ليست الكتابة في الشأن السوري فعل رفاهية، ولا مجرد عمل وظيفي للبقاء، ولا هي فعل مقاومة، بالمعنى الكلاسيكي الرومانسي لمواجهة السلاح بالقلم ومقاومة الرصاص بالكلمات، بل هي غضبٌ ونفيٌ للعالم، من موقع الإدانة، ومن موقع القرف، ومن موقع تسجيل الانحطاط وعرضه دون أمل شخصي بالتغيير الموضوعي.

الكتابة في الشأن السوري هي تحدٍّ فردي لليأس الجماعي، وهي انغماسٌ في القهر الجماعي لمواجهة الجنون الفردي. لا تحتاج الكتابة الموضوعية إلى الانفصال عن الموضوع، وادّعاء الحياد والنطق باسم الحقيقة، بل إلى الصدق مع التحيّزات الشخصية، وإدراكها ضمن سياقها التاريخي، كما تقول سيمون دي بوفوار، وموضَعتها أمام التاريخ وأمام التفكير البشري الذي يخلق التاريخ.

يحتار الكاتب في الشأن السوري كيف يجمع تفاصيل الانحطاط الذي تبذره السلطة في تراب الواقع، وكيف يصوغ الألم الفاقع والمديد بالجمل القصيرة والصامتة، وكيف يجعل اللامعقول الواقعي قابلًا للتخيل العقلي، وكيف يكثّف الخذلان الإنساني الواسع بالرفض المسطّر على الورق، وكيف يمتصّ الغضب والحزن والقهر من وجوه الناس المتعبة، لكي يتقيّأه بصقًا في وجه السلطة ورعاتها ورعاعها، وفي وجه الغرب الديمقراطي والشرق الأوتوقراطي، وكل الأنظمة والشهود الساكتين عن المذبحة، والمشاركين في بقاء الأسد.. وباءِ سورية المزمن.

في الوقت الذي ينشغل فيه الإعلام العالمي بفشل الدول الكبرى والأنظمة الشعبوية وسياساتها وسياسييها في مواجهة الوباء “الصيني”؛ كوفيد19، ينتشر الوباء في سورية مثل النار في الهشيم، بينما يدفع النظام السوري الناس إلى الموت دفعًا، حيث يأخذ شعبه المحاصر كرهينة بقوة السلاح، ليُجري انتخابات مزيفة لمجلس الرعاع، ويرفع تجار الحرب والدم، من قتلةٍ ولصوص غير شرعيين، إلى قائمين بأعمال المجلس التشريعي، ثم يحتفل مندوبه الجعفري -بكل وقاحة وفجور- أمام مجلس الأمن بنزاهة الانتخابات. يسرق مساعدات الأمم المتحدة للشعب المحاصر، ويبيعها بيعًا لمن تخطى فقرهم عتبات الجوع. يسطوا على الأموال التي يرسلها لاجئو الخارج إلى لاجئي الداخل، ويفرض إتاوات على الداخلين والخارجين من بلدهم. يقلب قانون قيصر، من سلاحٍ ضده إلى سلاحٍ بيده، ويرفعه بوجه الشعب السوري والعالم أجمع: هذا الشعب ملكي أنا، سأقتله بسلاحي وسلاحكم وسلاحه الذي بين يديه. سأقتله بالوباء التاجي الجديد، سأنتقم منه ومنكم ببقائي حاكمًا فوق الجماجم وعلى الجماجم، فلا بديل عني سوى الفوضى، ولا بديل عن الفوضى سواي، إنها سوريا الأسد، وليست سوريا العظيمة. لا وجود لسوريا من بعدي، هذا ما أخبركم به والدي منذ عقود، ولم تأخذوه على محمل الجد.

لم يبقَ شيء لم يفعله السوريون ليتخلصوا من نظام العبودية القهري. عاشوا حربًا بطول الحربين العالميتين معًا. دفعوا دماءً تعادل أضعاف ما دفعه كلّ العرب أمام “إسرائيل”، وتخطوا عتبة المليون شهيد التي دفعتها الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي. عاشوا أكثر مما عاشته غزّة تحت الحصار الكامل، مع القصف اليومي، وشعار الجوع أو الركوع في الغوطة وداريا وحمص والزبداني ومضايا وغيرها، ثم رُحّلوا برعاية الأمم المتحدة. هُجِّر أكثر من نصفهم خارج البلاد وداخلها. شهدوا مجازر لم يشهدها التاريخ الحديث، منذ الهولوكوست، وبكل أنواع الأسلحة من السلاح الأبيض إلى غاز السارين. قُصفت مستشفياتهم ومدارسهم وأفرانهم، وحُرقت محاصيلهم وجثثهم أمام العالم، وبتوثيق المنظمات الدولية. تظاهروا سلميًا في البدايات والنهايات، وانتهى جيل كامل من المتظاهرين السلميين الأوائل موتًا تحت التعذيب. ماذا تبقى؟!

