ماذا بعد انسداد آفاق الحل الروسي في سورية؟

المحتويات:

أولًا: مقدمة

ثانيًا: التدخل الروسي

ثالثًا: سياسة روسيا مع اللاعبين الإقليميين

رابعًا: الحل السياسي على الطريقة الروسية

خامسًا: هل ثمة سبيل لمسار سياسي آخر في سورية؟

سادسًا: خاتمة

مقدمة

ردد الروس أكثر من مرة أن الدولة السورية كان يمكن أن تنهار لولا تدخلهم العسكري المباشر في سورية، وقال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، فاليري غيراسيموف، (24 نيسان/ أبريل 2019) إن دعم موسكو العسكري “جنّب الدولة السورية الانهيار تحت ضربات الإرهابيين”.

وأمام خيبة أملهم من النظام العصي على الإصلاح، ولو على الطريقة الروسية، أوردت وكالة الأنباء الفدرالية الروسية أخيرًا أن الفساد الذي يستشري في الحكومة السورية يعوق التعاون بين موسكو ودمشق، وأن الأسد لا يتحكم في الوضع في البلاد، وأن المسؤولين يسرقون عائدات استخراج النفط، وكذبت مزاعم النظام القائلة إن ثمة هجمات إرهابية على محطات توليد الغاز في البادية كانت وراء اضطراب التغذية الكهربائية في الفترة الأخيرة، وأكدت أن الأمر يتعلق بصفقات الفساد على أعلى المستويات[1].

ولم تمض أيام حتى زار وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف دمشق (20 نيسان/ أبريل 2020)، فهل لهذه الزيارة علاقة بما نشرته الوكالة الفدرالية الروسية المقرب رئيسها من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟ مع العلم أن سبب الزيارة المعلن هو مطالبة دول عدة، من بينها سورية وإيران، الأممَ المتحدة برفع العقوبات عن البلدين، وتسهيل جهود مكافحة فيروس كورونا.

أيًا كان سبب الزيارة المؤجلة؛ فإن موضوع هجوم الصحافة الروسية يعكس خيبة الأمل الروسية من تعنت النظام، و”تمرجح” سياساته بين إيران وروسيا من جهة، والرغبة في التفاوض مع الغرب ومقايضة رأس النظام مع مصالح روسيا في سورية، بعد أن أصبح مسار جنيف في حكم المجمد، وتعرقلت أعمال اللجنة الدستورية التي هي ثمرة مسار أستانة، الذي تقوده روسيا.  

التدخل الروسي

منذ البداية، ما كان للنظام أن يستخدم الحل الأمني ضد المنتفضين ويستمر فيه، لولا الدعم الإيراني، ومن ثم الدعم الروسي الذي كان له الدور الحاسم. استثمرت روسيا في المسألة السورية لترد الاعتبار لنفسها، كدولة عظمى وريثة الاتحاد السوفييتي الذي غاب وراء ستارة التاريخ، وبخاصة بعد أن استُبعدت من الإجراءات المتخذة للتخلص من نظام القذافي في ليبيا، وبعد أن أججت الثورة السورية مخاوفها من أن تفقد أيضًا مصالحها في سورية إلى غير رجعة.

بدأ التدخل الروسي دبلوماسيًا، وكان الفيتو الروسي الأول في مجلس الأمن ضد مشروع قرار يدين النظام السوري لانتهاكه حقوق الإنسان في أثناء قمع الانتفاضة (5 تشرين الأول/ أكتوبر2011) مجرد بداية، ثم تتالت الفيتوات الروسية، مدعومة بالصينية، لتعطيل أي دور محتمل للتدخل الفاعل في المأساة السورية، من خلال هذا المجلس المتقادم، وفي ضوء عدم جدية بلدان الغرب في التدخل الفاعل في هذه المسألة.

وتتويجًا للنشاط الدبلوماسي، جاء التدخل العسكري المباشر في 30 أيلول/ سبتمبر 2015، وفرض الروس أنفسهم كلاعب أساسي في سورية، خاصة مع تردد الموقف الأميركي، وربما لحاجته إلى التدخل الروسي من أجل ضبط اللاعبين الإقليميين وأدواتهم من الميليشيات المسلحة التي تكاثرت بلا ضابط، وهددت بانفلات يصعب التحكم في مجرياته.

