برهان غليون: “خلاف الأسد ومخلوف صراع بين عصابة نهب منظّم”

برز اسم السياسي السوري، وأستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس، برهان غليون (مواليد حمص 1945)، كأحد أهم المعارضين للنظام السوري، وكان أحد الموقعين على “إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي” عام 2005. ظل غليون متمسكًا بقرار عدم الانضمام إلى أي تيار سياسي، إلى أن اندلعت الثورة في آذار/ مارس 2011، فانضم عندئذ إلى كتلة المستقلين الليبراليين، وبعد انتخابه رئيسًا للمجلس الوطني السوري، في تشرين الأول/ أكتوبر2011، شدد على أهمية الاعتراف بالمجلس الوطني السوري ممثلًا للشعب السوري، لكنه سرعان ما قدّم استقالته من رئاسة المجلس، احتجاجًا على تنازع قوى المعارضة وانقسامها الذي شلّ نشاطه، وعاد إلى العمل في صفوف النشطاء السياسيين، لتنسيق الجهود والمبادرات من أجل مواجهة الانقلاب الدموي على الشرعية الشعبية، والعمل على وضع مراجعة نقدية لتجربة الثورة السورية، والثورات العربية عمومًا، واستخلاص دروسها التاريخية التي تحتاج إليها الشعوب. كتب غليون العديد من المؤلفات، كان آخرها كتاب “عطب الذات.. وقائع ثورة لم تكتمل، سورية 2011-2012″، حيث أدخلنا بكتابه هذا إلى المطبخ الثوري، ليرينا كيف كانت تصدر القرارات، وهو يكشف بصراحة بالغة ما كان يجري من مكائد وعداوات داخل الصف الثوري، واستعرض فيه أيضًا بدايات الثورة السورية، وكيف تكوّن المجلس الوطني، والظروف التي أحاطت بقيامه وتفاصيل رئاسته، كأول رئيس للمجلس، ثم استقالته بعد ذلك، والأسباب التي أدت إلى الاستقالة. وقد لاقى كتابه هذا كثيرًا من الانتقادات وردّات الأفعال في أوساط المعارضة السورية.

المفكر والأكاديمي السوري برهان غليون خصّ “مركز حرمون للدراسات المعاصرة” بهذا الحوار، الذي تطرق فيه إلى المشكلات الأخيرة الحاصلة في عائلة الأسد، وتغير الموقف الروسي من النظام السوري، وملامح سورية في مرحلة ما بعد الأسد.

س – دعنا نبدأ من المتغيرات الأخيرة التي حصلت على الساحة السورية، بخصوص الخلاف القائم بين بشار الأسد وابن خاله رامي مخلوف الذي يسيطر على الاقتصاد السوري، كيف تنظر إلى ما يجري الآن؟ هل هو خلاف اقتصادي؟ أم إعادة تقسيم أدوار؟ وإلى أين ستسير الأمور في المرحلة القادمة؟

ج: الخلاف الذي نشأ بين أفراد الأسرة الحاكمة كان انعكاسًا لتزايد الضغوط الاقتصادية على “النظام”، نظامها، وانحسار الموارد التي كان يعتمد عليها، مع تفاقم الأزمة اللبنانية والمقاطعة الاقتصادية، وشح القروض الإيرانية، وتزايد إلحاح موسكو على التعويضات بسبب الأزمة التي تعيشها أيضًا، ومن ثم اضطراره إلى فرض الخوّة على أثرياء الحرب وأمرائها، كما حصل منذ أشهر، واليوم مع تفاقم الضغوط، يضطر إلى تشليح المقربين منه أو أبناء العائلة ذاتها. 

يضاف إلى ذلك، أنه لا الأسد ولا الأسرة “المالكة” كانت ترى في ما جمعه مخلوف، أو سطا عليه، خلال الأعوام العشرين الماضية، ثروةً شخصيةً، بل تراه المصرف المركزي الموازي للسلطة العائلية التي تستخدمه لتمويل عملياتها السرية وميليشياتها المدافعة عن سلطتها، والآن لسد العجز المالي لديها، وربّما حلم رامي مخلوف بالهرب بأمواله والانفراد بملكيتها وحده. بالنتيجة هو صراع بين أعضاء عصابة نهب منظم للخزينة السورية، تفجّر بمناسبة الأزمة المستعصية التي يواجهها النظام، واضطراره إلى أن يأكل من لحمه ليمرر الأيام الصعبة القادمة، ويرضي أيضًا حلفاءه الروس الذين لا يريدون دفع أي كلفة لاحتلالهم، ويصرون على تمويله من حساب سورية، وإذا لم يمكن ذلك فمن حساب منهوبات عائلة الأسد.

