نجح المجتمع المسيحي في أوروبا في التوصّل إلى تسوية مسيحية مع ذاته، بعد صراع فكري وسياسي وعسكري، راح ضحيته ملايين الأبرياء! استطاع خلاله فلاسفة التنوير أن ينتصروا للعقلانية والواقعية، بعد صراع مرير مع رجال الدين والعقلية الشعبوية المستسلمة للكنيسة، امتد من القرن الحادي عشر حتى تكلل بنصرٍ للعقلانية والتنوير في القرن السابع عشر.

هذه التسوية المسيحية كانت مصالحة مع العقل والعصر، وضعت المجتمع الأوروبي على سكّة النهضة والتحضر والتنمية، واستطاعت أن تحقق له الفردوس الأرضي، من خلال الدعوة إلى التعايش مع العصر بشروطه ومستلزماته.

وأهمّ ما في التسوية المسيحية أنها رسمت حدودًا واضحة بين الديني والدنيوي؛ فعرف رجل الدين حدوده ولم يتخطّها، وانطلق العمل الدنيوي -سياسيًا واقتصاديًا وعلميًا- من دون تدخل الكنيسة فيه، فأوقفت هذه التسوية الحروب الأهلية والطائفية التي استمرت قرونًا عديدة، لتتأسس حرية إنسانية حقيقية، حققت الكرامة والعدالة الاجتماعية من دون أن تتخلى عن جوهر الإيمان المسيحي.

والسؤال: هل نستطيع نحن في شرقنا البائس، بعد كلّ هذه الخيبات والهزائم والخروج من النسق العالمي والحضاري وهذا التخلف والتقهقر، أن نقوم بتسوية إسلامية، توصلنا إلى فهم عصري لوظيفة الدين ودور رجاله، فتضعنا هذه التسوية على طريق النهضة؟

ما المقصود بالتسوية الإسلامية؟

نقصد بها المحافظة على جوهر الدين، توحيديًا وعباديًا وأخلاقيًا، فنرسم الحدود بدقّة بين ما هو ديني وما هو دنيوي، فلا يتدخل الديني بالدنيوي، ولا يشغب الدنيوي على الديني، ومن ثَمَّ نذهب في بعض النصوص المحرجة لنا، من ظاهرها إلى مقاصدها.

المشكلة لدينا أن سدنة الدين الموازي استطاعوا إقناع العقل المسلم بعدم وجود حدود بين الديني والدنيوي، وصار يحق للديني التدخل في كلّ ما هو دنيوي، لأسلمته، فانتقل وهْمُ الأسلمة إلى زوايا الحياة كلها، وإلى مجالات الإبداع جميعها، فأصبح تعميد رجل الدين لأي عمل دنيوي، بدعوة الأسلمة، دينًا موازيًا لا بدّ منه. تدخلوا في الآداب والفنون، فتحنّط العقل المسلم عن الإبداع! وشغبوا على المجال العلمي والعقلي، فهرطقوا الفلاسفة، وفسَّقوا علماء الفيزياء والكيمياء، فتخلفنا! وأفتوا بأن السياسة هي عينُ الدين، فقدّسنا الاستبداد قرونًا عددًا.

وفي عصر الصحوة الإسلامية التي كانت وبالًا على المجتمع، من السياسية حتى الفن، اخترعوا بدعة أسلمة العلوم الحديثة، فبدؤوا بظاهرة “الإعجاز العلمي” في القرآن والسنة، التي أثبت العلمُ أنها خرافة وتمحّل، إذ حمَّلت النص الديني ما لا يحتمل، ليتدخلوا في العلوم كلها.

وقالوا بالاقتصاد الإسلامي الذي ثبت أنه وهم! فالإسلام لم يأتِ بنظام اقتصادي، لأن النظم الاقتصادية متغيرة ومتطورة، لكنه دعا إلى قيم اقتصادية تمنع الغش، والتدليس، والاحتكار، والفساد. لذا يجب أن نعترف بأن الإسلام لم يأتِ بنظام اقتصادي، كالأنظمة المعروفة في العصر الحديث، وبأن ما سُميَ بالاقتصاد الإسلامي وشركاته وصيارفته كان وهمًا كبيرًا انتهى بفشل ذريع! فهل نستطيع أن نقوم بتسوية سياسية في مجال الاقتصاد، ونستحدث نظامًا اقتصاديًا متوافقًا مع عصر البنوك وقوانينها؟

تديّن مغشوش يحتاج إلى تسوية!

إن التديّن الذي نعيشه تدينٌ مغشوش، استقى كثيرًا من مفاهيمه من الدين الموازي، لا من الدين الحنيف، وقد ثبت أن هذا التدين المغشوش، بتلك المفاهيم والاجتهادات البشرية المقيّدة للدين الحنيف وإنسانيته، لم يعد صالحًا لهذا العصر، إذ إنه كبَّل المجتمع ومنعه من التطور ومواكبة العصر، لذلك نحن بحاجة إلى تسوية شجاعة مع مفاهيمنا الدينية المُجْتَهدة بشريًا التي حنطته على فهم القرون الأولى.

