نشرتُ مقالة سابقة، عنوانها “تفكيك الثنائيات والسلم الأهلي السوري”[1]، في 13 شباط/ فبراير 2021، وكان المغزى منها دعوة السوريين للكفّ عن متابعة التعاطي مع الشأن السوري، من خلال قوالب ذهنية تصنيفية وجدنا أنفسنا واقعين في إسارها، على المستويين العقلي والعاطفي-النفسي، وأشرت إلى ضرورة المباشرة بهدم ثنائيات “داخل/ خارج، موالي/ معارض، معارض داخلي/ معارض خارجي”. إنها دعوة للسوريين كلّهم من أجل استكشاف اتجاهاتهم وقيمهم والتعرّف إليها من جديد، من منطلق مختلف، بعيدًا عن آليات التفكير المَعيبة، كالتعميم، وإطلاق الأحكام المسبقة، أو القاطعة والنهائية، أو استخدام المِصفاةَ (الاستغراق بالذاتوية والرغبوية) التي لا تسمح لنا عادة إلا برؤية ما نريد رؤيته، وأشرت إلى أهميّة إعمال التفكير الموضوعي النقدي، من خلال استخدام مجموعة من الأساليب والخطوات والأدوات التي تُمكِّننا من الوقوف على الحقيقة، والتَّعامل معها على ما هي عليه، بعيدًا عن الذَّاتيَّة والمُؤثِّرات الخارجيَّة وفحص وتقويم الحلول وبدائلها المعروضة، من أجل إصدار حكم أو اتخاذ قرار حول الظاهرة موضوع البحث، بعيدًا عن أيّ تصنيف سياسي أو اثني أو مذهبي، لأنهم أهل البلد، تجمعهم الوطنية السورية، باعتبارها هويتهم النهائية، ما داموا لم يتورطوا في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

ويمكن تلخيص الفرضية المحرضة على طرح فكرة السِّلم الأهلي بين السوريين، من خلال السؤال: هل نضجت الظروف لإطلاق مبادرة تلمّ أشلاء السوريين؟! يمكن التحقق من الفرضية، إذا تمكّنا من معرفة ما يجمعهم من اتجاهات وقيم تتصل بالمسألة السورية، وصياغة رسالة، أو إعلان مبادئ، أو بيان يتضمن الحدود الدنيا من تلك القيم والاتجاهات والأفكار المشتركة التي قد تشكّل خيطًا يكون بمنزلة رمزٍ لإمكانية اتفاقهم على الخروج من حالة الانقسام العميق في ما بين مكوناتهم، وبداية التحرر من الثنائيات.

لقد وجد السوريون أنفسهم -بعد سنوات الحرب المؤلمة- عالقين في مكانٍ لم يتمكنوا من مغادرته، وهم في حالة من الاستنزاف المركّب لقدراتهم البشرية ومقدرات بلدهم المادية، في وقتٍ يؤجج فيه المتصارعون على سورية العواطفَ التي تغذي نزعة الحرب والعداوة بين السوريين الخاسرين الوحيدين تقريبًا في هذه المقتلة العبثية.

فسورية تعيش كارثة حقيقية متعددة الأبعاد، يعجز أيّ طرف من أبنائها عن الخروج منها منتصرًا أو، على الأقلّ، سالمًا، وهذا يعني عدم قدرتهم على الحركة الإيجابية والفاعلة والبناءة، في ظروف هيمنة قوى إقليمية ودولية عديدة، تمسك بمصير البلاد ولا تريد للسوريين أن يتحرروا من الكارثة أو أن يخرجوا من أتون الصراع الذي كاد أن يأتي على ما تبقى من سورية.

لقد خسر جميع السوريين أرواحًا عزيزة على قلوبهم، فقدوا ممتلكاتهم المادية، هجَّ الملايين منهم إلى أصقاع الدنيا كلاجئين، وغادروا بيوتهم وما تبقى من أرزاقهم كنازحين، وتدهورت الأحوال المعيشية لمن بقوا مستقرين في داخل سورية، وتضاعفت معاناتهم اليومية، وهم يُجاهدون في سبيل تأمين أبسط متطلبات الحياة اليومية، وسط ظروف يزداد معها النهب والفساد وتزدهر عمليات الخطف والسلب، وتتضاءل عوامل الأمان الشخصي للمواطنين.

