تحول عمل كثير من الموظفين والمعلمين والصحافيين حول العالم نتيجة “كورونا” إلى “العمل المنزلي”، فهلّل بعضهم فرحًا، وذعر آخرون هلعًا، فليس الجميع قادرًا على تخيل فكرة أن ينجز العمل نفسه الذي أداه عشرات السنوات في مكان العمل نفسه، مع اختلاف بسيط؛ أعني من البيت، ولا سيما أن التخصصات كلها وأماكن العمل معظمها ليست مطواعة لبيئة العمل الافتراضية.

أمام هذا التحول العالمي في مكان العمل وأدواته، أصفق أنا الموظف الحاضر الغائب بسعادة، لا لأن الأزواج سيظلون في البيت على مرمى البصر، بل لأنها المرة الأولى التي سيتساوى فيها الموظفون “الحقيقيون” و”الافتراضيون” في الواجبات والمسؤوليات، والفرصة الوحيدة لاختبار صعوبة أن تكون موظفًا “عن بعد”، والصفات المهارات التي ينبغي تطويرها في هذا المضمار.

ليس جديدًا أو طارئًا أو متغيرًا أن أعمل من المنزل، وليست أزمة كورونا سببًا في ذلك، فحالي كحال السوريين اليوم، طورت كثرة الترحال واللجوء وتنوع أماكن النزوح علاقتهم بالمؤسسات التي يعملون بها، حتى باتت هذه المؤسسات في كثير من الأحيان لا تجد في العمل “عن بعد” أي معوق، ولا سيما أن الأمر برمته يعود بالنفع عليها في خفض نفقات مكان العمل، وإن تطلب شروطًا أخرى لضمان الجودة والالتزام، وصفات مختلفة ينبغي للموظف “عن بعد” أن يتحلى بها.

“غاب القط العب يا فار”

قد يتبادر إلى الذهن أن من يعمل في البيت حر من الالتزامات المفروضة على الموظفين في مكان العمل، فهو لا يحتاج إلى الاستيقاظ في أوان محدد، وركوب المواصلات، وغير مضطر للالتزام بأوقات الدوام، يكفيه أن يجلس إلى طاولة عمله “بالبيجاما”، لا بالملابس الرسمية، نائيًا بنفسه عن مشكلات الغيرة والمنافسة بين الزملاء في مكان العمل. لكن تجربتي الطويلة مع العمل عن بعد تدحض هذه المزاعم جلّها؛ فالحس العالي بالمسؤولية، وضبط الذات، والدقة، والالتزام، والقدرة على اتخاذ القرارات فرديًا، والصبر على الكثير من الإيميلات والاتصالات بعض من الصفات التي ينبغي لمن يختار لنفسه العمل عن بعد أن يتمتع بها. ولا يعني تحرر الموظف الافتراضي من بعض القيود المفروضة على من يؤدي عمله في مكان العمل أنه حر طليق، لا رقابة ولا مساءلة، فثمة مهمات ينبغي إنجازها في موعدها، ولعله المعيار الأمثل لضبط معدل الإنتاج. ومن هنا سيتضح بمرور الوقت في هذه التجربة أنه لا دور لمسؤولي مراقبة الدوام فيها، ويفضل الكف عن البحث عن تطبيقات بديلة للعمل عن بعد بهدف ضبط مراقبة وجود الموظف خلال ساعات الدوام الرسمي أمام حاسوبه. بل ينبغي التفكير بأدوات تيسر هذا العمل، وتعزز صلة الموظف ببيئة العمل، والزملاء، وتنتقل به من الحاضر الغائب، إلى الحاضر الحاضر.

ولا تنتهي القضية بقبول الموظف فكرة “العمل عن بعد”، واستعداده النفسي والاجتماعي للإقبال على هذه الفكرة بما تشتمل عليه من تحديات وصعوبات، فالمحيط والإدارة يلعبان دورًا مهمًا أيضًا، سلبًا وإيجابًا.