هذه التسوية التي ندعو إليها تحتاج إلى شجاعة تتحرر من ظاهرية النص، ولكنها لا تخرج عن مقاصده، فقطع يد السارق حكم غير حضاري اليوم، ولقد كان صالحًا لعصر الرسالة، وله زمكانيته، أما اليوم فعلينا الخروج من ظاهر القطع إلى قوانين مستحدثة، لا تجعل هذا السارق معاقًا طوال حياته، بسبب القطع، إنما تدخله السجن ليعاد تدويره كمواطن صالح يخرج من السجن، ليشارك في بناء المجتمع من دون أن يكون معاقًا، وهنا نكون قد خرجنا من ظاهر النص إلى مقاصده بروح العصر، من خلال تسوية إسلامية عاقلة.

وكذا الأمر مع عقوبة الجلد والرجم، التي لم تعد مقبولة اليوم، ولكن هناك عقوبات تعزيرية يستطيع المشرع القانوني ابتداعها، ومن ثمّ نتحول من ظاهر النص الذي كانت له زمكانية مقبولة، إلى مقاصده المتمثلة بمعاقبة الزاني والمغتصب، وبذلك نقوم بتسوية إسلامية عاقلة.

وكذلك “هيئة الأمر بالمعروف”، وما يسمى بجهاز “الحسبة”، انتهت فعاليتها، بوجود الأجهزة التنفيذية التابعة للسلطة التشريعية التي تشرف على تطبيق القانون العام، من خلال مؤسساتها المختصة (جمارك، شرطة، حماية المستهلك، قوانين السير والصحة العامة… إلخ) وهذا مجال لم يعد لجهاز “الحِسبة” المعروف قديمًا أي دور فيه، إنما الدور والفعل للجهات المختصة المشرفة على تنفيذ قوانين السلطة التشريعية، وهذا نوع مهم من أنواع التسوية الإسلامية المُحَدَّثة التي يقوم عليها النظام في أي دولة متطورة.

والعقل البشري اليوم بإمكانه أن يسنَّ قوانين رادعة وعقابية، لكل من يخالف القانون العام، تذهب مع مقصد النص لا ظاهره، بعد أن فُطم عن وحي السماء، ولولا ثقة الله عزّ وجل بهذا العقل؛ لما أوقف بعث الرسل، وختم الرسالات السماوية برسالة محمدﷺ.

في الجانب السياسي، نحتاج إلى إبعاد الدين عن السلطات الحاكمة، التي سخرته لمشروعاتها، فلا تتلوث طهرانية الدين بمشروعات الاستبداد، ولا يخضع الدين لمآرب المستبدين والسلطة الحاكمة، ويشرعن قراراتها الجائرة ضد المجتمع. وتلك تسوية شجاعة، إذا وصلنا إليها، فسننهي كثيرًا من مشكلاتنا التي جعلها المستبد خادمة لبطشه بالمجتمع ومن يعارض سياسته. فالإسلام لم يضع نظامًا سياسيًا، إنما وضع أسس الحكم الرشيد المتمثلة بالعدل وتحقيق الأمان ونهضة المجتمع، فلا يوجد نظام سياسي بالإسلام، وتلك من تمحلات سدنة الدين الموازي، نحتاج إلى تسوية إسلامية شجاعة معها.

إن ظاهر النص تاريخاني/ زمكاني، أما مقصده فهو إنساني خالد، وعندما نذهب في عصرنا إلى مقصد النص فنحن لا نعطله، ولا نلغيه، إنما نسير مع مقاصده، كما فعل عمر بن الخطاب في عصره، من دون أن يُقال إنه كان متآمرًا على الإسلام؛ إذ وجد أن ظاهر النص لم يعد يتناسب مع مصلحة المجتمع، فأوقف حد السرقة عام الرمادة، وتوزيع سواد العراق على الفاتحين، وسهم المؤلفة قلوبهم وغيرها، وهذا يعني أن عمر أول من قام بتلك التسوية والمصالحة مع العصر لمصلحة المجتمع.

أخيرًا: إن القضية تحتاج إلى شجاعة في استخدام العقل والمنطق وعلوم العصر، من دون الخروج عن مقاصد الدين التي هي روح النص ومراده، فالنصوص ثابتة ومتناهية، والحوادث والوقائع غير متناهية ولا ثابتة، وإن قياس الثابت على المتحرك قياسٌ فاسد وضار بالمجتمع.

إننا بحاجة ماسة إلى فهمٍ معاصرٍ للتدين، حتى نتوقف عن الخلط بين “الديني والدنيوي”، ونرسم الحدود بجلاء بينهما. وأعود لسؤالي الذي قدمته آنفًا: هل نحن بحاجة إلى تسوية إسلامية؟ إذا كان بعض من يعيش مستمتعًا بتخلفه مدعيًا خوفه على الدين، خائفًا من هذه التسوية، فالأيام القابلة ستفرض شروطها عليه، أو سيعيش كأهل الكهف، يلعن الملك ويتعامل بنقوده.