المعطيات والمؤشرات الواردة من شرقي سورية، ومن تحركات ميليشيات إيران في دير الزور وفي بلدات البوكمال والميادين وما حولها، تجاه قواعد تموضع القوات الأميركية في شرقي الفرات، تدلّل على أن هناك تصعيدًا إيرانيًا معلنًا وواضحًا، وأن هناك قرارًا إيرانيًا بإشعال تلك المنطقة، ورفع نسبة الاشتباك مع القوات الأميركية في سورية.

المناورات والتدريبات العسكرية التي أجرتها ميليشيات إيران مع جيش الأسد، والتدريبات المنفردة لميليشيا “زينبيون” و”فاطميون” و”لواء الباقر”، والتدريبات العسكرية رفيعة المستوى لضباط وعناصر الفرقة الرابعة بجيش الأسد التي يقودها اللواء ماهر الأسد (شقيق بشار) على يدِ مدرّبين مختصين من الحرس الثوري الإيراني، كلها مؤشرات لا تخرج عن سياق التحضيرات التي بدأت منذ الربع الأخير من عام 2021، وتوّجها زعيم ميليشيا “حزب الله” حسن نصر الله، بخطابه الأخير، عندما رأى أن الوجود الأميركي في شرقي الفرات وقاعدة التنف يستدعي إطلاق “مقاومة شعبية” لطردهم من سورية.

اختيار المكان والزمان إيرانيًا، لإطلاق تلك الحملة والبدء بالتصعيد والقصف والتحرشات تجاه القوات الأميركية، لم يكن اعتباطيًا؛ فالمكان هو منطقة شرقي الفرات وأرياف دير الزور الشرقية التي تعدّ الممر الحيوي والإستراتيجي لإيران أو ما بات يطلق عليه بـ “الكوريدور الإيراني”، أما الزمان فهو الذكرى الثانية لاغتيال عرّاب المشروع الفارسي الجنرال قاسم سليماني.

من ناحية البنية الداخلية في النظام الإيراني وحليفه “حزب الله”، باتت حاضنتهم تشكك في قدراتهم على الإيفاء بما تعهدوا به، أو تحقيق الأهداف التي أعلنوها، والتي يتبجح بها إعلامهم صباح مساء، على أكثر من 65 محطة فضائية تدور في الفلك الإيراني، حتى باتت شعاراتهم مثار سخرية داخل إيران وفي قلب الضاحية الجنوبية ببيروت، ويضاف إلى ذلك أسباب عدة دفعت إيران إلى انتهاج حتمية المواجهة مع القوات الأميركية ومنها:

– الضربات المؤلمة التي تلقاها المشروع الفارسي في المنطقة العربية، وفي العام الأخير تحديدًا، وفي أكثر من مكان، بدءًا بالخسارات على الأرض في مأرب، والضربات الجوية القاسية التي يتلقاها الحوثيون في اليمن على أيدي جيش الشرعية وطائرات التحالف العربي، إلى خسارة حلفاء إيران للانتخابات في العراق، وفشل كل محاولاتهم لإلغاء نتائجها، إلى الانتفاضة المتزايدة داخل لبنان ضد هيمنة وتسلط واختطاف لبنان من قبل ميليشيا “حزب الله”، وتشكل تيارات وأجسام سياسية مناهضة للحزب ولإيران، آخرها استعداد شخصيات مستقلة وتيارات وأحزاب لبنانية وطنية لإطلاق المجلس الوطني اللبناني، لرفع الاحتلال الإيراني عن لبنان، إلى شرط ربط التطبيع العربي مع نظام أسد، بإخراج إيران من سورية والانفكاك الأسدي عن المشروع الفارسي.

– أيضًا، كان لعمق واتساع دائرة الاستهداف الإسرائيلي لأهداف إيران وأذرعها في سورية تأثيرًا بالغ الأهمية داخل إيران وفي الضاحية الجنوبية، وفي حاضنة نظام الأسد، وأهمها الضربات الجوية في محيط البوكمال والميادين ومحيط دمشق، لكن أقسى تلك الضربات كانت ضربات مرفأ اللاذقية التي فجرت غضبًا عارمًا ضد إيران والأسد والروس، وأثبتت عجز وخنوع إيران والأسد أمام إسرائيل، وعدم الجرأة على تحديها أو الرد عليها.

