الحصانة والوباء: مقاربات في المخاطر والصيدلة والسياسة والأخلاق

المحتويات:

أولًا: المخاطر أو تكتكتة القنبلة

ثانيًا: التأخر التاريخي للصيدلة

  • شركات الأدوية وذهنية الربح
  • مكامن التأخر وأسبابه

ثالثًا: الأخلاق الكونية وتقاطعات الصحة والحرية، ألمانيا وسورية أنموذجًا

  • كونية الحصانة
  • الذاتي والموضوعي، المحلي والعالمي، الداخل والخارج

بقدر ما هي مزعجة هذه الأوضاع الاستثنائية التي يعيشها العالم هذه الأيام، هي مغرية للتفكير فيها، وهذه المساهمة استجابة بسيطة لهذا الإغراء المعاصر. واخترنا أن يكون التفكير في المسألة من جنس دوافعه، فوجَّهنا مقارباتنا وفق منهجية تنظر في المخاطر بوصفها نبوءات علميَّة اليوم، وأزمات وكوارث غدًا. ثم قادنا هذا المنهج إلى الصيدلة، وإلى أسباب إخفاق هذا العلم في نجدتنا، وصولًا إلى مقاربات أكثر اتساعًا في الأفق، فنتناول المسألة الأخلاقية من زاوية تقاطعات الصحة والحرية، متخذين من سورية وألمانيا أنموذجين؛ الأولى بما هي صورة فاقعة معاصرة للمخاطر المتحَققَة، والثانية بما هي مثال للتقدم العلمي والصحي الذي فشل في تحصينها من الوباء. ثم نجرد هذه التقاطعات ونعيد تعيينها في مجالات أوسع، مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان. وصولًا إلى مقاربة أفضل لثنائيات المحلي والكوني، والذاتي والموضوعي، والداخل والخارج.

أولًا: المخاطر أو تكتكة القنبلة

يتضمن التفكير في المخاطر شيئًا من النبوءة، بما هو تحديدٌ يستند إلى رصد إمكانات عالية لتحقّق حدثٍ لم يقع بعد. تستند هذه النبوءة إلى تتبع عقلي لمآلات حقائق راهنة، وبهذا المعنى، يكون الاستشعار السليم للتهديد، والتكهن الصحيح بالضرر، هما أهم مؤشرات الأداء الرئيسة لتقييم مجمل نتائج هذا النوع من التفكير وأدائه. بتعبيرٍ آخر: إن تحديد التهديد وفهمه، ومن ثم تصوّر نتائجه إذا أصبح واقعًا في المستقبل، هو مادة التفكير الأولية في المخاطر.

هكذا يمكن أن نقول إن منهجية التفكير العريضة في المخاطر تقوم على ركيزتين: التحليل والنبوءة، وتبقى هذه المقولة صحيحة ما دام التفكير يقع على المستوى العلمي العقلي المجرد، ولكن ما إن نغادر هذا المستوى، بإضافة بُعد أخلاقي إنساني، حتى ندرك ضرورة وجود مؤشر أداء يتناقض مع الأول. فلا يعود الحكم على نجاح هذه المنهجية متوقفًا على وضع النبوءة الصحيحة، بقدر ما يتوقف على النجاح في منع تحققها في المستقبل، عبر اتخاذ مجموعة من التدابير الاستباقية. هذا يعني أن البعد الأخلاقي للعلم يوجب العمل على منع الكارثة لا التحذير منها فحسب.

إذا تحققت نبوءة نبيّ في أي شيء؛ أمكن أن نقول إن في ذلك دليل صدقه وأحقية نبوءته، ولكن إذا تحققت نبوءة عالمٍ في وقوع ما كان يحذّر من وقوعه، فهذا دليل ضعفنا واستهتارنا، وفشل أنظمتنا الأخلاقية بالدرجة الأولى، والسياسية بالدرجة الثانية. ولذلك، فإن التفكير في المخاطر لا يكون ناجحًا وناجعًا، إلا إذا تضمن العمل على إجهاض كلّ إمكانات تحقق نبوءاته وتوقعاته، لا العمل على تعظيم فرص تحققها كما يفعل أنصار الأنبياء.

كانت الجائحة، التي نشهدها اليوم، نبوءةً -على أقل تقدير منذ ظهورها في 2003 حين سببت “سارس”: المرض نفسه- وكانت تُعرف بـ “كوفيد (1)”، وكان العلماء متأكدين من حدوثها في يومٍ ما، كما هم اليوم متأكدون من أن العالم سيشهد جائحة أنفلونزا أخرى مثلًا، ولكن لا يعرفون متى على وجه التحديد. ومع ذلك لم يتحرك العالم، ولم تأخذ الأنظمة السياسية والصحية الأمر على محمل الجد، إلا عندما رأت الموت والكارثة والخسائر واقعًا ماثلًا فاقعًا! وعند هذه النقطة، لجأ العلم إلى التضامن لمواجهة الفيروس، ومشاركة المعلومات، حتى إن منظمة الصحة العالمية أطلقت تسمية “تجربة التضامن” (Solidarity Trial) على الدراسة الموَّسعة التي أطلقتها أخيرًا بمشاركة خمس وأربعين دولة، بهدف مقارنة سلامة ونجاعة أربعة عقاقير مختلفة أو تركيبات من العقاقير ضد كوفيد-19. ومن اللافت للنظر وصف منظمة الصحة العالمية لهذه التجربة بـ “التاريخية”؛ لأنها وفق تعبير المنظمة “تقلصّ إلى حد كبير الوقت اللازم لتوليد بيّنات متينة عن أنسب الأدوية وأنجعها”[1]. ولنا هنا أن نضع أسئلة منطقية، عن سبب غياب هذا النوع من التضامن قبل الكارثة، وعن سبب غياب هذه المبادرات لمنع حدوث كوارث صحية أخرى تتنبأ بها منظمة الصحة العالمية نفسها: مثلًا تتنبأ المنظمة، ضمن مقال عن مهامها في عام 2019، فتقول بالحرف: “سيشهد العالم جائحة أنفلونزا أخرى، وإن لم نعرف تمامًا وقت تعرضنا لها ومدى وخامتها. ولا تتسم تدابير العالم في مجال الدفاع ضد هذه الجوائح بالفاعلية إلا بقدر فاعلية أضعف حلقات نظم التأهب لمواجهة الطوارئ والاستجابة لها في البلدان”[2].