دخلت روسيا الحرب ضد عدو غير متمايز القواعد والمعالم، مجرد ميليشيات سريعة الحركة ومحدودة التموضع، فاستخدمت القوة التدميرية شبه العمياء وغير المسؤولة لسحق الخصم، وبعثت برسالة واضحة إلى معارضيها وحلفائها الإقليميين بأن إرادتها هي التي ستسود، وفهمت ذلك تركيا ودول الخليج، مثلما فهمت إيران أيضًا. ومن خلال الثغرة السورية، وضعت روسيا نفسها في مواجهة الغرب مرة ثانية، بعد تدخلها في غرب أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، كما استعادت الثقة بأسلحتها وسوّقت لها، فيما دفع الشعب السوري الثمن، مرة أخرى، على مذبح الطموحات الروسية وغيرها.

وبالتوازي مع التدخل العسكري الروسي، أفضت المحادثات الأميركية – الروسية إلى تشكيل “المجموعة الدولية من أجل دعم سورية”، في أواخر عام 2015، التي ضمت كل من إيران والسعودية وتركيا، وتمخضت عن إصدار القرار الأممي 2254، في كانون الأول/ ديسمبر 2015. كما ساهم خفوت حدة المعارك في بعض التقدم، من حيث إيصال المعونات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة.     

ومع ذلك، لم ترُق هذه الجهود الدولية للنظام وحماته الإيرانيين، وظهرت بوادر خلافات مع الروس الذين أحجموا عن دعم الميليشيات المدعومة من إيران في أكثر من معركة، كما في معركة خان طومان (6 أيار/ مايو 2016). لكن هذا “الحرد” الروسي لم يستمر طويلًا، وعادت روسيا للاستثمار في الميليشيات الإيرانية، في الوقت الذي كانت تعد فيه الميليشيا الخاصة بها. 

سياسة روسيا مع اللاعبين الإقليميين

لاقى التدخل الروسي معارضةً شديدة من تركيا الداعمة اللوجستية للفصائل المسلحة، ووصلت ذروة التوتر بين البلدين، حين أسقطت تركيا طائرة حربية روسية شمال اللاذقية نهاية العام 2015، إلى أن تغلبت المصالح وساد الوئام بين الدولتين، عقب محاولة الانقلاب على الرئيس أردوغان عام 2016، والدور الروسي المساند للرئيس أردوغان فيها. من جهة ثانية، أضافت هذه المحاولة شرخًا جديدًا في العلاقات الأميركية – التركية، نظرًا لاتهام المنشق التركي عبد الله غولن المقيم في الولايات المتحدة بالوقوف وراءها. كما لم تؤثر حادثة اغتيال السفير الروسي، أندريه كارلوف، في أنقرة (19 كانون الأول/ ديسمبر 2016)، سلبًا على العلاقات بين الدولتين، وقد انفتحت أمامهما آفاق جديدة للتعاون في سورية.

منذ ذلك الحين، بدأت ثمار التعاون الروسي – التركي بالظهور، فحصلت تركيا على مثلث (جرابلس – إعزاز – الباب) مقابل حلب الشرقية عام 2017، وعفرين مقابل الغوطة الشرقية في بداية عام 2018. في هذه الأثناء، لم تتوقف تركيا عن الحديث حول أمنها القومي وتضخيمه، مستغلةً دخول حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي المسلح، كنسخة عن حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيًا، إلى شمال سورية. وكانت روسيا مستعدة، أو مجبرة، على مقايضة تركيا للهيمنة على المزيد من الأراضي السورية، طالما أن ثمة مصلحة للدولتين في الوقوف ضد الوجود الأميركي الذي يقف حجر عثرة أمام توسعهما معًا في الجزيرة السورية.

