الترسانة الكيميائية السورية: فشل أوباما… نجاح ترامب المتفاوت

توفر الأسلحة الكيميائية القدرةَ الأكثر رعبًا في يد الرئيس السوري بشار الأسد. تحتوي ترسانته على مجموعة متنوعة من الرؤوس الحربية ووسائل التوصيل -في الغالب بغاز الكلور وعامل الأعصاب السارين- من البراميل المتفجرة العشوائية حتى صواريخ سكود. مثل والده، يرى بشار أن أسلحة الدمار الشامل هذه حاسمة لبقائه.

في عام 2013، ضغط الرئيس الأميركي باراك أوباما على سورية للتوقيع على اتفاق تتعهد فيه بالتخلص من تلك الأسلحة بمساعدة روسية. من الواضح أن البلدين [سورية وروسيا]، بمساعدة إيران على الأرجح، كانا يعتزمان سرًا الاحتفاظ بما يقارب نصف ترسانة الأسد من المواد السامة. وبينما لا يعرف المسؤولون الغربيون مقدار مخزون الأسد الذي لا يزال سليمًا، أو في طور إعادة الإنتاج، أو حتى قدراته على إنتاج المزيد من الذخائر، فإن سياسة الولايات المتحدة الأكثر حزمًا -في الجمع بين القوة العسكرية والدبلوماسية- ضرورية لتخليص سورية من أسلحة الدمار الشامل التي لديها بالكامل.

محققو الأمم المتحدة يأخذون عينات من الأرض في ريف زملكا، سورية، 29 آب/ أغسطس 2013.

سياسة أوباما الميتة

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، استُخدمت الأسلحة الكيميائية في الشرق الأوسط أكثر من أي مكان آخر في العالم، لمدة أربع سنوات في اليمن خلال الستينيات؛ ست سنوات خلال الحرب الإيرانية العراقية (1982-1988)، وفي أثناء النزاعات الأخيرة في سورية، وأحيانًا في العراق، على الرغم من إنكار بشار الأسد المتكرر لذلك.

في تموز/ يوليو 2012، أكد النظام السوري أنه يمتلك أسلحة كيميائية، لكنه قال إن الأسلحة ستُستخدم فقط ضد العدوان الخارجي[1].  بعد ذلك بشهر، أعلن الرئيس أوباما أن استخدام تلك الأسلحة هو خطّ أحمر[2]، وقال: “أوضحنا لنظام الأسد، وللاعبين الآخرين على الأرض أيضًا، أن الخط الأحمر بالنسبة إلينا هو أن نجد مواد كيميائية أو أن تُستخدم. وجودها سيغير من حساباتي، ومن معادلتي”[3].

على الرغم من هذا التهديد، لم يصمد الخط الأحمر، ففي 19 آذار/ مارس 2013، استخدم الجيش السوري غاز السارين في بلدة خان العسل في حلب. وفقًا لقسم الأبحاث في مديرية المخابرات العسكرية الإسرائيلية، كان الأسد نفسه قد أعطى الأمر، كما في العديد من المناسبات المستقبلية، على الرغم من الإنكار القاطع لهذه الحقيقة. بعد أقل من شهر، في 13 نيسان/ أبريل، استخدم النظام السوري السارين مرةً ثانيةً، وذلك في حي الشيخ مقصود في حلب، وأيضًا في مناسبتين أخريين: في عدرا بالقرب من دمشق في 23 أيار/ مايو، وعلى قرية قصر أبو سميرة في ريف حماة، في 24 أيار/ مايو. أكد نائب مستشار الأمن القومي بن رودس علانية أن النظام السوري كرر استخدام الأسلحة الكيميائية، ومن ضمنها السارين[4].