– الموقف الروسي برفع الغطاء الجوي عن ميليشيات إيران في سورية كان له الأثر البالغ على قرار إيران اللاحق بالتحرش بالقوات الأميركية، على اعتبار أن أي مواجهة مع إسرائيل قد تؤدي إلى حربٍ قد لا تبقى معها الجغرافية السورية فقط ساحة لها، وأنّ الحرب قد تمتد جنوبًا نحو (حماس) والجهاد الإسلامي، وشمالًا نحو “حزب الله”، وشرقًا نحو نظام الأسد، وقد تتجاوز البحار لتصل إلى مفاعلات طهران ومنشآتها النووية (الصيف الماضي أجرت إسرائيل مناورات تحاكي خوضها حربًا على جبهات عدة في وقت واحد)، ولتجنب كل تلك السناريوهات التي لا تتوافق مع أجندات إيران ومشروعها الفارسي في المنطقة، ولتجاوز تلك النكسات بالمشروع الإيراني، ولشدّ عصب الحاضنة الشعبية، ولتقوية الأوراق الضاغطة بملف المفاوضات المتعثر في فيينا، لا بدّ من استنزاف الخاصرة الأضعف في المنطقة أو ضربها، وهي القوات الأميركية.

الخاصرة الأضعف لا تعني أن إيران أقوى من أميركا، لأنه لا مجال للمقارنة بين القدرات العسكرية للولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى هي الأقوى بالعالم، وبين إيران التي تعتمد على “الفوتوشوب” لتزور قدرات قواتها الصاروخية، أو طلاء (دهان) طائرة أميركية قديمة لتروج لتطور قدراتها الجوية، أو عبر صاروخ فضائي فاشل، لتقول إنها أصبحت ضمن نادي الفضاء الدولي، لكن أميركا هي الأضعف، بسبب تردد الإدارة الأميركية في مواجهة (زعرنات) إيران وتطاولها على الوجود الأميركي، وبسبب تخليها عن حلفائها أمام تحقيق اتفاق نووي يزيد من الغطرسة الإيرانية في المنطقة، حتى منظر الجنود الأميركان الأسرى لدى بحرية الحرس الثوري الإيراني وإهانتهم لم تحرك الدم الأميركي لدى الرئيس أوباما، وبات قصف القواعد الأميركية في العراق يدخل تحت شعار “الاحتفاظ الأميركي بحق الرد” (بالرغم من أن المتحدث باسم البنتاغون، جون كيربي، قال إن وزارة الدفاع الأميركية ليس لديها شك في أن الهجوم الأخير ضد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في سورية، خططت له ونفذته مجموعات مدعومة من إيران وفقًا لما نقل موقع “الحرة”). بل ثمة أكثر من ذلك أن الحرس الثوري الإيراني اعترف بأن قصف قاعدة عين الأسد في العراق جاء كأحد أشكال الانتقام لمقتل قاسم سليماني، والقصف على قواعد التمركز الأميركي في حقلي “كونيكو” و “العمر” شرقي الفرات لم يعد يستحق أكثر من قذيفتين طائشتين من قوات إدارة الرئيس “بايدن”، وأمام هذا التردد الأميركي، إن لم نقل ضعف الإدارات الديمقراطية في البيت الأبيض، بات رفع مستوى التحدي الإيراني وتجاوز الخطوط الحمراء وإعلان نصر الله المقاومة الجهادية ضد القوات الأميركية أمرًا متاحًا لطهران وأذرعها، وبات الصمت وردّات الأفعال الخجولة هو ما يميز الردود الأميركية، وإمعانًا بالحرب النفسية وحرب الإعلام لوسائل الإعلام الإيرانية، فقد نقلت أخيرًا صحيفة “الأخبار” اللبنانية (ذات الولاء الإيراني) أن القوات الأميركية أخلت قاعدتها في منطقة التنف، بالتزامن مع الذكرى الثانية لاغتيال قائد فيلق القدس “قاسم سليماني”، ونائب رئيس الحشد الشعبي العراقي “أبو مهدي المهندس”، خوفًا من تعرضها للاستهداف (بالرغم من أن هذا الخبر منفي، جملة وتفصيلًا).

والشي بالشيء يُذكر، ولسنا في مجال التفضيل بين الإدارات الأميركية، لكن على سبيل المثال، عندما اقتربت قوة عسكرية تتبع لميليشيات إيرانية كبيرة مدعومة بمئات من مرتزقة “فاغنر” الروسية من معمل “كونيكو”، حيث القوات الأميركية، في شهر شباط/ فبراير من عام 2018، كانت النتيجة خروج الطيران الأميركي وحرق وقتل أكثر من 240 عنصرًا وتلقين إيران والروس درسًا لم ينسوه، وتوقفت على إثرها كل التحرشات الإيرانية بالقوات الأميركية حتى رحيل الرئيس ترامب عن البيت الأبيض.

إذًا، المنطقة في شرقي سورية وشرقي الفرات أمام قرار، على أعلى المستويات لقيادات “قم”، برفع مستوى الاستهداف للقوات الأميركية المتمركزة في سورية.

