السياسة ما بين الحكمة والعقل

ليس للسياسة من تعريف واحد، “جامع مانع”، كما يقال. ومعنى التعريف هو التحديد، بالإيجاب أو بالسلب. قبل مئة عام، عرَّف عبد الرحمن الكواكبي السياسة بأنها “إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة”[1]، ولا يزال هذا التعريف صحيحًا، مع أن الشائع، منذ أرسطو إلى يومنا، هو إدارة الشؤون العامة، بمقتضى العقل، والشؤون العامة هي الشؤون المشتركة بالطبع. تجدر الإشارة إلى أن معنى كلمة سياسة عند الكواكبي ومعاصريه وعند أسلافه التنويريين، بدءًا من رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873)، مأخوذ من الثقافة الغربية الحديثة، لا من الثقافة العربية أو الإسلامية، باستثناء الميل إلى الحكمة في تعريفها، بدلًا من العقل. ولم يكن الكواكبي ومعاصروه يرون غضاضة في ذلك. الميل إلى الحكمة -في تعريف الكواكبي للسياسة- يلفت النظر إلى عناية الكتاب والفلاسفة العرب بالعقل، وازورارهم عن الحكمة ونفورهم منها، مع أن كلمة الحكمة في اللغة والثقافة العربيتين ثريَّة بالدلالات اللغوية والمفهومية أكثر من العقل بكثير[2]؛ لذلك تعرَّف الفلسفة بأنها حب الحكمة، أي إنها مركَّب إضافي من الحب والحكمة.

ستنظر هذه المقالة في السياسة، من منظوري الحكمة والعقل، وهذه مغامرة تحفزها مسألتان: أولاهما تتعلق بموقع السياسة بين إحداثيتي الذات والموضوع، وعلاقة الذات بالموضوع، بصفتها علاقة سيطرة، وافتراض أن العالم الأخلاقي (المجتمع والدولة) لا يجوز أن يكون موضوعًا للذات، بل هو ذات وحياة؛ والثانية هي مسألة الإنسان المبتور[3] والمجتمع المبتور، أي مسألة العلاقة بين الأنوثة والذكورة، وبين الرجل المرأة، بالمفرد والجمع، بصفتها علاقة هيمنة، وافتراض أن العقل، في الممارسة السياسية، ينطوي على ميل شديد إلى السيطرة والهيمنة، إذا لم تلجمه الحكمة، وتحد من غلوائه[4].

السياسة (Policy) في الثقافة الغربية مشتقة من المدينة (Polic)، لفظًا ودلالة، والمدينة ليست المكان المعمور والمنظم فقط، ليست مجرد “تنظيم الفراغ”، وتشكيله هندسيًا وجماليًا، أو منح العالم الفيزيقي شكلًا من إنتاج الخيال البشري، بل هي المكان المأهول والمأنوس، هي المكان المذوَّت، أي الذي جعله العمل الاجتماعي ذاتًا وحياةً، أو المكان المؤنسن، أي الذي صار “إنسانًا مموضعًا”، بحكم العلاقة الجدلية (الديالكتية) بين الإنسان والطبيعة. فالمدينة، بهذا المعنى، هي الوطن، وكل مدينة حديثة، في أيامنا، وكل بلدة أو قرية هي صورة مصغرة عن الوطن، عن المجتمع والدولة، المنسوجين من علاقات أفقية وشبكية بين أفراد أحرار وحرائر وانتظامات مدنية ومؤسسات، قوامها جميعًا حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن/ـة؛ والعلاقات ذاتها منسوجة من مكان-زمان، لا تنفك عنهما ولا ينفكان عنها.