س – هل تعتقد أن ظهور هذه الخلافات للعلن، والحديث عن فساد النظام من قبل أحد رموزه، سيساهم في تراجع شعبية بشار الأسد لدى مواليه؟ ونحن نعلم أن الوضع الاقتصادي والمعيشي في سورية سيئ للغاية، حتى من قبل أن تطفو هذه الخلافات على السطح، ما التأثير الذي يمكن أن تُحدثه هذه الخلافات في الموالين للنظام؟

ج: بالتأكيد، لن يحسّن نشر الأسرة المالكة غسيلها الوسخ صورتَها التي كانت سوداء كالفحم قبل ذلك، وسوف يزيد من دون شك من الضغط النفسي على الموالين للنظام، ويشعرهم بمزيد من القلق على وجود النظام ومستقبله، وربما بالنقمة عليه واليأس من إصلاحه، لكن لا ينبغي لذلك أن يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الوسط الاجتماعي والأهلي الذي شارك في معارك النظام وضحّى من أجل بقائه سوف يتخلى عنه بسهولة، سيحاول هؤلاء، مع الأسف، خاصة أولئك الذين فقدوا أكثر من ابن أو ابنة في معاركه الانتحارية، أن يفدوه بكل شيء وبأي ثمن، أملًا بإنقاذ استثماراتهم السياسية والعاطفية الهائلة التي وظفوها فيه. هذه هي حال المقامر الذي لا يعرف كيف ينسحب أو يتنازل عن بعض خسائره، فيقامر بكل شيء على أمل استرجاع ما فقده.

س – في الآونة الأخيرة، برزت ملامح تغيّر واضح في الموقف الروسي من نظام بشار، وظهر ذلك جليًا في العديد من التقارير الصادرة أخيرًا عن وسائل إعلام روسية وعن المجلس الروسي للشؤون الداخلية، حيث وصفت بشار الأسد بالشخص الضعيف، وبأنه مسؤول عن الوضع الاقتصادي الكارثي في سورية، وتحدثت بأن مسألة تعافي الاقتصاد السوري لن تكون ممكنة، الأمر الذي يتعارض مع أهداف التدخل الروسي في سورية. برأيك، هل أصبحت روسيا جاهزة لعقد صفقة للتخلي عن الأسد، على قاعدة حفظ مصالحها في سورية؟

ج: روسيا تبحث عن صفقة مع الولايات المتحدة الأميركية والغرب عمومًا، في سورية وحولها، منذ اللحظة التي وضعت فيها سلاحها الجوي ومستشاريها في خدمة النظام. والآن، مع تعفن الوضع السوري واشتداد مخاطر الانهيار الاقتصادي، وتردي الأوضاع الاجتماعية في سورية، وازدياد ضغط الأزمة الصحية والاقتصادية الناجمة عن وباء كوفيد 19 في روسيا نفسها، أصبح البحث عن هذه الصفقة أكثر الحاحًا في موسكو بالطبع. وهذا الاستعداد للصفقة هو الهدف من تسريبات الصحافة الروسية لمعلومات عن فساد أسرة الأسد وعدم أهليته هو بالذات للقيادة. 

لكن المشكلة أن الولايات المتحدة ليست مستعجلة على مثل هذه الصفقة، لأن الوقت لا يداهمها، ولديها أجندة مليئة للأشهر القادمة، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية، واحتواء أزمة كورونا أيضًا. كما أن من مصلحتها، كي تدفع روسيا إلى تقديم تنازلات أكثر في ما يتعلق بصيغة الحل النهائية في سورية، وإجبارها على التخلي عن فكرة تأهيل النظام ورجالاتها المتّهمين بجرائم ضد الإنسانية، انتظارَ نتائج تطبيق قانون قيصر وعقوباته الجديدة التي ستضاعف من اختناق النظام وحاجة روسيا إلى الحل. ثم إن هذا الحل لن يكون ممكنًا قبل أن يتمّ القضاء على النفوذ الإيراني العسكري والسياسي الواسع في النظام، أو على الأقل تحييده، وبالتالي إظهار روسيا تعاونًا أكبر في هذا المجال.

