الحديث النبوي من منظور مختلف

الهندسة الحديثية نظرية جديدة في توثيق سند الحديث النبويّ، وضعها الدكتور عمراني حنشي، وهو أستاذ مغربيّ في علم الأرصاد الجوية من جامعة فلوريدا الأميركية، يقول في موقعه “الحوار المحضر[1] الذي يعرض فيه نظريته وآراءه إنه قضى ردحًا طويلًا من الزمن في دراسة علم الحديث النبويّ.

ناقشت قسمًا من أساتذتي في علوم الحديث النبوي في هذه النظرية؛ فأبدوا عدم قبول لها، لأنها لا تتقيد بمنهج العلماء، وبغضّ النظر عن مدى الاتفاق مع النظرية من عدمه، فإن ما لا شك فيه أنها تستحقّ الاهتمام.

وأنا إذ أعرضها فإنما أفعل ذلك للفت النظر إليها، وفتح باب النقاش حولها، وإن كنت أميل إلى قبولها؛ لأنها لا تفعل أكثر من محاولة وضع قانون لمعرفة درجة احتمالية صحة الحديث النبوي باستخدام طرق معاصرة.

تمثل النظرية -كما يقول واضعها- إزاحة منظورية في علم الحديث؛ لأنها تستعير مفاهيمها من نظريات التواصل والإعلام المعاصرة، في استخلاص الرسائل التي تنتقل عبر قنوات بشرية، فتخضع -كما تخضع أي رسائل تمرّ عبر قنوات بشرية- لقدر من الضوضاء والشوشرة.

 والإزاحة المقصودة تتمثل في الاستناد إلى علوم حديثة، وليس إلى مفهوم الخيمة والسند والأوتاد التي كانت تعتمدها المقاربة التقليدية في علم الحديث. فإذا تصورنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو المرسِل، أو مصدر الأخبار، والكتب المدونة التي تستودع فيها هذه الأقوال هي المستودعات النهائية، والرواة هم القناة الحاملة للأخبار ما بين المصدر والمستودع؛ فإن هذه القناة ستكون قناة ضوضائية بامتياز؛ لأنها غالبًا ما تشوّه الخبر، إما بالسهو أو الخطأ، أو برواية الخبر بالمعنى، أو بالزيادة والنقصان فيه؛ ولهذا تضيف النظرية شرطًا يحقق الوثوقية الخبرية للرسالة هو شرط التعزيز، وهو شرط كفاية يضاف إلى شرط الضرورة الذي اكتفى به علماء الحديث الكلاسيكيون، والمتمثل في العدالة والضبط.

واشتقاقًا من هذه الإضافة، يصبح الحديث الصحيح موصوفًا بالصلابة، إذا تحقق فيه شرطا الضرورة والكفاية.

الحديث الصحيح الصلب: هو الحديث الذي اجتمع فيه شرطا الضرورة والكفاية بالتعزيز.

شرط الضرورة: هو نقل عدل ضابط عن مثله، من مبتدأ السند إلى منتهاه، وخلو الحديث من القوادح والعلل.

شرط الكفاية: هو ورود الخبر عزيزًا من شاهدين عدلين في جميع الطبقات.

وللنظرية سلم معيار لقياس درجة وثوقية نقل الحديث النبوي مؤلف من ثماني درجات، يمكن توضيحها من خلال درجتين من درجات السلم:

الدرجة الأولى كما نلاحظ ينتقل فيها الخبر في كل الطبقات عن طريق فرد، ولا تتعدى احتمالية وثوقية الخبر إلى الصحابي 12.5%

ونلاحظ بمقارنة الدرجة الثانية بالدرجة الأولى حصول تعزيز في الطبقة الأخيرة، وهو تعزيز يقوّي احتمال وثوقية الخبر، فبينما كانت 12.5% في الدرجة الأولى، أصبحت 25% في الدرجة الثانية. وهكذا كلما وجد التعزيز في درجات السلم الأخرى في مواضع أخرى، زاد الاحتمال وصولًا إلى الدرجة الثامنة التي يصبح فيها الاحتمال 100%.

وبتطبيق معيار الوثوقية المذكور على أحاديث عديدة مثل حديث الرجم ونصّه:

(أن رجلًا من أسلم جاء النبي فاعترف بالزنا فأعرض عنه، ثم اعترف فأعرض عنه، حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبك جنون؟ قال: لا، قال: أحصنت؟ قال: نعم. قال: فأمر به النبي فرُجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فرّ، فأدرك فرُجم حتى مات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خيرًا ولم يصلّ عليه).

بمعايرة الخبر الذي يرويه الزهري، عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله وفق هذا السلم؛ يخلص العمراني إلى أن درجة وثوقية النقل في القناة الخبرية الخاصة به إلى الرسول لا تتعدى 12.5%.

وبمعايرة حديث الدجال، من رواية عبد الملك بن عمير الذي تفرد بروايته عن سعد بن أبي وقاص؛ يخلص العمراني إلى أن درجة وثوقية هذا الخبر لا تتعدى الـ 25%.

وبمعايرة الخبر المنسوب إلى النبي أن الخلفاء بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش؛ يخلص العمراني إلى نتيجة قاطعة بعد تمحيص روايات الخبر العديدة وفق السلم:

“كل خبر معزو إلى الرسول وردت فيه لفظة الأئمة، أو لفظة الإمامة، أو لفظة الأمراء، أو لفظة الخلافة، أو الخلفاء، أو خلافة النبوة في معنى الرئاسة السياسية العظمى دليل قاطع، إما على الوضع أو الوهم”.

تحتاج السنة النبوية إلى إعادة نظر، وإلى تنقيتها مما شابها من روايات تخالف العقل أو الحسّ السليم، ولكن إعادة النظر هذه لا تكون مشروعة، إذا اعتمدت الهوى أساسًا لها، أو إذا انطلقت من نية مضمرة لصاحبها في هدم السنة النبوية الشريفة التي يمثل هدمها هدمًا للدين؛ لأنها مصدره التشريعيّ الثاني، وفيها تبيان تفاصيل أحكامه، وعقيدته، وقواعده السلوكية.


[1] http://alhiwar.org/ar/index.php