ألهمت مبالاة الرئيس أوباما الواضحة هجومًا آخر من قبل النظام بالسارين. في 21 آب/ أغسطس 2013، حوالي الساعة 2:30 صباحًا، تم ضرب موقعين في منطقة الغوطة التي كانت تسيطر عليها المعارضة خارج دمشق، بواسطة صواريخ أرض-أرض تحمل رؤوسًا تحتوي على السارين، ربما أُطلقت بواسطة نظام صواريخ فلق-2 الإيرانية الذي تستخدمه القوات العسكرية السورية[5]. قُتل ما يقرب من 1400 شخص تقريبًا، وأصيب ما يزيد على 3400 شخص. تقع المنطقة على طول طريق إمداد أسلحة من الأردن، وكانت تحت حصار الجيش السوري أشهرًا عدة[6].

وصفت إدارة أوباما ووسائل الإعلام على الفور هذا الأمر بأنه هجوم بغاز الأعصاب من قبل النظام السوري، وقد دفع ذلك الأمر واشنطن إلى التفكير في مواجهة عسكرية وشيكة مع الأسد[7] .في 6 أيلول/ سبتمبر 2013، قدّم زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، هاري ريد، مشروع قرار للسماح باستخدام القوة العسكرية ضد سورية[8]. بعد ثلاثة أيام، قال وزير الخارجية جون كيري: “يمكن تفادي الضربات الجوية، إذا سلّمت سورية كل مخزونها من المواد الكيميائية”[9]. بعد ساعات قليلة من إعلان كيري، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن موسكو قد اقترحت تخلي دمشق عن أسلحتها العسكرية[10]. ورحّب وزير الخارجية السوري وليد المعلم على الفور بالاقتراح[11]. وهكذا أدى الاستخدام السوري للسارين إلى موافقة النظام المزعومة على تسليم ترسانته الكاملة من الأسلحة الكيميائية إلى المجتمع الدولي، وإلى أن يصبح دولة طرفًا في اتفاقية الأسلحة الكيميائية (CWC).

مع ذلك، لم ينفذ الرئيس أوباما خطه الأحمر. لم يكن التفكيك السلمي لترسانة الأسلحة الكيميائية في سورية خيارًا قابلًا للتطبيق، لأن النظام لن يتخلى عن طيب خاطر عما يعتبره مكونًا مركزيًا لشبكة الأمان الخاصة به، ولكن كان من الممكن تدمير المنشآت الرئيسية دون المخاطرة بكارثة بيئية، حيث تم تخزين السارين بأمان في مخزون ثنائي التشكيل، في السلائف الأقل سمية بكثير من السارين.

ما لا يقلّ عن ألفي قنبلة كيميائية، تدعي دمشق أنها حولتها إلى أسلحة تقليدية، لا تزال تُعدّ مفقودة، وهذا يشير إلى أنها قد لا تزال في أيدي الجيش السوري.

يبدو أن أوباما أدرك أنه قد تردد بخصوص الأسلحة الكيميائية السورية، لذلك فرض عقوبات على ثمانية عشر شخصًا سوريًا، إضافة إلى مؤسسة سورية، قبل ثمانية أيام فقط من نهاية ولايته الثانية، وهذا أول إجراء من هذا القبيل ضد مسؤولين يخدمون الأسد[12]. وبينما كانت العقوبات جوهرية، بدت هذه الخطوة حيلة شفافة للتستر على تقاعس الإدارة خلال السنوات الأربع الماضية. مرارًا وتكرارًا، انتقد النقاد إدارة أوباما لعدم مبالاتها وعدم كفاءتها في هذه القضية، على الرغم من المعلومات القوية من المخابرات الأميركية، بشأن وجود الهجمات الكيميائية السورية التي تجاوزت نتائج منظمة الدفاع عن الأسلحة الكيميائية (OPCW). كشفت هذه المعلومات عن برنامج سوري مستمر للإنتاج والحفاظ على قدرات الأسلحة الكيميائية التشغيلية واستخدام الكلور، وهو مادة سامة “معتدلة” نسبيًا، لإخفاء حقيقة أنه كان يمتلك ويستخدم أسلحة كيميائية أكثر فاعلية تحت تصرفه.