المدينة هي مواطناتها الحرائر ومواطنوها الأحرار، الحرية هي الشرط اللازم لصيرورة المكان مدينة ووطنًا؛ من دون الحرية يمكن أن يكون المكان المسكون منزلًا وبيتًا ومسكنًا، أو حاضرة، أو بلدة وبلدًا ومصرًا وقطرًا.. ومقبرة وسجنًا، إلخ، فيكون الناس سكانًا ورعايا، لا مواطنين ومواطنات. المواطن/ـة (Citizen) من ماهية المدينة (City)، ومن ماهية الدولة، شخص قانوني وأخلاقي، ارتقى من كائن طبيعي إلى كائن اجتماعي إلى كائن سياسي، ثم إلى كائن أخلاقي، وعامل الارتقاء هو السياسة، والحياة السياسية، في دولة سياسية حديثة. فالسياسة، من ثم، جملة من المسؤوليات والالتزامات القانونية والأخلاقية ملقاة على عاتق مواطن حر، هو عضو في الدولة، وعلى عاتق مواطنة حرة بالطبع. والحرية، هنا، مضادة للتبعية. السياسة صفة للمواطن والمواطِنة، صفة للكائن/ـة، تتبع موصوفها، وتكون مثلما يكون.

ثمة بون شاسع بين المدنية والحضارة، كالبون الشاسع بين المواطنين والرعايا، وبين الحداثة والتقليد. والسياسة مفهومًا ونظامًا منجز مدني، من منجزات الحداثة، وشأن مدني (من المدنية)، وليست منجزًا حضاريًا، ليست بمعنى الحكم، وليست بمعنى “الأمر” والإمارة، وليست بمعنى المُلك والسُّلطان، وليست بمعنى الخلافة والإمامة؛ وبكلمة واحدة، السياسة ليست من معطيات الحضارة ومنجزاتها. الحضارة هي ما بعد البداوة وما فوقها، والمدنية هي ما بعد الحضارة وما فوقها، في سلّم التطور التاريخي. المدنية والحداثة صنوان، والسياسة علامة على الحداثة، وعلى المواطنة المتساوية، أو لا تكون سياسة. السياسة والحياة السياسية هي الشكل المدني (الحديث) للحياة الاجتماعية. هذا، في اعتقادنا، مما يستوجب قطيعة معرفية وأخلاقية مع التقليد (العربي – الإسلامي) ومع مضمونه الأساسي ومحوره، أي الاستبداد.

المنفعة هي مضمون الروابط والعلاقات المدنية، الأفقية والشبكية، بما هي علاقات تذاوت، أي تواصل وتبادل للمنافع المادية والمعنوية، التواصل والتبادل يحددان معنى المنفعة، بأنها منفعة عامة. المنفعة العامة هي أساس القيم المدنية، والأخلاق السياسية، ومعيار شرعية السلطة، في جميع مستوياتها. ولذلك تعرَّف السياسة بأنها “علاقات موضوعية”، لأن المنفعة المتبادلة هي قوام الموضوعية، في هذا التعريف. فالسياسة هي مجال المصالح أو المنافع، لا مجال العقائد والأيديولوجيات والسرديات وإحياء الموتى، وبعث ما لا ينبعث.

المنفعة، بالمعاني المشار إليها، هي الأساس الموضوعي، الذي تنهض عليه الأخلاق المدنية، لأن تبادل المنافع المادية والمعنوية، بين الأفراد والجماعات والمؤسسات والشركات… إلخ إنما يفترض المساواة والحرية، وتكافؤ الفرص، وتساوي الشروط، كما يفترض الاعتراف المتبادل بالجدارة والاستحقاق، والاحترام المتبادل، والثقة المتبادلة، والتعاون، والعدالة في الأخذ والعطاء، أو في المعاملات والعقود.

نحن نعيش في عالمين: عالم فيزيقي، هو الطبيعة؛ وعالم أخلاقي، هو المجتمع، بحسب إيمانويل كانط. في هذه الحال، يكون معنى التاريخ هو العمل على جعل العالمين عالمًا واحدًا يليق بالإنسان.

