قد لا يتفاجأ أحدٌ، سواء أكان من النظام أو من المعارضة، بالحال التي وصلت إليها الجولة الخامسة، من مفاوضات اللجنة الدستورية السورية، التي تُعقد بجنيف بإشراف الأمم المتحدة، ولا أعتقد أن أحدًا من المتابعين والمراقبين لهذه العملية قد أصيب بخيبة أمل، من النتائج التي حصدتها اجتماعات هذه اللجنة حتى الآن، وذلك تبعًا للمقدّمات والحيثيات التي رافقت إنشاءها وآلية عملها، وللدور المؤثر والفاعل للقوى الخارجية في تشكيلها وقراراتها؛ فالعملية الدستورية التي خرجت من رحم آستانا، وشكّلت خرقًا وحرقًا للمراحل التي رسمتها سيناريوهات القرارات الأممية التي كان يفترض أن تبدأ بهيئة الحكم الانتقالي وإنشاء البيئة الآمنة والمحايدة، لم يكن لها أن تنجز أفضل مما كان، وذلك للأسباب الآتية:

فأولًا: معظم الأطراف المنخرطة في العملية الدستورية، أو الداعمة لها، ليس لديها النية الحقيقية لإنجاز هذا الدستور، أو الثقة بأن هذه العملية ستُفضي إلى دستور يكون مدخلًا لأي تقارب لاحق بين الأطراف، أو يكون مخرجًا للحلّ، ومع ذلك يصرّ رعاتها على مواصلة العملية، لغايات وأهداف أخرى لا علاقة لها بالعملية الدستورية المعلن عنها، لا من قريب ولا من بعيد.

فمعظم القوى الخارجية المؤثرة والفاعلة في السياق السوري لا يبدو أن أحدًا منها يعوّل على العملية الدستورية، أو يتوقع منها نتائج أو مخرجات ذات شأن في المسألة السورية؛ فالجميع يعلم أن القضية أعقد بكثير من صياغة دستور أو إجراء انتخابات، من غير المتوقع -إن لم يكن من المستحيل- أن يوافق النظام على إجرائها تحت إشراف الأمم المتحدة، ما لم تكن نتائجها محسومةً مسبقًا لمصلحته. حتى الطرف الروسي، عرّاب العملية الدستورية، من المستبعد، وهو العالم بدقائق الأمور في الشأن السوري، أن يكون لديه وهمٌ بأن عمليةً بُرمجت بهذا الشكل سوف تفضي إلى دستور يلقى قبولًا لدى السوريين، أو على الأقل قبولًا عند الأطراف المنخرطة في هذه العملية. ومن الواضح أن للراعي الروسي أهدافًا غير معلنة من تبنّي هذه العملية والإصرار على استمرارها -سواء أفضت إلى دستور في نهاية المطاف أو ظلت معلقة سنوات- قد يكون من أهمّها التخلص من عبء الالتزامات الواردة في القرارات الأممية، والإيحاء بأن قطار عملية السلام قد انطلق بمشاركة جميع الفرقاء، وحثّ جميع الدول والمؤسسات والهيئات الدولية على دعم هذه العملية، من خلال رفع العقوبات عن النظام، وتقديم الدعم المتعدد الأوجه وخاصة المالي لمؤسساته، والأهمّ البدء بعملية إعادة الإعمار التي يتوقع أن يكون الجانب الروسي الرابح والمستفيد الأكبر منها.