في الوقت الذي يفشل فيه العالم في مواجهة الجائحة الكورونية، نتيجة انعدام التعاون وانفراط العقد الجامع للنظام الدولي، ونتيجة السياسة الشعبوية لأقوى الدول الديمقراطية في العالم، والسياسة “الدستوبية” في الصين، والاستبدادية في روسيا، والسلطوية في الهند والبرازيل، لا بدّ من الاعتراف بأننا -السوريين- غير قادرين على مواجهة الوباء الأسدي المزمن وحدَنا، فضلًا عن الوباء المستجد الذي يساهم نظام الأسد في انتشاره، لمجرد بقائه محاصَرًا ومُحاصِرًا شعبه الموالي منه والمعارض، تحت نير الحكم المؤبد. ومثل الوباء التاجي، لا يمكن مواجهة الوباء الأسدي من دون مساعدة وتعاون، وهما غير متوفرين لا في المجتمع المحلي ولا في المجتمع الدولي.

هل كان سيتغير مصيرنا، لو استطعنا تنظيم أنفسنا بشكل أفضل، أو لو كانت المعارضة الهزيلة أكثر تماسكًا وأقل انحطاطًا؟ هل كان الثمن سيصبح أقل والزمن أقصر؟ لا يبدو ذلك مرجحًا، عند التفكير المعمّق في شروطنا وما مرّ علينا، فاللعنة السورية لم تتوقف عند التنوع الداخلي الذي قلبه الأسد ضدنا فحسب، والذي لا يمكن إثماره من دون انتقال سياسي سلمي على أقل التقديرات، ولا عند انعدام البديل السياسي الجاهز الذي انتهى فعليًا منذ الثمانينيات، مع موت الحياة السياسية سريريًا في سورية وتوزيع المعارضة بين السجون والمنافي والمقابر، بل نتيجة لعنة الجغرافيا والتاريخ السياسي معًا، فالتشابك الأمني الإقليمي الذي نصبه حافظ الأسد، وما زال ابنه يعيش على ترابطاته، جعل النظام يتأرجح بتلك الخيوط العنكبوتية المتقاطعة التي تربط “إسرائيل” بإيران، والسعودية بتركيا، ومصر بلبنان، والممانعة الحقيقية والأكثر قوة وثباتًا، التي رافقت السوريين منذ انفجار ثورتهم، هي ممانعة المحمية الغربية في الشرق الأوسط “إسرائيل” لسقوط النظام، حيث لم تترك فرصة منذ عام 2011 إلا أعلنت فيها صراحة، وعلى رأس الشهود، تفضيلها لنظام الأسد على أي معارضة، ديمقراطية كانت أم إسلامية. والمقاومة الحقيقة التي أظهرها “حزب الله” حتى اليوم هي مقاومة سقوط المشروع الشيعي الذي يربط إيران بالعراق وسورية ولبنان. وفي الوقت الذي تلتفّ فيه خيوط العنكبوت الإقليمية حول عنق الشعوب التي ثارت للحرية، وحوّلت ثوراتهم إلى صراع جيوسياسي، لا ناقة للشعب فيه ولا جمل، تتهاوى دولتا المقاومة والممانعة معًا، ليبقى الأسد ونصر الله واقفين فوق الخراب.

يمكننا أن نشتم المعارضة ونلومها، وأن نشتم دول الإقليم و”إسرائيل” وأميركا، والصهيونية والرجعية والخمينية، فجميعهم يستثمرون في دمائنا وحيواتنا، لكن المصير البائس والمُفزع للشعب السوري، وللشعب اللبناني، ليس له سوى عنوان واحد، هو الوباء الأسدي المزمن، الوباء الذي تفشّى في سورية والمنطقة والعالم، ولم يوجد له دواء بعدُ، ولم يجد العالم سبيلًا للتكاتف وإيقافه، بل اكتفت كل دولة على حدة في الاستثمار بدمويته القاتلة.