ويشي هذا المسار بأن العلم يعرف تمامًا أن هناك جائحة أنفلونزا قادمة، ولكنَّه لا يطوّر أي نوع من التضامن الطارئ، الذي يعكس رغبة حقيقية في منع حدوث هذه النبوءة، على غرار “تجربة التضامن التاريخية” التي بدأت بعد وقوع كارثة كوفيد 19. يدفعنا ذلك كله إلى التفكير في البعد الأخلاقي للمسألة العلاجية، وسياسات الصحة العامة.

كان التضامن في حالة كورونا نتيجةً للخوف، ولو أنه كان قبل كورونا نتيجة لدرء الخوف، لكان بالتأكيد تضامنًا أكثر إنسانية، لأنه كان سيكون أكثر أخلاقية، وكان سيجنب البشرية كثيرًا من الموت والخسائر الاقتصادية.

جزء ممّا نشهده اليوم هو الانتقال من مجتمع الطبقات إلى مجتمع المخاطر (risk society) -بتعبيرات عالم الاجتماعي الألماني أورليش بيك- وهو أيضًا انتقال “من التضامن في حالة النَّقص، إلى التضامن في حالة الخوف”، ولمسار التنبؤ بأن جماعة الخوف ستبدأ بمزاحمة جماعة البؤس على مسرح الحياة ما يبرره ويدعمه[3]. وفي الحقيقة هذا ما حمله كورونا اليوم، في أحد أهم جوانب الحياة الإنسانية أهمية، وهو الجانب الصحي، حيث لم يميز كوفيد 19، بين الغني والفقير، كما تفعل الملاريا أو شلل الأطفال، وما إلى هنالك من أمراض الفقراء التي لم يتضامن العالم من أجلها.

بهذا الشكل القائم على الخوف نفسه، يكون التضامن في الحروب أيضًا، وخصوصًا المحليَّة منها، فالتضامن الذي تولد بين أفراد قبيلة التوتسي في راوندا، مثلًا، هو تضامن يستند إلى الخوف، وتحولت أسس التضامن في المجتمع السوري من مجابهة البؤس إلى مواجهة الخوف. ويبدو أن العالم الحالي يتفاعل ويتضامن مع الخوف الكوني المعمم، الذي لا يتشكل بالنبوءة، بل يولد لحظة وقوع الكارثة، والذي لا يتعمم عالميًا بكارثة محدودة الجغرافيا كالحروب، بل بكارثة عابرة للحدود تساوي بين الجميع بتوزيع التهديد والموت.

تصبح هذه المقاربة مهمة لمستقبل الإنسانية؛ لأن التعرض للمخاطر لا يوصل بالضرورة إلى الوعي بوجود التهديد، بل قد يحدث عكس ذلك، وهو ما يسميه أولريش بيك “النفي الذي يثيره الخوف”؛ فنحن نميل إلى نفي وجود ما يخيفنا. وفي الوقت الذي لا يمكن إسكات الجوع بمجرد نفيه، يمكن تجاهل التهديدات طالما أنها لم تتحقق بعد. وتأتي مجمل تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول كورونا في هذا السياق، حيث إنها تراوح بين التطمين النزَّاع إلى النكران، وبين الكلام عن ضرورة فتح الاقتصاد. مثلًا، صرَّح في 17 نيسان/ أبريل بأن عدد الوفيات سيكون أقل، وطرح خطة لفتح الاقتصاد، في حين تشير الدلائل العلمية إلى أن الوفيات ما زالت بتصاعد، وحالات الإصابة بازدياد، والولايات المتحدة تواجه كارثة حقيقية تستدعي المزيد من التشدد في إجراءات الحجر الصحي. ولا يبدو أن تعرض الرئاسة الأميركية للمخاطرة يوحي أبدًا بوعيها به كمؤسسة، وهي مثال أنموذجي هنا، يمكن تعميمه على كثير من المؤسسات؛ حيث يبدو كما لو أن التهديدات لم تعد تثير المؤسسة الرئاسية، بل ما يثيرها هم الذين يشيرون إلى وجود هذه التهديدات. في هذا السياق فقط، يمكن فهم تغريدات ترامب التي نادى فيها بـ “تحرير” ثلاث ولايات، حيث قال في ثلاث تغريدات متتابعة: “حرروا مينيسوتا، “حرروا ميشيغان”، و”حرروا فرجينيا إنها تحت الحصار”! وتشهد هذه الولايات تظاهرات ضد قرارات الحجر، ويحكمها ديمقراطيون. تنتمي هذه الظاهرة الترامبية التي نشهدها اليوم إلى استنتاج سابق، وضعه أورليش بيك، مفاده أن العجز يؤدي إلى التطرف[4]، فعدم قدرة ترامب العقلية على إدراك التهديد، وما يواجه من عجز إزاءه، يعزز لديه ردات فعل وحركات متطرفة ومتشنجة.

يبقى هذا النوع من النكران -على الرغم من اعتلاله- أهوَن من نكران الأنظمة الشمولية، القمعية، الذي يصل إلى درجةٍ، بقدر ما هي مأسوية، هي مثيرة للهزل، كأن يعلن النظام السوري -بعد أشهر من الجائحة- أن عدد المصابين في سورية أربعة أو خمسة، وكوريا الشمالية تظل “محصَّنة”، ويبقى الغموض يكتنف الوضع الحقيقي للإصابات والوفيات في إيران، ومؤشرات كثيرة على تلاعب الصين بأعداد الإصابات والوفيات، الأمر الذي من الممكن أن يكون قد ورَّط العالم بأسره.

