لم تكن روح أمّة تتطلع نحو الغد! بل رياح تهبّ متضاربة، مرّةً من قاعنا الممتلئ قيحًا، ومرة من أحلام شبابها المزهر. وهذا القول فيه من الإنصاف ومن التجنّي الكثير! فهل ثمة اختلاط أعيشه؟ أم ثمة قول مختلف؟ وإلا فلماذا أورده بادئة قول؟

لطالما كنت، ولا زلت، أرقب بدقة وعن قرب مسألتين متفارقتين:

الأولى: تطلعات جيل من الشباب السوري، لا بل الإنسان السوري، بوجدانه وروحه الممتدة عنفوانًا، والمتسعة مساحةً، للإبداع، لخلق فرص الإمكانية، لإثبات الحضور والوجود في مختلف مجالات الحياة: فنًا وعلمًا وأدبًا وثقافةً ورياضةً… كانوا شعلة حياة ووقود ثورة، اشتعلت وأنارت ولم تخبُ أو تنطفئ بعد، بالرغم من كل خيباتنا ومواتنا الدموي الفاقع.

الثانية: حدة التنافس الأيديولوجي بين شتات معارض، اعتاد أن يقتات من مسلّماته ومسبقاته. وأن يعتاش من خلافاته وتهكّم الكل على الكل، على الآخر المختلف عنه، حزبيًا و/أو فكريًا و/أو حتى فنيًا. وقلّما، بل نادرًا ما أحاط بضرورات التوافق، بالانفتاح على جمل الواقع المتغيرة، على طريقة التغيير الممكنة، بقدر احتكار الوطن واقتسامه أيديولوجيًا! وكان الخلاف في الرأي يُفسد الودّ ويغيّر مجرى القضية، بل كان يُحِلّ الرأي وشبهته محلّ وضع اليد على معطيات الواقع ودراسته وإيجاد خلاصة عمل ممكنة. شتات المعارضة هذا كان موقع إعاقة ونموذجًا لاجترار الوهم، والإسراف بالقهر المزمن وتحويله إلى قهر قمعي آخر أشد سطوة من مسبباته. فكلّ فريق منهم أراد لذاته الاستفراد بقيادة الثورة، وإقامة سلطة بديلة عن سلطة البعث. ويظن، آثمًا، أنه على صواب مطلق وذو شرعية ثورية وسطوة عليا!

ولسوء الطالع أو لحسن الحظ، سيّان، لم يتقبل الفريقان بعضهم إلا على مضض، فلا جذوة الشباب كانت كافية، ولا خبرة الكهول كانت زادًا، فتاه الجميع! بينما كنتُ وكثرٌ منا نردّد: ربّما هو خلاف أجيال، وربّما هو أثر القهر النفسي للسحق السياسي السلطوي، وربّما نتيجة ممارسة العمل السياسي لعهود في ظل الاستبداد من الغرف السرية، وربّما بعضٌ على حقٍ هنا، والآخر على حقّ هناك. لكن حقّ المرحلة لم يكن واضحًا كليًا بعد، حتى بات الواقع صادمًا بعُنفه للجميع!

مبكرًا، استعرت جملة عبد الرحمن الكواكبي، في طبائع الاستبداد: “هي كلمة حقّ وصرخة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح لقد تذهب غدًا بالأوتاد”.. وتساءلت: ماذا لو لم يحدث التغيير السلمي سريعًا في سورية؟ ماذا سيجني أصحاب الأداليج (جمع أدلوجة على وزن أنشوطة تخنق صاحبها قبل غيره) من خلافاتهم هذه، إذا حدث ما لم يكن بالحسبان؟ بينما كانت القطعيّة المستقبلية والحدة النفسية سلوكًا قهريًا ميّز غالبية شتات المعارضة، ونزعة متشنجة تهدم كلّ فعل أو قول يبحث بين طيات الممكن واحتمالات تمدد الواقع ومتغيراته!

الحلقات الأولى شكلت التضامنيات والجمعيات والتنسيقيات، واليوم باتوا في شتات الأرض والعالم، أو قضوا تحت الأنقاض، ودُفنوا تحت التراب سمادًا لزمن قادم، أو أكلت عظامَهم المعتقلات، وهرست لحومهم السياط. أما من بقي منهم فهم يعاندون القهر والعجز ووطأة حمل ذاكرةٍ مخزونها الألم، ومحاولة قول توافقي مختلف عن السائد اليوم، من التهكّم والتنافر والانحدار العام! بينما الثانية شكت كل صنوف التحاجز. تخاصموا وتهكموا، وبنوا أمجادهم الإعلامية ومراكزهم السياسية والمالية، وكلٌ يكرّر أنه الأقدر والأجدر، الأفضل والأكثر صوابًا… لتتحوّل ساحة العمل السياسية إلى مختلف صنوف التشتت والخلافات حتى الشخصية منها. ولتأتي نتيجةً، على كل التضحيات التي قدّمتها توافدات أمواج الشباب المتلاحقة، وتذروها مع الرياح، وليس هذا فقط، بل لتأتي على تاريخ كبير من تضحيات العمل السياسي المعارض ومعتقلاته!