س – كونك تطرقت إلى قانون قيصر، هل تعتقد أن تغير الموقف الروسي له علاقة بتخوف موسكو من هذا القانون الذي سيدخل حيز التنفيذ في حزيران/ يونيو المقبل، والتداعيات التي سيتركها على بنية النظام الاقتصادية، إضافة إلى تداعيات وباء كورونا على الاقتصاد الروسي وانخفاض أسعار النفط؟ وهل ترون أن هذه الحسابات دفعت موسكو إلى تغيير موقفها من نظام بشار الأسد؟

ج: بالتأكيد. كل هذه العوامل تزيد من الضغط على موسكو للتوصل إلى صفقة مع واشنطن. لكن لا ينبغي أن نُخدع بما تسرّبه اليوم الصحافة الروسية. لم تكن موسكو في أي وقت مخدوعة بالأسد، وكانت تعرف فساده وهمجيته منذ اليوم الأول من تدخلها، وهذا ما شجعها على التدخل. وهذا ما كانت تريد للغرب أن يفهمه من خلال حرصها على إذلاله في كثير من المناسبات ووضعه في مواقف حرجة أمام جمهوره. ما تغير هو استعدادها اليوم، بسبب تطور الأمور في عكس ما كانت تأمل به، ومنها عجز الأسد عن القيام بأي إصلاح وتدهور نظامه، كما لم يحصل في أي وقت، لمقايضة نظامه بثمن أقل، ومن ثم بروز فرص أفضل لتفاهم روسي أميركي لم يعد بعيد المنال، فما كانت روسيا تطمح إليه لم يكن يقتصر على الإبقاء على النظام ورئيسه “الشرعي”، وإنما أكثر من ذلك وهو الاحتفاظ بأجهزته ورجالات حكمه الحالي الذين يرتبط معظمهم بعلاقات أحيانًا عائلية مع الروس، وبالإضافة إلى ذلك جعل التفاهم على حل الأزمة السورية جزءًا من مفاوضات أوسع، تشمل جميع ملفاتها العالقة مع الغرب، وفي مقدمها العقوبات المفروضة عليها قبل وبعد ضمها منطقة القرم عام 2014. 

س – في حال حصول تغيّر كامل في الموقف الروسي من نظام الأسد؛ كيف من الممكن أن تستفيد المعارضة السورية من هذا الأمر؟ وقد شهدنا أخيرًا تصريحات لمصطفى سيجري القيادي في الجيش الوطني، يدعو فيها إلى فتح صفحة جديدة مع روسيا، كيف ستكون المعارضة قادرة على التوفيق بين جرائم روسيا في سورية وبين مصلحتها؟

ج: روسيا بوتين لا تولي أي أهمية لوجود المعارضة السورية ولا لتصريحاتها، العسكرية منها والسياسية، ولا تتعامل معها كطرف مفاوض أو محاور. ولكنها تنظر إليها كأدوات تستخدمها الولايات المتحدة والغرب لتبرير تدخلها وفرض شروطها على الروس والنظام. وهي لم توفر مناسبة من دون أن تضع هذه المعارضة أمام هذه الحقيقة. فهي التي جرجرتها من ساحة إلى أخرى، وفرضت عليها شروطًا مذلة، من أجل حوار لم يحصل مع النظام، وأجبرتها على توقيع تصريحات وإعلانات ووثائق هزيلة، تتناقض مع قرارات مجلس الأمن الواضحة والالتزام بمؤتمر جنيف للتفاوض تحت إشراف الأمم المتحدة. ولا تستثني موسكو من نظرتها هذه المعارضة السورية التابعة كليًا لها والمؤيدة لسياساتها. والواقع أنها لا ترى حتى في المعارضة الروسية داخل بلادها غير أداة في يد الدول الغربية. ولا تختلف نظرتها للثورة السورية وكل الثورات الشعبية عن ذلك. فهي ترى أنها “أحداث مصطنعة من قبل العواصم الغربية، لتقويض النظم الشرعية ووضع نظم قريبة للغرب مكانها”. 