لن تتوقف المشكلة عند هذه الجائحة، فكورونا قنبلة وانفجرت، ولكننا نسمع الآن تكتكات كثير من القنابل، منها ما يمكن أن يكون أخطر. على سبيل المثال، يشكل انتهاء فعالية المضادات الحيوية بسبب مقاومة البكتيريا لها، تهديدًا للشكل الحالي الذي نعرفه عن الطب، لأنه ما إن تفقد المضادات الحيوية فاعليتها -وهذا على وشك الحدوث- حتى يصبح جرحٌ صغير، أو التهاب في البلعوم، على سبيل المثال، كافيًا ليكون سببًا للوفاة. ومع ذلك لا يزال الاستثمار في تطوير المضادات الحيوية الجديدة محدودًا جدًا. على الرغم من أن هذه النبوءة أصبحت معروفة وواضحة عالميًا[5]. ولن يتوقف الموضوع على الجانب الصحي فحسب، بل سيكون له انعكاساته الاقتصادية، حيث إن مقاومة المضادات الحيوية ستمارس عبئًا على الناتج المحلي الإجمالي العالمي (Global GDP) يقدر بحوالي 3.5%، بين عامي 2017 و2050[6]. إضافة إلى مجموع وفيات يصل إلى عشرة ملايين حالة وفاة حتى تلك السنة[7]، للسبب نفسه. ومع ذلك كله، لا يمكن رصد إلا تحركات خجولة هنا وهناك، واستجابات بطيئة لدعوات إجهاض هذه النبوءة.

ويفيد التقرير الأخير للمخاطر العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2020، بأن النظام الصحي العالمي، الذي يبدو متقدمًا، يحمل كوارث كثيرة كامنة، وهو مليء بالمخاطر. وخصص التقرير جزأه الأخير للتحذير من الضغوط الجديدة التي يتعرض لها النظام الصحي، تحت عنوان لافت جدًا، هو الإيجابية الزائفة (False Positive)، ويتطرق هذا التقرير إلى حقيقة مروّعة، ويقول بوضوح: “لا يوجد ضمانات بأن النظام الصحي سيستمر في تحسين الصحة”[8]. ويفيد بأن مقاومة المضادات الحيوية ستؤدي إلى نتائج كارثية، كأن تصبح الجراحات الروتينية اليوم شيئًا مستحيلًا، أو أن تصبح الالتهابات العادية البسيطة، وبعض الأمراض البسيطة، مهددةً لحياة الإنسان مرة أخرى.  

وفي الحقيقة، لا تقتصر المخاطر على النظام الصحي والبيئي فحسب، فنحن -بحسب أولريش بيك- نعيش في ما سمّاه منذ عام 1992 بـ “مجتمع المخاطر العالمي“، الذي يشمل كذلك سلسلة من التغيرات المترابطة المتداخلة في حياتنا الاجتماعية المعاصرة. ومن جملة هذه التغيرات: التقلب في أنماط العمالة والاستخدام؛ تزايد الإحساس بانعدام الأمن الوظيفي؛ انحصار أثر العادات والتقاليد على الهوية الشخصية، إلى ما هنالك من مخاطر ذات أثر كوني. ويتمثل جانبٌ مهمٌ، من مجتمع المخاطرة، في أن الأخطار تنتشر وتبرز بصرف النظر عن الاعتبارات الزمانية والمكانية والاجتماعية. وهي تؤثر في جميع البلدان والطبقات الاجتماعية، وتكون لها آثار شخصية وعالمية في الوقت نفسه. وكثير من الأخطار المصنَّعة، بفعل التطور والعولمة، تتجاوز حدود البلدان وتتعدى نطاقها القومي، ولا سيما في ميدان الصحة والبيئة. مثلًا، يقدّم الانفجار الذي وقع في منشآت الطاقة النوويّة، في تشيرنوبل في أوكرانيا، عام 1986 مثالًا صارخًا على ذلك. حيث تعرض السكان المحليون -بصرف النظر عن الطبقة والجنس والمكانة الاجتماعية- لمستويات خطيرة من الإشعاع. كما أن آثار الحادث امتدت في الوقت نفسه إلى ما هو أبعد من منطقة تشيرنوبل نفسها، وانتشرت درجات عالية من الإشعاع في أوروبا بعد زمن طويل من وقوع الانفجار[9].    

نريد من مجمل هذا المدخل السابق أن يخدمنا منهجيًا لنقاش المسائل الثلاث الآتية:

المسألة الأولى: كان من الممكن تفادي حدوث جائحة كورونا، لأن العلم تنبأ بها، فما الذي حصل؟ وهنا نتناول ما نسميه التأخر التاريخي للصيدلة، الظاهرة والأسباب.

المسألة الثانية: يوجد نبوءات مشابهة لسيناريو الجائحة -وربما أسوأ- ماضية إلى الآن باتجاه تحقق مؤكد، من دون أن نعمل على تفاديها. وهنا نتناول ديمقراطية الصيدلة، وكونية الحصانة.

المسألة الثالثة: التفكير الجدّي في ضرورة مراجعة المنظومة الأخلاقية الطبية الكونية في ظل تحقق الكارثة. أي الأخلاق الكونية، وتقاطعات الصحة والحرية. وفي سياق نقاشنا لهذه المسألة، نتخذ من سورية وألمانيا أنموذجين، الأولى بما هي صورة فاقعة معاصرة للمخاطر المتحققة، والثانية بما هي مثال للتقدم العلمي والصحي، الذي فشل في تحصينها من الوباء.

ثانيًا: التأخر التاريخي للصيدلة

على الرغم من التطور الكبير في التشخيص الذي حصل في السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من التطور الكبير في قدرة الطب على كشف الأمراض وتحديدها، وفهمها؛ فإن قائمة الأمراض غير القابلة للعلاج أو ما يُعرف بـ “الأمراض المستعصية” (incurable diseases) ما زالت كبيرة ولم تتقلص. ويترافق هذا الأمر مع ظاهرة لافتة، وهي الفجوة أو الانفصال الذي يزداد رسوخًا، بين التشخيص والعلاج في التطور الحالي للطب. والمستغرب أكثر، عدم وجود مشروع يجعلنا نترقب علاجًا قريبًا للكم الأعظم من الأمراض المستعصية، في حين أن هذا النوع من الأمراض يزداد عددًا، بفعل تطور إمكانات التشخيص، وفهم الأمراض، باستخدام قدرات استدلال طبية عالية.