موظف درجة أخيرة

لعل أبرز مشكلات العمل عن بعد “سوء الفهم”، فما كانت تختزله اللقاءات المباشرة والآنية في حل المشكلات لم يعد متاحًا، ما يعني أن المجال مفتوح على سوء تقدير الأمور وفهمها فهمًا حقًا، وقد تكون عشرات الإيميلات غير كافية لتوضيح قضية صغيرة عالقة، إن لم تزد الطين بلة، ومن هنا تحول الاتصالات الهاتفية والفيديو دون كثير من المطبات.

إن عدم تنظيم الوقت كان أساس مشكلاتي في العمل من البيت، وأذكر أني لم أستطع السيطرة على العمل ليلًا نهارًا إلا بعد أكثر من عام من المحاولات، فعندما يرن هاتفي أو أتلقى بريدًا ألكترونيًا لا أجد بدًا من الرد، حتى لو كنت على عتبات النوم، ويتطور الأمر إلى تسلل العمل إلى تفاصيل الحياة كلها. وعلى النقيض قد يكون ضعف الإنتاجية نتيجة من نتائج غياب التنظيم، أما التوسط بينهما فهو شأن مضن نوعًا ما، ويحتاج إلى دربة.

ها هنا تطل بعض المشكلات الاجتماعية والنفسية برأسها، من مثل (صعوبة اعتياد العائلة أن الشخص الذي يرتدي بيجامته في البيت يعمل حاليًا مثلًا)، أو أن يجد الشخص نفسه مستهلكًا بين العمل وأعباء البيت، وأكثر من يعانين هذه المشكلة الأمهات، ولا سيما بعد أن غاب الفاصل بين المكانين، وبالنتيجة بين الزمان المخصص لكل منهما، والوظيفة التي يؤديها كل منهما، فالمكان الذي ينشد فيه المرء الراحة (البيت) لم يعد كذلك.

ستسوء علاقة الموظف الافتراضي بالأصدقاء والجيران تدرجًا، وسيتردد على مسمعيه كثيرًا: “اتصلت بك ولم ترد”، أو “وينك؟ من زمان ما شفناك”، وسيصعب تفسير أسباب تدهور العلاقة بين هذ الموظف ووسائل التواصل جميعها، لا بينه وبين فلان، لذا سينشد الاستجمام بعيدًا عن الهاتف والحاسوب، وما يحملانه من مدلولات على العمل.

لقد كشفت “أزمة كورونا” عيب التخطيط على صعيد العمل عن بعد، على الرغم مما للعمل لامركزيًا من حسنات، ليس أولها المرونة، وليس آخرها خلق فرص إضافية في سوق العمل لفئات اجتماعية واسعة.

لقد كشفت “أزمة كورونا” عيب التخطيط على صعيد العمل عن بعد، على الرغم مما للعمل لامركزيًا من حسنات، ليس أولها المرونة، وليس آخرها خلق فرص إضافية في سوق العمل لفئات اجتماعية واسعة.

أذكر أن صديقًا مازحني معاتبًا: “لن أرسل لك روابط مقالاتي الجديدة بعد اليوم، فأنت لا تعلقين عليها”، وذكرني الأمر بموسم عوز “القشطة العربية” في طفولتي، حتى باتت الهدية الفاخرة التي يمكن أن تفك حبل المشنقة عن رقبة من حكم عليه بالإعدام، إذ كنا نحتج على أبي كلما جلبها معه، بحجة أنه لا يخصنا بحلويات من خارج محله وعمله، ناسفين باحتجاجنا العرف العام في ذهن الناس عن القشطة ملكة حلاوة الجبن، وما احتجاجنا أو محاولة قطع الصلة مع وسائل التواصل جميعها إلا تجليات للفصل بين الخاص والعام/ العمل.