س – أود هنا أن أعرّج على الموقفين الأوروبي والأميركي، تجاه سياسة موسكو الجديدة من نظام الأسد، خاصة بعد تداول أنباء تتحدث عن اتفاق شبه دولي على تنحية الأسد، وهل لديك توقعات عن الأسماء المتداولة لرئاسة سورية بعد بشار الأسد؟

 ج: في اعتقادي، إن تنحية الأسد لم تعد موضوع نقاش في الأوساط الدبلوماسية الدولية جميعًا، حتى لو لم يتم الاتفاق رسميًا بين الأطراف. لقد اكتشف العالم في السنوات الماضية حجمًا من الجرائم الجماعية والممارسات الوحشية والاستهانة بأبسط المشاعر الإنسانية، بشكل مهول إلى درجة أصبح فيها اعتبار الأسد خارج النقاش من باب البداهة. النقاش يمكن أن يجري في مسألة المثول أمام العدالة: هل سيُحاكم أم سيُرتب له خروج آمن! 

مع ذلك، لا أعتقد أن الاتفاق على التنحي قد حصل، أو أن البديل أصبح جاهزًا. ففي نظري، بسبب الظروف المعقدة والصعبة التي تعاني منها جميع الأطراف، ومن ضمنها واشنطن وموسكو، لا تزال الجهود المبذولة في هذا المجال بطيئة ومتعثرة. وكثير مما تكتبه الصحف هو بالونات إعلامية لأهداف متعددة، بعضها للتشويش على الخصم أو المنافس أو التغطية على الوقت الضائع، أو كسب الوقت، وليس لمعظمها أي قيمة سياسية. جهاز الحكم البديل أو الجديد هو جزء أساسي من التفاهم أو الصفقة المنتظرة، والاتفاق حوله وحول المشاركين فيه لن يحصل قبل الاتفاق والتفاهم على نمط الحكم القادم، وكيفية تمثيل القوى والمناطق وتوزيع السلطات ومهام هذا الحكم وغاياته، وكل ذلك لم يتم التفاهم عليه بعد. كل ما هو قائم في نظري لا يتجاوز التفاهم المبدئي على التعاون بين روسيا والولايات المتحدة على ايجاد حلّ، ربما قبل موعد الانتخابات الرئاسية السورية منتصف العام القادم، وعلى الدور المحوري لموسكو في الصيغة الجديدة المتوقعة للحكم في دمشق. الإعداد لما بعد الأسد عنوان مرحلة لا نهاية للتفاوض عليها، ويمكن أن تشهد صراعات جديدة، وعقبات، وقرارات، وقرارات مضادة، وتبادل رؤى، وكذلك ضربات من تحت الطاولة، وخطوات إلى الأمام وأخرى الى الوراء. 

س – في منتصف الشهر الماضي، قام وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف بزيارة مفاجئة لدمشق رغم الظروف التي فرضتها جائحة كورونا، برأيك ما هي أسباب هذه الزيارة خاصة في هذا التوقيت؟ وما الرسائل التي تريد طهران إيصالها إلى موسكو والمجتمع الدولي عمومًا؟ وما مصير الوجود الإيراني في سورية؛ إذا تم الاتفاق على تسوية سياسية لتنحية بشار؟

ج: لم يعد خافيًا على أحد، خاصة طهران، أن هناك اتفاقًا مبدئيًا بين القوى الدولية الرئيسية والقوى الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل، لوضع حد لمشروع الإمبراطورية الإيرانية التي تمتد من قُم إلى ضفاف المتوسط، والتي أصبحت بؤرة للتهديد وتفجير الحروب ومنع الاستقرار في المنطقة. والحقيقة أن معركة إجبار ميليشيات طهران على الخروج من سورية معركة مركزية وحاسمة في تقرير مصير هذا المشروع، والأسد هو الورقة الرابحة الرئيسية لإيران في هذه المعركة، ولن تتخلى عنه. هذه هي الرسالة، وهذا هو الهدف أيضًا من الزيارة في اعتقادي، أي التباحث في تأمين شروط بقاء الأسد، وتطمين فريق حكمه وتعزيز موقفه تجاه خصومه في الداخل والخارج. بالنسبة إلى النظام الايراني الذي أنفق معظم موارد بلاده وثرواتها على هذا المشروع التوسعي، منذ أكثر من ثلاثة عقود، أصبح الطريق إلى طهران يمرّ حتمًا من دمشق. 