في ضوء ما تقدم؛ يمكن القول إن السياسة هي وحدة الحكمة والعقل، أو وحدة المعرفة والأخلاق، فقد فرّقنا، من قبلُ، بين الحكمة والعقل، واعتبرنا الحكمة أشمل من العقل، وأنها هي التي تهيئ إمكان العقل، أو إمكان التعقل، وتنشد الأمن والسلام والرفاهية، وتعشق الحرية، وتصبو إلى السعادة، بخلاف العقل المشدود إلى عالم الضرورة المضطرب والحافل بالتناقضات، ولا يعنى بغير العلاقات الضرورية، فهو رسول الحكمة إلى الخارج، ينطلق منها ويعود إليها محملًا بثروة المعرفة، ومنتوج الخبرة. واعتبرنا الحكمةَ رمزًا للأنوثة في الرجال والنساء، على السواء، والعقلَ رمزًا للذكورة في النساء والرجال[5]. وإذا ما أردنا تحديد معنى الحكمة، يمكننا القول إنها وحدة العقل (النظري) الخالص والعقل العملي، إذا استعملنا مفردات كانط؛ لأن الإنسان كائن عاقل وأخلاقي، وليس من أولية منطقية أو تاريخية للعقل على الأخلاق أو العكس، بل إن الإنسان عاقل لأنه أخلاقي، وأخلاقي لأنه عاقل[6].

العقل لا يذهب إلى الحق والخير والجمال من تلقاء ذاته، على نحو ما تفعل الحكمة؛ بل يمكن أن يصير عبدًا للأنانية، تسيِّره الأهواء، وتقوده النزوات والرغبات الفردية، وتغويه الأنانية والطمع والجشع ويكسره الخوف، فلا يختلف، في هذه الأحوال، عن الغريزة في شيء ولا يزيد عليها أو يفضُلها، سوى في الحيلة والمكر والدهاء، ويمكن أن يصير أداة للمصالح الخاصة العمياء. وذلكم هو “العقل الأداتي” في الحالين، والأحرى أن يسمى ذكاء.

لا شك في أن العقل يميز الحق من الباطل، والخير من الشر، والجميل من القبيح.. ولكنه يمكن أن يميل إلى الباطل، ويجنح إلى الشر، ويمكن أن يسوِّغ القباحة، كما يسوِّغ الحروب والنزاعات، ويبرر التبعية والاستغلال والاضطهاد… ويمكن أن يغلو ويتطرف، ويستبد، ويتسلط، ويؤثر القوة والعنف، أما الحكمة فليست كذلك، وإلا لما امتاز الإنسان من سائر الكائنات الحية بملَكة التحسُّن الذاتي؛ فهو يحسن ذاته، بقدر ما يحسن عالمه الفيزيقي والأخلاقي. الحكمة هي ملكة التحسن الذاتي بما هي الأنوثة والذوق والحب، في الذكور والإناث، في الرجال والنساء.

المزايا التي نسبناها إلى الحكمة تطرح السؤال الآتي: هل يجب إنزالُ العقل عن العرش الذي تربع عليه، منذ آلاف السنين، وجعلُه في المرتبة الثانية بعد الحكمة، أو حتى إقالتُه والاستغناء عن خدماته؟ أو بقول آخر: هل يجب إنزال الذكورة عن عرشها الذي احتلته منذ أول تقسيم جنسي للعمل؟ من الصعب أن نجيب عن السؤال قبل أن ننظر في طبيعة الحياة الإنسانية، باعتبارها وحدة التفكير والإدراك والتقدير والتدبير، وقبل أن ننظر في الطبيعة البشرية، لا من خلال ملكة التحسن الذاتي، والقدرة على مراجعة الذات، والتعلم من الخطأ، والرجوع عنه فقط، بل من خلال وحدة الأنوثة والذكورة، التي بموجبها فقط يكون الفرد الإنساني (الذكر والأنثى) كائنًا كليًا، عاقلًا وأخلاقيًا، مشاركًا في الجنس البشري والحياة النوعية، على قدم المساواة.

نحن نعيش في عالمين: عالم فيزيقي، هو الطبيعة؛ وعالم أخلاقي، هو المجتمع، بحسب إيمانويل كانط. في هذه الحال، يكون معنى التاريخ هو العمل على جعل العالمين عالمًا واحدًا يليق بالإنسان، وهذا مشروط بوحدة الحكمة والعقل؛ الحكمة تنظم علاقات الأفراد والجماعات بالعالم الأخلاقي، والعقل ينظم علاقاتهم بالعالم الفيزيقي. هذا هو المغزى العميق لوحدة الذكورة والأنوثة، في الإناث والذكور والنساء والرجال، والأساس الذي ينهض عليه تساوي النساء والرجال، في الكرامة الإنسانية والحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والسبيل الوحيد للخروج من “القصور الذاتي”.