إداريًا، ما زال الموظف عن بعد غير مساو للموظف العامل في مكان العمل، وما زالت سياسات العمل في مؤسسات كثيرة تعد هذا الموظف متعاقدًا موقتًا، أو يعمل عملًا حرًا، لذا لا يساوى بغيره في الأجور، ولن تشمله التعويضات (سكن، مواصلات….)، والزيادات والإجازات، حتى لو اضطر الموظف عن بعد إلى اتخاذ مسكن أكبر مساحة، وبالتالي دفع أجرة أعلى، لحاجته إلى غرفة للعمل  في البيت، أو دفع نفقات أكبر للاتصالات والإنترنت، أو اضطر بصورة دائمة إلى صيانة حاسوبه الشخصي، وإذا ما قورن بالعامل من مكان العمل، فسيكون للثاني الأولوية حتى لو فاقه الأول قدمًا وخبرة.

ثمة مشكلات صغيرة إذا ما قورنت بما ذكر أعلاه، من مثل اختلاف التوقيت بين البلد الذي يقيم في الموظف، ومكان المؤسسة، ومثله اختلاف أيام العطل الرسمية، وما يترتب على إغفال ذلك من تعزيز العزلة الاجتماعية للعاملين عن بعد.

لقد كشفت “أزمة كورونا” عيب التخطيط على صعيد العمل عن بعد، على الرغم مما للعمل لامركزيًا من حسنات، ليس أولها المرونة، وليس آخرها خلق فرص إضافية في سوق العمل لفئات اجتماعية واسعة.

دائمًا لا موقتًا

تبدأ الحلول للمشكلات أعلاه من الفرد نفسه، أي أن يعد العدة   المناسبة لخلق مكان عمل مناسب في البيت، ليس بالضرورة أن يكون غرفة منفصلة، فقد يكتفى بحيز خاص ومحدد للعمل، يكون الجلوس إليه نذيرًا للمحيطين بأنه يعمل حاليًا، ومن هنا يقطع خطوات واسعة في علاقته بالمحيط (العائلة) في البيت، ويخلق الفاصل مكانيًا بينه وبين العمل. ولعل الالتزام بروتين يومي معين يساعد في ضبط الوقت، كأن يستمر الشخص بالاستيقاظ في ساعة محددة كل يوم، البدء بالعمل والانتهاء منه في ساعة محددة، والتخطيط لما تبقى من اليوم، من مثل (سماع الموسيقى، القراءة، الرياضة، مشاهدة فيلم….) حتى إن قال قائل إن الوقت كله في ظل كورونا متاح للعمل فقط، ولا تسلية أخرى غيره.

يمكن ضبط معدل الإنتاج في العمل بكتابة قائمة بما ينبغي إنجازه من عمل في اليوم، وما ينبغي إنجازه من عمل لأسبوع، مع تقييم معدل الإنجاز بصورة دورية، وزيادة مساحة التواصل (هاتف وفيديو) مع المدير والزملاء تعزز من المتابعة وفرص إنجاز المأمول والمخطط له، كما تحافظ على التواصل الاجتماعي في الفريق.

على عاتق الإدارة جزء كبير من المسؤولية في خلق سياسة عمل توفيقية، تسعى إلى العدل، لا المساواة فقط، وتطور من رؤيتها للحاجات المختلفة للموظفين الافتراضيين، وعليها أن تبذل جهدًا أكبر لتعزيز التقدير المعنوي لديهم، وتنمية الشعور بالانتماء إلى الفريق.

أما الطريق الفضلى للاقتراب من روح العمل، أن تفكر أنك تؤدي هذا العمل بهذه الصورة لا لأنها الطريق المتاحة والموقتة حاليًا، بل لأنها الطريق الوحيدة، أو لنقل الطريق الأولى والأخيرة، اليوم وغدًا وبعد غد، مع كورونا ومن دونه.

وأيًا يكن، فما زلت أنظر بعين الرضا إلى التجربة الجديدة للشركاء الجدد في عالم العمل عن بعد، بوصفها فرصة لتطوير أدوات هذا العمل ومهاراته، ومساحة قد تخلق مساواة في الحقوق بعد أن نجحت في دورها على صعيد الواجبات.