تتركز في هذه المرحلة أولوية المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وإيران المقرر استئنافها هذه الأيام في فيينا من جديد، على وضع حد للجموح الإيراني، والحؤول دون تنمية قدرات إيران النووية، ولكن هل ما تسعى له كل من الإدارة الأميركية وإسرائيل يمكن حصره في منع إيران من الحصول على سلاح نووي، وفق نص اتفاقية خمسة زائد واحد التي وقعت عام 2015، بمباركة من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الذي وصف الاتفاق صبيحة التوقيع بـ “المهم”، وأكد “أنه على ثقة أن إيران لن تتمكن من صنع قنبلة نووية”، معتبرًا أن “الاتفاق النووي أوقف انتشار السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط”؟

إن سياق ما حدث والانسحاب الأميركي من الاتفاق 2018 يوضح أنه لم يأت على مقاس المطالب الأميركية، وتاليًا الإسرائيلية، حيث يسعى كل منهما لأن يشمل الأمر، أيضًا، تحجيم قدرات إيران الصاروخية، والحد من نفوذها الإقليمي، وإعادة توظيف أدوارها المشبوهة في المنطقة بما يخدم مصالحهما فقط.

 وعلى ذلك، فإن الخلاف الإسرائيلي مع الدول الأوروبية التي تعطي أهمية خاصة لعودة الاتفاق مع إيران، وفق هيئته السابقة الموقعة عام 2015، هو الذي دفع إسرائيل إلى إعلان موقفها، والإصرار على تجاوز الاتفاق قبل حدوثه، وترك المساحة لنفسها منفردة في التعامل مع القدرات الإيرانية النووية المتنامية، حسب تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت، إذ قال: “لن تلتزم إسرائيل بالاتفاق النووي الإيراني في حال التوقيع عليه مجددًا…إيران تتواجد في الوضع الأكثر تقدمًا في برنامجها النووي…. ويتعين على إسرائيل الحفاظ على حرية التصرف والقدرة على التصرف، مهما كانت الظروف السياسية”، ما يعني أن الخلاف في الأولويات الذي ساد ما بعد توقيع 2015، والملاحظات التي أدت إلى الانسحاب الأميركي منه سابقًا، لا تزال تهدد الاتفاق حتى بعد عودته والتزام إيران ببنوده.

وهنا السؤال: هل ستذهب الولايات المتحدة الأميركية، ومعها إسرائيل، إلى الآخر، أي إلى الحد الذي يقوّض قوة إيران، وامتدادها الإقليمي، وخاصة تواجدها في سورية؟ لأن الطرفين المذكورين كانا سكتا عن ذلك التمدد، منذ إتاحة المجال لها، ولأذرعها الطائفية الميليشياوية العسكرية، لأخذ العراق، وبعده التدخل العسكري المباشر في سورية، ما جعل عددًا من المسؤولين الإيرانيين يعلنون صراحة أنهم يسيطرون على خمس عواصم عربية (صنعاء، وبيروت، وبغداد، ودمشق، وكذلك قطاع غزة)، إضافة إلى مدن عربية خليجية غارقة تحت سيولة الاستثمار الإيراني، وهذا ما يفرض التساؤل: هل ستكون الضربات الإسرائيلية جزءًا من عملية “تحرير” العواصم العربية من الهيمنة الإيرانية؟ وهل يصبّ التقارب العربي الإسرائيلي فعليًا في خانة إعادة تصنيف الأعداء في الشرق الأوسط؟

لقد استطاعت إيران تحقيق ذلك التمدد، بدعم شعبي لها، في بعض الدول، كسورية ولبنان، تحت غطاء “مقاومة إسرائيل”، أو انتصارًا للقضية الفلسطينية، لكن تمددها في الدول التي هيمنت عليها، عسكريًا أو اقتصاديًا، عبر استثماراتها الضخمة فيها، أدى إلى خدمة إسرائيل أكثر من الإضرار بها؛ لأن ذلك التمدد والتغلغل المجتمعي والديني أسهم في تمزيق وحدة مجتمعات المشرق العربي، على أسس طائفية، أي أن الوجود الإيراني نجح في إنجاز ما عجزت إسرائيل عن إنجازه منذ قيامها، وإضافة إلى ذلك، أدى إلى تقويض سيادة الدولة في بعض تلك البلدان، وإنهاء ما يسمى جبهة عربية مفترضة ضد إسرائيل، كانت تتمثل (ولو شكليًا) بالجيشين السوري والعراقي المدعومين عربيًا، بعد تحييد الجيش المصري عقب اتفاقية كامب ديفيد 1978.

القصد هنا أن كل هذا العداء الأميركي والإسرائيلي لإيران لا يعني أنه وصل إلى المرحلة الحاسمة، بالرغم من كل الضربات الإسرائيلية المسكوت عنها، أميركيًا ودوليًا، كما قد يعتقد أو يرغب البعض، أو أنه يصب فعليًا في مصلحة الشعوب العربية أو أنظمتها التي تعادي إيران، إذ إن التداعيات الناجمة عن ذلك ذات مروحة خيارات واسعة، من تقليم أظافر إيران، إلى إنهاء نفوذها تمامًا، وبين هذين البعدين ثمة خيارات وسط، كلها تتعلق بمدى رؤية الطرف الأميركي لبقاء الاستثمار، أو التوظيف الأميركي والإسرائيلي لإيران، وسياساتها، في بلدان المشرق العربي، للقيام بالدور “المشبوه أو القذر” عنها، أي للقيام بما تعجز إسرائيل عن القيام به، بغية إضعاف تلك البلدان، بحيث تبقى دولة الاحتلال الإسرائيلي الدولة الأكثر استقرارًا وتطورًا في المنطقة.

مع ذلك، أو ضمن تلك المروحة، يمكن ملاحظة بعض الخلافات، أو التباينات، بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فمن جهة إسرائيل، نجدها تشعر بأنها هي التي تتأثر بأي نقطة زائدة لدى إيران، وأنها معنية لهذا السبب بالعمل المباشر للرد، بدل ترك الأمور لمزيد من مراكمة النقاط لصالح النظام الإيراني الذي تصفه بأنه “هشّ، لا ينجح في توفير الماء لمواطنيه، اقتصاده ضعيف، والحكومة فاسدة، وتسيطر بقوة الذراع والتخويف”، وكل هذا يجعل إسرائيل تعتقد أن الوقت مناسب لخنق إيران، لا لفكّ الحصار عنها.

أما من الجانب الأميركي، ومعه الغرب الأوروبي، فهما يريان أن الأولوية الآن يجب أن تتركز على وضع قيود على برنامج إيران النووي، كمرحلة أولى، قد تكون مجرد كسب وقت يفسّره كل طرف لمصلحته، وفي كلتا الحالتين ليس للمصالح العربية أي دور في حسابات العودة للاتفاق من عدمها، حيث إن الوجود الإيراني في العواصم العربية ليس في موضع تهديد من أي جهة خارجية، لأنه يمثل العصا والجزرة بآن معًا، بِـيد الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل معًا، لاستخدامه على السواء مع العرب أو ضدهم.