في منتصف نيسان/ أبريل الماضي، تناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي خبرًا عن قيام التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة بتشكيل جيش عربي شرق الفرات، وعن افتتاح مكاتب، في منطقة الشدادي (50 كم جنوب الحسكة) لتسجيل وتجنيد عناصر جدد، من خارج إطار “قوات سوريا الديمقراطية/ قسد”، مقابل رواتب شهرية تراوح بين 350-400 دولار أميركي.

وتعددت الآراء حول الأسباب التي دعت الولايات المتحدة إلى اتخاذ مثل هذه الخطوة، حيث أدرجها البعض في إطار الترتيبات التي تتخذها الولايات المتحدة لمواجهة إيران والنظام، على الطرف الآخر من نهر الفرات، وفق ما نقلت وكالة (سبوتنيك) الروسية، وأيّدها كثير من الناشطين، بينما ذهبت آراءٌ أخرى إلى أن مهمة هذه القوات سوف تنحصر في حماية حقول النفط وناقلاته، بدليل استقلالها عن (قسد) وارتباطها مباشرة بقيادة التحالف.

في حين ذهب رأيٌ، هو أكثر موضوعية، إلى أن واشنطن بصدد تشكيل “جيش عربي” شرق الفرات، من أجل الاعتماد عليه، بعد ثبوت عمالة وارتزاق (قسد) التي قامت بتهريب قيادات تنظيم (داعش) عبر صفقاتٍ سرية أبرمتها معهم، ومحاولاتها ضرب السلم الأهلي شرق الفرات، واتجارها بالمخدرات، ووقوفها خلف التفجيرات والمفخخات التي ضربت المدنيين في الشمال السوري، كما ضربت القواتِ الأميركية، وذلك في سبيل إثبات أن تنظيم (داعش) ما يزال على قيد الحياة، وأنه قادر على تهديد السلم والأمن الدوليين، لتأكيد ضرورة استمرار الدعم الأميركي المقدّم لـ (قسد)، فضلًا عن استمرارها بالتعاون والتنسيق مع النظام والإيرانيين.

ويعزز هذا الرأي ما تسرّب عن اجتماع، عُقد في السادس من نيسان/ أبريل، في مبنى إدارة حقول الجبسة في الشدادي، وحضره ممثلون عن التحالف الدولي وآخرون عن العشائر العربية، إضافة إلى مظلوم كوباني قائد “قوات سوريا الديمقراطية”، وخُصص للاستماع لمطالب وشكاوى العشائر العربية، وتلقى كوباني انتقادات واسعة من الجانب الأميركي.

منذ إعلان هذا التشكيل؛ طافت على السطح أسئلة عدة عن جدوى هذه الخطوة، يأتي في مقدمتها أن قوات التحالف التي أشرفت على تشكيل (قسد) قبل خمس سنوات، تعلم يقينًا أن الغلبة العددية في “قوات سوريا الديمقراطية” هي للعرب الذين يشكلون 86 % من تعدادها، وإذا كانت راغبةً في تشكيل جيش عربي -مع معارضتي شخصيًا لتشكيل جيوش عرقية أو قومية أو دينية- فما عليها سوى الطلب من هؤلاء الانفصال عن (قسد) وتشكيل الإطار المطلوب. وإلا؛ فما هي الفائدة من إضافة فصيل جديد مع الحفاظ على التشكيل القديم! أما إذا كانت هذه الخطوة تأتي في سياق الترتيب لمواجهةٍ مع إيران؛ فإن الفصيل الذي يواجه قوات النظام والميليشيات الإيرانية شرق الفرات هو عربي بحت، ويتمثل في مجلس دير الزور العسكري التابع لـ “قوات سوريا الديمقراطية”، وهو فصيل يضم آلاف العناصر المدربة التي خاضت معارك عديدة في مواجهة تنظيم (داعش)، وليس هناك مسوغ أيضًا لتجنيد مقاتلين جدد يفتقرون إلى خبرة عسكرية، وهو ما يدعمه العلم العسكري أيضًا.

لم تدم هذه الأسئلة طويلًا، حتى بدأت تتضح معالم الخطوة، فبعد التحاق المئات من الشبان العرب بالتشكيل الجديد، تواصلت القوات الأميركية مع متعاقدين ومستخدمين سابقين، كانوا يعملون معها في محيط القواعد التي كانت تشغلها على الطريق الدولي قبل الانسحاب منها العام الماضي، فالتحق عددٌ منهم، ومن بينهم عددٌ من أبناء المكون الكردي، وبذلك فقدت صفة العروبة التي أضيفت إلى اسم التشكيل مصداقيتها، ثم كشف مصدر كردي مطّلع لموقع (باسنيوز) الكردي أن عملية التجنيد المذكورة تتم بالتنسيق مع “قوات سوريا الديمقراطية”؛ فلماذا إذًا تعمد الولايات المتحدة إلى تشكيل إطارٍ جديد مستقل عن (قسد) بالتعاون معها؟ لفهم ذلك لا بد من العودة إلى الوراء قليلًا.