والنظام بدوره انخرط في هذه العملية مكرهًا وبضغط روسي، وليس في نيته الذهاب بعيدًا في هذه العملية. فهو منذ البداية لا يرى، في جميع خطاباته، سوى طرف واحد في هذه العملية وهو النظام، أم الآخر فهو الإرهابيون الذي لا يمكن التفاوض أو الحوار معهم، فضلًا عن التوصّل إلى تفاهمات أو تسويات معهم. وكان واضحًا منذ البداية، على لسان ممثلي النظام بمختلف المشارب، أن ليس في نية هذا النظام أن يقدم تنازلات أو القيام بإصلاحات يمكن أن تهدد كيانه أو تحدّ من هيمنة أو نفوذ المؤسسة الأمنية-العسكرية، وأن على المعارضة والأطراف الداعمة لها أن تكيّف نفسها، منذ الآن، بأنها لن تحصل على مكاسب من خلال هذه العملية أو تنازلات من النظام، لم تحصل عليها طوال السنوات العشر الماضية. وبغض النظر عن الضغوط التي سوف تمارس على النظام أو تدهور الحالة السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية، لن يتفاجأ أحدٌ بأن يعلن النظام وقف العملية أو الانسحاب منها، إذا استشعر أن هذه العملية ستقود -بحال من الأحوال- إلى الحد من نفوذه وهيمنته على كامل مؤسسات الدولة، أو إلى تقاسم السلطة مع الأطراف الأخرى.

من جهة أخرى، يبدو من الجلي أن التبريرات التي قدمتها كيانات المعارضة المشاركة في هذه العملية لم ترقَ أو تلقَ رواجًا أو قبولًا لدى معظم الشارع المعارض الذي يُفترض أن هذه الكيانات تمثله وتعبر عن وجهة نظره. وبغض النظر عن الطابع الجدي الذي ظهر على ممثلي المعارضة والمجتمع المدني، في تعاطيهم مع هذه العملية، فلا أحد لديه أدنى شك في أن هذه الكيانات والشخصيات تعلم عِلم اليقين بأن هذه العملية، بشكلها الحالي وبطريقة إدارتها وتشكيلها (للأسباب الواردة آنفًا) لن تنتج دستورًا، أو على الأقل لن تنتج دستورًا يختلف عن السائد حاليًا، بأحسن الأحوال، ومع ذلك قبلت هذه الكيانات والشخصيات أن تكون جزءًا من هذه العملية. وبعيدًا عن الأسباب الحقيقية والفعلية التي دفعت الهيئة إلى الانخراط بهذه العملية (سواء أكانت نتيجة ضغط خارجي من طرف مؤثر كتركيا أو غيرها، أم بهدف إحراج النظام وتسجيل نقاط عليه في المحافل الدولية أو انتزاع اعترافات غير مسبوقة أو مقبولة من قبله، أو براغماتية سياسية كما يزعم البعض، حتى لا تظهر هيئة المفاوضات بمظهر المعطل والرافض لعملية السلام أمام المجتمع الدولي) فمن المستبعد التوصل إلى أي اتفاق بخصوص الدستور، في ظل هذه المواقف والحيثيات وتباعد الرؤى والأهداف بخصوص هذه العملية، وفي ظل تضارب مصالح الدول الراعية للعملية أو المؤثرة في هذا السياق.

ثانيًا: لا معنى لأي عملية دستورية قبل التوصل إلى اتفاق سياسي، تكون هذه العملية أحد مخرجاته الأساسية. فمن البديهي أن عملية وضع الدستور السوري لا تتم من خلال سيرورة وصيرورة طبيعية وفي بيئة وتقاليد ديمقراطية وسياسية وقانونية يمكن الارتكاز عليها للوصول إلى هذا الدستور. وإنما تأتي بعد كارثة من أشد الكوارث التي شهدتها البلاد في تاريخها القديم والمعاصر، كلفت حتى الآن مئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين والمختفيين قسريًا والمختطفين والمغيبين، فضلًا عن ملايين النازحين واللاجئين في أصقاع المعمورة. وإن حرق المراحل والقفز فوقها والذهاب، كما هو حاصل اليوم، إلى العملية الدستورية قبل إنجاز هذا الاتفاق، أو قبل الاتفاق بالحد الأدنى على القضايا الأساسية، هو ضرب من العبث وإضاعة للوقت، وهو ما شهدناه خلال الجولات الخمس السابقة التي لم تبدأ حتى الآن بمناقشة أي من القضايا الإشكالية والجوهرية.