تمكن النظام السوري من منع المفتشين من زيارة مواقع محددة بزعم أنها كانت خطرة للغاية بسبب الحرب الأهلية والمواجهات مع داعش وقوات المتمردين

تبين أن هناك استنادًا إلى معلومات استخباراتية لفرض العقوبات الأميركية إلى حد ما، بناء على ما قدّمه مركز الدراسات والبحوث العلمية (SSRC)، كان هذا البرنامج السوري يتألف من شبكة من هيئات مسؤولة عن الأمن والحماية والاستخبارات والجيش والتسليح ونشر الجنود والنقل وإخفاء الأسلحة الكيميائية. بقيت معظم هذه الهيئات سليمة تقريبًا وعملية عمليًا حتى تلك اللحظة، ومن المحتمل أن تستمر، على الرغم من العجز الظاهر لمحاذاة الأسلحة الكيميائية السورية رسميًا.

تأثير السياسة الإلزامية

إذا تمكنت المؤسسات التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية من القيام بوظيفتها؛ فلن تكون هناك حاجة إلى تدخل أميركي. لكن النظام السوري قادر على الحفاظ على ترسانة أسلحته الكيميائية وعلى استخدامها، لمجموعة من الأسباب. تمكن النظام من منع المفتشين من زيارة مواقع محددة، من خلال الادعاء بأنهم معرّضون للخطر، بسبب الوضع المدني والمواجهات مع تنظيم (داعش) والمتمردين على تلك المراكز، وإذا تجاهل فريق التفتيش تلك التحذيرات، فهناك خيارات أخرى متاحة [عند النظام] للتأكد من أن هذه اللجان لن تصل إلى مكانها، تشمل الهجماتِ القريبة [على اللجان] التي تم إنكارها وسط الضباب في الحرب الأهلية.

اعترف مفتشو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بأنهم تجنبوا تحدي النظام، على الرغم من أنه كان ينبغي أن يكون جزءًا لا يتجزأ من مهمتهم. كانوا يخشون فقدان الأمن الذي كان يوفره لهم النظام ضد (داعش) والمتمردين[13]. وكانت مهمتهم هي القضاء تمامًا على قدرات الأسلحة الكيميائية المعلنة، بدلًا من إجراء بحث متطلب عن قدرات غير معلنة. هذا هو بالضبط ما يتوقعه النظام السوري وحلفاؤه الروس والإيرانيون.

وقد عُزز تصميم النظام على الاحتفاظ بأسلحته الكيميائية بصعوبة تحقيق أهداف تكتيكية وتشغيلية واستراتيجية مختلفة -سواء كانت عسكرية أو ديموغرافية- باستخدام الأسلحة التقليدية. ومع ذلك، من المرجح أن الأسد كان سيحتفظ بهذه الأسلحة على أي حال نظرًا لمركزيتها المتصورة لبقائه.

استمرت دمشق في انتهاك التزاماتها. في مؤتمر صحفي في شباط/ فبراير 2018، قال مسؤولون أميركيون كبار إنه “من المرجح للغاية” أن الأسد احتفظ بمخزون مخفي من الأسلحة بعد عام 2013.

ما لا يقلّ عن ألفي قنبلة كيميائية، تدعي دمشق أنها حولتها إلى أسلحة تقليدية، لا تزال تُعدّ مفقودة، وهذا يشير إلى أنها قد لا تزال في أيدي الجيش السوري[14]. وإضافة إلى ذلك، يمكن أيضًا الاحتفاظ بالذخائر التي لا يعرفها العالم الخارجي سرًا، خاصة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية العراقية التي تم تهريبها إلى سورية في عام 2003[15].