في كل الأحوال، تحرص روسيا على عدم إغضاب حليفتها تركيا، وعلى العودة لإبرام اتفاقات جديدة معها، كلما وصلت علاقة التحالف بين الدولتين إلى طريق شبه مسدودة، كما حصل بعد استعادة النظام وحلفائه لأكثر من ثلث مساحة محافظة إدلب في الهجوم الأخير، أواخر 2019. ومع أن هذا الهجوم حقق مكسبًا مهمًا، وهو إعادة فتح الطريق M5 الذي يكمل ربط العاصمة دمشق بمدينة حلب، فإن تركيا قلبت الطاولة في وجه حليفتها روسيا، عندما أدخلت المزيد من القوات إلى إدلب؛ ما جعل دون استمرار تقدّم قوات النظام وحلفائه كثيرًا من المخاطر التي تهدد التفاهمات الروسية – التركية السابقة، وخاصة بعد عودة تركيا للاستقواء بحلف الناتو. من جهة ثانية، يشير فشل تطبيق الاتفاق الروسي – التركي[2] الذي أوقف هذه الجولة من المعارك، وقضى بفتح الطريق M4 وقيام دوريات مشتركة (روسية – تركية) بحمايته، إلى أن ما حصل مجرد هدنة فرضتها -على الأرجح- أزمة كورونا التي تشغل العالم حاليًا.

وبمساعدة الميليشيات المدعومة من إيران، استهدفت روسيا المعارضة المسلحة والجماعات الإسلامية من دون تمييز، ووضعت اللبنة الأساس لتحويل مركز ثقل التأثير في المسألة السورية من الدور الإقليمي إلى الدور الدولي، وصار على الفاعلين الإقليميين أن يمروا عبر بوابة الجهد الدولي، وتحديدًا روسيا والولايات المتحدة، للتأثير في مجريات الأحداث، ومثل ذلك خطوة إلى الأمام لتحييد الصراع الإقليمي ذي اللبوس المذهبي وامتداده الفاعل في سورية. لم يكن ذلك يتوافق مع مصلحة إيران، ولكنها كانت مكرهة على قبول هذه الوقائع، وقد أضحت هزيمتها في سورية قاب قوسين أو أدنى، لولا التدخل الروسي.

من جهة ثانية، لم يكن الدور الروسي في سورية ليكبر ويتسع، لولا الضوء الأخضر الأميركي – الإسرائيلي، في تبادل أدوار غير مكتوب، ربما، للحد من فوضى الجماعات المسلحة، ومنها الميليشيات المدعومة من حليفتها إيران. تلتقي هنا المصلحة الروسية مع الرغبة الأميركية في إدارة المسألة السورية من قبل الغير، ومع المصلحة الإسرائيلية في إبعاد شبح إيران عن حدودها واستمرار إضعاف سورية.

كما احتاجت روسيا إلى “إسرائيل” كوسيط في علاقاتها مع الغرب، مثلما احتاجت “إسرائيل” إلى التنسيق مع روسيا في جهودها للحد من التموضع العسكري الإيراني في سورية، وخاصة في المنطقة الجنوبية الغربية، الأمر الذي يتفق مع المصلحة الروسية في الحد من النفوذ الإيراني المنافس[3]. مع ذلك، لم يخلُ التنسيق الروسي – الإسرائيلي في سورية من لحظات صعبة، كما حصل بعد إسقاط طائرة حربية إسرائيلية في أثناء الهجوم على مواقع إيرانية في سورية (10 شباط/ فبراير 2018)، وبعد إسقاط طائرة الاستطلاع الروسية من قبل وسائط الدفاع الجوية السورية بالخطأ (17 أيلول/ سبتمبر 2018) واتهام روسيا لـ “إسرائيل” بالتسبب بذلك. وفي كل الأحوال، لا يبدو أن ثمة مشكلة في التنسيق الروسي – الإسرائيلي في سورية، بخلاف ما حصل ويحصل، وما قد يحصل، مع كل من إيران وتركيا.