 فالعملية الدستورية في دول ما بعد الصراع ليست سوى تجسيد لما اتفق عليه الفرقاء (سواء أكانوا من الوطنيين أو الدوليين) وصياغتها في قالب دستوري، يتضمن مفردات الدستور، من شكل الدولة ونوع الحكم والحقوق والحريات ومؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية وصلاحياتها والفصل بين السلطات، وغيرها من القضايا التي يفترض أن هؤلاء الفرقاء قد حسموا أمرهم بشأنها في الحدود الدنيا، وضمنوها في اتفاقهم المعلن.

وفي الحالة السورية، مع الأسف، يبدو التوصل إلى مثل هذا الاتفاق بعيد المنال، إذا ما ترك للأطراف الوطنية وحدها. فالنظام ومؤيدوه -كما ذكرنا أعلاه- لا يعترفون بوجود الآخر للتفاوض معه أو للتوصل معه إلى اتفاقية سلام، حيث إن الآخر بالنسبة إليهم هو الإرهابيون الذين يجب القضاء عليهم لا التفاوض معهم. وفي الجانب الآخر، قسم كبير لا يستهان به من المعارضة، غير مستعد للتفاوض مع النظام، بأي حال من الأحوال، ويرى أن هذا النظام قد ارتكب ما يكفي من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ليفقد شرعيته ويغدو التفاوض معه أو الجلوس معه على طاولة واحدة أمرًا مستبعدًا، إن لم يكن -كما ذكر بعض الحقوقيين والناشطين- يرقى إلى الجريمة، كونه يسهم في إعادة تسويق المجرم وتعويمه من خلال هذه المفاوضات أو الحوارات الثنائية. ويرى هؤلاء أن الأمر الوحيد الذي يمكن التفاوض عليه هو كيفية رحيل هذا النظام، ومحاسبته على الجرائم التي ارتكبها.

وفي ظل غياب أي بوادر للوصول إلى اتفاق وطني حول حقيقة ما جرى، يرسم ملامح المرحلة المقبلة، وفي ظل تضارب المصالح للدول المنخرطة في المسألة السورية، يغدو الحديث عن العملية الدستورية ضربًا من الخيال واللا جدوى. فالقضايا التي لم تجد لها حلًا أو تقاربًا في المواقف في سياق عملية السلام ومباحثات السلام، من المؤكد أنها لن تجد آذانًا مصغية وتجاوبًا من خلال العملية الدستورية.

ثالثًا: إن آلية عمل اللجنة الدستورية وقواعد إدارتها وطريقة اتخاذ القرار بداخلها، في ظل غياب تفاهمات سابقة على القضايا الأساسية، كما ذكرنا أنفًا، لا يمكن أن نتوقّع منها اتخاذ أي قرار داخل هذه اللجنة، إذا ما تُرك للفرقاء وحدهم من دون ضغط وتدخل خارجي حاسم. فبحسب قواعد إدارة جلسات اللجنة الدستورية، لا يمكن لأحد من الفرقاء الاستفراد بالقرار، ولا بد من حصول التوافق بينهم لتمرير أي قرار، حيث يحتاج إلى موافقة 75% من أعضاء اللجنة، وهي الأغلبية التي لا يملكها أحدٌ حاليًا. وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاق بين الفرقاء على بند من البنود أو مادة من المواد؛ تبقى هذه المادة معلقة من دون حلّ إلى أبد الآبدين، حيث لا يوجد جدول زمني يفرض على الأطراف التوصل إلى اتفاق بحلول أجله. ولكون جميع القضايا المطروحة هي خلافية داخل هذه اللجنة، من مقدمة الدستور إلى اسم الدولة، مرورًا بصلاحيات الرئيس وشكل الدولة وغيرها؛ لا يتوقع لها إنجاز أي مادة من المواد أو الموافقة عليها في المدى المنظور.