علاوة على ذلك، اكتشفت المخابرات الغربية الإنتاج المتجدد للأسلحة الكيميائية من قبل نظام الأسد في عام 2017، في أقسام مخفية في ثلاثة مواقع على الأقل: مصياف ودمّر وبرزة، مع اعتراف غير رسمي، وفي بعض الأحيان بدعم ضمني من روسيا وإيران[16]. كانت الأسلحة مليئة بالكلور وعناصر أكثر قوة لم يُعثر عليها من قبل في ترسانة سورية. تكثفت جهود الشراء التي قام بها النظام خلال عام 2017، حيث أفادت بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بأن السارين “من المحتمل جدًا أن يستخدم كسلاح كيميائي”، في اللطامنة في 24 آذار/ مارس 2017، وأن الكلور “من المحتمل جدًا أن يستخدم كسلاح كيميائي”، في وحول مستشفى اللطامنة، بعد ذلك بيوم[17].

بعد عشرة أيام، في 4 نيسان/ أبريل، ألقت القوات الجوية السورية قنابل تحتوي على السارين في منطقة مدنية في خان شيخون، وأسفر ذلك الهجوم عن مقتل ما يقرب من مئة شخص[18]. كانت ثلاثة أشهر قد مرت من فترة رئاسة دونالد ترامب الذي أدان الهجوم وقال إنه “إهانة للإنسانية … لا يمكن تقييمها”، وبعد ثلاثة أيام، أطلقت واشنطن تسعة وخمسين صاروخ كروز، على قاعدة الشعيرات الجوية التي يُعتقد أنها كانت الموقع الذي تستخدمه الطائرات التي نفّذت الهجوم[19].

على عكس الغارة الجوية العرضية التي شنتها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة على دير الزور، في عام 2016 (التي لم يكن لها صلة بالأسلحة الكيميائية وكانت موجهة إلى تنظيم الدولة الإسلامية)، كان هجوم نيسان/ أبريل 2017 أول هجوم أحادي متعمد ضد النظام السوري[20]، وهذا يشير إلى تحول في السياسة في ظل إدارة ترامب الجديدة، وتصميمها على إعاقة الأسلحة الكيميائية التشغيلية السورية. في الواقع، في 24 نيسان/ أبريل، بعد سبعة عشر يومًا من الضربة، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات إضافية على 271 من مسؤولي النظام السوري، لدورهم المزعوم في إنتاج أسلحة كيميائية، وذُكرت أسماء المستهدفين وسلوكهم[21].

ومع ذلك، استمرت دمشق في انتهاك التزاماتها. في مؤتمر صحفي في شباط/ فبراير 2018، قال مسؤولون أميركيون كبار إنه “من المرجح للغاية” أن الأسد احتفظ بمخزون مخفي من الأسلحة بعد عام 2013، ولكن تحاليل الهجمات الأخيرة أظهرت أن النظام “طور” برنامجه لصنع أنواع جديدة من الأسلحة وطرق إيصالها، إما لتحسين قدرته العسكرية أو للهروب من المساءلة الدولية. كانت تعديلات ذخائر الكلور مجرد مثال تافه[22].

كانت هناك مؤشرات واضحة على أن موسكو وطهران ساعدتا النظام السوري في هذا الأمر، حيث كُشف عن تورط الجيش الروسي في هجوم السارين عام 2017، من قبل القوات الجوية السورية والقصف الروسي المتعمد على المستشفى الذي كان يعالج فيه الأشخاص المتضررون من السارين[23]. تم العثور على حطام صاروخي بعد هجومين على المدنيين، في كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير 2018، يحتويان على تكنولوجيا التعدين الكهربائي الألمانية التي حصلت عليها إيران لتصنيع الصواريخ[24]. بالاعتماد على مادة متقدمة بقاعدة السليلوز تستخدم للعزل، بيعت لإيران من قبل المورد الألماني؛ تمّ إنتاج الصواريخ في إيران، وتم تكييفها كسلاح كيميائي ذي قيمة تشغيلية عالية للجيش السوري.