س – ضربت إسرائيل العديد من الأهداف العسكرية التابعة لميليشيات إيرانية في سورية، وغضت روسيا الطرف عن ذلك، برأيك هل تسعى إسرائيل للاستفادة من تبدل الموقف الروسي من بشار الأسد، خاصة مع وجود صراع نفوذ روسي – إيراني في سورية، ومحاولة روسيا إبعاد إيران عن موضوع استثمارات إعادة إعمار سورية، وسعي إسرائيل إلى إبعاد إيران من سورية خلال الأشهر الـ 12 المقبلة، بحسب تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بينيت، مطلع العام الحالي؟

ج: إسرائيل ليست بحاجة إلى استغلال أي تبدل في الموقف الروسي، لتتعقب الحضور الإيراني العسكري الكثيف في سورية. فهذا من مصلحتها الاستراتيجية أولًا، وهو أحد التزاماتها الرئيسية مع حلفائها، وهي تقوم به في الواقع منذ وقت طويل من دون أن تخفيه عن أحد، أو أن يعترض عليه أحد من الروس أو الأمريكان. لكن منذ انعقاد ما سمّي “اللقاء الأمني الروسي الأميركي الإسرائيلي في القدس”، في 25-24 حزيران/ يونيو 2019، الذي ضم إلى جانب سكرتير مجلس الأمن الروسي نيقولاي باتروشيف، نظيريه الأميركي جون بولتون، والإسرائيلي مئير بن شبات؛ تحوّل قصف الإسرائيليين مواقع إيرانية في سورية إلى جزء من تقسيم العمل بين الأطراف الثلاثة، ومساهمة إسرائيلية أساسية في تحقيق الهدف المشترك. وأعني به، وهذا ما فهمه الإيرانيون أيضًا، ردع طهران وإجبارها على وقف سياستها التوسعية التي تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط بأكمله. وفي إطار هذا المشروع الثلاثي للضغط عليها وإجبارها على سحب ميليشياتها، يدخل هجوم تل أبيب على المواقع الإيرانية في سورية وتدمير الكثير منها.

 س – في حال الإطاحة بنظام بشار الأسد؛ كيف سينعكس ذلك على دول الجوار تحديدًا (لبنان، العراق، تركيا)، وعلى دول الاتحاد الأوروبي بشكل عام التي تواجه أزمة تتعلق بملف اللاجئين؟

ج: سيكون وقعه مثل وقع انفجار دمل أصاب بالالتهاب منطقة بأكملها بل قتلها، أي ستكون لحظة انفراج عام ولحظة تنفّس الصعداء وعودة الأمل للسوريين ولشعوب المنطقة بأكملها، حتى الشعب الإيراني المقهور. لكن مع الأسف، لن يعني هذا نهاية المأساة، ولن تكون معركة تصفية أنقاضه، والتحكم في فلوله من القتلة والمجرمين، ولا تجاوز الدمار النفسي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي خلفه وإعادة الثقة والتفاهم والتعاون بين الأفراد وخارج حدود الغيتوات أو المعازل الطائفية والمناطقية والقومية والفئوية التي أجبر الناس على الانكفاء عليها، معركةً سهلةً ولا مستقيمةً، وستكون الحاجة إلى التنسيق والتعاون بين السوريين والقوى التي ذكرتها ملحّة وكبيرة، من أجل احتواء ردة فعل الوحش الخرافي المتهاوي لإمبراطورية ولاية الفقيه، التي لا يختلف مصيرها كثيرًا عن مصير الفاشية الألمانية التي كلفت هزيمتها وتفكيكها، في منتصف القرن الماضي، الإنسانية عشرات ملايين الضحايا ودمار قارة بأكملها.

س – انتقدت كثيرًا أداء المعارضة السياسية السورية، خاصة في كتابك الأخير “عطب الذات.. وقائع ثورة لم تكتمل”، وأود هنا أن أسألك عن مدى قدرة المعارضة السورية على مواجهة تحديات المرحلة القادمة، ألا تتطلب المرحلة القادمة إعادة ترتيب البيت الداخلي للمعارضة التي شهدت انقسامات وخلافات كثيرة خلال السنوات الماضية؟

ج: بالتأكيد، لم تكن المعارضة في أي وقت على مستوى التحديات التي أطلقتها ثورة السوريين، لسبب بسيط هو أنها لم تكن موجودة، وما كان من الممكن أن توجد في ظلّ نظام حُكمٍ يقتل على الكلمة، تحكّم في رقاب السوريين لنصف قرن. وقد توزع مصير المعارضين السوريين خلال هذه الفترة بين الاغتيالات والإقامة الأبدية في السجون أو المسالخ البشرية، والتشرد في المنافي، أو الاختباء في الأقبية السرية، تجنبًا للملاحقة والاعتقال أو الاغتيال. 