كان المتوقع لسياقات المعارضة السورية أن تمارس دورها المفترض، في حالة استثنائية -كسورية- تختلف عن معظم دول المنطقة. فهي التي تعرضت لمختلف صنوف التنكيل والاعتقال قبل 2011 وبعده! لكن وصولها إلى نتائج كهذي يجعل أدوات التحليل السياسي غير قادرة على ضبطها، وعلى مقاربة توصيف حلول لمعضلاتها! فاكتمال الأداليج كفيل بانغلاقها على ذاتها. وما لم تبادر بمحركها الداخلي لفتح بوابات النقد الذاتي والحوار البيني، ومن بعده حوار المختلفين بطريقة مختلفة؛ فسيبقى التحليل القهري للسلطة العقابية لـ ميشيل فوكو، في كتابه “فلسفة السلطة”، هو الأكثر مقاربة لوضعنا العام. فالسلطة العقابية، كما سلطات الشرق ومنها سلطة العسكر والبعث، تندمج في مؤسسات المجتمع بأكثر من طريقة، تعليميًا وجهويًا وماديًا وسياسيًا، بحيث تشكل نموذجًا عامًا لممارسة القمع والقهر بالطريقة ذاتها، ولكن بأدوات متعددة، إحداها شتاتها المعارض، وتبدو هذه عقلية وثقافة شبه عامة في شرقنا الأسير!

 فوكو لم يكتفِ بالتحليل ولا بالتعميم النظري، بل ذهب في موقع آخر، في كتاب “الكلمات والأشياء”، إلى اعتبار التنافس حالة من حالات تشكل المعرفة والسلطة أيضًا، لكن ضرورة الانتقال بعدها إلى التعاطف العام الذي يحدد الاختلاف أساسًا للمعرفة، واكتمال البنية تلاحميًا وعاطفيًا، شرط كفايتها، ومثلها السلطة! وهذا ما هو مفتقد اليوم في عوالمنا السورية!

وللإنصاف، ثمة محاولات سورية عدة للبحث في طرق مختلفة عن أدوات السياسة القهرية هذه، تلك التي تجلّت بتعدد واختلاف مراكز الدراسات والأبحاث السورية، في تناول قضايانا من أوجه مختلفة وبمناهج متعددة. وتنفتح على سلسلة من الحوارات والجدالات متعددة المنابر، وهذا مسار مختلف ومغاير للمسار الانحداري السياسي. ومع أنه من المبكر الحكم على هذه التجارب في طريقة وحجم نتاجها العام المؤثر في مسار المسألة السورية، فمن الضرورة الإشارة إلى أن مراكز الدراسات في كلّ بقاع العالم، وإن كانت تقوم على البنية المادية والتنافسية ذاتها، تستقي من بعضها المعطيات الواقعية موثقةً، وقد تتشارك فيما بينها بتحليلها أيضًا، خاصة في المسائل المصيرية! وحين تقدّم دراساتها، تقدّمها للرأي العام وصانعي القرار السياسي، بطريقة الخلاصات المركزة والتوصيات المحددة! وهذا ما يمكن فعله في مؤسساتنا البحثية الناشئة أيضًا؛ فالفاعلية المطلوبة على مستويات عدة لا تحكمها معايير النشر وحسب، بل يضاف إليها معايير الوصول إلى شريحة أوسع من البنى المجتمعية وصانعي القرار فيه، والمؤثرين في الصعيد المجتمعي. وهذه تحقق شرطي التنافسية في المبدأ، والتكاملية التعاطفية في تحقيق البنية، بحسب فوكو.

 إن كان للسوري الحقّ مهمةٌ اليوم، فهي فتح الأبواب الموصودة أمام جيل سحقته كل صنوف آلة الحرب والأيديولوجيات وسيكولوجيات القهر القمعية. هي رصد آفاق الممكن المستقبلي، وإنارة دروب العتمة، ولو ببصيص ضوء، والأهم الخروج من دوائر التصنيف الجزافية والتهكمية. فحين يخطّ أحدنا بضعة سطور من فرح، فذلك كي لا يذهب الأمل والخير من بين الناس. وحين يقدّم نقدًا حادًا في آخر فلِكيْ يبقى على أمانته بألا يزيف الواقع ويزينه وهمًا، وخذلانًا. وقد يُخطئ، لا بل نُخطئ كثيرًا، ونعاتب أنفسنا كثيرًا، ونلومها جدًا، فحالنا وديارنا تستحق الرثاء، كما الجهد والعناء، لا الاكتفاء بوهم تقاسم الوطن أيديولوجيًا وقهريًا.