صحيح أن القوات الأميركية مصحوبة بقوات التخالف رفعت من نسبة التدريب المشترك مع حلفائها بالمنطقة؛ فالأخبار تؤكد القيام بمناورات وتدريبات عالية المستوى أُجريت لقوات التحالف بالتشارك مع قوات “قسد” في شرقي الفرات رُكّز فيها على استخدام العربات القتالية الأميركية “برادلي” وعلى فنون القتال داخل المدن، وكذلك حرب الشوارع، وتفكيك الألغام، مع تكتيكات عمليات الإنزال الجوي، وتدريبات أخرى للتحالف تمت في قاعدة “التنف” عبر مناورات رفيعة المستوى أيضًا مع قوات فصيل “مغاوير الثورة”، حيث تم تدريبهم على فنون القتال الليلي، وعلى تكتيكات استخدام منظومة المدفعية الصاروخية “هيمارس” للتصدي لأي اعتداء على المنطقة، لكن تلك التدريبات لم تجد لها نصيبًا حتى الآن بالاختبار عبر ساحات الحرب ضد إيران أو ميليشياتها.

أثبتت التحقيقات العسكرية الميدانية أنّ القذائف التي طالت حقل “العمر” النفطي مصدرها ميليشيات إيران المتمركزة في جنوب الميادين، والقذائف الصاروخية التي طالت معمل “كونيكو” للغاز أيضًا كان مصدرها مواضع انتشار ميليشيات إيران، والردّ الأميركي الخجول، سواء في التبني أو في بادية المسرب وفي حطلة والقورية والعشارة وبادية الميادين، لا يعدّ ردًا أميركيًا يعبّر عن قوة عظمى لا تُهاب ولا يُداس لها على طرف، بل رد خجول ومتواضع يعبّر عن قيادة مترهلة، مترددة، تبيح التعرض لها، وتجعل من مناطق شرقي الفرات ساحة استنزاف أميركي، على غرار ما حصل في العراق، ومن ثم قد تكون هناك مفاوضات روسية أميركية، أو أميركية تركية لانسحاب أميركي من كامل المنطقة وإخلائها، كما حصل في العراق لصالح النفوذ الإيراني.

إيران، وفقًا لتحركاتها وانتشارها وتغيير مواضع انتشارها خلال الأشهر الثلاثة الماضية، تؤكد أنها ماضية في أهدافها بمواجهة الوجود الأميركي في سورية، ولأجل ذلك، قامت ببناء قواعد محصنة فوق الأرض وتحتها، وأنشأت شبكة مواصلات معظمها تحت أرضية، إن كان في قاعدة “الإمام علي” جنوب البوكمال، أو عبر المخازن التي قامت ببنائها في سلسلة جبال تدمر ووسط البادية السورية، أو في المنشآت التي عملت على تحصينها لتخزين الصواريخ وقواعد إطلاق تلك الصواريخ وأعتدتها الثقيلة في محيط مدينة الرقة، وكذلك في القلمون، بعيدًا عن متناول ورصد آلة الحرب الأميركية المباشرة، ولتلافي غياب عناصر الدفاع الجوي لدى إيران في سورية، وبظل وقف الروس لتفعيل منظومة (إس 300) لدى نظام الأسد استجابة لمطالب إسرائيلية، قامت إيران بشحن وتركيب منظومة دفاع جوي صناعة إيرانية (باور 373)، ولتأمين فعاليتها في الكشف والتتبع والرصد والمزامنة، وضعت لها محطتي رادار: الأولى في قاعدة اللجاة شمال السويداء، والأخرى قرب مدينة البوكمال.

تلك الاستعدادات وتلك التنقلات وتغيير أماكن التموضع للحرس الثوري الإيراني ولميليشيات إيران على الارض السورية، والتي تجري بعيدًا عن أي تنسيق مع نظام الأسد، تعطي مؤشرًا واضحًا عن مدى استعداد إيران وسعيها للدخول في حرب استنزاف ضد الوجود الأميركي في سورية، وإعادة السيناريو العراقي، ودفع الأميركان إلى الانسحاب من سورية، ومن ثم ممارسة ذلك التكتيك لاحقًا على الوجود الروسي، ثم التركي، والاستفراد بسورية، كما أرادتها إيران منذ البداية، ساحة امتداد للمشروع الفارسي، وجعل سورية المحافظة 35 التابعة لولاية الفقيه. حتى لو كان هذا الكلام إفراطًا بالأحلام الإيرانية، فإنه على الأقل قادر على منع أي حل سياسي في سورية لعشر سنوات قادمة، وإبقاء الجغرافية السورية ساحة لاستنزاف الأميركي والروسي والتركي، على حساب الدماء السورية، أما بالنسبة إلى إيران، فالحرب هي مطلبها، والاستنزاف والخسائر لا تدخل في قاموسها، وهي في آخر اهتماماتها، لأن الأهداف التي تسعى طهران لها أكبر من أي خسارات مادية أو بشرية، وتستحق التضحية.