في بداية القرن، كانت نسبة الوفيات بالأمراض الحادة تقترب من 40%، وفي عام 1980 لم تتجاوز هذه النسبة 1%؛ بالمقابل ازدادت نسبة الأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنة من 46% إلى 80% في الحقبة الزمنية نفسها[10].

تشمل هذه الأمراض المستعصية مجموعة من الأمراض المنتشرة التي تؤثر في الإنسانية بالمجمل مثل: الشيزوفرينيا، السكري، الباركينسون، التصلب المتعدد (multiple sclerosis)، الذئبة (lupus)، الإيدز، الزهايمر إلى آخر هذه القائمة التي تطول جدًا وتظل مستعصية، على الرغم من تطور معرفتنا بها على المستويات الإيتولوجية والباثولوجية والإكلينيكية والتشخيصية إلى حدٍ كبير..

نجد المشكلة نفسها في الوضع الماثل أمامنا اليوم، في مواجهة جائحة كوفيد 19، فالفيروس معروف جدًا، وتبدو معرفته أمرًا يسيرًا، ولم يمضِ شهر، أو شهرين، حتى عرفنا عن الفيروس كل شيء تقريبًا، ميكروبيًا، وسريريًا. ونستطيع اليوم -بسهولة بالغة- تشخيص الإصابة قبل ظهور أي من الأعراض، ولكننا لم نتمكن من تطوير دواء أو لقاح له بالسرعة نفسها، على الرغم من الحاجة الماسة إلى ذلك. صحيحٌ أن شهورًا قليلة لا تكفي لتطوير دواء واختباره، ولكن كان يمكن لرحلة البحث هذه أن تنطلق منذ الظهور الأول لـ “كوفيد 1” في 2003، حين ظهر الفيروس، وسبب المرض نفسه المسمّى “سارس”: (SARS: Sever Acute Respiratory Syndrome) ولكن لم تنطلق هذه البحوث، وراهن العالم على أنه نفذ من “كوفيد” في عام 2003، ومن ثم تُركت القنبلة لتنفجر بشكلٍ مدهش الآن، مدهش لأننا كنا نعيش مع تكتكاتها، ولا نلقي لها بالًا. فأي نوعٍ من الأخلاق، والوعي، يحكم هذا المسار الانتحاري؟ لماذا لا تتطور الصيدلة بشكلٍ موازٍ لتطور الطب، وباقي العلوم مثل التكنولوجيا والفيزياء والميكانيك؟

نسمي هذه الظاهرة بـ “التأخر التاريخي لعلم الصيدلة”، ونحمّل هذا التأخر التاريخي مسؤولية ما نحن فيه اليوم، من موتٍ وفاقة وعجز أمام كوفيد 19. ولتفسير هذا التأخر وأسبابه نضع الفرضية الآتية:

يؤدي احتكار شركات الأدوية للبحث العلمي إلى قيام البحوث وفق منطق الربح، بوصفه هدف الشركات الأول والأسمى، وتبعًا لذلك لا يتم الاستثمار إلا بما يشكل فرصةً للربح. وبما أن المريض ليس دائمًا قادرًا على دفع الفاتورة، فإن البحوث توجه لتطوير دواءٍ لأمراض المقتدرين، وللذين يشكلون بمجموعهم فرصةً ثمينة للصيد المادي (Opportunity). وبما أن المخاطر خارج هذه المعادلة الاقتصادية، فهي خارج اهتمام شركات الأدوية، ومن ثم خارج اهتمام البحث الدوائي، لأن شركات الأدوية تحتكر هذا البحث.

ولنقاش هذه الفرضية، نضع أولًا عرضًا مقتضبًا لآلية العمل التسويقية في شركات الأدوية، وطرقها في جمع المال، وآلية اتخاذ القرارات فيها. ثم نحدد مكامن التأخر التاريخي، ومسببات استمراريته في المنظومة القانونية والاقتصادية العالمية.

  • شركات الأدوية وذهنية الربح

 شركات الأدوية الموجودة في العالم نوعان: الأول هو الشركات المتعددة الجنسيات العابرة للقارات، والتي تنتج ما يعرف بالدواء الأصل (Brand)، والثاني هو الشركات التي تعمل على إنتاج ما يُعرف بالدواء الجنيس (Generic)، والتي غالبًا ما تكون محلية. تمتلك الأولى مختبرات للبحوث والتطوير، وهي التي تحتكر تطوير الأدوية الجديدة، ولها تأثير عنكبوتي في الأنظمة الصحية، وهذا التأثير تدعمه باستمرار آلة تسويقية ضخمة منتشرة على امتداد الأرض، تعمل على إدارة المناقصات، والمبيعات، والعقود، والأهم أنها تعمل، على نحو منهجي وحثيث، على زيادة الوصفات الطبية للأدوية المصنعة، وذلك من خلال مندوبي المبيعات الذين يقومون بزيارات دورية للأطباء، تحت عنوان عريض هو “الدعاية العلمية”. ولا تخلو هذه الزيارات من سلوكاتٍ تسويقية مشبوهة، واستغلال للعلاقات، وهدايا ترويجية، وسفرات سياحية مقابل الوصفات. بل وصل الحد عند بعض شركات الأدوية إلى دفع رشوات مادية مقابل الوصفات، وفي تطورٍ ملفت، فقد تسرّب، منذ ما يقارب ست سنوات، أن شركة GSK البريطانية، وهي واحدة من أكبر شركات الأدوية في العالم، تقدّم خدماتٍ جنسية في الصين، مقابل تشجيع الأطباء والموظفين الرسميين على استخدام الدواء وشرائه بهدف زيادة المبيعات، فضلًا على دفع الرّشاوى في الأردن ولبنان والعراق وبولاندا[11].

