تحتفظ ذواكر النساء عامة، والعربيات على وجه الخصوص، بكثير من قصص التعنيف، بمستوييه الجسدي والنفسي، وقد لا تخلو أي سيرة حياتية “لنساء في الواجهة” من تفاصيل مؤلمة، نتجنب الخوض فيها، كعاملات في الشأن العام، خشية خدش هيبتنا، والتقليل من مكانتنا الاجتماعية، ونمارس رياضة الصمت التي علّمتنا إياها أمّهاتنا، منذ التخلّي عن وأد أجسادنا، واستبداله بإحلال وأد حضورنا المتلاشي أمام الرجل الأب والأخ والعم والخال، وما يمت إليهم بصلة، وصولًا إلى الحبيب، بوصفه محرمًا، أو زوجًا محللًا.

استخدم الرجال أجساد النساء كأدوات تعذيب وشماتة، في وجه الرجل الآخر، بدءًا من تداولها كشتيمة مؤلمة، مرورًا باعتبار كشف سترها من قبل الآخر الغريب جريمةً تعاقَب عليها الضحية، وليس الجاني المتلصص، وهذا ليس حكرًا على دين دون آخر، وهو موجود حتى في عقل كثير ممن ادعى أنه لاديني، وكانت الأم “المرأة” في كل الأزمان عاملًا مسكنًا للبنت “المرأة”، ومروضًا على قبولها التفوق الجنسي للذكور، وتوريث ثقافته لخلفها، وما يعنيه ذلك لهم أي (الرجال) من تنامي قدرتهم على الدفاع عن ميزاتهم، وتعزيزها بارتكاب أو تشجيع العنف القائم على نوع الجنس، تحت حماية قوانين وضعية، وأنظمة اجتماعية، ساندت على الدوام العلاقة غير المتكافئة بين المرأة والرجل.

لا أذكر يومًا أنني تقاسمت الأعمال المنزلية مع أيّ من أشقائي الذكور، حتى مع ازدواجية عملي ودراستي في فرعين دراسيين مختلفتين بآن معًا، بينما يكون من الطبيعي أن يتفرغ الرجل لأحدهما فقط، دون أي أعباء إضافية تلقى على عاتقه. تلك كانت ميزة تفوقه النوعي، في حين كنتُ دائمًا -كما معظم بنات جيلي- أجدها تعبيرًا عن قدرات متنوعة، نواجه فيها فشلنا في الدفاع عن حقنا في وقتنا المهدور في خدمة الأقوى، جسديًا ومجتمعيًا، وهو ما تدفع اليوم بناتنا اليوم أثمانه باهظة، بمعايرة ما تربينا عليه من خنوع لقوتهم، مقابل تفتح أذهانهن على قوة حقّهن في التساوي والحياة الندية.

لا تقدّم قصص نجاحات فردية لنساء منافذ قانونية في تخطي عقبات العيش للمرأة في بلادنا، أو معابر إلى جسور النجاة، بل غالبًا ما ترهقهم بعقد مقارنات ليست مجدية، في ظلّ جملة ظروف قهرية يحميها القانون من جهة، والمجتمع بصفته الذكورية من جهة مقابلة، ليشكّلا معًا درعًا مقاومًا للتغيير، ضمن محيطنا العربي، ويتجاوزه إلى مجتمعات ابتعدت عنا بسنوات كثيرة في تطورها القانوني، وكتابة مرجعيات تنفيذية للحدّ من العنف ضد النساء.

 فحيث أعيش في النمسا، تزداد أعداد الجريمة ضد المرأة (أكثر من نصف ضحايا جرائم القتل كانت من النساء) ربما تحت مسميات مختلفة عن بلادنا العربية، لكنها في معظمها تعود لقدرة الرجل على تصور نفسه حاكمًا ومتحكمًا في حياتها، من خلال تفوقه “العنفي”، ومع ذلك، فإن علينا الاعتراف بأن النساء “الأمهات” لا يقدّمن في الغرب تبريرات لتفوق الرجال، كما تفعل نساؤنا منذ ولادة الجنسين معًا.

وتدلل اعترافات نساء غربيات شهيرات، بتعرضّهن للعنف الأسري، على مقدرتهن على استخدام قوانين الحماية التي يوفرها القانون والمجتمع لهن، في حين تبقى المرأة العربية ضحية صمتها من ناحية، كما حدث للشابة السورية (آيات الرفاعي) التي قُتلت بسبب صمتها المتكرر عن تعنيف زوجها وأهله لها، ومن ناحية ثانية، لأنها ضحية لمجتمعٍ يعاقبها لكونها امرأة، أو سببًا لارتكاب الرجل جريمته تحت تأثير إغراء ملابسها، أو شكلها أو حتى رائحتها، وأخيرًا بسبب عفّتها، كما حدث في مصر لشابة اسمها “بسنت خالد” رفضت الخضوع لابتزاز إلكتروني، مارسه عليها شابان من وسطها المجتمعي المحافظ.

تراعي قوانين كثيرة مسألة العنف ضد المرأة، في زمن الحروب كحالة استثنائية، لكن ما يحدث الآن هو أن الاستثناء في زمن التكنولوجيا الحديثة هو العام الكلي، حيث لم يتساوق التطور المجتمعي بما يتناسب وسرعة تحديث تقنيات تطور وسائل التواصل الاجتماعي، بل استخدمت كأسلحة في تحريك نزعات التمييز الجندري، في مجتمعات لا تزال ترى في المرأة وجسدها وحريتها ما ينال من كرامة رجالها!

 وحيث إن طفرة استخدامات هذه التكنولوجيا في الحروب لم تقتصر على الناحية العسكرية، بل تعدتها لتصبح سلاحا فعالًا في حرب نوعية، تمارس على كل شي، وتستخدم كل شيء حتى النساء، كأدوات أو كأهداف، فإن الاستثناء اليوم صار هو العام الذي يحتاج إلى قوانين فوق محلية، لحماية ضحاياه من النساء وغيرهم، وقوى تنفيذ غير منحازة “نوعيًا” لتحقيق مبتغاه.

لن يُنهي التعاطف وتفهّم معاناة المرأة في الشرق، وجمع اللايكات حول قضاياها، جرائم قتلها، سواء أكان القتل جسديًا أم نفسيًا، أو تغييبها تحت طائلة التهديد بتعريتها مجتمعيًا، لأننا سنبقى في مجتمعات يفتقد فيها المواطنون جميعهم حريتهم، رجالًا ونساء، يعيشون عقدة السلطة تجاه الآخر، وما أسهل أن نكون نحن (أقصد النساء) المحكومات، وهم ( أي الرجال) السلطة، في ظل غياب سلطة القانون المتنازع عليها مع حكوماتهم!

سنبقى نتساقط، امرأة تلو امرأة، لأسباب متنوعة وبأسلحة مختلفة، من سلاح أبيض إلى طلقات نارية وصواريخ عنقودية وبراميل طائرة أو وسائل إلكترونية، من مكالمة مسجلة أو صورة أو شريط فيديو، فنتحول نحن النساء إلى أدوات نقتل أنفسنا بأنفسنا بحثًا عن الخلاص.

 هل تخشين أيتها المرأة من رؤية صورتك مركّبة على جسد امرأة أخرى عارية، يبتسم لها قاتل مأجور بيده شاشة لابتوب حديث؟ كلنا نخشى ذلك مرتين: مرة لأننا نقبع داخل عقول أمهاتنا المستضعفات، ومرة لأننا نعيش في زمن تاء التأنيث المفجوعة.