الضربة الثانية ضد منشآت الأسلحة الكيميائية

استمر استخدام نظام الأسد للكلور المسلح، ولما يسمى بالأسلحة الكيميائية الأخف وزنًا، وكان ذلك أكثر أو أقلّ تحملًا من قبل المجتمع الدولي. مع ذلك، أشار متحدث باسم وزارة الخارجية إلى أن واشنطن “قلقة للغاية”، بشأن التقارير التي تفيد بأن القوات السورية شنت المزيد من هجمات غاز الكلور[25]. في المقابل، قال مسؤول آخر إن إدارة ترامب تأمل في أن تؤدي العقوبات الدولية المتزايدة والضغط الدبلوماسي إلى ردع الأسد. وحذر المسؤول بالقول: إذا لم يتصرف المجتمع الدولي بسرعة لزيادة الضغط، فإن سورية قد تستخدم أسلحة كيميائية خارج حدودها، وربما بالقرب من “الشواطئ الأميركية”[26].

انتهى التسامح النسبي لواشنطن بعد شهرين. في 7 أبريل / نيسان 2018، شن الجيش السوري هجومًا آخر من السارين القاتل في منطقة الغوطة، أسفر عن مقتل 85 شخصًا وإصابة كثيرين آخرين[27]. وردًا على ذلك، في 14 نيسان/ أبريل، ضربت قوة أميركية بريطانية فرنسية مشتركة منشآت أسلحة كيميائية سورية رئيسية، بقوة أكبر بكثير مما كانت عليه في 2017: مركز الدراسات والبحوث العلمية في برزة المعروف بأنه المرفق السوري الأساسي للبحث والتطوير والإنتاج واختبار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. ومنشآته وخزانته “شينشار” التي تشكل “الموقع الرئيس لمعدات إنتاج السارين والسلائف السوري” ومركز قيادة مهمًا[28] .

ردًا على هجوم كيميائي سوري في 7 نيسان/ أبريل 2018، ضربت قوة أميركية بريطانية فرنسية مشتركة منشآت رئيسية للأسلحة الكيميائية السورية، بعد ذلك بأيام

كانت هذه الضربات أهمّ هجوم على نظام الأسد من قبل التحالف الغربي (على عكس الضربات الأميركية الأحادية) خلال الحرب الأهلية السورية. وعلى الرغم من دعم الغرب مختلف الجماعات المتمردة في وقت مبكر من الحرب، فإنه لم يتدخل مباشرة ضد قوات الحكومة السورية. وحين زعم متحدث باسم البنتاغون أن هجوم برزة سيعوق برنامج الأسلحة الكيميائية السوري سنوات[29]، تبيّن أن الغارات الناجحة لم تحقق خضوع الأسد. وحذر ترامب دمشق من أن واشنطن “جاهزة” للهجوم مرة أخرى، إذا نفذ الأسد المزيد من الهجمات الكيميائية. كما حذر حلفاء سورية: “بالنسبة إلى إيران وروسيا، أنا أسأل: أي نوع من الأمم تريد أن تكون شريكة في القتل الجماعي للأبرياء، من الرجال والنساء والأطفال؟”[30]. وردّ لافروف بالقول إن موسكو أبلغت واشنطن قبل الغارة “بمكان وجود خطوطنا الحمراء، حتى الخطوط الحمراء الجغرافية، وأظهرت النتائج أنها لم تتجاوز تلك الخطوط”[31].

بعد أشهر عدة، في آب/ أغسطس 2018، حذر المراقبون والمحللون من أن النظام السوري قد يستخدم الأسلحة الكيميائية خلال هجوم وشيك على إدلب، إذا تمكن المتمردون من إبطاء تقدمه. وضع خبراء المخابرات الأميركية والعسكريون قائمة أهداف أولية لمنشآت الأسلحة الكيميائية السورية، لجولة جديدة من الضربات الجوية. لم يتم اتخاذ قرار بتنفيذ العملية، لكن الجيش كان مستعدًا[32]. وأكدت واشنطن من جديد سياسة عدم التسامح مطلقا دون إطلاق طلقة، مما دفع موسكو إلى إرسال أكبر مجموعة بحرية على الإطلاق في شرق البحر الأبيض المتوسط، مع تحذير السفير الروسي، لدى الولايات المتحدة، لواشنطن من “عدوان لا أساس له وغير قانوني على سورية”[33].