إن الحوارات الكردية-الكردية، بين المجلس الوطني الكردي، وحزب الاتحاد الديمقراطي، التي أعلن البيان الأول منها، في السابع عشر من حزيران/ يونيو، بالتزامن مع بدء تنفيذ قانون قيصر، لم تبدأ في شهر نيسان/ أبريل الماضي، بل كانت قد بدأت قبل عامين تقريبًا، برعايةٍ فرنسية وأميركية، وبريطانية في بعض الأحيان. وعقدت بعض جولاتها في أوروبا، وبعضها الآخر في شرق الفرات، بين الحسكة وعين العرب وعين عيسى، وشاركت فيها وفود أميركية وأوروبية عديدة، غير أنها لم تتمكن من تسجيل أي اختراق، على الرغم من كل الضغوط التي وقعت بسبب تعنت الطرفين.

وفي سبيل دعم المبادرة التي تقدمت بها فرنسا، في أيار/ مايو 2019، قام مسؤولون أميركيون بتهديد الطرفين الكرديين بالاستغناء عنهما، والاعتماد على العشائر العربية والكردية شرق الفرات، وفق ما قالت (كوردستريت) في ذلك الوقت، إلا أن هذا التهديد لم يؤد أيضًا إلى نتيجة تُذكر.

ومع انطلاق أولى جولات الحوار، في نيسان الماضي، وفي سبيل تدعيم موقفها، أعلنت قيادة التحالف تشكيل ما اصطُلح على تسميته “الجيش العربي”، كوسيلة ضغط لإنجاح المفاوضات، وبذلك تحوّل العرب شرق الفرات إلى عصًا تهدد بها الولايات المتحدة الأميركية مَن يرفض أوامرها. ولذلك، فإن الطرفين الكرديين كانا على علم بالدوافع الحقيقية خلف إعلان هذا التشكيل، وهو ما استند إليه مصدر (باسنيوز) المذكور سابقًا، في أن عملية التجنيد تتم بالتنسيق مع “قوات سوريا الديمقراطية”، وهو يقصد أنهم يعرفون خلفية ذلك وأسبابه.

ولكن، لماذا تصرّ الولايات المتحدة على توحيد الطرفين الكرديين، على الرغم من أن أول تفاهماتهما تمخض عن رؤية سياسية تتبنى صيغة فدرالية لما يسمى “مناطق كردية”، الأمر الذي يهدد وحدة البلاد، وينذر بحرب أهلية قد لا تُبقي ولا تذر؟ خاصة مع وجود رفض سوري واسع لهذه الرؤية، تمخض عنه بيان الشخصيات السورية الثمانمئة الموقّع في السابع من حزيران/ يونيو الجاري.

يعرف المختصون القانونيون أن المطالبة بالفدرالية أو اللامركزية السياسية لا يمكن أن ترى النور بقوة المحاكم الدولية ولا بالمفاوضات، ولا يمكن أن تفرضها أي قوة عظمى، ذلك أنه لا يوجد ما يدعمها أو يحافظ على شرعيتها في القانون الدولي، وأن المنفذ الوحيد لذلك يتمثل في انتزاع اعتراف بها من السلطة السياسية الشرعية في البلاد، المتمثلة ببشار الأسد الذي ما يزال رئيسًا معترفًا به في العرف الدولي.

وكانت المفاوضات بين النظام وحزب الاتحاد الديمقراطي قد وصلت -نهاية العام الماضي- إلى طريق مسدود، حيث رفض النظام الاعتراف بالإدارة الذاتية التي أسسها الحزب شرق الفرات، لأسباب عديدة منها أن الحزب لا يمثل كل الأكراد، حيث ينضوي المجلس الوطني الكردي في إطار الائتلاف الوطني المعارض. وفي إطار التجهيز للعودة إلى المفاوضات بين الحزب والنظام، تحت وقع قانون قيصر، يتم توحيد الطرفين الكرديين حاليًا.

فهل يكون قانون قيصر الذي بات نافذًا اليوم، بعد أن قدّم السوريون مليون ونصف المليون شهيد، وعشرة ملايين مهجر، هو السبب في تقسيم البلاد؟!