وكما ذكرت في كتابي، لم تحصل المعجزة التي كنت آمل فيها، في استعادة المعارضة المثخنة بجراحها اختراع نفسها، في لهيب ثورة شعب حوّل أبناءه جميعًا إلى فدائيين، للفوز بمعركة الحرية. ولم يسعفها الحظ وضعف الخبرة والثقة، لتجديد نفسها وتوحيد قواها ووضع نفسها في الخطوط الأولى للقيادة. ولذلك ذهبت الثورة في اتجاهات، لم تكن أغلب القوى التي شاركت فيها تريدها أو تتوقعها. لكن الثورة السورية، والتحديات التي طرحتها على النظام القائم، وعلى المجتمع الدولي معًا، لا ترتبط ولم ترتبط بالمعارضة، وليست بالتأكيد من صنعها. بالعكس إن قدومها جاء بالضبط نتيجة خنق المعارضة وحرمان الشعب من أي إمكانية لتنظيم قواه وتوصيل صوته إلى دوائر القرار، ومن ثم انعدام أي فرصة للإصلاح والتغيير السياسي والقانوني. والمشكلة التي واجهناها، وواجهها المعارضون “الناجون” من الموت السياسي أو المادي، هو أن المجتمع الدولي، بدلًا من أن يكون عونًا لهم وللشعب لدفع النظام إلى الحوار الجدي او الإصلاح، ولو الجزئي، لامتصاص النقمة العارمة وفتح قنوات لتصريف الغضب والعنف والقهر المتراكم؛ ربّت على كتف القتلة والمتجبرين، وشجعهم على الصمود، وأغراهم بشن حرب إبادة حقيقية على الشعب بكل الأسلحة والوسائل المحرمة. 

وفي انتظار أن يتمكّن الشعب السوري من التقاط أنفاسه وبناء قواه الذاتية التي دمّرها الاستبداد والاحتلال، أرى أن مسؤولية المجتمع الدولي، وعلى رأسه القوتان الكبريان روسيا والولايات المتحدة، أساسيةٌ وحاسمةٌ في التعاون، لإنقاذ مستقبل الشعب السوري الغارق في مستنقع العنف والموت والدمار والانتقام، الذي خلفته حرب الإبادة الوحشية التي فرضت عليه لعقد كامل، ولإنقاذ مستقبل شعوب المنطقة بأكملها من مصير مظلم. ومن دون ذلك؛ لن يكون هناك مخرج سهل ولا سريع، من الحالة الكارثية التي أُوصلت إليها شعوب المنطقة، حتى لو كان من الصحيح، بالمقابل، أنه من دون سعي السوريين إلى الاستفادة من الحرية التي انتزعوها بانفراط عقد نظام القتل الجماعي والإرهاب، لبناء طبقة سياسية جديدة افتقر السوريون إليها لأكثر من نصف قرن، لن يكون هناك أمل أيضًا في إعادة إعمار سورية وبنائها وطنًا حقيقيًا وحرًا لجميع السوريين.

__________

ولد برهان غليون في حمص سورية، وتلقى فيها دراساته الابتدائية والإعدادية، ثم انتقل إلى دمشق لمتابعة دراساته في دار المعلمين، وبعدها في جامعة دمشق، حيث تخرج فيها عام 1969 بإجازة في الفلسفة والعلوم الاجتماعية ودبلوم في التربية العامة، وانتقل إلى فرنسا لمتابعة دراساته العليا، وحصل على شهادة دكتوراه الحلقة الثالثة في علم الاجتماع السياسي 1974، من جامعة باريس الثامنة، على رسالة حول الدولة والصراع الطبقي في سورية 1945 – 1970 تحت إشراف نيكوس بولانتزاس. له العديد من المؤلفات منها: “بيان من أجل الديمقراطية”، “اغتيال العقل” “مجتمع النخبة”، “عطب الذات.. وقائع ثورة لم تكتمل، سورية 2011-2012”.