بعد أسابيع قليلة، قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم: “نحن ندين ونرفض تمامًا استخدام الأسلحة الكيميائية، تحت أي ظرف من الظروف، أينما ومتى، وبغض النظر عن الهدف. هذا هو السبب في أن سورية ألغت برنامجها الكيميائي بالكامل، ووفت بجميع التزاماتها كعضو في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”[34].

في أيار/ مايو 2019، استخدم الجيش السوري الكلور في إدلب، ولكن في أواخر أيلول/ سبتمبر فقط اختتمت واشنطن التحقيق، وأعلنت أن الحادث قد وقع

قد تكون هذه سخرية أخرى، لكن ذلك كان مؤشرًا أيضًا إلى أن الضربات الجوية قد حذرت سورية إلى حد ما. في كانون الثاني/ يناير 2019، حذر مستشار الأمن القومي جون بولتون دمشق من أنه على الرغم من الانسحاب العسكري الأميركي المنتظر، “لا يوجد أي تغيير على الإطلاق في موقفنا، بأن أي استخدام للأسلحة الكيميائية سيقابل برد قوي للغاية، كما فعلنا مرتين من قبل”[35]. توقف استخدام النظام السوري للسارين بالفعل (في الوقت الحالي) وانخفض استخدام الكلور إلى حد بعيد (في وقت تنحسر فيه الحرب الأهلية)، وأصبح أقل متابعةً. وفي 19 أيار/ مايو، استخدم الجيش السوري الكلور في إدلب، إلا إن واشنطن كشفت، في أواخر أيلول/ سبتمبر، أن الهجوم قد وقع بالفعل. وأضاف وزير الخارجية مايك بومبيو أن الإدارة “لن تسمح لهذه الهجمات بأن تستمر دون اعتراض، ولن نتسامح مع أولئك الذين يختارون إخفاء هذه الفظائع”[36].

الخاتمة

نهج إدارة ترامب تجاه استخدام سورية للأسلحة الكيميائية قلّلَ بشكل ملحوظ من قدرات النظام على الأسلحة الكيميائية؛ وكذلك تروّي الأسد في سياسته الهاوية والوحشية؛ ويبدو أنه شكك في تقليل حجم الدعم الروسي والإيراني الذي كان يتمتع به ذات مرة في هذا السياق. شكلت الهجمات التي قادتها الولايات المتحدة، ضد منشآت الأسلحة الكيميائية السورية، رابع تدخل لها في نزع السلاح المادي في الشرق الأوسط، وسبقتها إجراءاتٌ في العراق وليبيا والسودان.

يختلف نهج ترامب كثيرًا عن نهج سلفه. بفضل أوباما، تمت إزالة كمية ملحوظة من ذخائر الأسلحة الكيميائية وتدميرها، ومع ذلك استمر الأسد في استخدامها، ولم يصبح أكثر حذرًا إلا بعد العمل الأميركي الغربي المشترك في عهد ترامب. ومع ذلك، بينما مارست إدارة ترامب ضغوطًا وعملًا مباشرًا على سورية، فقد امتنعت حتى الآن عن فعل الشيء نفسه مع روسيا أو إيران، على الرغم من أن الأخيرة عملت على تعزيز قدرات سورية على الأسلحة الكيميائية[37]. إن ردع استخدام سورية للأسلحة الكيميائية يجب أن يطبق باستمرار، ليس فقط ضد النظام، ولكن أيضًا ضد موسكو وطهران، لسبب بسيط هو أن الأسد، من دون دعمهم، قد لا يستخدم أسلحة الدمار الشامل.