لقد باتت مهمة تعرّف اتجاهات السوريين إزاء القضايا التي تتصل بواقع الأزمة، وتصوراتهم حول آفاق الحلّ المحتملة، ضرورةً مُلحَّة. ولبلوغ ذلك؛ تم اختيار أحد الأساليب العلمية (استبانة قياس الاتجاهات) ليتم تطبيقه على عيّنة ممثلة لجميع أطياف السوريين، بغض النظر عن اتجاهاتهم السياسية وأماكن وجودهم، ويمكن لمخرجات الاستبانة أن تُسَهِّل عمل نُخبة من السوريين من أجل بلورة مبادرة للحوار، أو دعوة للقاءات وطنية بين القوى السورية الفاعلة بين الأوساط الشعبية، وتعزيز عوامل الثقة التي نصّت عليها قرارات الشرعية الدولية -فوق التفاوضية- والانتقال بالبلاد إلى مرحلة الانتقال السياسي الشامل.

تتناول الاستبانة عددًا من المحاور/ الموضوعات، تم التعبير عن كل عنوان منها من خلال عدد من الأفكار/ الآراء القادرة على استيعاب اتجاهات السوريين نحوها، بدءًا من إعلان الموافقة عليها، إلى إعلان الحياد، ثم إلى الرفض. إنه مقياس ليكرت خماسي الأبعاد، المخصص لقياس الاتجاهات نحو القضايا التي يتضمنها والتي تثير الجدل والاختلاف بين أطياف السوريين المتنوعين: سياسيًا ودينيًا ومذهبيًا واثنيًا واجتماعيًا…

بعد مقدمة الاستبانة لبيان الهدف منها، سيقوم المستجيب بتقديم بعض المعلومات الشخصية: العمر والتعليم والحالة الاجتماعية والعملية ومكان الإقامة… إلخ. ثم ينخرط في الإجابة عن اتجاهاته نحو كل بند في الاستبانة التي تضمّ القضايا/ الموضوعات التالية:

الاختلاف والعيش المشترك – الإرهاب والاستبداد – الهوية ما بين الوطنية – القومية – الدينية – العالمية – شكل الدولة وعلاقتها مع الدين – أهمّ الأخطار المقلقة على المستوى الشخصي – أهمّ الأخطار المقلقة على المستوى الوطني – العدالة الانتقالية – الأمن والأمان – المعارضة والموالاة – أساليب حل الأزمة السورية.

يتم التعبير عن كل موضوع من خلال مجموعة بنود [2]، مثلًا، للتعبير عن فكرة الاختلاف والعيش المشترك، تمت صياغة البنود التالية:

– أشعر بالأمان لو تمكنت من العيش في بيئة تشبهني اجتماعيًا وسياسيًا.

 – سوف يتمكن السوريون من العيش معًا على الرغم من اختلافاتهم السياسية.

– لم يعد بإمكان السوريين المتباينين دينيًا أو مذهبيًا العيش معًا بعد ما جرى في سورية.

 – يعجبني أني أنتمي إلى شعب سوري متنوع المكونات الدينية والاثنية.

وإجابة المستجيب عن كل بندٍ تراوح بين خمسة خيارات موزعة على مُتصل، تُمثل الإجابتان: موافق بشدة……………….. وأرفض بشدة، قطبَي المتصل، وبينها خيارات أخرى.

ما قيمة هذا التجربة؟

لم تَبْنِ “المعارضة السياسية”، بجميع مستوياتها وهياكلها، قراراتها استنادًا إلى معلومات مستمدة من الواقع المدروس، بل كانت وما زالت قراراتها بمنزلة ردات أفعال اعتباطية على أحداث أو أفعال قوى أخرى، لذا كانت تنتقل من فشل إلى فشل، ومن خيبة إلى خيبة أخرى، إلى أن بلغ الإخفاق مستويات جعلت كثيرًا من السوريين يفقدون ثقتهم بها، وباتت هدفًا مشروعًا للنقد وأكثر، وبدأت تنهض دعوات لبناء أجسام بديلة.

ما يهمّنا اليوم هو التعرّف إلى ما يجمع السوريين، من خلال الوقوف على اتجاهاتهم وقيمهم حول القضايا المطروحة في هذه الاستبانة. وبالطبع، يمكن عمل مقاييس أخرى لمعرفة اتجاهات السكان على المستوى المُكبر (المجتمع) أو لمعرفة اتجاهات مجموعات سكانية لها خصائص: مذهبية، سياسية، جندرية، اجتماعية… إلخ.


[1] https://bit.ly/2YwMz2l

يمكن الدخول إلى الاستبانة والمشاركة في ملئها

[2] https://bit.ly/3uRa5DD