الحل السياسي على الطريقة الروسية

بعد النجاح في صدّ المجموعات المسلحة عسكريًا؛ أقحمت روسيا جهودها السياسية في المسألة السورية منذ عام 2016، فنشطت الدبلوماسية لجمع القوتين الإقليميتين الفاعلتين في سورية معًا، تركيا وإيران، في مؤتمرات أستانة، في تعزيزٍ واضح لموقفها في مواجهة نفوذ الولايات المتحدة. تحقق لروسيا من خلال هذا التحالف أكثر مما كانت ستحققه بالقوة المسلحة العارية، واستولت على ثلاث من مناطق خفض التصعيد التي تم الاتفاق عليها عام 2017 لتبقى الرابعة فقط؛ أي محافظة إدلب وأجزاء من محافظات حلب وحماة واللاذقية، ثم عقدت روسيا مع تركيا اتفاقًا (17 أيلول/ سبتمبر 2018) لم يجر تنفيذه، ثم قامت بدعم هجوم النظام على إدلب (أواخر عام 2019).

في بداية العام 2018، رعت روسيا مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي، ومع أن دول الغرب الفاعلة ومعظم المعارضة قاطعته، فقد تمخض المؤتمر عن تأسيس لجنة لإعادة كتابة الدستور والدعوة لإجراء انتخابات ديمقراطية[4]. ثم انطلقت أعمال اللجنة الدستورية في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وقال غير بيدرسون، المبعوث الأممي إلى سورية، إن الجميع توافقوا على أن “تكون هذه عملية دستورية بقيادة سورية، مملوكة لسورية وتسهلها الأمم المتحدة”[5]. وبعد أقل من شهرين (21 كانون الأول/ ديسمبر 2019) أعلن مجلس الأمن توقف أعمال اللجنة الدستورية.

لقد صار من المعروف أن النظام لا يمكن أن يقبل بأي عملية انتقال سياسية، مهما كانت محدودة، لأنها ستكون بداية العد العكسي لوجوده ذاته، فكان يضع العراقيل دومًا في وجه المفاوضات، ويركز على التفاصيل الإجرائية، طالما لا توجد إرادة دولية لإرغامه على المضي في العملية السياسية، وفي ظروف غير ملائمة ما زالت تهيمن على العلاقات البينية للدول الفاعلة في الملف السوري، إلى أن فرضت أزمة فيروس كورونا نفسها، كأولوية لمعالجتها على المستوى الدولي.

وبعد مرور أربع سنوات على محاولات الحل السياسي على الطريقة الروسية، لم يتحقق اختراق ذو شأن، ولم تستفد روسيا عمليًا من استخدام القوة العسكرية على نحو مفرط، وعادت لتصطدم بإرادة الغرب الرافضة للحل السياسي إلا عبر بوابة مؤتمرات جنيف ذات الصلة بالمسألة السورية، فضلًا على عجز روسيا عن التصدي لعمليتي إعادة الإعمار وعودة المهجرين، إذ تحتاج هاتان المشكلتان إلى جهود تتجاوز قدرات روسيا بكثير، حتى لو افترضنا وجود الصدقية والثقة، وتتطلب تعاون الدول الممولة في الغرب والخليج[6]. كما أن أقصى ما يمكن أن يصل إليه الحل الروسي المزعوم هو إعادة إنتاج النظام، من خلال إحداث تغييرات شكلية تستند أساسًا إلى إعادة هيكلة الجيش والقوى الأمنية لتكون تابعةً لها، ما يضمن استمرار هيمنتها على مفاصل السلطة السياسية والمرافق الاقتصادية المهمة، وقد اتّضح أن المهمة العسكرية كانت أسهل بكثير على روسيا، وأن استثمار “النجاحات” العسكرية، سياسيًا، دونه خرط القتاد.

من جهة أخرى، لا ينحصر الدور الأميركي في سورية على المساحة التي تهيمن عليها، إنما على قدرتها على إرباك سياسات الأطراف الأخرى ذات النفوذ، وعلى تعطيل أي حل سياسي لا يُرضيها، واشتراطها إجراء عملية انتقال سياسية قبل إعادة الإعمار، ما يسهل عودة المهجرين على نطاق واسع ويُطلق عملية إعادة الإعمار، ولولا الوجود الأميركي في الجزيرة السورية؛ لكانت روسيا قد فرضت إرادتها على كامل الجغرافية السورية في نهاية المطاف.