العنوان الأصلي للمادةSyria’s Chemical Arsenal: Obama’s Failure, Trump’s Mixed Success
الكاتبداني شوهام*
المصدرمنتدى الشرق الأوسط، المجلة الفصلية، عدد ربيع 2020
الرابطhttps://www.meforum.org/60503/syrias-wmd-obamas-failure-trumps-success
المترجموحدة الترجمة- محمد شمدين

* داني شوهام محلل سابق في المخابرات العسكرية التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي ووزارة الدفاع الإسرائيلية. حاصل على دكتوراه في علم الأحياء الدقيقة الطبية، وباحث مشارك في مركز بيغن-السادات للدراسات الإستراتيجية بجامعة بار إيلان.


[1] The New York Times, Syria Threatens Chemical Attack on Foreign Force  https://www.nytimes.com/2012/07/24/world/middleeast/chemical-weapons-wont-be-used-in-rebellion-syria-says.html

[2] Dot Wordsworth, “What, exactly, is a ‘red line’?” Spectator Magazine, June 8, 2013.

[3] President Obama and the ‘red line’ on Syria’s chemical weapons https://www.washingtonpost.com/news/fact-checker/wp/2013/09/06/president-obama-and-the-red-line-on-syrias-chemical-weapons/

[4] Ben Rhodes, deputy national security advisor for strategic communications, Office of the Press Secretary, The White House https://obamawhitehouse.archives.gov/the-press-office/2013/06/13/statement-deputy-national-security-advisor-strategic-communications-ben-

[5] Albert J. Mauroni, https://media.defense.gov/2019/Apr/11/2002115522/-1/-1/0/58ELIMINATINGSYRIACW.PDF” The Counterproliferation Papers, Future Warfare Series, no. 58, U.S. Air Force, Center for Unconventional Weapons Studies, Maxwell Air Force Base, Ala., June 2017.

[6] Syria chemical weapons claims: UN to hold emergency meeting https://www.theguardian.com/world/2013/aug/21/syria-poisonous-gas-attack-claim

[7] Obama Seeks Approval by Congress for Strike in Syria https://www.nytimes.com/2013/09/01/world/middleeast/syria.html

[8] Reid files resolution to authorize force against Syria https://thehill.com/blogs/floor-action/senate/320695-reid-files-use-of-force-resolution-against-syria

[9] Putin, Obama discussed Syria arms control idea last week: Kremlin https://www.reuters.com/article/us-syria-crisis-russia-usa/putin-obama-discussed-syria-arms-control-idea-last-week-kremlin-idUSBRE9890I020130910

[10] Russia calls on Syria to hand over chemical weapons https://www.theguardian.com/world/2013/sep/09/russia-syria-hand-over-chemical-weapons

[11] Syrian official: Chemical weapons deal a ‘victory’ https://www.usatoday.com/story/news/world/2013/09/15/syria-weapons-deal-victory/2816731/

[12] “Designation of Syrian Entity Pursuant to Executive Order 13382,” Office of the Spokesperson, U.S. Department of State, Jan. 12, 2017.

[13] Mission to Purge Syria of Chemical Weapons Comes Up Short https://www.wsj.com/articles/mission-to-purge-syria-of-chemical-weapons-comes-up-short-1437687744

[14] Anthony Deutsch, “How Syria continued to gas its people as the world looked on,” Reuters Special Report, Aug. 17, 2017. https://www.reuters.com/investigates/special-report/mideast-crisis-syria-chemicalweapons/

[15] Newsmax(West Palm Beach), Feb. 19, 2013.

[16] Syria government ‘producing chemical weapons at research facilities’ https://www.bbc.com/news/world-middle-east-39796763

[17] Radio Free Europe/Radio Liberty (Prague and Washington, D.C.), https://www.rferl.org/a/chemical-watchdog-finds-more-evidence-of-illegal-gas-attacks-in-syria/29289614.html

[18] Reuters, Apr. 6, 2017.

[19] BBC News, Apr. 7, 2017.

[20] The Washington Post, Apr. 6, 2017.