وعند التمعن في الأدبيات الداخلية لشركات الأدوية، وطريقة تصنيفها للأطباء؛ تجد أن هدف الشركة هو تحويل الطبيب إلى أداة من أدواتها، ومؤشر أداء موظفيها الرئيس هو مدى النجاح في ذلك. مثلًا، تصنف الشركات الأطباء اعتمادًا على معيارين اثنين، هما متوسط عدد المرضى الذين يداويهم، ومتوسط وَصفات الدواء التي يكتبها من أدوية الشركة، وبناءً على ذلك، تحدد حجم الاستثمار فيه. وإذا كان الطبيب ممَن يسمون بـ “قادة الرأي” (Key opinion leader)، وله تأثير على طلابه، وزملائه، مثل رؤساء الأقسام والأطباء الأساتذة مثلًا، فيكون هذا هدفًا رئيسًا للشركات. وتسيطر على أدبيات الشركات كلماتٌ مثل: المبيعات، النمو، العمولات، الهدايا، العينات، السفريات، الفعاليات (تقام في الفنادق)، الفرص الكامنة، سلم البيع، البضائع المجانية (البونص)، إلى آخر هذه القائمة التي يندر أن تجد فيها تعبيرات إنسانية، بل طبية. هم بالعموم يستخدمون لغةً تصف السلوك ولا تهتم بالجوهر، لغة تملأ الذهن بالصور على الدوام، سواء عند الطبيب أو عند الموظف، لغة من شأنها -إذا سادت- أن تعرقل نمو المفاهيم العقلية وقدرة الإنسان على التعبير عنها، وتكوّن وعيًا زائفًا منيعًا يسهّل إخضاع الأطباء، وموظفي الشركة، على حدٍ سواء. وتكون المحصلة وصفات ليس العلاج هدفها الوحيد، بل ينضم العلاج إلى شبكة المصالح الذاتية، والاقتصادية.

تصرف شركات الأدوية بمعدل 5000 دولار أميركي سنويًا على الطبيب الواحد في الولايات المتحدة، وبمعدل 2500 دولار أميركي في المملكة المتحدة، و2000 دولار أميركي في تركيا، حيث يبلغ متوسط دخل الطبيب السنوي حوالي 4500 دولار أميركي[12].

 وفي الوقت التي تتعزز هذه المنظومة باحتكار الشركات للمعلومات الدوائية، أو لمعظمها، فإنها أيضًا تتعزز بسلطة الطبيب التي يمارسها على مرضاه، فلا يترك لهم حقًا في الاعتراض، أو في تصور فهمٍ دقيق لسبب وصف هذا الدواء، وآلية عمله، والكيفية التي سيعالج فيها هذا المرض، وسبب اختياره من بين بدائل أخرى. هذه السطوة لا تكتفي بالتسلط المهني بل تتعداه إلى احتكار المعرفة والحقيقة، فتدخل في عداد الأمراض ما كان يُفهم على أنه من شؤون الحياة اليومية العادية، مثل الحمل والولادة.

يمكن أن نقول إن الدواء أصبح سلعة، تخضع لقوانين التسويق أيضًا، مع خصوصية واحدة هي أن المستهلك النهائي ليس صاحب القرار في ما سيستهلك، بل هو مضطر إلى أن يستهلك ما يقوله له الطبيب. فـ “الزبون” هو الطبيب الذي يكتب الوصفة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الطلب يبقى مرتفعًا إذا ظلت الأمراض مزمنة، لا إذا حقق الدواء غرضه الأسمى في المداواة التامة، وإنهاء المرض كليًا. وعلى ذلك؛ لنفهم الموضوع أكثر علينا أن نتمعن في أن وصفة واحدة لدواء يعالج السكري يقوم المريض بتكرارها دائمًا، وتؤدي إلى استهلاك عشرات العلب، تكون قيمتها أعلى بكثير من وصفة مضاد حيوي، يستهلك المريض منها علبة واحدة فقط ويشفى لاحقًا.. وبناءً على هذه المعطيات الربحية، تقوم شركات الأدوية باتخاذ قرارات البحوث، والتصنيع، ومن ثم شكل علم الصيدلة الحديث بالمجمل.

  • مكامن التأخر وأسبابه

يؤدي اختطاف علم الصيدلة من قبل الشركات الربحية، والتسليع الوحشي للدواء، إلى تأخر هذا العلم قياسًا بالمأمول الأخلاقي منه، ومقارنةً مع العلوم الطبية الأخرى. ويمكن أن تتم رؤية التوحش الرأسمالي بوضوح. يتجسد هذا التوحش عندما نقرأ مثلًا في تقرير المخاطر العالمي لعام 2020 العبارة التالية: “تعدنا الأدوية التخصصية الجديدة، فائقة التعقيد، بتطور جذري في علاج الأمراض الخطيرة، ولكن أسعار هذه الأدوية مبالغ فيها إلى حدٍ كبير، على سبيل المثال، تصل تكلفة ثلاثة علاجات خلوية وجينية طرحت أخيرًا في الأسواق إلى 2 مليون دولار أميركي، للمريض الواحد”[13].

وبقدر ما يمكن رؤية الوحشية الرأسمالية في المسألة، لا يمكن معرفة حجم الأدوية التي حرمت البشرية من تطويرها، لأنها غير مجديّة اقتصاديًا، ومن ثم لا يمكن معرفة كم من الأرواح كان من الممكن لهذه الأدوية أن تُنقذ. ما لا يمكن رؤيته حقيقةً هو حجم الفرصة الحقيقية التي حرمنا منها هذا التوحش في تجنب أوبئة قاتلة مثل كوفيد، ولا نعرف كم سيكلفنا ذلك مستقبلًا، إذا انعدم تأثير المضادات الحيوية الموجودة مثلًا.

لا يتوقف هذا التأثير هنا، بل يمتد ليشمل الحياة الصيدلانية في منبتها، في الجامعات، حيث تمول الشركات كثيرًا من البحوث، وتساهم في تحديد شكلها وموضوعاتها، وتعقد كثيرًا من الاتفاقات في مجالات التدريب، وتتدخل بتوجيه سلوك طلاب الطب في كتابة الوصفات، وفي صياغة بعض الأسماء التجارية في المقررات الجامعية، وما إلى ذلك من مشاريع ربحية، ضمن كليات الطب والصيدلة.

وربما يكون لهذه الوحشية جوانب أكثر قتامة في الشركات الجنيسة، مثل التقارير المرعية التي تأتي من دول مثل مصر، حول تزوير دراسات التكافؤ الحيوي، والدفع للمتطوعين، وما إلى ذلك من وسائل غير أخلاقية لتسجيل دواء جنيس.

