تكررت عبارة “نريد وطنًا”، على لسان المتظاهرين، في أكثر من بلد عربي من تلك التي شملتها الثورات خلال العقد المنصرم، في الموجة الأولى من الثورات كما في الموجة الثانية منها. لبساطة هذه العبارة سحرٌ خاصٌ، لأنها تسائل بديهيات يعفّ عنها الفكر عادة، وتدفع المرء إلى تأمل معنى مفردة شاعت إلى أن امتصّ الشيوع ملامحها. ألسنا في وطن؟ أين نحن إذن؟!

“نريد وطنًا”، العبارة بسيطة، ولكنها مشحونة بالمعنى، ويمكن أن تكون دليلًا أو معبرًا إلى سمات العصر السياسي الذي ندخله متأخرين.

لعقود طويلة، كانت مفردة “الوطن” تستدعي، عند العرب، بصورة عفوية، صفة “العربي”. الوطن العربي، مفردتان متلازمتان في وعينا السياسي. هذا يعني أمرين: الأول هو أن الوطن، بالنسبة إلينا، مفهوم مؤجل إلى أمد بعيد، وقد تبيّن أنه لا يني يبتعد؛ والثاني أن الوطن جزء من شبكة تفكير قومي، فلا يكون وطننا وطنًا ما لم يكن “عربيًا”، أي شاملًا. ذلك أن البلدان العربية هي مجرد أقطار وليست أوطانًا. النتيجة هي أن الوطن لدى الجمهور هو مجرد صورة ذهنية، والوجود الواقعي للوطن في حياتنا السياسية معاق لأسباب خارجة عن إرادة البلد نفسه، فلا يحقّ لنا اعتبار الحدود التي نعيش فيها وطنًا، لأن هذا يعني ترسيمًا لغلبتا القومي وقبولًا به، أي إنه يعني، في النهاية، الاستسلام.

ينفرد الحال السياسي العربي بوجود مفهوم “القطر”، بوصفه حالة منقوصة عن الوطن. الفارق بين “القطر” و”الوطن” ليس فارقًا لفظيًا قليل الدلالة السياسية. الحق أن الفارق بين هذين المفهومين كان قادرًا، طوال عقود، على هدر معظم طاقة التغيير السياسي التي تبني الأوطان في العادة. نقصد أن آمال وتطلعات الشعوب العربية اتجهت صوب “الوطن العربي”، وأهملت بذلك تحويل أقطارها إلى أوطان، أي أهملت النضال الداخلي لصالح نضال خارجي، أهملت النضال ضد السلطات الداخلية، لكي تناضل ضد قوى خارجية شبحية. في هذا النضال الموجه إلى خارج متوهّم إلى حد كبير، واظبت السلطات الداخلية على تحويل الدولة إلى ملكية خاصة للسلطة، وانتهى الأمر بهذه الشعوب إلى أن وجدت نفسها غريبة في بلدانها، فصرخت في لحظة الانفجار: “نريد وطنًا”.

التحول من قطر عربي إلى وطن عربي شامل، هو عملية تتجاوز قدرة القطر العربي بطبيعة الحال، وتتوقف على إرادات سياسية متعددة عربية وغير عربية. التعبئة بفكرة القومية العربية، مع العجز الواقعي عن المضي في سبيلها، من شأنه استهلاك الطاقة السياسية للجمهور، والتغطية على كلّ النواقص الوطنية في القطر العربي. العرَض الأبرز لهذا المرض القومي الذي يمكن وصفه بأنه حشد شديد للمشاعر القومية، مع عجز كبير ومتفاقم عن تحقيق أبسط المهام القومية، هو تهميش القضايا الاقتصادية الاجتماعية (المعاشية، التعليمية، الصحية.. إلخ) والسياسية (الحقوق والحريات) لصالح قضايا قومية تفتقر أكثر فأكثر إلى عناصر التحقق (الوحدة والتحرير). بكلمة أخرى: إن تغييب القضايا الداخلية الفعلية والملموسة، وراء قضايا كبرى موهومة تتجاوز قدرة “القطر العربي”، هو تغييب للوطن.

كان من المستهجن أن يتم التركيز على الهموم الاجتماعية على حساب الهمّ القومي. فقد يندرج ذلك بسهولة في خانة التآمر الخارجي الذي لا ينتهي، والذي يحوز دائمًا الأولوية ويحتاج إلى “الصمود والتصدي”. كان جوع الناس والبطش بهم أمرًا بسيطًا، إذا قيس بتصريح سياسي مهادن مع إسرائيل أو الغرب، أو بسلام عابر من مسؤول عربي على مسؤول إسرائيلي، أو بمجرد الوجود في قاعة مع مسؤول أو حتى مثقف اسرائيلي. هكذا، أهدرت الأوطان على قدم تطلع قومي معاق أو قُل مستحيل.

الحق أن فكرة الوطن (نقصد أولوية المواطن وشروط حياته وضمان مشاركته الفعلية في الحياة العامة) لم تضمر تحت ثقل الهمّ القومي فحسب، بل أيضًا تحت ثقل أفكار كبيرة أخرى (الاشتراكية والإسلامية وتنويعاتهما) غزت المجال السياسي، وقطعت النسغ عن معنى الوطن. لم يقصد الإسلاميون أو الاشتراكيون الإضرار بفكرة الوطن، لكن ما انتهى إليه الحال هو أن الفكرة الكبرى حجبت الوطن، حين بات السعي إليها، أو توهم السعي إليها بالأحرى، مبررًا كافيًا للاستهتار بالناس والوصاية عليهم.

الحلقة الأخيرة في مسار ضمور أو اختناق فكرة الوطن هي الزعامات الشخصية التي كانت النهاية المنطقية للوصاية على الشعوب باسم هموم كبرى وأفكار شاملة، تمثلها نخبة معينة يمثلها زعيم معين. كان هذا مسار بروز ظاهرة الزعيم الذي صار يعلو على كل شيء. صار يمكن أن تحتوي اللغة عبارة “سيد الوطن”، مثلًا. لم يعد يحتجب الوطن وراء همٍّ قومي كبير أو أفكار سياسية كبرى، بل صغر حتى صار يمكن أن يحجبه شخص. وعلى المنوال نفسه، ومن المنبع ذاته، برزت عبارة “سيّد المقاومة”، التي تعني انتفاخ الزعيم وضمور المقاومة، على غرار ضمور الوطن. هذه الآلية الواقعية في تغيّب الوطن أنتجت آلية ذهنية استقرت في الوعي وأسهمت في تكريس واقع غياب الوطن، حتى يمكن القول إن غياب الوطن في الذهن هو نتيجة ومقدمة لغيابه في الواقع.

“نريد وطنًا”، صرخة تعبّر عن استقلال فكرة الوطن عن الأفكار الكبرى وعن الزعامات، واكتسابها معنًى بذاتها. هذه خطوة مهمة وأساسية في سياق النضال التحرري. في لحظة الاستقلال هذه، تبخرت القيمة “البديهية” التي أسبغت على بضع كلمات ترددت وتضخمت حتى ابتلعت الوطن نفسه. الحقيقة التي يؤكدها هذا الاستقلال هي أن المعنى الوحيد هو للشروط الحياتية المباشرة للناس، ولحيازة الناس قنوات سالكة إلى التأثير في الحياة العامة، حياتهم.