[21] “Treasury Sanctions 271 SyrianScientific Studies and Research Center Staffin Response to Sarin Attack on Khan Sheikhoun,” U.S. Department of Treasury, Apr. 24, 2017. https://www.treasury.gov/press-center/press-releases/Pages/sm0056.aspx

[22] U.S. says Syria may be developing new types of chemical weapons https://www.reuters.com/article/uk-mideast-crisis-syria-usa/u-s-says-syria-may-be-developing-new-types-of-chemical-weapons-idUSKBN1FL65L

[23] A Russian Drone May Have Turned Off Its Camera Right Before A Syrian Hospital Was Bombed: https://www.buzzfeednews.com/article/nancyyoussef/a-russian-drone-may-have-turned-off-its-camera-right-before; Why Won’t Russia Support the Investigation of Chemical Weapons Attacks in Syria? http://www.algemeiner.com/2018/02/01/why-wont-russia-support-the-investigation-of-chemical-weapons-attacks-in-syria/

[24] Germany sold technology to Iran for use in Syrian chemical attacks: https://www.jpost.com/International/Germany-sold-technology-to-Iran-for-use-in-Syrian-chemical-attacks-540760; Syria chemical attack rockets ‘Made in Germany,’ report says https://www.foxnews.com/world/syria-chemical-attack-rockets-made-in-germany-report-says

[25] U.S. ‘extremely concerned’ about reports of chlorine gas use in Syria https://www.reuters.com/article/uk-mideast-crisis-syria-usa-nauert/u-s-extremely-concerned-about-reports-of-chlorine-gas-use-in-syria-idUSKBN1FL6GF

[26] Ibid.

[27] “Timeline of Syrian Chemical Weapons Activity, 2012-2018,” Arms Control Assn., Washington, D.C., Mar. 2019. https://www.armscontrol.org/factsheets/Timeline-of-Syrian-Chemical-Weapons-Activity

[28] What We Know About the Three Sites Targeted in Syria https://www.nytimes.com/interactive/2018/04/14/world/middleeast/syria-airstrikes-chemical-weapons-sites.html

[29] Pentagon: Syria strikes put chemical weapons program back years https://thehill.com/policy/defense/383162-pentagon-syria-strikes-have-put-chemical-weapons-program-back-years

[30] U.S., Allies Strike Syrian Targets in Response to Chemical Attacks https://www.navy.mil/submit/display.asp?story_id=105153

[31] Russia warns U.S. against ‘illegal aggression against Syria’ https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-syria-russia/russia-warns-u-s-against-illegal-aggression-against-syria-idUSKCN1LF0D4

[32] US draws up initial target list if Syria launches chemical weapons attack https://edition.cnn.com/2018/08/31/politics/us-syria-idlib-initial-targets/index.html

[33] Izvestiya (Moscow), Aug. 28, 2018; Reuters, Aug. 30, 2018. https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-syria-russia/russian-navy-to-hold-drills-off-syria-as-idlib-offensive-looms-idUSKCN1LF0XX

[34] H.E. Walid Al-Moualem, statement, Syrian Mission, U.N, New York, Sept. 29, 2018, p. 5. https://gadebate.un.org/sites/default/files/gastatements/73/sy_en.pdf

[35] U.S. says signs Syria may be using chemical weapons, warns of quick response https://www.reuters.com/article/us-syria-security-usa-chemicalweapons/u-s-says-signs-syria-may-be-using-chemical-weapons-warns-of-quick-response-idUSKCN1SR2I3?feedType=RSS&feedName=worldNews&utm_source=www.seznam.cz&utm_medium=z-boxiku&utm_campaign=Feed%3A+Reuters%2FworldNews+(Reuters+World+News)

[36] CNN, Sept. 27, 2019.

[37] Syria has expanded chemical weapons supply with Iran’s help, documents show https://www.washingtonpost.com/world/national-security/syria-has-expanded-chemical-weapons-supply-with-irans-help-documents-show/2012/07/27/gJQAjJ3EEX_story.html