تؤدي مجمل هذه السياسات إلى زيادة قسرية، غير منطقية، في مبيعات الدواء، يعني أنها تخلق ربحًا إضافيًا تجنيه شركات الأدوية، يتجاوز الحد الذي يفيد به واقع الاستهلاك المنطقي، مثلًا ازداد استهلاك الدواء في تركيا، بين عامي 1983 و1989، بمقدار 127% فيما بلغ معدل الزيادة في عدد السكان 16% فقط[14]. وتدفع شركات الأدوية سنويًا 20 مليار دولار مصاريف دعاية وتسويق، وهذا يساوي ضعف ما يُخصّص للبحوث لتطوير أدوية جديدة[15].

ما يمكن أن نقوله، ونحن نواجه جائحة استثنائية تسببت -حتى الآن- في وفاة آلاف الأشخاص وفي معاناة آلاف الأسر، وحمّلت الاقتصاد العالمي أعباء كبيرة لا ندري مآلاتها، أن التأخر التاريخي لعلم الصيدلة، الذي تتحمله شركات الأدوية العالمية، هو السبب الأساس لما نحن فيه اليوم. ولا شيء سيضمن مستقبل الطب، ولا مستقبل صحة الإنسان وحياته، ما لم يتم العمل على الصيدلة بوصفها علمًا، وتحرير هذه العلم من سطوة الشركات.

ويبدو أن إنهاء العمل الجراحي لفصل علم الصيدلة عن شركات الأدوية أصبح ضرورةً إنسانية، من شأنها أن تضمن تطوير آلية لتحقيق المساواة في العلاج. ومن اللافت للنظر أن هذه المساواة أصبحت اليوم مطلبًا للذين يتوفر لهم الدواء، مثل ما هي مطلب الذين لا يتوفر لهم. فأهمّ دروس كورونا هو أن الحصانة في العالم واحدة، ولن تكون أي من الدولة المصنفة متقدمة بنظامها الصحي ومستويات الرفاه فيها، محصنة اليوم ضد الأمراض؛ ما لم تعُد الصيدلة علمًا يستهدف صحة الإنسان بوصفها صيدلة كونية تقوم على المساواة، وتكون شركات الأدوية واحدة من أدواتها الإنتاجية والبحثية الثانوية ليس أكثر، وتظل الصيدلة أكبر منها. هذا لا ينفي أن المساواة في الصحة ترتبط بعوامل اقتصادية، واجتماعية، وسياسية أخرى، ولكن تحرير الصيدلة يبقى شرطًا لازمًا لهذه المساواة، لكونها اليوم ضرورة عالمية، ولم تعد مطلب الشعوب الفقيرة البائسة فحسب.

ثالثًا: الأخلاق الكونية وتقاطعات الصحة والحرية.. ألمانيا وسورية أنموذجًا

وجّهت المستشارة الألمانية أنجلينا ميركل خطابًا إلى الشعب الألماني، في 18 آذار/ مارس، تناولت فيه فهم حكومتها للجائحة، وحاولت تهيئة المزاج العام لقرارات التقييد والإغلاق، بوصفها ضرورة للحفاظ على حيوات الناس. كان هذا الخطاب لافتًا للنظر، لأنه يصلح أن يكون نموذجًا لخطاب حكومة متقدمة، صُممَ ليكون محليًا موجهًا للمجتمع الألماني، ولكن لمعالجة مسألة عالمية. لذلك ربما يكون من المفيد، منهجيًا، قراءته بالعكس، أي أن تناول بعض مفاصل هذا الخطاب من زاوية كونية، لعلاج مسائل محلية، بهدف رؤية أدق للكيفية التي يتفاعل فيها الكوني مع المحلي اليوم، ومن ثم بناء تصور مبسط للعلاقة بينهما، استنادًا إلى كارثة كوفيد 19 الاستثنائية. ولبناء هذا التصور نتوقف عند النقاط الآتية في خطاب ميركل:

  • كونية الحصانة: 

تقول ميركل: “تترك لنا الجائحة رسالة في بيتنا، هي أننا كلنا غير محصنين؛ وأننا معتمِدون على الآخر الذي يراعي الغير في سلوكه. وبالمطلق، توضح لنا الجائحة، أننا نحمي أنفسنا من خلال العمل معًا، فنشجع ونساند بعضنا البعض، وكل فردٍ قادرٌ على إحداث فرق”[16]. أصبح هذا الكلام اليوم واضحًا في دقته، ودقيقًا في وضوحه، فالجائحة لم تُقم أي وزنٍ للحدود. ويبدو أن جميع الإجراءات المتخذة، وكلّ هذا التقدم على صعيد النظام الصحي، الذي نوَّهت به ميركل بشيء من الفخر في بداية هذا الخطاب، لم يكن كافيًا ليحصن هذه الدولة المتقدمة. ويبدو الدرس، بالنظر إليه من هذه الزاوية المعاكسة، أن الدول المتقدمة لن تكون محصنة، ما لم يكون العالم برمته محصنًا. وكل هذه المكتسبات، والتقدم، في النظام الصحي، غير قادرة على تحصين الناس ضد الأمراض، وعلى الحفاظ على حيواتهم، ما لم تعمم، وتعولَم. ربما يقرأ أحدهم في ذلك التعميم المجاني شيئًا من “الحيف” الذي يقع على الدول المتقدمة، أو تحفيزًا للتكور على الذات، لكيلا تهدر طاقات الأمم المتقدمة وجهدها على من لم يجتهد في حياته، وبهذا النَفس يعمل اليمين الأوروبي بالعموم؛ ولكن للمفارقة تقول الجائحة اليوم إن هذا “الحيف” ضرورة للحفاظ على الذات، وإلا فإنها لن تكون كما هي بعد ذلك، ولن يكون التكور عليها ممكنًا إذا انتهت.. فحتى التفكير اليميني المتطرف، إذا قارب أهدافه من هذه الزاوية، سيجد نفسه مضطرًا إلى الانفتاح من أجل الانغلاق، وهذه مفارقة عجيبة، ولكنها حقيقةٌ ماثلة.