رابعًا: إن المباشرة في العملية الدستورية، قبل التمهيد لها بإجراءات لبناء الثقة بين الأطراف، جعلت الشارع السوري ينفض من حولها حتى قبل أن تبدأ جلساتها، بحيث لم يعد يعوّل عليها أو يتوخى شيئًا من مخرجاتها. وتعدّ عملية إطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين ووقف الملاحقات والاعتقالات والمحاكمات للمعارضين والناشطين من أهمّ هذه العمليات، إلى جانب وقف الأعمال القتالية والعسكرية وقصف المدن والقرى، وضمان حرية الحركة والتنقل، والسماح بعودة من يرغب من اللاجئين والنازحين إلى ديارهم من دون أن يتعرضوا لأي شكل من أشكال العنف أو الانتهاكات.

فكيف يمكن لأحد أن يتخيّل مناقشة القسم المتعلق بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية في اللجنة الدستورية، ومناقشة صياغة بند الحرمان من الحرية، وهناك مئات الآلاف من المعتقلين ما زالوا يقبعون في غياهب المعتقلات والسجون؟! من الواضح أنه بدون البدء فورًا بإجراءات بناء الثقة لا يمكن لهذه العملية أن تستعيد ثقة الشارع ولا يمكن لأحد أن يراهن عليها بأنها سوف تساهم في بناء السلام ورأب الصدع بين الفرقاء وتجاوز الماضي.

خامسًا: لا يمكن لأعمال اللجنة الدستورية، أو لأي عملية أخرى، أن تُكلل بالنجاح قبل الوصول إلى إنشاء البيئة الآمنة والمحايدة. ويُقصد بالبيئة الآمنة البيئة التي يتمتع فيها السكان بحرية ممارسة حياتهم اليومية من دون خوف من أي شكل من أشكال العنف، وتعني انتفاء كل أشكال الخطر التي يمكن أن تهدد السكان والمواطنين. ووفقًا للحالة السورية، فإن هذا يشمل طيفًا واسعًا جدًا من الأخطار، بدءًا من خطر القتل، والاختفاء، والاعتقال، والتعذيب، والتجنيد القسري، وجميع الانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان. أما البيئة المحايدة، فهي البيئة التي تقف فيها الهيئة الحاكمة على مسافة واحدة من جميع المواطنين، على قدم المساواة من دون تمييز، وأساسها هو مبدأ سيادة القانون وإبرام قواعد واضحة ومعلنة لتتمكن جميع القوى السياسية والاجتماعية من المشاركة في عمليات الاستفتاء والانتخابات على قدم المساواة.

ومن المؤكد أن النظام ليس في وارد الحديث إطلاقًا عن إنشاء البيئة الآمنة والمحايدة، ولن يسمح بذلك، وسوف يعمد إلى تعطيل أي مبادرة أو خطوة في هذا الاتجاه، وسوف يستميت في رفضها، سواء أجاءت من جانب المعارضة أو من قبل أي طرف آخر؛ فالوصول إلى البيئة الآمنة والمحايدة يعني -بكل بساطة- تحييد وضبط عمل ونفوذ المؤسسة الأمنية والعسكرية، والبدء بعملية انتقالية سوف تُفضي بالضرورة إلى تغيير في بنية هذا النظام، وإلى الحد من نفوذه وسطوته على مؤسسات ومقدرات الدولة.

ولا أحد يتوقع من النظام الموافقة على إنشاء البيئة الآمنة والمحايدة أو المساهمة في تأسيسها، ولذلك فإن المخرج الآخر هو إنشاؤها عن طريق الأمم المتحدة، شريطة ألا تستخدم روسيا كعادتها حقّ النقض الفيتو. ومن هنا، يمكن لنا أن نستشرف ما هو المطلوب من العملية الدستورية، وما يمكن أن تصل إليه هذه العملية. فالمتابعة بالعملية الدستورية دون الوصول إلى البيئة الآمنة والمحايدة، وبمعزل عنها، لن تُنتج، في أحسن أحوالها، إلا دستورًا على شاكلة الدستور الحالي، هذا إذا تم الاتفاق على هذا الدستور أصلًا، وستكون نتيجة الاستفتاء عليه محسومة سلفًا لمصلحة النظام، سلبًا أو إيجابًا، إضافة إلى  أن إجراء الانتخابات بعيدًا عن البيئة الآمنة والمحايدة لن يختلف عن مثيلاتها في الوقت الحالي، لا من حيث الشكل ولا من حيث النتائج، فالمدخل للتغيير عنوانه العريض البيئة الآمنة والمحايدة.