وإلى ذلك كله، يمكن تعريف السياسة بأنها طريقة ممارسة السلطة، في جميع مستوياتها، وفقًا لمبادئ المدنية وقيمها ومناهجها، أو وفقًا لمبادئ الحداثة وقيمها ومناهجها، ولا فرق، وعلى رأس هذه المبادئ حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن/ـة. ومن ثم، تكون السياسة تعبيرا عن سيرورة ارتقاء الإنسان من مجرد كائن طبيعي مسوق بسائق حاجاته الطبيعية ونزواته وأهوائه، إلى كائن اجتماعي، ثم إلى كائن سياسي، ثم إلى كائن أخلاقي، يتحلى بقيم الحق والخير والجمال؛ أي إن السياسة هي سيرورة تطور يفضي إلى حياة أخلاقية عامة وكونية، على صعيد الفرد وعلى صعيد المجتمع، وعلى صعيد مجتمع الدول والجماعة الإنسانية. لذلك، يبدو لنا أن إمكان السياسة في مجتمعنا مرهون بتغيير قواعد إنتاج السلطة وآليات اشتغالها، وأشكال ممارستها.

لذلك نقترح إعادة التفكير في مفهوم “التأخر التاريخي”، ومفهوم “الفوات”، اللذين بلورهما عبد الله العروي وياسين الحافظ، والتوسع في معنى “القصور الذاتي”، عند كانط، وتضمينه بعدًا جمعيًا. فمن أبرز مظاهر القصور الذاتي الجمعي، في المجتمعات العربية، الاحتباسُ الذاتي داخل أسوار الحضارة العربية أو الإسلامية، والخوف من الحرية، والاستنكاف الاختياري عن المشاركة في الثقافة الإنسانية؛ لهذا كله وغيره، لا تزال السياسة في هذه المجتمعات محكومة بعلاقة الراعي والرعية (السيد والتابع)، وهي علاقة مؤثَّلة في الثقافة العربية والثقافة الإسلامية. ومن ثم، إن الفرد في هذه الثقافة لا يزال، بوجه عام، في منزلة بين منزلتين: منزلة الفرد الطبيعي ومنزلة الكائن الاجتماعي، ولم يرتقِ بعدُ إلى مستوى الكائن السياسي الحر والمسؤول، أي إلى مستوى المواطن/ـة، بحكم البداوة، التي لا تزال حية في ثنايا الحضارة الموصوفة بالعربية والإسلامية، والحداثة، التي لا تزال إمكانًا محتجزًا داخل أسوار هذه الحضارة وفي سجونها.

قد يقول قائل: أليست المدنية محجرًا وسجنًا؟ بلى؛ ولكنها أوسع من الحضارة، وقابلة للتوسع ومزيد من التوسع.


[1] – عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، بلا تاريخ نشر، ص 12.

[2] – راجع/ي، القاموس المحيط، مادة حكم.

[3] – اقترحنا هذا المفهوم، في كتابنا فخ المساواة، بفضل الإسهام المميز لمصطفى حجازي، في كتابيه الإنسان المقهور والإنسان المهدور، وعرفنا الإنسان المبتور بأنه الرجل الذي يتنكر لأنوثته، والمرأة الخانعة المستسلمة لذكورتها؛ واعتبرنا البتر أساس القهر والهدر.

[4] – ما سماه غرامشي هيمنة أيديولوجية، وسماه غيره هيمنة ناعمة، هو في واقع الحال ضرب من مكر العقل، ودهائه.

[5] – راجع/ي، جاد الكريم الجباعي، فخ المساواة، تأنيث الرجل، تذكير المرأة، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط، 2018.

[6] – هذا لا ينفي أن أحكام القيمة أسبق في الوجود من أحكام الواقع، تبعًا لتطور علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقاته بنظرائه، أي تبعًا لتطور الإدراك، من إدراك حسي، إلى فهم وعقل.