والحقيقة أن لهذا النمط من التفكير بقيّة، فما إن نعمّم فكرة التحصين لتتجاوز الصحة إلى المكتسبات الليبرالية والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، حتى نتعلم، بوحيٍ من هذا الدرس الكوني، أن هذه المكتسبات لن تكون محصنة أيضًا، ما لم تعمم وتنجز في كل بقاع العالم الآخر. ولذلك فإن الدرس، بأن العمل مع الآخر من أجل حريته وديمقراطية نظامه، هو أهم شكلٍ من أشكال تحصين الحرية والديمقراطية الذاتية. ومن هنا تفرض الحالة السورية نفسها، بوصفها مثالًا نموذجيًا معاكسًا للرفاه، وصل إلى أقصى حدود تقييد الحريات وعدم احترام حياة الإنسان. وتقدم الحالة السورية نفسها، وفق هذا السياق، بوصفها تهديدًا للديمقراطية في العالم، فيمكن فهمها اليوم على أنها، بواقعيتها الجاثمة، قادرة على إحداث انهيارٍ في منظومة الحريات العالمية برمتها، ما لم يتحد هذا العالم لمساعدة السوريين في مشروعهم التحرري الديمقراطي.

هكذا قامت الجائحة بتكبير المساحة التي تقع بين كرامة الحياة الإنسانية، وبين الكرامة الإنسانية، فأصبحنا قادرين على رؤيتها بوضوحٍ أكثر؛ فهذه المساحة المجردة تتعين اليوم في المنطقة الواضحة التي تقع بين سباق اللقاح، وسباق السلاح، اللذين يشكّلان اليوم مادتين متساويتي الأهمية، في نشرة أخبارٍ واحدة. ويبدو أن هذا التمييز بين كرامة الحياة الإنسانية المحفوظة في هبَّة العالم لحرب كورونا، وبين الكرامة الإنسانية المهدورة في سورية، ينعكس في فينومنولوجيا العلاقة المحمَّلة بالعواطف والمشاعر التي تخالجنا إزاء الموت في النوازل. الفكرة المبسطة الواضحة اليوم هي ضرورة أن تعمل البشرية على الكرامة الإنسانية، بوصفها كلًا واحدًا لا يتجزأ. وهذا ما تعبّر عنه ميركل في خطابها المصمم، ليكون محليًا، فتقول في بداية هذا الخطاب نفسه: “نحن بلدٌ ديمقراطي، نحن لا نزدهر لأننا مكرهون على العمل، بل نزدهر لأننا نتشارك المعرفة، ولأننا نشجع المشاركة النشطة. هذه مهمة تاريخية، لن تكون قابلة للإنجاز بنجاح إلا إذا واجهناها متعاونين معًا”[17]. وهذا ما يؤكد أن المشاركة، والتعاون، والتضامن، والنجاح، لا يجب أن تكون مخصوصةً لألمانيا -أو لأي أمةٍ متقدمة- وحسب، كما تتكلم ميركل -وهي مُحقة- بل يجب أن تعمم لتشمل الناس في كل مكان. ويقتضي هذا الشمول تطبيق معايير أخلاقية كونية موحَّدة؛ فلا تضمن الأخلاق، لأي جماعة إنسانية، حرية أن تكون لها حياتها الخاصة بها، إلا إذا كانت أخلاقًا كونية مفعَّلة بحزمة من الضوابط والقوانين الإنسانية العالمية. يعني ذلك أن الحرية، وفق معيار أخلاقي كوني، لن تتحقق، وستظل مهددة بعدوى مميتة، ما لم يتحقق مشروع كل شعوب العالم في الحرية والعيش الكريم، وما لم يتحقق مشروع السوريين، وحقهم في الحياة والحرية والكرامة. ويظل توازن الإنسانية واستقرارها مرهونين بتوسيع الحرب على كورونا، لتشمل الظلم، وثقافة القبول به، أو التغاضي عنه في أي بقعة من العالم، وعلى الأساس الأخلاقي ذاته. فلا يمكن للقيم الكونية أن تظل تجريدًا، وعليها أن تراعي مواقف حياة الجميع، ومشروعاتهم، وتطلعاتهم الفكرية، وهذا ما يتم بموجبه قياس مفهوم الأخلاق. ومفهوم الأخلاق هو الذي يجعل الفردنة والكونية متقاطعتين، ويجعل كل فرد قادرًا على إحداث فرق (بتعبيرات ميركل في الخطاب نفسه). وعند غياب هذا المفهوم؛ سيصبح الكون المسكون بالناس “كونًا لا يُحتمل”، بتعبيرات الفيلسوف الألماني يورغون هابرماس الذي يقارب الأخلاق على أنها “المسائل التي تهتم بواقعة العيش معًا في معايير قويمة”. فيبدو كما لو أن في هذا المشهد تأكيدًا على أن الفلسفة التي تبدو كالسلحفاة ما زالت قادرةً على أن تصل بنا إلى أهدافنا الإنسانية في الرفاه والازدهار، قبل السياسية التي تركض كالأرنب الذي يمتلك ثقة بالنفس زائفة تجعل منه متسكعًا. فالبطيء الرصين خيرٌ، على طريق الازدهار والعيش الكريم، من السريع المتسكع المندفع. والخلاصة من دون تردد: إما أن تكون الحصانة للجميع، أو أن نتهيأ جميعًا لكونٍ لا يحتمله أحد.