هل ثمة سبيل لمسار سياسي آخر في سورية؟

وضع الاتفاق الروسي – التركي الأخير، حول إدلب[7] (5 آذار/ مارس 2020)، حدًا لإمكانية حدوث معارك حقيقية ذات شأن، ويبدو أن موضوع المنظمات المتطرفة ستتم معالجته على نار هادئة، وبالارتباط مع التقدم الذي قد يتحقق في الأشهر أو السنة القادمة من ضمن خطوات حل سياسي ما، لم تتضح معالمه بعدُ، وتتمثل مؤشرات اقترابه باستباق روسيا لاستحقاقات قد تجعلها تخسر كثيرًا من المكاسب التي حققتها في سورية، ومنها تطبيق قانون سيزر في حزيران/ يونيو القادم، ما قد يجعلها تقبل بالتعاون مع الغرب على “حلحلة” الاستعطاء الحالي باتجاه الاتفاق على مخرج سياسي، ولا سيما أن خريطة النفوذ الدولي في سورية قد اكتملت، ولن تحدث تغيرات جوهرية عليها من دون أن تتسبب في صدامات لن تخرج روسيا منها من دون تصدع علاقاتها مع تركيا والغرب.

هكذا، يمكن أن تكون الظروف ملائمة الآن، أكثر من أي وقت مضى، لتجلس الدول المعنية مباشرة بالمسألة السورية، وهي الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران، و”إسرائيل” من وراء الستار، كاحتمال أول، على طاولة المفاوضات وتتفق على شكل سورية المستقبلي، وتحدد للأطراف السورية المرتبطة بها ما يجب فعله في المدى المنظور، من ضمن ترتيبات الحكم الانتقالي التي لا يمكن استثناء ممثلي الأكراد منها هذه المرة. الاحتمال الثاني هو أن تكون المفاوضات ثلاثية، أميركية – روسية – تركية، بعد أن يتم إضعاف الوجود الإيراني بالقوة الإسرائيلية وزيادة الضغط بتشديد العقوبات الأميركية، ما يجعل المفاوضات أكثر سهولة مع رجحان للكفة الأميركية.

وفي حال تحقق استشرافنا هذا، فسيتم طيّ ملف “اللجنة الدستورية”، كثمرة لمسار أستانة، وقد فرضتها ظروف استنكاف الغرب وإحجامه عن تحمل مسؤولياته تجاه المسألة السورية، أو اعتبارها جزءًا من عملية التفاوض الشاملة. كما أن مسار جنيف تقادم وتجاوزته التطورات السياسية والعسكرية في الأعوام القليلة الماضية، ولا ينفي ذلك إمكانية تحديثه وإخراج الحل من خلال المنظمة الدولية.

ومما يرجح ذلك، تابعية الأطراف السورية (النظام والمعارضة) للدول المذكورة أعلاه، بطريقة أو بأخرى، وضعف دورها وعجزها عن إحداث فرق يعتدّ به في ميزان القوى المتحكمة بالشأن السوري، فقد عجزت المعارضة عن الخروج ببرنامج إنقاذي موحد أو التمايز عن الجماعات المتطرفة، في حين لم يعد بالإمكان إخفاء تصدّع جبهة النظام والصراعات التي انتقلت إلى نواته الصلبة هذه المرة، والتي لا يمكن فصلها عن الصراع الحاصل بين روسيا وإيران للسيطرة على مؤسساته[8]. كما تزايدت عمليات السطو على ما تبقى من الموارد الوطنية، ونشطت مافيات المخدرات لتشكل مشكلة للدول المجاورة والعالم.

