إجراء تجارب على أجنة إنسانية أو خلايا، إجهاض التشخيصات ما قبل الولادة التي ترمي إلى تحسين النسل والتحكم المطلق في الحياة …إلخ، كلها أعراض تذهل الطب الذي أصبح في مواجهة المكبوت الذي عاد إلى الواجهة، فالإنسان في النهاية لم يستطع أن يغادر تمامًا ذلك الجسد/ الشيء الذي بات يسمع صوته.

 

7- وضع سوسيولوجيا الجسد

– الورشات

تتقاطع سوسيولوجيا الجسد مع حقول إبستيمولوجية أخرى (التاريخ، الأثنولوجيا، علم النفس، البيولوجيا، الطب …إلخ)، وأمام هذه الحقول فإنها تؤكد دومًا خصوصية مناهجها وأدوات تفكيرها، أما تحليلها فيصعب عليه الانتشار من دون مراقبة التأثير الناجم عن الميادين الأخرى، وإن هي لم تحافظ على مستوى ملاءمتها فستذوب أو سيذوب موضوع بحثها، فالجسد هو الفيصل بين ما هو اجتماعي وما هو فردي، وما بين الطبيعة والثقافة، وما بين السيكولوجي والرمزي، لذلك فان مقاربة سوسيولوجية أو أنثروبولوجية تتطلب فطنة خاصة وضرورة التمييز الدقيق لحدود الموضوع.

– المهمة

تعدّ الجسدانية من الموضوعات التي تتحدى إمكان فهمنا لها، وتقول لنا بقوة غير مسبوقة إن التجربة لا توجد أبدًا جاهزة، وأن أي علاقة بالجسد هي نتاج بناء اجتماعي، إنها أيضًا بالنسبة إلى الباحث ثمرة نظر صارم وبحث يتطلب مهارات فكرية خاصة.

 

خاتمة

شكل الجسد في مختلف الاختصاصات الإنسانية موضوعًا علميًا لفهم الإنسان وكينونته من خلال التركيز على مفهوم الذات، والوقوف على المؤثرات في شخصيته سواء البيئية الطبيعية منها أم الاجتماعية. وقد اتفقت أغلب التحليلات على أن كل علم يؤسس لمفهوم علمي عن الجسد، وكل اختصاص علمي يختزن مفهومات وتصورات خاصة به عن موضوعة الجسد. ومن ثم تحضر أهمية هذا الكتاب الذي يعد من أهم المراجع والكتب التي اشتغلت على الجسد، وحظي باهتمام عدد من  الباحثين والمهتمين عالميًا، يقول “دافيد لوبروتون” في تقديمه للنسخة العربية:

“إن الشرط الإنساني جسدي، حيث الجسد مادة الهوية في المستوى الفردي والجماعي، والفضاء الذي يمنح نفسه للنظر والقراءة وتقدير الآخرين. فبفضله نحن معينون، معترف بنا، ومحددون بانتماء اجتماعي، بجنس، بسن، بلون الجلد، وبخصلة فريدة في الإغراء.  يرافق الجلد الجسد، ويقيم حدود الذات بين الخارج والداخل بشكل حي، إنه مسامي لأنه منفتح على العالم، وذاكرة حية. لأنه يلف الشخص ويجسده من خلال تمييزه عن الآخرين، ويربطه بهم، بحسب العلامات المستعملة”.

إن الجسد هو التوتر الهوياتي للإنسان، للمكان والزمن، حيث العالم يتخذ جسمًا للفكر جسدانية مثلما للجسد ذكاء، فمن تقنيات الجسد إلى التعبيرات الوجدانية، من الإدراكات الحسية إلى التسجيلات الغلافية، من سلوكات الوقاية إلى سلوكات التغذية، من طرائق الجلوس إلى المائدة إلى طرائق النوم، من نماذج تمثل الذات إلى العناية بالصحة والمرض، من العنصرية إلى التمركز، من الوشم إلى الثقب، يعدّ الجسد مادة لا تنضب للممارسات الاجتماعية، للتمثلات، للمتخيلات. إذ من المستحيل الحديث عن الإنسان من دون أن نفترض بشكل أو بآخر بأن الأمر يتعلق بإنسان من لحم، معجون ومشكل من حساسية خاصة. إن الجسد “أداة عامة لفهم العالم”.

لقد توصل “فوكو” إلى عدم وجود فائدة من تغييب الجسد، بل دعا إلى أن يكون الجسد حاضرًا، وإلى الكشف عن المسكوت عنه، فالجسد له فكره، والفكر له جسده، ومن لا جسد له، لا فكر له، لأن هناك ترابط عضوي بين الجسد والعقل، بل يذهب إلى أن تحقير الجسد وإنكاره بمنزلة حرب مدمرة للروح أيضًا.

أخيرًا؛ نرى أن هذا الكتاب له أهمية علمية للمتخصصين في البحوث الإنسانية بعامة، والاجتماعية بخاصة، في إمكان الاستفادة منه منهجيًا في البحوث الاجتماعية الميدانية، وفي العلوم الطبية في معالجة بعض الأمراض أو زرع بعض الأعضاء أو الأنسجة، وفي البحوث التسويقية للعلوم الاقتصادية، وللعلوم المسرحية والفنية.

 

([1]) كرس شلنج، الجسد والنظرية الاجتماعية، منى البحر ونجيب الحصادي (مترجمان)، (دار العين للنشر، 2009).

([2])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، عباد ابلال (مترجم)، ص32

([3])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ص35

([4]) دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ص36

([5])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ص39

([6])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ص136

([7]) دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، عباد ابلال (مترجم)، ص 64

([8])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ص90

([9])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ص 91

([10]) دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ص121.

([11])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ص121.

([12])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ص28

([13])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ص 145

([14])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، 148

([15])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ص 154

([16])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، 158

([17])  دافيد لوبروتون، سوسيولوجيا الجسد، ص160