سادسًا: لا يمكن فصل العملية الدستورية عن مجموعة العمليات والآليات الأخرى التي، كما قلنا سابقًا، يفترض أن تسبق أو يتزامن إنشاؤها مع هذه العملية، والتي من دونها سيكون أثر العملية الدستورية على سياق الأحداث محدودًا جدًا أو شبه معدوم. وقد تم التطرق إلى بعض هذه الآليات في قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ومنها هيئة الحكم الانتقالي التي لم يعد أحدٌ يتحدث عنها، إضافة إلى آليات العدالة الانتقالية المختلفة التي تشمل المحاكمات وإصلاح المؤسسات وبرامج جبر الضرر والتعويضات ولجان الحقيقة، مع أوسع مشاركة ممكنة لأصحاب المصلحة في تصميم وتنفيذ ومراقبة هذه العمليات.

ومن غير المتوقع أن يوافق النظام، لا على المدى القريب ولا البعيد، على تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، ولا على أي برنامج وطني للعدالة الانتقالية، أو على أي آلية من آلياته المتعددة. فمحور العدالة الانتقالية هو الضحايا، والعدد الأكبر منهم وقع على أيدي النظام وحلفائه، وإن إعادة بناء ما تهدّم والتأسيس للمستقبل استنادًا إلى ذاكرة الضحايا تعني بالمحصلة اعترافًا بمسؤولية النظام عن هذه الجرائم والانتهاكات. وفي المقابل، هناك أطراف من المعارضة ترفض أيضًا فكرة العدالة الانتقالية، إمّا لإن مرجعيتها هي حقوق الإنسان وإما لأنها هي نفسها متورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ويبقى المخرج لهذا المأزق، كما ذكرنا في الفقرة السابقة، أن يتم فرض هذه الآليات من خلال القرارات الأممية، إذا وافق الجانب الروسي وسمح بذلك.

في النهاية، وجوابًا عن سؤالنا في بداية الورقة: هل سيُكتب النجاح لعمل اللجنة الدستورية؟ نقول: مع الأسف، لا شيء يدعو للتفاؤل حيال عمل تلك اللجنة، لا من حيث المقدمات التي كان يفترض أن تسبق هذه العملية أو تمهّد لها، وأوّلها إجراءات بناء الثقة بين الأطراف والتوصل إلى اتفاق سياسي بينهم؛ ولا من حيث البيئة التي يفترض توفرها لعمل اللجنة، وهي البيئة الآمنة والمحايدة التي، من دون إنشائها والتأسيس لها، لا معنى لأي عملية لاحقة، ولا لتطبيق الالتزامات الواردة في القرارات الأممية ذات الصلة بهيئة الحكم الانتقالية والتسلسل الزمني لهذه العملية، وربط كل ذلك مع آليات العدالة الانتقالية بمختلف تطبيقاتها. ويضاف إلى كل ذلك طريقة عمل اللجنة وطريقة اتخاذ القرارات داخلها، مصحوبًا بتأثير وتدخلات خارجية يبدو حتى الآن أن لها اليد الطولى في إدارة هذه العملية، وفي ظل الخلافات العاصفة داخل وفد المعارضة، والنداءات المختلفة لإعادة تشكيل هيئات المعارضة التي لا يستبعد أن نشهد تجاوبًا معها، في المرحلة القادمة، ليس دفاعًا عن مصالح المعارضة، وإنما لإعادة تشكيل دوائر النفوذ داخل هذه الهيئات. كل ذلك يجعلنا لا ننتظر من هذه العملية مخرجاتٍ يمكن أن تُسهم في تجاوز حقبة الماضي، ورأب الصدع بين مختلف مكونات الشعب السوري، والوصول إلى الدولة الديمقراطية المنشودة القائمة على سيادة القانون والمواطنة واحترام حقوق الإنسان وحمايتها.