  • الذاتي والموضوعي، المحلي والعالمي، والداخل والخارج

تقول ميركل في الخطاب نفسه: “علينا أن نُظهر مقدراتنا على التصرف بحُبّ، وبعقلانية؛ وبذلك ننقذ الأرواح. ويتوقف ذلك على كل فردٍ منا من دون استثناء، ولذلك فهو يتوقف علينا جميعًا”. والحقيقة للمرء أن يتوقف مطولًا عند هذه الثنائية التي وضعتها المستشارة في موضع السبب الذي يجعل من الناس منقذين لأرواح بني جلدتهم: ثنائية الحب والعقل. ففي الوقت الذي لا تستوقفنا فيه فكرة العقل، يستوقفنا الجزء الثاني المقترن بالعاطفة، والتعاطف، والمحبة، والحنان، وهي معانٍ يتضمنها تعبير (warm­­_heartedly) الذي وَرَدَ في الترجمة الإنجليزية الرسمية التي صدرت عن الحكومة الفدرالية الألمانية، حيث استخدمت ميركل كلمة (Herzlich) الألمانية التي تحيل بدورها إلى دفء عاطفة نابعة من القلب. تستوقفنا المسألة مطوّلًا لما فيها من ظهورٍ فاقعٍ للذاتي في الموضوعي، ووضعه مناصفةً في السببية، عندما يتعلق الموضوع بإنقاذ الأرواح. إذا مضينا قدمًا في هذا النهج المعاكس، جاز لنا أن نقول إن إدراج الذاتي في العقلانية التي تصبغ السياسة الدولية بلغة المصالح، بكل ما في هذا الذاتي من مشاعر، ورغبة في الحب والأمان والحنان واللطف، هو تطورٌ للعقلانية لتستحق اسمها أكثر؛ فالعقلانية، عندما تتسلح بالمحبة وبالتعاطف الذي يؤدي إلى حماية الإنسان في أي بقعة من بقاع العالم، تحمي نفسها بالضرورة، وتحمي معتنقيها أيضًا. وبما أن الأمر يتعلق بكل فردٍ فهو يتعلق بالكل، ويمكن أن نقول أيضًا إنه يتعلق بكل أمةٍ، ولذلك فهو يتعلق بالكون. وهكذا، من دون تردد، يمكن أن نقول إن الدرس اليوم هو أن إنقاذ أرواح السوريين من قبضة المجرمين الهمج هو إنقاذٌ لأرواح الناس جميعًا.

وفق المنهج نفسه أيضًا، يوجد كثير من الأمور أمام الإنسانية لتفعلها، فإنقاذ حوالي 800 ألف طفل، سيموتون بالإسهال هذا العام (2195 طفلًا يموتون يوميًا)[18]، هو أيضًا إنقاذ لأرواح الناس جميعًا، أينما كانوا.

يمكن أن نتعلم أن هذا الكثير من الموت الذي أصبح واقعًا، لن يدع أحدًا في مأمنٍ، أيًا كان، ومهما كان.. والأخلاق والمحبة القائمة على الأخلاق، التي تقوم بتطعيم العقلانية ومنظومة المصالح، هي التي ستنقذ الإنسانية كلها، أو أن الجميع سيواجه مصيرًا كارثيًا. وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿منْ أَجْل ذَٰلكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَني إسْرَائيلَ أَنَّهمَن قَتَلَ نَفْسًا بغَيْر نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ في الْأَرْض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَميعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَميعًا﴾[19].

وفق هذا التوجّه، ربما تصبح مراجعة الحدود الصارمة، بين الذاتي والموضوعي، مطلبًا ملحًّا جدًا، وكذلك مراجعة الثنائيات الحديّة التي تضعها الذهنيات المتطرفة والنزاعة إلى الانغلاق، مثل ثنائية المحلي والعالمي، الداخل والخارج، السكان الأصليين والمهاجرين.. لأنها كلها ثنائيات تبدو اليوم متداخلةً أكثر مما كنا نعتقد. هذا أيضًا تفكير مع اليمين المتطرف، وبمنهجيته، ولكن ضده؛ أي إنه لِكي يحمي ذاته ليس له طريقٌ من دون حماية الآخر البعيد، لأنه من دون ذلك -ببساطة- لن يكون. وعندما يجد حزب البديل الألماني -مثلًا- نفسَه ميالًا إلى النظام السوري المجرم، ظنًا أن ذلك يخدم قضيته، فإنه لا يفعل سوى أنه يحرق نفسه ويحرق قضيته بحرق بلده، حين أراد أن يحميها.     

الهوامش:


[1] الملاحظات الافتتاحية التي أدلى بها المدير العام في الإحاطة الإعلامية بشأن كوفيد-19 في ‏‏27 آذار/ مارس 2020

https://www.who.int/ar/dg/speeches/detail/who-director-general-s-opening-remarks-at-the-media-briefing-on-covid-19—27-march-2020

[2] WHO (World Health Organization) 2019. “Ten Threats to Global Health in 2019”.

https://www.who.int/ar/news-room/feature-stories/ten-threats-to-global-health-in-2019

[3]  أورليش بيك، مجتمع المخاطرة، ترجمة: جورج كتورة وإلهام الشعراني، (بيروت، المكتبة الشرقية، أيار/ مايو 2019)، ص105.

[4] المرجع نفسه، ص 164.

[5] Annual report on Global risk. (WEF). 2003.

 [6] World Bank Group, Drug-resistant infections, a threat to our economic future. March 2017.

[7] Review on Antimicrobial Resistance. 2016. Tackling Drug-Resistant Infections Globally: Final Report and Recommendations. May 2016. Wellcome Trust and UK Government.

https://amr-review.org/sites/default/files/160525_Final%20paper_with%20cover.pdf

[8] World Economic Forum. 2020. The global risk report 2020.

https://www.weforum.org/reports/the-global-risks-report-2020

[9] Antony Giddens, Sociolog,4th edition (Ploity pressin association with Balckwell, 2001).  

[10] بيك، ص510.

[11] The Guardian, GlaxoSmithKline says it is investigating bribery claims in Jordan and Lebanon,

[12] Dilek Güldal and Semih _emin. THE INFLUENCES OF DRUG COMPANIES’ ADVERTISING PROGRAMS ON PHYSICIANS, study conducted in Azmir in Turkey.

[13] World Economic Forum. 2020. The global risk report 2020. P78.

https://www.weforum.org/reports/the-global-risks-report-2020

[14] Dilek Güldal and Semih _emin.

[15] Ibid

[16] German Federal Government: Die Ansprache der Kanzlerin auf Englisch – The Chancellor’s address in English. 19/03/2020

[17] Ibid

[18] US department of health and human services. Centre for diseases control & prevention.

https://www.cdc.gov/healthywater/pdf/global/programs/globaldiarrhea508c.pdf

[19] سورة المائدة، (32).