لقد مثل الخضوع الروسي للضغوط الدولية من أجل وقف معركة إدلب الأخيرة، والاتفاق الروسي – التركي التالي، اعترافًا روسيًا بأن الحملات العسكرية لم تعد ممكنة، وأن ذلك سيضع روسيا في مواجهات سياسية، وربما عسكرية، غير محسومة النتائج مع تركيا والغرب، وهذا ما يدفع إلى البحث عن مخرج سياسي، وربما التضحية، مبدئيًا، برأس النظام، ومن ثم العمل على إحداث تغيير تدريجي في بنية النظام. تتوافق هذه الرؤية مع السيناريو الثالث، لتطور الأوضاع في سورية، الذي أوردته دراسة سابقة لفريق الدراسات السياسية في مركز حرمون للدراسات المعاصرة[9]، وقد بات الآن مرجحًا أكثر من أي وقت مضى.

بالنسبة إلى السوريين، من الأفضل أن يتضمن سيناريو الحلّ (الذي ستتفق عليه هذه الدول) وحدة الأراضي السورية، وأن يحصل الانسحاب التدريجي بعد أن يتم أخذ مصالح الدول المعنية بالحسبان، كما أن هناك مصلحة عامة في ضمان الأمن القومي التركي والمصالح الاقتصادية والسياسية لكل من روسيا وإيران وربما المصلحة الأميركية، في الإبقاء على بعض القواعد المرتبطة بلجم التمدد الإيراني شرق المتوسط، وذلك من خلال اتفاقات واضحة المعالم لا تتعارض مع السيادة السورية.

خاتمة

يبدو أن روسيا مضطرة إلى الاقتناع هذه المرة بأن لا حل يصمد في سورية من دون العودة إلى التعاون الدولي، ومعالجة الأسباب التي أوصلت الأمور إلى ما آلت إليه؛ أي بإحلال نظام تعددي محل الاستبداد، على نحو تدريجي، بحيث يستعيد السوريون الحد الأدنى من حرياتهم وإراداتهم التي شلّها وشوّهها نظام حكم الأجهزة الأمنية، ما يمهد لاستتباب طويل الأمد، وعودة معظم من غادروا “الجحيم السوري”، وإعادة بناء سورية على أسس حديثة وديمقراطية، وبغير ذلك؛ ستستمر حالة التعفن وربما تضيع سورية كدولة موحدة.


[1] https://m.arabi21.com/Story/1262391

[2] رفضت “هيئة تحرير الشام” فتح الطريق من خلال وضع حواجز بشرية عليه وتفجير أحد الجسور.

[3] انظر تصريح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف (30 أيار/ مايو 2018) حول ضرورة خروج جميع القوات الأجنبية من منطقة خفض التصعيد في جنوب سورية، وكان يقصد، علاوة على القوات الأميركية في قاعدة التنف، الميليشيات المدعومة من إيران، وقد انتقد مستشار وزير الخارجية الإيراني، حسين شيخ الإسلام، هذه المطالبة الروسية بشدّة.

[4] https://www.bbc.com/arabic/amp/middleeast-42098675

[5] https://news.un.org/ar/story/2019/10/1042681

[6] في هذا الصدد، يمكن مراجعة ما قاله المبعوث الأميركي الخاص لسورية، جيمس جيفري، في مجلس الأمن الدولي بأن بلاده لن تساهم في إعادة إعمار الأراضي السورية الخاضعة لسيطرة دمشق، لحين رؤية “عملية سياسية جديرة بالثقة ولا رجعة عنها”، وبأن هذا الموقف “يتماشى مع آراء العديد من شركائنا الأوروبيين والشرق أوسطيين” (22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019).

[7] نص الاتفاق على وقف الأنشطة العسكرية وإنشاء ممر آمن بعرض 6 كم شمال الطريق M4 وجنوبه، وتسيير دوريات تركية وروسية مشتركة، وتسهيل عودة المدنيين إلى أماكن إقامتهم الأصلية ومكافحة الإرهاب بكل أشكاله.

[8] في الإشارة إلى تسجيلات رجل الأعمال رامي مخلوف على موقع (فيسبوك) التي كشف من خلالها عن خلافات جدية على تقاسم الثروات المنهوبة.

[9] سيناريوهات تطور الأوضاع في سورية، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، كانون الأول/ ديسمبر 2019، ص 25.